اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى كثير من الناجحين أن غياب الحياة الاجتماعية سرّ التقدّم. بعد شهر من قطع العلاقات، بلغ الكاتب تركيزًا وإبداعًا أكبر، لكنه يحذّر من أن العزلة المديدة تضرّ بعلاقات العمل، وأن المزج بينهما أفضل.

في الحقيقة، ربما يكون طريق الوصول إلى النجاح بسيطًا. لقد أجريتُ مقابلات عديدة مع فنانين وكتّاب وروّاد أعمال مبدعين وناجحين جدًا، وسألتهم جميعًا عن سر نجاحهم. كان أحد أكثر الإجابات تكرارًا على هذا السؤال: "لماذا أكذب؟ ليست لديّ حياة اجتماعية على الإطلاق."
بينما يغادر رفاقي في السكن المنزلَ كل يوم للذهاب إلى العمل، أعمل أنا من المنزل بموجب عقد. لهذا السبب، كنتُ دائمًا أخصص وقتًا طويلاً للاختلاط بالآخرين، وكنت أبرر ذلك باعتباره حاجة إنسانية أساسية. لكن عندما اتضح لي كم من الوقت أصرفه في الاختلاط بالآخرين، تساءلت: ألا أكون مفرطًا في ذلك؟
جلستُ وأجريتُ حساباتي، فوجدتُ أنني أصرف في المتوسط 22 ساعة أسبوعيًا في الأنشطة الاجتماعية. وهكذا قررتُ أن أرى تأثير الإلغاء الكامل للحياة الاجتماعية على إنتاجيتي في العمل، وعلى صحتي وعافيتي.
كنت أعرف أنني أشارك في بعض البرامج فقط لكي لا أتخلف عن الآخرين، ولهذا لم أكن أرفض أي دعوة. لكن القصة لم تكن كلها كذلك. ففي بعض الأحيان، كان ذلك ذريعة لتأجيل أعمالي وتصفية ذهني.
وهكذا، ولمدة شهر كامل، رفضتُ كل الدعوات ولم أرتب أي لقاء مع أصدقائي: لم أذهب إلى الحانة مع أحد، ولم أحدد موعدًا لاحتساء القهوة مع أحد؛ أُلغيت العشاءات والحفلات والبرامج غير المتعلقة بالعمل، لأرى تأثير ذلك على تركيزي وإنتاجيتي، وما إذا كان سيؤدي إلى تقدم مهني أم لا.
في اليوم الأول من هذه التجربة، كنت أعاني من قلق عميق من أن يفوتني برنامج شيّق. ما يخلق هذا الشعور لديّ هو طغيان الخيارات المتاحة - فعندما تستطيع قضاء عطلة نهاية الأسبوع في القيام بعدة أمور شيّقة، كيف يمكنك أن تتأكد من أن اختيارك صائب؟
لكن هذا القلق تضاءل مع مرور الأيام، وشعرتُ براحة أكبر. عندما كانت تأتي نهاية الأسبوع، لم يكن لديّ سوى خيار واحد - وهو البقاء في المنزل - وهذا القيد جعلني أكثر رضى عن قراري. قبل ذلك، كنت دائمًا ألوم نفسي على بقائي في المنزل ليلة الجمعة أو مغادرتي الحفلة مبكرًا. لكن الشعور الذي انتابني خلال هذه التجربة هو أن إنجاز الأعمال وقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام كان مُرضيًا، ولم أكن أرغب في التفكير في الأشياء الأخرى التي كان بإمكاني فعلها.
من ناحية أخرى، فإن غياب الترفيه في برنامجي اليومي أتاح لي العمل بعمق أكبر. وبما أن التفكير في أوقات المرح التي يقضيها الآخرون أو الأشياء الأخرى التي كان يمكنني فعلها لم يعد يستهلك وقتي، صرتُ قادرًا على التركيز بشدة على أعمالي في أوقات مختلفة من الأسبوع كنتُ أصرفها سابقًا في الاختلاط بالآخرين - فعلى سبيل المثال، خصصتُ ليلة الجمعة للأعمال الإدارية، وصرتُ أذهب صباح أيام السبت إلى المقهى للكتابة.
في الوقت الذي زاد فيه وقتي المخصص للعمل، لاحظتُ تغيرات في وضع صحتي وعافيتي أيضًا. وجدتُ أنني أطبخ في المنزل أكثر، وأمارس الرياضة نهارًا، وأنام أبكر ليلاً، وأقرأ الكتب، وأستمتع بأوقات التعب والاستراحة خلال اليوم.
حتى مع أنني كنت أستمتع بالطبخ والمشاركة في الحصص الرياضية، فإن غياب الحياة الاجتماعية جعل لديّ وقت فراغ أكثر مما توقعت، وشعرتُ بالوحدة والسأم الناجمين عن "عدم فعل شيء".
في النهاية، تعلمتُ أن أستمتع بعدم فعل شيء، وأن أُمضي أوقاتًا ممتعة في العزلة. وبما أنني لم أعد مضطرًا لملء وقتي بأي طريقة كانت، صرتُ أتمشى في مسارات متعرجة، وأجلس في المقاهي دون أي هدف، وأستغرق في أحلام اليقظة أكثر من ذي قبل.
إن إضاعة الوقت بهذه الطريقة مهمة للإبداع، وقد ثبت أن شرود الذهن يساعد في إيجاد حلول إبداعية للمشكلات. تقول إيمي فرايز، مؤلفة كتاب «أحلام اليقظة في العمل» ورئيسة تحرير مجلة «سايكولوجي توداي»: «عندما تطلق العنان لذهنك، فإنه يتواصل مع الذكريات والمشاعر والمعلومات الصغيرة التي خزّنها».
خلال هذه التجربة، كانت تراودني باستمرار أفكار ومشاريع مثيرة.
يقول بيدرو دياز، مدير معهد الصحة النفسية في مكان العمل بمدينة سيدني الأسترالية، إن البطالة تنشّط الطاقة بقدر ما تفعله مجالسة الأصدقاء، وهي حاجة أساسية لإعادة شحن الذهن.
تثبت الأبحاث الحديثة هذا الادعاء: دراسة أُجريت عام 2016 على 48 شخصًا، وتابعت حالتهم النفسية وإرهاقهم وقلقهم على مدى 12 يومًا، أظهرت أن الأنشطة الاجتماعية ترفع معنويات الناس وطاقتهم - لكن هذا السلوك كان يؤدي أيضًا إلى مزيد من الإرهاق الذي يظهر بعد تأخير زمني قدره ثلاث ساعات. ومع أن العينة الإحصائية لهذه الدراسة صغيرة، إلا أنها تؤكد فكرة أن الأنشطة التي تتطلب تركيزًا ذهنيًا - كالتواصل الاجتماعي أو العمل أو الدراسة - تسبب الإرهاق.
أثارت نتيجة هذه الدراسة سؤالًا مهمًا - ربما لا يكون سبب الإرهاق هو مقدار عمل الأشخاص أو تواصلهم الاجتماعي، بل غياب فترات الراحة الكافية في كليهما.
يقول السيد دياز: «نحن لا نولي العزلة أهمية كافية، ومعظم الناس لا يعرفون حتى ما هي الأشياء المفيدة لراحة الدماغ والجهاز العصبي».
في مجتمع يُعتبر الانشغال فيه مدعاة للفخر، ليس من السهل أن نفهم ما إذا كان انعدام الحياة الاجتماعية نتيجة حتمية للحياة العملية أم وسيلة لإظهار أهميتنا للآخرين.
سيلفيا بيلتزا هي إحدى مؤلفات بحث نُشر مؤخرًا من قبل كلية هارفارد للأعمال. يدّعي مؤلفو هذا البحث أن المكانة التي يفضلها الناس اليوم تتجسد في الحياة المليئة بالانشغال، لا في الحياة المليئة بالترفيه. تقول: «عندما تُظهر أنك مشغول، فأنت في الواقع تخبر الآخرين بأنك مهم وبأن مكانتك عالية جدًا. لكن ليس لأنك ترتدي ملابس باهظة الثمن، بل لأن الطلب عليك كبير ولأنك مرغوب لدى الآخرين».
الآثار الإيجابية للعزلة - مثل صفاء الذهن المتزايد والشعور بالحيوية - كانت ستصبح مدعاة للقلق لو بقيت وحيدًا في خلوتي لفترة طويلة جدًا.
بالنسبة لكثيرين ممن يعملون في بيئات مكتبية، يُعتبر التواصل الاجتماعي أحد العناصر المهمة في الحياة العملية، والأشخاص الذين لديهم «صديق مقرب جدًا» في العمل هم أكثر عرضة بسبع مرات من غيرهم للانخراط في العمل بكل جوارحهم. كما أن صداقات العمل تخلق أهدافًا مشتركة وشبكة دعم اجتماعي يمكن أن تؤدي إلى الترقية والاستشارة المهنية.
لا شك أن التواصل الاجتماعي خارج ساعات العمل مهم أيضًا لبناء علاقات العمل. ومع أن شهرًا من الابتعاد عن الحياة الاجتماعية لم يؤثر على علاقاتي مع أرباب العمل الحاليين، فإن استمرار هذا الوضع كان يمكن أن يقلل من قدرتي على بناء علاقات جديدة.
ربما يكون التصرف الصحيح هو أن ندخل حياتنا الاجتماعية في عملنا، بدلًا من محاولة إيجاد توازن بين العمل والترفيه. ما بدا لي هو أن سر النجاح المهني هو دمج الحياة العملية والاجتماعية، لا تقليص الثانية.
لاحظت إلين غالينسكي، إحدى مؤسسي معهد العمل والأسرة، أن الأشخاص القادرين على وضع أكثر من موضوع في قمة أولوياتهم هم أكثر رضًا عن حياتهم من غيرهم.
يقول: "لقد لاحظنا أن هؤلاء الأفراد يتمتعون بحياة أكثر صحة، وهم أكثر نجاحًا في أعمالهم، ولديهم حياة أسرية أفضل. إذا كانت حياتك كلها تتركز على مسألة واحدة وحدث أمر سيء فجأة، فقد يكون ذلك مدمرًا بالتأكيد. أما إذا كانت هناك أمور أخرى تهمك - قد يكون عملًا فنيًا، أو رياضة، أو شؤون الحي، أو حتى حلقة الأصدقاء - فيمكن القول إنك ستكون في وضع أفضل إجمالاً."
خلال هذه التجربة، لم أملأ أوقات الفراغ التي حصلت عليها بمزيد من العمل فحسب، بل أضفت إلى اهتماماتي. من المؤكد أن هذه الظروف الجديدة سمحت لي بالتركيز على عملي أكثر في أوقات محددة لم تكن متاحة من قبل، لكنني في الوقت نفسه انجذبت إلى أنشطة كنت أهملها سابقًا - الرياضة، والتدرب على البيانو، والتأمل.
الدرس الذي تعلمته هو أنني لا أستطيع أن أحذف جزءًا من حياتي ببراعة كاملة لأحقق النجاح في جزء آخر - فالعلاقة مع الآخرين جزء لا يمكن إنكاره من الحياة العملية، وهي تساعدنا على اجتياز تقلبات الحياة التي لا مفر منها بسلام.
والآن بعد أن انتهت هذه التجربة، غيرت تعريف النجاح بالنسبة لي - لم يعد العمل فقط، أو الترفيه فقط، أو التوازن فقط، بل هو مزيج من الأنشطة المختلفة على مدار اليوم، تفصل بينها فترات راحة متتالية.
.
.
.
.
علم الاجتماع
الفلسفة
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.