اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان الحياة سفراً لا مفر منه على طريق وعر، ينبغي للإنسان العقلاني أن يعمل في آنٍ واحد على إصلاحه وتزويد نفسه بماصّات الصدمات؛ ضرورة تفرض 'الإصلاح الاجتماعي' و'الإصلاح الفردي' للتخفيف من آلام الحياة.

الفلسفة للحياة[1]
مصطفى ملكيان
تحرير: سيد حسن صالحي[2]
إشارة: يرى مصطفى ملكيان في هذه المحاضرة أن مثال حياة الإنسان هو مثال «سفر لا مفر منه» على طريق لا خيار سوى اجتيازه؛ طريق وعر وشديد الخطر وغير ممهد. من وجهة نظر ملكيان، ينبغي للإنسان بمقتضى العقلانية أن يقدم في هذا السفر على عملين: أن يسعى ما استطاع إلى إصلاح الطريق وترميمه، وأن يجهز مركبته بامتصاصات صدمات قوية تتحمل أقل قدر من الضغط من الطريق. وحياة الإنسان هي على هذا النحو؛ فالإنسان العقلاني، بمقتضى العقلانية، يضطلع بمهمتي «الإصلاح الاجتماعي» و«الإصلاح الفردي» ولا يمكنه أن يتجاهل أياً منهما. فالانشغال بإحدى هاتين المهمتين لا يغنينا أبداً عن الانشغال بالمهمة الأخرى. ومن هنا، ينبغي للمثقفين والمصلحين، كل بحسب وسعه وطاقته، أن يسعوا في أداء هاتين المهمتين. ويسعى ملكيان في ما يلي، مع تعداد المصادر الخمسة لاقتباس تعاليم الحياة والتفريق بين الألم والمعاناة، إلى استكشاف بعض قدرات هذه المصادر من أجل العيش في هذا العالم، ويقدم إلى جانب الحلول اللاهوتية، جملة من التدابير الفلسفية والتجريبية المفيدة في إضفاء المعنى على آلام الحياة ومعاناتها التي لا مفر منها والتخفيف منها.
أ. مقدمة: الحياة بوصفها طريقاً وعراً
أود أن أطرح في هذه المحاضرة موضوعين مترابطين، لكنهما مستقلان في الوقت نفسه، ونظراً لضيق الوقت، سأسعى قدر الإمكان ألا أكرر ما قيل. أبدأ الموضوع الأول بمثال، وبعد أن أستخدم هذا المثال وأعرض الدعوى الأولى، أنتقل إلى الموضوع الثاني.
لنفترض أنني شخص، لسبب ما، مضطر دائماً إلى السفر والتردد على طريق ما، مثلاً من طهران إلى شيراز؛ فلا أستطيع صرف النظر عن هذا السفر، ولا أستطيع أن أسلك طريقاً آخر. إذن، بما أنه لا يمكن صرف النظر عن هذا التردد، وبما أن هذا الطريق الوحيد هو المتاح لي، فإنني إن كنت «إنساناً عقلانياً» (و«العقلانية» وحدها كافية لهذا الغرض) ينبغي أن أقوم «بعملين». أؤكد منذ البداية على «عملين»؛ لأنني اتُهمت مراراً وتكراراً (أو أُسيء فهم كلامي) وكأنني لا أقر من هذين العملين إلا بواحد منهما. تأكيدي هو أنني إن كنت إنساناً عقلانياً، فينبغي أن أقوم «بعملين»:
1- العمل الأول هو أنني في هذا السفر، إن لم يكن لي حيلة أو تدبير سوى السير في هذا الطريق، فينبغي بقدر طاقتي، وحيثما كان في وسعي، أن أصلح هذا الطريق الوعر؛ هذا الطريق المليء بالمنعرجات والمنخفضات، المليء بالحفر والوديان الخطرة، الذي لم يُشيَّد قط بما يتناسب مع فنون الهندسة، وهو مليء بالعيوب والنواقص والمشكلات. ينبغي أن أساعد، ما استطعت (ويشخص إنسان منصف واعٍ حقاً أن طاقتي لا تتجاوز ذلك)، في سبيل إصلاح هذا الطريق وترميمه، وألا أدع هذا الطريق المعيب والمليء بالمشكلات يبقى على هذه الحال؛ هذا هو العمل الأول. وأؤكد أن هذا العمل الأول ينبغي عليَّ حتماً، بصفتي «إنساناً عقلانياً»، أن أقوم به، لأنني «أنا» من يستخدم هذا الطريق؛ ولو كنت بصفتي «إنساناً أخلاقياً» لقلت لأن «أبناء نوعي» يستخدمون هذا الطريق أيضاً. لكنني حالياً أتكلم فقط من منظور «العقلانية المحضة». فإذا أخذنا العقلانية المحضة بعين الاعتبار ولم نعر اهتماماً لأحكام وقواعد ومقاييس ومعايير الأخلاق، فسأضطر إلى قضاء عمري متردداً على هذا الطريق، ومن ثم، تقتضي العقلانية أن أصلح هذا الطريق وأرممه وأصححه ما استطعت، وألا أدخر أي جهد.
2- وهناك عمل ثانٍ ينبغي القيام به. العمل الثاني هو: مهما بذلتُ أنا (وحتى أبناء جنسي الآخرون الذين يسلكون هذا الطريق) من جهدٍ بمقتضى العقلانية لإصلاح هذا الطريق، فلا يوجد أي ضمان بأن يصبح هذا الطريق خالياً تماماً من العيوب والنواقص. على أية حال، فإن عيوب هذا الطريق ونواقصه، قد تبقى لزمن طويل (ربما حتى نهاية عمري، وربما حتى نهاية عمر أبناء جنسي). فمهما حاولنا، فإن نشاطنا لا يضمن النجاح التام، وبالتالي، فإن احتمال أن أضطر للتعايش مع هذا الطريق حتى نهاية عمري دون أن يبلغ الكمال، واردٌ؛ ولأن الأمر كذلك، فلا بد من القيام بعمل ثانٍ، وهو أن أوفر لسيارتي على الأقل ماصات صدمات قوية ومتطورة جداً، بحيث لا ينتقل كل ضغط سطح الطريق الوعر إلى جسدي؛ فبما أن هذا الطريق لا يزال معيباً ويضغط على جسد راكب السيارة، فإن هذا العمل سيخفض هذا الضغط إلى أدنى حد ممكن على الأقل. وحيث أنني لا أستطيع إصلاح وترميم الطريق كله، فعليَّ على الأقل أن أوفر لسيارتي ماصات صدمات تنقل أقل قدر من الضغط من الطريق إلى جسدي، لا كل الضغوط؛ وإلا فسيصاب جسدي بالكدمات والإرهاق. إذن، هناك عملان ينبغي القيام بهما: الأول أن أوجه كل اهتمامي لترميم هذا الطريق، والثاني أن أوفر لسيارتي ماصات صدمات قوية كي يصل ضغط أقل إلى جسدي.
ب. الوظيفة الاجتماعية والوظيفة الفردية للإنسان في الحياة
سأستخدم هذا المثال لغرضي. الإنسان العقلاني (وبالأولى، إذا كان يتحلى بـ«الأخلاقية» فضلاً عن «العقلانية») ينبغي له في سياق حياته الاجتماعية أن يقوم بعملين:
1- على كل شخص، بحسب ما يملكه من ثروات داخلية (أي مقدار ما لديه من معارف وقدرات)، وخصائصه الشخصية والخلقية، وخصائصه الوراثية، وما تعلمه من حوادث الحياة، والتعليم والتربية التي تلقاها، وباختصار، بالنظر إلى كل الإمكانيات المتاحة له في الحياة، أن يسعى ما استطاع إلى إصلاح مجتمعه وتقويمه، والتقليل من مشكلاته وعيوبه، وأن يكون حساساً إزاء الآلام والمعاناة، والفساد، وسوء النوايا، وسوء الإدارة، والجهالات، وكل أنواع الاختلال الموجود في هذا المجتمع؛ لأنه إن لم يكن الفرد أخلاقياً، فهو على الأقل «عقلاني» ويدرك أنه مضطر لقضاء عمره في هذا المجتمع، وبالتالي، فكلما قرب هذا المجتمع من الصلاح، عاد ذلك عليه هو بالنفع. وإن كان الفرد «أخلاقياً»، فإنه يريد أن يهيئ وضعاً أفضل لأبناء جنسه الذين يستفيدون من هذا المجتمع ويعيشون فيه ولا خيار لهم سوى العيش فيه؛ هذا هو العمل الأول الذي ينبغي القيام به حتماً. تأكيدي الشديد على العمل الأول، يعود إلى أن كلامي قد أُسيء فهمه كثيراً وكأنني لا ألتفت إلى هذا العمل الأول؛ لقد قلت مراراً وتكراراً إن «الخطوة الأولى في طريق الأخلاق (وحتى الخطوة الأخيرة، بحسب رأي البعض، بل بحسب رأي كثير من المفكرين) هي التخفيف من ألم ومعاناة الآخرين، والآخرون هم أولئك الذين يعيشون في هذا المجتمع»؛ لذلك لا يمكن أبداً ألا يكون المرء حساساً إزاء ظلم المجتمع وجوره، وانعدام العدل فيه، وفوضاه، وانعدام الأمن، وانعدام الرفاه، واللامساواة، واللاحرية، واللاأخوة، وانعدام الشفقة، وانعدام السلام. إذن، فكل ما أستطيع القيام به من نشاط من أجل النظام، والأمن، والرفاه، والعدالة، والمساواة، والأخوة، والحرية، والسلام في هذا المجتمع، ينبغي عليَّ أن أفعله.
2- ومع ذلك، حتى لو بذلتُ كل جهودي وقام جميع المواطنين وسائر سكان هذه المدينة بالأمر نفسه، فلا ضمانة البتة في أن يصبح مجتمعنا خاليًا من العيوب والنقائص. لذا، نحن بحاجة إلى ماصّات الصدمات؛ وبما أنه يتعيّن علينا العيش في مجتمع قد يكون، بدرجات متفاوتة، غير سليم وغير صحي، فلا بدّ أن تكون لدينا ماصّات للصدمات. وتوفير ماصّات الصدمات هذه هو مهمتنا الثانية؛ أي ينبغي أن نعمل على الأقلّ من أن تضغط علينا وعلى مواطني مجتمعنا الآلام والمعاناة الناجمة عن العيش في مجتمع غير سليم. علينا أن نخفف هذا الضغط ما استطعنا. إذا كان المجتمع غير سليم، فينبغي على الأقل، وبقدر الإمكان، أن نتمكن من تخفيف ضغط العيش في المجتمع غير السليم. وبتعبير يُستخدم في البوذية، لو كان المجتمع -على سبيل الفرض- مستنقعًا ووحلًا، أن نستطيع أن نكون زهرة اللوتس في هذا المستنقع والوحل. هذه هي المهمة الثانية. المهمة الأولى تقتضي أن نولي اهتمامًا، في أنشطتنا، لما يجري في مؤسسة الأسرة، ومؤسسة الاقتصاد، ومؤسسة التعليم والتربية، ومؤسسة العلم والتقنية والفن، ومؤسسة السياسة، ومؤسسة التشريع، ومؤسسة الأخلاق، ومؤسسة الدين والمذهب؛ لأن عيب هذه المؤسسات يؤدي إلى عيب المجتمع ككل. لكن من أجل المهمة الثانية، أي توفير ماصّات الصدمات، ينبغي أن نقبل على سلسلة من الأمور نجهّز بها شخصنا ذاته؛ إذن، «شأني الاجتماعي» هو المهمة الأولى، و«شأني الفردي» هو المهمة الثانية؛ وبما أن المجتمع، رغم كل الجهود التي أبذلها، يبقى غير خالٍ من العيوب، فعليّ على الأقل أن أوفر لنفسي ماصّات صدمات، وهذه هي المهمة الثانية.
نقد تقليد التنوير: ما دفعني إلى تناول هذا الموضوع هو أن أغلب مثقفينا ومصلحينا الاجتماعيين يولون أهمية بالغة للمهمة الأولى غالبًا، لكنهم لا يولون أهمية للمهمة الثانية؛ أي أنهم من جهة، في كل مكتوباتهم وكل الآثار التي نقرأها أو نسمعها منهم، يولون أهمية بالغة لضرورة إصلاح مؤسسات الأسرة، والاقتصاد، والتعليم والتربية، والعلم والتقنية والفن، والسياسة، والتشريع، والأخلاق، والدين والمذهب، والعلاقات الدولية، لكنهم يولون الموضوع الثاني أهمية أقل أو لا يولونه أهمية على الإطلاق. ومن جهة أخرى، هناك قلة قليلة جدًا يولون الأمر الثاني أهمية، لكنهم لا يولون الأمر الأول أهمية؛ أي أنهم يقولون «جهّز نفسك للعيش في المجتمع غير السليم، أما أن تغيّر المجتمع غير السليم ذاته وتقرّبه من السلامة قدر استطاعتك، فهذا ليس شغلك الشاغل». بمعنى أن «الجانب الاجتماعي للإصلاح» مهم بالنسبة لأغلب مثقفينا ومصلحينا، و«الجانب الفردي والشخصي والذاتي» ليس مهمًا لهم كثيرًا، وهناك قلة من المثقفين والمصلحين يكون الجانب الفردي مهمًا لهم ولا يكون الجانب الاجتماعي ذا أهمية لديهم.
كلامي هو أن «كلا هذين الجانبين يجب أن يكونا معًا»، والتأكيد على «كون هذين الجانبين معًا» نابع من أنه إذا رأيتم شخصًا يهتم، في تعليماته وإصلاحاته التي يقوم بها في المجتمع، مثلًا بتعاليم البوذية (تعاليم بوذا بصفته معالجًا فحسب، لا بصفته مؤسس دين ومذهب تاريخي ومؤسساتي) أو تعاليم الطاوية (مثلًا تعاليم لاوتزه) أو الرواقيين أو سبينوزا، فلا ينبغي تخطئته وعدم الاكتراث بانشغاله؛ فانشغاله هو أن هذه التعاليم تفيد في المهمة الثانية. الشخص الذي يضطلع بالمهمة الثانية لم يقل أبدًا إن المهمة الأولى لا ينبغي القيام بها، ولا يمكنه أبدًا أن يقول مثل هذا الكلام؛ لأن هؤلاء الأشخاص أنفسهم الذين ذُكرت أسماؤهم، كلهم يقولون «حتى لو كنت تفكر في خلاص نفسك فقط، لما كان لك سبيل سوى أن تكون حساسًا تجاه الأمور والشؤون الاجتماعية». إذن، أن نصرخ قائلين إن الذين يتحدثون عن الرواقية أو سبينوزا أو الطاوية أو البوذية يريدون دعوة الناس إلى خلواتهم الخاصة ويقولون لهم «اذهبوا وانشغلوا بتهذيب النفس واستكمالها والارتقاء الروحي والرياضة ومعرفة النفس واستبطان الذات ومعرفتها، ولا تكترثوا بالأمور والشؤون الاجتماعية، ولا سيما الأمور والشؤون السياسية»، هو كلام غير صحيح حقًا، وفي رأيي، اتهام يناقض جميع الوثائق والمستندات المتوفرة. هاتان المهمتان يجب القيام بهما معًا. الأولى لا تغنينا عن الثانية، والثانية لا تغنينا أبدًا عن الأولى. كان هذا مطلبي الأول في هذه المحاضرة.
ج. المصادر الخمسة لاقتباس تعاليم الحياة
للعمل الأول نحتاج إلى جميع العلوم والمعارف البشرية؛ أي أننا، لكي نوفر مجتمعًا أكثر صحةً وملاءمةً للحياة الإنسانية، نحتاج إلى جميع العلوم والمعارف البشرية. أما للعمل الثاني، أي لصنع ماصّات الصدمات التي ينبغي على كل شخص أن يصنعها لنفسه ويستطيع على الأقل تحمّل الآلام والمعاناة أكثر وبشكل أفضل (وأؤكد مرة أخرى أنه بعد أن يبذل كل جهده للحد من الآلام والمعاناة الاجتماعية، وفي أثناء الجهد، وبالتوازي مع الجهد للحد من الآلام والمعاناة الاجتماعية) فعلى كل فرد، لتوفير ماصّات الصدمات، أن يستخدم خمسة منابع؛ للعمل الأول، كنا نحتاج إلى جميع العلوم والمعارف البشرية، ولكن للعمل الثاني، في رأيي، تفيد خمسة مجالات فقط:
1- المجال الأول هو علم النفس بكل فروعه وأقسامه المختلفة؛ وهنا أضيف إلى علم النفس ما نعبّر عنه بـ«العلاج النفسي»؛ أي أننا نحتاج إلى «علم النفس» وإلى «فن العلاج النفسي» معًا.
2- القسم الثاني هو الفلسفة؛ أجزاء من الفلسفة مفيدة للغرض الثاني (صنع ماصّات الصدمات). ما أعنيه بـ«أجزاء من الفلسفة» هو ستة أجزاء من الفلسفة، وليس كل مباحث هذه الأجزاء الستة، بل «بعض» مباحث هذه الأجزاء الستة تفيد للغرض الثاني؛ أي «بعض» مباحث الميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، وفلسفة اللغة، وفلسفة الذهن، وفلسفة الفعل، وفلسفة الأخلاق. بقية فروع الفلسفة، في ظني، لا تنفع للعمل الثاني وتفيد للعمل الأول. وأؤكد مرة أخرى أن كل مباحث هذه الأجزاء الستة ليست بالضرورة مفيدة للعمل الثاني.
3- القسم الثالث هو الأدب العالمي؛ خاصة الرواية والشعر. الكثير مما يمكننا أن نعتبره لنا بمثابة حماية ودرع في الحياة، نجده في ظني في الأدب، بشكل عام، وخاصة في الشعر والرواية.
4- القسم الرابع هو بعض (وأؤكد «بعض») النقاط التي قالها عرفاء جميع الأديان والمذاهب المختلفة والثقافات المتنوعة على مر التاريخ.
5- القسم الخامس هو بعض (وأؤكد مرة أخرى «بعض») التعاليم التي توصل إليها مؤسسو الأديان والمذاهب واللاهوتيون التابعون لهم بشأن البشر.
في ظني، للعمل الثاني يجب أن نستخدم هذه المنابع الخمسة: جميع أقسام علم النفس، وأجزاء من الفلسفة، والأدب العالمي، وأجزاء من العرفان، وأجزاء من الدين والمذهب؛ نوع من «التوليف» أو بتعبير لا ينبغي أن نخشاه، نوع من «التركيب الانتقائي» ولكن «المنسجم» طبعًا، من مجموع ما نحصل عليه من هذه الأقسام الخمسة. الآن يدور النقاش حول: هذه الأقسام الخمسة التي نحصل منها على تعاليمنا ونريد بهذه التعاليم أن نوفر ماصّات الصدمات الخاصة بنا، ماذا تفعل لنا؟ القسم الثاني من حديثي هو هذا الموضوع بالتحديد الذي سأتناوله الآن.
د. ضرورة التفكيك بين الآلام والمعاناة
يبدو أن المعاناة التي نعانيها في أي مجتمع غير صحي لها أنواع مختلفة (أنا بالطبع أتفق مع بوذا أنه ما دام الإنسان إنسانًا وما دامت هناك رغبة، فالمعاناة موجودة قليلًا أو كثيرًا)، لكن على أي حال، للقضاء عليها، وبتعبير أدق، للحد منها، نستخدم المنابع الخمسة التي ذكرتها:
1- العمل الأول هو: أن نفكك بين المعاناة التي أعانيها كمواطن في المجتمع، لنميّز أيّ هذه المعاناة «لا مفر منها» وأيّها «يمكن الفرار منها»؛ أي أن نفصل المعاناة التي يمكن تجنبها عن المعاناة التي لا يمكن تجنبها. هذا هو الفن الأول وهو مهم جدًا أن يفهم الإنسان أي ألم ومعاناة لا مفر منها ولا مهرب منها البتة، وأي ألم ومعاناة يمكن الفرار منها ويمكن الهرب منها.
2- العمل الثاني هو أن نتوجه إلى الآلام والمعاناة التي يمكن الفرار منها ونرى ما الذي يمكننا أن نفعله لأنفسنا حيال هذه الآلام والمعاناة التي يمكن الفرار منها.
هـ. أقسام الآلام والمعاناة التي يمكن الفرار منها
في تقسيم عام، في ظني، تنقسم الآلام والمعاناة التي يمكن الفرار منها في حياتنا إلى أربعة أقسام؛ أي أنني وكل واحد منكم كمواطن (بصرف النظر عن العمل الاجتماعي الأول الذي صرفنا النظر عنه، أريد الآن أن أركز على ماصّات الصدمات، أي على العمل الثاني) في ظني لدينا أربعة أنواع من الآلام والمعاناة التي يمكن الفرار منها:
1- النوع الأول هو الآلام والمعاناة القابلة للتجنب والناشئة عن السياسة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية غير السليمة؛ فالأنظمة السياسية والعلاقات الاقتصادية والروابط الاجتماعية غير السليمة الموجودة في المجتمع، هي منشأ لآلام ومعاناة كثيرة، وهي بالطبع قابلة للتجنب؛ و«قابلة للتجنب» تعني أنني أستطيع إزالة هذه الآلام والمعاناة وألا أسمح لها بأن تضغط عليّ أكثر من الحد. هذه الآلام والمعاناة الناشئة عن السياسات الخاطئة في عالم السياسة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية، لها أيضاً حلول خاطئة ينبغي فهمها ومعرفة ما هي الطرق الخاطئة لمواجهة هذه المسائل. وأنا أرى أن هذه الطرق الخاطئة ثلاث:
2- النوع الثاني من الآلام والمعاناة القابلة للتجنب، هو الأمراض والجروح والأذى والأضرار الجسدية التي تعرض للإنسان إثر حوادث الحياة، وهذا واضح جداً؛ لا شك في أنه يجب هنا، من أجل إزالة آلامنا ومعاناتنا، الاستعانة بالآخرين، وهؤلاء الآخرون هم خصوصاً أولئك المتخصصون (مثلاً، في مثالي هذا، الأطباء). يجب الانتباه إلى ضرورة الفصل بين ثلاثة أمور في الآلام والمعاناة الناشئة عن الجرح والمرض والأذى والضرر:
نحن عندما نُبتلى بألم ومعاناة، نعاني أحياناً من «الألم نفسه»، وأحياناً من «دوام الألم»، وأحياناً من «عواقب الألم»؛ هذه ثلاثة أمور مختلفة، ولكل منها طريق مختلف لعلاجها؛ لنفترض أن سني تؤلمني. في هذه الحالة أعاني ثلاث معاناة؛ واحدة من الألم نفسه الذي أعانيه لحظة بلحظة وثانية بثانية. والأخرى أنني أتصور أن هذا الألم سيبقى معي لمدة 12 ساعة أخرى، لأنني مثلاً لا أستطيع الوصول إلى طبيب الأسنان إلا بعد 12 ساعة. دوام الألم والمعاناة يختلف عن الألم والمعاناة نفسهما؛ فأنا أعاني من الألم نفسه وأعاني أيضاً من دوام الألم. المعاناة الثالثة هي من عواقب الألم؛ أتصور أنني حتى لو راجعت طبيب الأسنان، فإن ألم السن ستكون له عواقب عليّ لا تزول بمجرد زوال الألم نفسه، وربما أعاني منها أيضاً. جميع الآلام الجسدية هكذا؛ فالألم نفسه يخلق معاناة، ودوام الألم واستمراره يخلق معاناة، وعواقب الألم تخلق معاناة ثالثة.
3- القسم الثالث من المعاناة القابلة للتجنب هو المعاناة العاطفية. أعاني أيضاً سلسلة من المعاناة العاطفية الناشئة عن أن أحداً أساء معاملتي، أو أنني أشعر بالوحدة، أو أنني انفصلت عن مجلس أصدقائي ومحفلهم وحلقتهم وعن الأشخاص الذين أهتم بهم، أو أنني فقدت أعزائي، أو أن مكانتي الاجتماعية قد تضاءلت. كل هذه معاناة ناشئة عن العلاقات والمواقف الاجتماعية؛ أي فشل في النجاح الاجتماعي قد يخلق معاناة، لكن هذه المعاناة قابلة للعلاج، ويمكنني إن أُصبت بها أن أعالجها.
4- القسم الرابع من الآلام والمعاناة، هو تأنيب الضمير؛ عندما أرجع إلى ماضي وأرى كم ارتكبت من أخطاء أخلاقية، ينتابني تأنيب الضمير. هذا أيضاً معاناة، لكن هذه المعاناة قابلة للتجنب أيضاً.
أنا أُدرج هذه الأنواع الأربعة من المعاناة في قسم المعاناة القابلة للتجنب.
هـ. الآلام والمعاناة التي لا مفر منها
هناك سلسلة من الآلام في الحياة لا مفرّ منها على ما يبدو؛ فهي تعرض للفرد منا، لي أو لك، وكأن لا مهرب لي منها. تُسمّى هذه الآلام والأوجاع بالآلام والأوجاع «التي لا مهرب منها». بشأن هذه الآلام والأوجاع، عليّ أن أوضّح لنفسي أمراً واحداً: هل لهذه الآلام التي لا مهرب منها أيّة فائدة لي، أم أنها مجرد معاناة؟ هل هي معاناة ينطوي خلفها كنز ونفع وفائدة، أم لا؟ فبما أنه لا مهرب من الألم ذاته، وسيعتريني على أية حال؛ فهل ستعود علينا فائدة ونصيب من جراء الألم الذي نعانيه؟ هل هذا الألم بلا كنز، أم سيكون له كنز؟ على كل شخص أن يوضّح هذه النقطة لنفسه، وأن يوفّر لنفسه كل هذه الممتصات للصدمات. إذا ما شخصتُ هذه الآلام، بكل ما أملك من علم وقدرة على التفكر وعمق في الفهم وتجارب في الحياة، وأدركتُ أنها مجرد آلام ولا كنز خلفها، فعليّ أن أحيا نوعاً من الحياة؛ لكن أحياناً، وبناءً على علمي وتفكري وفهمي وتجربتي، أصل إلى أن هذه الآلام نفسها لا مهرب منها، لكن لها فوائد وعوائد، وهناك كنوز بعد هذه الآلام؛ عليّ أن أرى ما هو ذلك الألم وما هو ذلك الكنز. هنا توجد مجموعتان من وجهات النظر؛ هناك سلسلة من وجهات النظر أعرضها دون أن أقصد تخطئتها أو تصويبها، ويجب أن يقع تقييمها على عاتق تشخيص الشخص نفسه.
ز. الحلول الأخروية لإضفاء معنى على الآلام والأوجاع التي لا مهرب منها
المجموعة الأولى من وجهات النظر هذه تُسمّى أحياناً بالحلول «اللاهوتية»، وأحياناً بالحلول «المتعالية» و«الأخروية». ووفقاً لوجهات النظر هذه، فإن لهذه الآلام التي لا مهرب منها فائدة، لكنها تصوّر لنا هذه الفوائد عبر اللاهوت والأمور المتعالية والأخروية. ثمة مجموعتان من هذه الحلول اللاهوتية مشهورتان جداً:
حل الأديان الشرقية: تتلخص الحلول الشرقية في «التناسخ». ووفقاً لهذه الحلول، فإن الآلام التي نعانيها ناتجة عن حياة سابقة عشناها، وبهذه الطريقة تجعل الآلام ذات معنى بالنسبة لنا. تقول: «لم يقع عليك ظلم ولم يلحق بك جور؛ لقد كانت لك حياة في تناسخ سابق، وقد انشغلت بكيف وكمّ حياة كانت نتيجتها الطبيعية تماماً هي حياتك الراهنة؛ وعليه، تقبّل هذا كنتيجة للفعل الذي قمت به أنت بنفسك في التناسخ السابق وصورتك التناسخية السابقة». تؤكد الأديان الشرقية عموماً (أي الهندوسية والبوذية والجاينية مثلاً) بشكل خاص على أن تجعل الآلام والأوجاع التي لا مهرب منها ذات معنى، عبر القول بأن «حياتك السابقة تقتضي هذا النوع من الحياة، وإذا كنت تريد ألا يبقى وضعك على هذه الحال في حياتك التالية، فعليك أن تفعل شيئاً حتى لا تكون في التناسخ التالي مثل هذا التناسخ؛ أنت في هذا التناسخ مرتهن لتناسخك السابق، فافعل الآن شيئاً ليكون وضعك أفضل في التناسخ التالي، الذي سيكون مرتهناً لتناسخك الراهن». هذا هو حل الأديان الشرقية.
حلول الأديان الغربية: الأديان الغربية، التي تُسمّى أحياناً «الأديان الموسوية» أو، في ثقافتنا الإيرانية، «الأديان الإبراهيمية» (أي الأديان التي منشؤها ليس شرق العالم بل غربه، أي اليهودية والمسيحية والإسلام)، بما أنها لا تؤمن بالتناسخ ولا تعتبر حياتنا الراهنة «كارما»، فإنها تضفي المعنى بطريقة أخرى، وتُطرح في لاهوت هذه الأديان نظرية تُدعى «الثيوديسيا»، وجامعها هو ما يُعبّر عنه بنظرية «العدل الإلهي». الأديان الغربية تحل المسألة لا بالتناسخ، بل بنظرية العدل الإلهي. الحلول التي تطرحها الأديان الغربية هي ثمانية حلول. هذه الحلول الثمانية (بغض النظر عن استحساننا أو استهجاننا) هي كما يلي:
1- يقولون أحياناً إن هذه الآلام هي من أجل «اختبارك»؛ تحدث هذه الآلام ليختبرك الله ويرى ماذا ستفعل؛ هل ستخرج من بوتقة الاختبار مرفوع الرأس وناجحاً، أم مهزوماً ومكسور العنق وخجلاً؟
2- يقول البعض إن الآلام هي «عقوبات دنيوية» لأعمال قمت بها في سنوات حياتك السابقة وترى عقوباتها؛ شبيه بما يقال في الأديان الشرقية من أنك قمت بأعمال في حياتك السابقة وترى عقوباتها الآن، وتقول الأديان الغربية إنك قمت بأعمال في السنوات الماضية من هذا العمر نفسه وهذه الآلام هي العقوبات الدنيوية لتلك الأعمال. المثير للاهتمام هنا أنه يقال أحياناً في هذه الأديان الثلاثة نفسها إنك قد تتحمل عقوبة حياة والديك أيضاً؛ لأن والديك كانت لديهما تجاوزات في الحياة وهذه الآلام والأوجاع التي تصيبك سببها أن والديك قد ارتكبا ظلماً في حياتهما.
3- الرأي الثالث يقول إن هذه الآلام تصيبك لكي «تبقى بعيداً عن الذنب». فلو كنت سالماً كل السلامة، فالله يعلم أنك كنت ستُجر إلى سلسلة من المعاصي والذنوب. لقد أوقعوا بك هذا الألم (كأن تصاب بالشلل أو العمى أو الصمم مثلاً) لكي تُعفى من كثير من الذنوب التي يمكن ارتكابها بالعين أو الأذن، وهذا نوع من الفائدة التي تجنيها.
4- الحل الرابع يقول إنك تتحمل هذه الآلام والأوجاع، لكنك تنال مقابلها «خيراً وفائدة أعظم بكثير في حياة العالم الآخر». ذلك الخير عظيم جداً لدرجة أنك ستتصوره لاحقاً بل وتتمنى لو أنك عانيت أكثر من هذا في الحياة الدنيا. فإذا كان نصيبي مقابل كل كمّ من الألم عانيته في الدنيا هو آلاف الكموم من اللذة والنعمة والسعادة هنا، فليتني عانيت كموم ألم أكثر في الحياة الدنيا. إن العوض والبدل الذي يُعطى لك مقابل هذه الآلام في الحياة الأخروية هو بهذا القدر من العظمة.
5- النظرية الخامسة تقول إنهم أوقعوك في الألم لكي «تقترب من الله أكثر» من خلال الألم. فكلما كانت حياتك مليئة بالألم أكثر، اقتربت من الله أكثر؛ أي أن هذه الآلام تصبح في الواقع سبباً لتقترب من الله. فكلما زاد الألم، توجهت نحو الله أكثر.
6- النظرية السادسة هي عكس النظرية الخامسة تماماً؛ ففي النظرية الخامسة كانوا يقولون إن هذه الآلام والأوجاع تصبح سبباً لتقترب من الله وتصبح محبوباً عند الله. النظرية السادسة عكس ذلك؛ يقولون إن نزول الآلام والأوجاع هو «معلول لاقترابك من الله». فعندما يقترب الإنسان كثيراً من الله، فإن من خاصية الله أنه يوفر الألم الكثير لأوليائه: «البَلاءُ لِلْوَلاءِ»؛ فكلما اقتربت صداقتك من الله أكثر، أنزل الله بك المزيد من الألم والوجع.
7- النظرية السابعة تقول إنك تجد من خلال هذه الآلام «استكمالاً» وتنال «استعلاءً روحياً».
8- النظرية الثامنة هي أن «لهذه الآلام كلها حكمة، وإن كنا لا نعلم حكمتها»؛ لكن لها حكمة، لأن الله حاكم على العالم والله حاكم حكيم، إذن فلها حكمة بالتأكيد؛ وحتى لو كنت أنا العالم بالإلهيات ومؤسس الدين والمذهب لا أعلم ما هذه الحكمة، فلها حكمة على كل حال.
كل هذه النظريات التي يُطلق عليها النظريات «الإلهية» و«الاستعلائية» و«الأخروية» (سواء نظريات الأديان الشرقية مثل «التناسخ» أو نظريات الأديان الغربية أي نظرية «العدل الإلهي») كلها سلسلة من المفروضات والفرضيات. إذا بدت لكم هذه المفروضات والفرضيات عقلانية، تقبلونها وتجعلون ألمكم ذا معنى. وفي هذه الحالة تتضررون بشكل أقل من الآلام التي تصيبكم.
ح. الحلول الدنيوية لجعل الآلام والأوجاع التي لا مفر منها ذات معنى
لكن هناك مجموعة ثانية من الحلول للآلام التي لا يمكن تجنبها، وهذه الحلول لم تعد «لاهوتية»، بل «فلسفية»؛ وليست «استعلائية»، بل «تجريبية»؛ وليست «أخروية»، بل «دنيوية». هناك سلسلة من الحلول الفلسفية والتجريبية والدنيوية. هذه الحلول لا تحيلك إلى «النيرفانا» و«الخروج من دورة سمسارا»؛ ولا تحيلك إلى أنك «ستدخل الجنة» أو «لن تدخل النار»؛ ولا تحيلك إلى «الوصول إلى الوصال الإلهي أو الفناء في الله أو البقاء بالله». المجموعة الثانية من الحلول دنيوية؛ إنها وجهات نظر فلسفية قيلت لجعل الألم ذا معنى. لقد استقصيت من هذه الوجهات سبع وجهات نظر أكثر أهمية وسأعرضها عليكم.
1- الحل الأول هو ما يُقال إن «الإنسان يتعلم من خلال المعاناة»؛ فكل أنواع التعلم، وليس فقط ما يتلقاه الأطفال، تتم عبر المعاناة؛ مثل الأطفال في المرحلة الابتدائية والمراهقين في المرحلة الثانوية الذين يتعلمون أشياء كثيرة من خلال المعاناة؛ تقديم الامتحانات، أداء الواجبات، الجلوس في الصف جبراً، سماع توبيخ الأستاذ والمعلم، قضاء الوقت في الدراسة، والحرمان من الترفيه والتلفاز وكرة القدم، كل ذلك معاناة. لكن الأطفال يتعلمون من خلال المعاناة. وهكذا حال البشر جميعاً؛ فالإنسان لا يتعلم إلا بتحمل المعاناة. إذا تدبرت الأمر، فكأن الحياة كلها في هذا الحل قد شُبِّهت بما نقوم به في طفولتنا ومراهقتنا في المدارس والثانويات ثم الجامعات؛ نحن هناك نتعلم بالمعاناة، وفي الحياة كلها الحال كذلك، فالإنسان يتعلم بالمعاناة.
2- الرؤية الثانية تقول «المعاناة ستُصلحك». هنا شُبِّهت الحياة بالعقوبات القانونية؛ فعندما تسجن في الحياة سارقاً أو شخصاً اعتدى وتجاوز، فإن ذلك الفرد يصلح من خلال الألم والمعاناة التي نلحقها به. الرؤية الثانية تقول إن الحياة كلها هكذا، فالإنسان يصلح بالألم؛ لأننا جميعاً مخطئون بعض الشيء، ولا يمكننا أن نصلح إلا بالألم.
3- الرؤية الثالثة، وهي رؤية شهيرة جداً في الثقافة الغربية ومنبعها تعاليم أرسطو، تقول إن «سجية الإنسان[3] (وليس شخصيته[4]) تتشكل وتُبنى وتتقوى من خلال المعاناة». فنحن بالمعاناة نكتسب السجايا الراسخة والقويمة والصحيحة.
4- الرؤية الخامسة تقول إننا من خلال المعاناة «نكتسب أعظم فضيلة إنسانية، ألا وهي التعاطف مع سائر الموجودات». فالإنسان في معاناته يتعاطف مع بقية الموجودات التي تعاني، وبما أن التعاطف هو أعظم الفضائل، فنحن في الواقع نتعلم التعاطف من خلال معاناتنا نحن. لو لم أعانِ في الحياة، لما كنت لأعي أصلاً أولئك الذين يعانون. أما الآن وقد صرت قادراً على المعاناة ولدي الاستعداد والقابلية لها، فالنتيجة هي أنني أضع نفسي مكانك وأفهم ما الذي تعانيه؛ أدخل في جلدك وأفهم ما الذي تقاسيه، فينشأ في داخلي ما يُسمى بالتعاطف، وهو أعظم فضيلة إنسانية.
5- الرؤية السادسة تقول «إذا لم توجد المعاناة، فلن يصل الإنسان إلى الهناء واللذة»؛ فالمعاناة هي السلم الوحيد للوصول إلى الهناء واللذة؛ إذا أردت أن تبلغ الهناء واللذة، فعليك أن تعاني. وإذا أبيت أن تصعد هذا السلم، فبطبيعة الحال لن تصل إلى السطح (أقول إجمالاً «الهناء» و«اللذة»، لكن ينبغي في الواقع ذكر أربعة أمور: «الهناء»، و«اللذة»، و«الفرح»، و«الرضا»). إذا أردت أن تبلغ سطحاً اسمه «الهناء» أو «اللذة» أو «الفرح» أو «الرضا»، فلا سبيل لك إلا أن تصعد سلم المعاناة؛ فحين تخطو على هذا السلم، تبلغ حينئذ الهناء واللذة والفرح والرضا. إذن، فالمعاناة هي الطريق الذي لا مفر منه للوصول إلى الهناء واللذة والفرح والرضا. وبعبارة أبسط، لو لم توجد المعاناة، لما كان هناك هناء أصلاً.
6- وأما الحل الأخير فيقول «إن تحمل المعاناة شرط لازم لإدراك[5] الهناء واللذة والفرح والرضا». الحل السابق كان يقول إنها شرط لنشوء الهناء واللذة والفرح والرضا، لكن هذه الرؤية تقول لكي تعرف قدر الهناء واللذة والفرح والرضا، عليك أن تقاسي الألم والمعاناة. هنا الإدراك متوقف على مكابدة الألم وتحمل المعاناة؛ فإذا لم تقاس الألم ولم تعانِ، فقد تبلغ اللذة، لكنك لن تعرف قدرها. لكي تصل إلى إدراك الهناء واللذة والفرح والرضا، لا سبيل لك إلا أن تقاسي الألم والمعاناة.
هذه خطة لكي أستطيع، من أجل إضفاء معنى على الآلام والمعاناة التي أعيشها على أي حال في الحياة الاجتماعية غير الصحية، أن أستخدم هذه الحلول. كل واحد من هذه الحلول ينطوي على مباحث عميقة وشيّقة وجذابة وضرورية جداً للحياة؛ لكنني لا أملك المعلومات الكافية لطرحها، ولا (حتى ذلك القدر اليسير الذي أملك من معلوماته) لديّ متسع من الوقت هنا حقاً. أردت أن أقول لماذا لا نقوم بهذا العمل الثاني لأنفسنا، ولماذا لا نستفيد من تعاليم أشخاص مثل سبينوزا، والرواقيين، والوجوديين، والطاوية، وبوذا، لكي نمتلك على الأقل شيئاً يمتص الصدمات. وبالطبع، فإن مهمتنا الأولى، وهي إصلاح الحياة الاجتماعية، تبقى في محلها.
.
.
[1]. النص الحالي هو نص محاضرة الأستاذ مصطفى ملكيان التي ألقيت في المنصة الافتراضية كلوب هاوس بتاريخ 22 دي 1400 هـ.ش. باستضافة غرفة «مانيشكو» (قناة التلغرام: https://t.me/manishcoo).
[2]. خريج ماجستير في الفلسفة، جامعة العلامة الطباطبائي (بريد إلكتروني: [email protected]).
[3]. character
[4]. personality
[5]. appreciation
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سپاس
درود بر شما نویسنده ی گرامی که این سخنرانی را مکتوب کردید. و درود بی پایان به ملکیان بزرگ که الحق استادند.