اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
المطالبة بالاعتراف والكرامة هي المحرك الأساسي لحركات الهوية الحديثة؛ لكنها حين تُمنى بالفشل المتكرر، تتحول إلى عاطفة مدمرة تُدعى الحقد، وهي أصل كثير من الاحتجاجات وانقلاب القيم.

أنا أيضًا أحدهم! تأمل في العلاقة بين الهوية والكينونة
أميد قائم بناه
برأي فوكوياما، تحتل «الهوية» أهمية خاصة في العالم المعاصر، وهي مفتاح لفهم الكثير من الحركات والاحتجاجات والثورات. في البداية، لا بد لنا كمقدمة من العودة إلى ما يقرب من ألفين وأربعمائة عام، وتحديدًا إلى سقراط؛ كان سقراط يقسم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام: العقل، والشهوة، والثيموس (thymos) أو الجزء الحماسي والفخري من النفس. برأي سقراط، لا تقتصر النفس البشرية على العقل (الذي يسعى وراء الحقيقة والخير) والشهوة (التي تسعى وراء الملذات والاحتياجات الجسدية) فحسب؛ بل هناك جزء ثالث يُدعى الثيموس وهو موضع الفخر والشرف والغضب العادل والمطالبة بالاحترام والكرامة. الثيموس هو ذلك الجزء من الوجود الإنساني الذي يُعتبر ملاذ القيم والعز والإحساس بالعدالة؛ حينما تُنتهك العدالة أو تُداس الكرامة، يثور غضبًا وينهض للدفاع. يسعى ثيموس كل إنسان إلى أن يُعترف به وأن يُعتبر ذا احترام من قبل الآخرين. في عصر ما قبل الحداثة، كان هذا المطلب غالبًا ما يقتصر على الطبقات الأرستقراطية أو المحاربين الذين كانوا يبحثون عن كرامتهم في العز والشرف الفردي. أما في العصر الحديث، حيث يرى عامة الناس لأنفسهم شأنًا وكرامة، فقد أصبح هذا المطلب شاملاً: لا يريد البشر أن يشعروا بكرامتهم فحسب، بل لديهم مطلب قوي بالاعتراف بكرامتهم من قبل الآخرين (المجتمع، الدولة، وأبناء جلدتهم). بعبارة أخرى، في عصر ما قبل الحداثة، كان لمطلب الاعتراف فائزٌ واحد عادةً، وبتعبير هيغلي، كان أحدهم يصير سيدًا والآخر عبدًا. أما في العصر الحديث، فقد أصبح مطلب الاعتراف هذا شاملاً. وكما يشرح هيغل في الجزء الشهير «السيد والعبد» (في كتاب فينومينولوجيا الروح)، يواجه وعيان ذاتيان (إنسانان) بعضهما البعض، ويسعى كل منهما لإثبات أن: «لست مجرد شيء، أنا إنسان، واعٍ بذاتي وذو قيمة.» يؤدي هذا المواجهة إلى صراع حتى الموت يفضي في النهاية إلى وصول أحدهما إلى مقام السيد والآخر إلى العبودية. ومع ذلك، يُظهر جدل هيغل أن هذه العلاقة غير المتكافئة ليست مستقرة، وهي تسير في المسار التاريخي نحو الإيزوتيميا (isothymia) أي مطلب الاحترام والاعتراف المتساوي للجميع. في هذه الحالة، لم يعد الاعتراف حكرًا على فرد غالب ومنتصر، بل يكتسب عمومية ويقف الجميع في مكانة متساوية (من منظور الكرامة والاعتراف).
أطلقت الثورة الفرنسية عجلة الاعتراف بالكرامة المتساوية للجميع، ولا تزال هذه الروح سارية حتى الوقت الحاضر، وينبغي فهم وإدراك معظم الحركات في سياق مطلب الاعتراف، مثل المساواة الجندرية، والمساواة العرقية، والمساواة الإثنية وغيرها. ولتلبية مطلب الاعتراف هذا، برزت الليبرالية كنظام سياسي يعترف بحرية كل فرد من المواطنين؛ ولهذا السبب لا تطالب الليبرالية الكلاسيكية المواطنين بشيء سوى أن يعترفوا بحرية الآخرين أيضًا. الآن، ومع تشكل الأنظمة الليبرالية، نشأت ظروف للبشر تمكنهم (مع القيد نفسه المتمثل في الحفاظ على حرية الآخرين) من إظهار أنفسهم كما هم، أي أن البشر متحكمون في ذواتهم ومستقلون، يعيشون بناءً على ما يعتبرونه هم قيمةً وأخلاقًا وسعادةً ورفاهًا... إلخ، بشرط أن يمنحوا الآخرين الحق نفسه.
إن بروز الهوية الجمعية مثل القومية (الناسيونالية) والدين السياسي يتبع المنطق نفسه، فهي تسعى أيضًا إلى الاعتراف بهذه الهوية الجمعية. فعلى سبيل المثال، تعاني جماعات المسلمين المهاجرين (خاصة الجيلين الثاني والثالث) في البلدان الأوروبية، بعد أن يروا أن قيمهم ومعاييرهم في البلدان المضيفة ليست سوى قيمة بين قيم أخرى ولا تحظى حتى باحترام كبير، من أزمة هوية، إذ يكتشفون أن الاحترام الذي كانوا يتمتعون به سابقًا في مجتمعاتهم الأصلية لم يعد موجودًا، بل إنهم لا يُقبلون بسهولة في المجتمعات المضيفة ولا يجدون عملًا لائقًا أو رفاهًا مناسبًا. في هذه الظروف، يُنظر إلى إحياء الهوية الإسلامية بين هؤلاء الأفراد كحل لهذه المشكلة، لأنهم من خلال الانخراط في هذه الجماعات يشعرون بأن هويتهم تصبح محترمة وذات قيمة. وبالمثل، عندما يشعر شخص في مجتمع ما بأن البنى والمعايير الدينية السائدة لا تقبله، أو عندما تشعر الطبقة الوسطى بأن فرصها تُسلَب من قبل الأقليات، فإنها تتجه نحو هوية جمعية أخرى كالقومية والناسيونالية، لأنها تشعر بأنها تستعيد هويتها واحترامها المفقودين من خلال المشاركة في هذا الخطاب (انظر على سبيل المثال إلى نموذج البيض الأمريكيين المؤيدين لترامب الذين شعروا بأن بلدهم قد احتُل من قبل المهاجرين والأجانب). في كثير من هذه الحالات، لا يُنظر إلى الضغط الاقتصادي على أنه مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية، بل يُعتبر نتيجة لفقدان الهوية أو عدم الاعتراف بها، ولعل هذا هو السبب في أن الشعارات اليسارية التي تتضمن مضامين المساواة الاقتصادية لا تجذب القوميين، بل تجذبهم الشعارات اليمينية التي تؤكد على إحياء الهوية الوطنية، لأنهم يرون سبب تدهور معيشتهم في تدهور مكانتهم وهويتهم الجمعية، وليس مجرد أزمة اقتصادية؛ إنهم يشعرون بأن البلد لم يعد ملكًا لهم، وأنهم لا يحظون بالاحترام في أرضهم ولا يُلتفت إليهم. إذن، باختصار، انتشار مثل هذه الجماعات (باعتبارها مصاديق للهوية الجمعية) هو استجابة لموضوع واحد: المطالبة بالاعتراف واستعادة الكرامة المفقودة.
من هنا يمكن الوصول إلى مفهوم مهم آخر هو الحقد (ressentiment) الذي يكمن وراء كثير من هذه الحركات الهوياتية والاحتجاجية. إذا شعر أفراد المجتمع أو جماعاته بأنهم مهمشون، وغير محترمين، ولا يُعترف بهم، فمن الطبيعي أن يتجهوا نحو استعادة تلك الكرامة المفقودة. وإذا باءت هذه المحاولات بالفشل المتكرر، وبقيت المطالبة بالاعتراف دون استجابة باستمرار، يتشكل تدريجيًا نوع خاص من العاطفة يسميه الفلاسفة «الحقد». مصطلح الحقد له نكهة نيتشوية، إذ يشرح نيتشه في كتابيه «ما وراء الخير والشر» و«جنيالوجيا الأخلاق» أنه عندما لا يستطيع الضعفاء التحرك مباشرة ضد الأقوياء أو تغيير وضعهم، فإنهم يطورون في أنفسهم حقدًا تجاه الأقوياء ويحولونه إلى أيديولوجيتهم (أو أخلاقهم). بعبارة أخرى، لتسكين غيظهم من عجزهم هذا، يبتكرون (من خلال قلب القيم) انتقامًا خياليًا من الأقوياء. فالشخص الأدنى، عندما يعجز عن خلق وتأكيد حياته وقيمه، يضطر إلى تغيير اتجاه ونظرته التقييمية نحو الخارج ونحو من يعتبرهم أعداءه، ومن خلال قلب القيم، يخلق عالمًا يستطيع فيه أن يعتبر نفسه منتصرًا بشكل ما؛ وقد طور ماكس شيلر هذا المفهوم نفسه قائلًا إن الحقد لا يقتصر على علاقة القوي والضعيف الاجتماعية، بل يمكن أن يتشكل حيثما وجد شعور دائم بالعجز. من وجهة نظره، الحقد هو حالة ذهنية مستقرة تنشأ من الكبت المنهجي لبعض العواطف الإنسانية الطبيعية (كالغضب، والرغبة في الانتقام، والحسد، والكراهية). عمليًا، هذا الحقد والكراهية المكبوتة تجاه الأقوياء (بسبب عدم الاعتراف بالكرامة) هو محرك كثير من الحركات الاحتجاجية وأعمال العنف وعمليات الاستقطاب. فالغضب والحقد المكبوتان منذ زمن طويل ينفجران فجأة ويتجليان بأشكال مختلفة.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.