اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعدِّد مصطفى ملكيان ثلاثة أنواع من الحب في الثقافات، ويرى أن الحب الإيروسي هو شوق إلى رؤية الجمال الحقيقي الذي يبدأ من الجسد البشري ويسير صاعدًا نحو الله. فالحسان دعوات من العالم العلوي، و«العشق المجازي جسر إلى العشق الحقيقي».

في الثقافة العالمية، سواء في الثقافة الغربية؛ أي الثقافة التي تعود جذورها إلى اليونان وروما ومصر القديمة، أو في الثقافة الشرقية؛ أي الثقافة التي تعود جذورها إلى الصين والهند واليابان القديمة، تم التعرف على ثلاث ظواهر يُعبَّر عن كل واحدة منها بقدر أو بآخر بالحب والمحبة والود وما شابه ذلك. لكن هذه الظواهر متطابقة الاسم فحسب، وهي في الواقع مختلفة تماماً عن بعضها، ولا يمكن تعميم حكم أي منها على الأخرى. لكي نفهم الحب في نظر مولانا بشكل أفضل، من الضروري أن نتعرف على هذه الاتجاهات الثلاثة. هذه الاتجاهات الثلاثة هي: 1) الحب الإيروسي، 2) الحب الفيلياني و 3) الحب الأغابي. فيما يلي نشرح كل واحد منها بإيجاز. 1) الحب الإيروسي هذا النوع من الحب يتعامل مع الجمال. بقية أنواع الحب لا تتعلق بالجمال. النوع الوحيد من الحب الذي نتعامل فيه مع الجمال هو ما أطلق عليه الإغريق والرومان في العصور القديمة اسم «إيروس». إيروس هو نوع من الحب ينشأ فقط وحصراً عندما يشاهد الإنسان جمالاً ما. إذا لم يشاهد الإنسان جمالاً ما، أو شاهد شيئاً لا يراه جميلاً برأيه، فلن ينشأ حب بهذا المعنى الأول. أعظم منظّر لهذا الحب هو أفلاطون، الذي تحدث عن هذا الموضوع في كتابين من أعماله: أحدهما المأدبة (الحفلة أو الندوة) والآخر فايدروس. طرح أفلاطون في هاذين الكتابين أكثر النظريات تفصيلاً عن الظاهرة التي تُعبَّر عنها باسم إيروس. فما هو التعريف الدقيق لهذه الظاهرة؟
يرى أفلاطون أن الميل إلى رؤية الجمال الحقيقي لدى الإنسان يبدأ من الميل إلى الأجسام الجميلة للإنسان؛ الميل إلى أجسام جميلة للإنسان. في البداية يصبح الشخص عاشقاً لجمال موجود في جسد إنسان معين. الحب الذي يشعر به الإنسان تجاه جسد جميل هو الحب الإيروسي. ثم تدريجياً ينتقل هذا الميل من جمال جسد معين إلى جميع الأجسام الجميلة، وبعد ذلك ببطء يتجاوز جمال الأجسام البشرية ويعم على جمال الجمادات والنبات والحيوانات. هنا يشعر الإنسان بحب تجاه جمال الزهور والطير والحيوانات، لكن تدريجياً يدرك أن هذه أيضاً لا تشبعه، وهنا يبدأ بالتوجه نحو الجمال الحقيقي الذي يشارك فيه كل هذه الموجودات الجميلة، وبتعبير أفلاطون يسهمون فيه، ويجد الطريق نحوه ويصبح عاشقاً للجمال الحقيقي. في هذا المعنى من الحب الذي هو الحب للجمال، يجب أن ننتبه إلى عدة نقاط أكدها أفلاطون وأولئك الذين ادعوا تجاوز هذه المراحل. النقطة الأولى هي أنه في هذا الحب نتجاوز جسداً أو جسداً إنسانياً معيناً ونصل إلى واقعية متعالية يسميها أفلاطون مثال الجمال أو صورة الجمال، وبالتعبير الديني يقال لها الله، وبالطبع أفلاطون لا يستخدم تعبير "الله" ويتحدث عن الجمال الحقيقي باسم "مثال الجمال". إذاً النقطة الأولى هي أننا هنا نتعامل مع "سير" من جمال الإنسان نحو الجمال الحقيقي. النقطة الثانية هي أنه من هذا المنظور كل شيء جميل يشكل دعوة من العالم الأعلى. الموجودات الجميلة رسائل موجهة إلينا من العالم الأعلى. كل إنسان جميل يدعونا نحو صورة الجمال أو مثال الجمال. كل جسد جميل يعكس فقط الجمال الحقيقي في ذاته؛ تماماً كما ينعكس نور الشمس الذي يقول لك: أنا انعكاس نور الشمس؛ إذا كنت تريد أن ترى من أين أتيت، يجب أن تعود إلى الشمس ذاتها؛ وبالتالي الجمال دعوة من العالم الأعلى لأولئك الذين يسكنون العالم السفلي والدنيوي. جميلو هذا العالم ما هم إلا رسائل موجهة إلينا كي ننقلنا من الأرض إلى السماء. في الواقع جميع الجميلين يدعوننا لننطلق من هنا ونتجه نحو الأعلى. وهنا بالذات يقال: الحب المجازي جسر نحو الحب الحقيقي. عندما قال علماؤنا: الْمَجَازُ قَنْطَرَةُ الْحَقِيقَةِ، كانوا يقصدون ذلك. كانوا يسمون حب الإنسان للإنسان "الحب المجازي" واعتقدوا أن هذا الحب جسر للحب الحقيقي؛ أي حب الإنسان لله. لماذا هذا الحب جسر؟ لأنه يدعو الإنسان ألا يتوقف عند هذا الجميل المعين بل يتوجه نحو الله. كل جمال إنساني هو نصيب من جمال الله، وإذا أراد الإنسان أن يصل إلى منبع الجمال، يجب أن يتجه نحو العالم الأعلى؛ بعبارة أخرى جميع الجميلين يقولون لنا بلسان الحال: أنا جميل وإذا كنت عاشقاً لي فذلك لأنني جميل؛ فتوجه نحو أصل الجمال. نحن جميلون لكن هناك جمالاً آخر وهو الجمال الحقيقي ويجب أن تتوجه نحوه. النقطة الثالثة هي أنه بحسب رأي أفلاطون والأفلاطونيين الجدد وأولئك الذين يسيرون على طريقة الأفلاطونية الحديثة، وبما أن جميلي هذا العالم يدعوننا للذهاب إلى ذلك العالم، فإلى أن لا نذهب إلى ذلك العالم، فإن هذه الجمالات لن ترضينا. جميلو هذا العالم يعدون لكنهم لا يفون بوعودهم. كل جميل في هذا العالم يقول لي: سأسعدك لكن في الواقع لا يسعدني. وعود جميلي هذا العالم وعود لن تُوفى. فقط إذا ذهبنا إلى مصدر الجمال الإلهي، حينئذ يمكننا أن نتحقق الرضا؛ أي أن نشعر تماماً بالرضا التام والشعور بالامتلاء والاكتمال والشعور بالارتياح. النقطة الرابعة هي أنه بحسب رأي أفلاطون يختلف شرف وقيمة الإنسان بناءً على كون عاشقاً لأي جمال. شرف العاشق يتعلق بشرف المعشوق. قد يجذب الإنسان جمال زهرة أو جمال إنسان. أن قيمتي كعاشق تتعلق بقيمة معشوقي كمعشوق؟ لأن جمالات الجميلين المختلفين لا تتمتع بنفس درجة القيمة والشرف والفضيلة. النقطة الخامسة هي أنه بحسب هذا الرأي، عندما يفترض أن أتجاوز جميع الجمالات وأصل إلى الجمال الحقيقي، فإنه في هذه الحالة يوجد نوع من اللامبالاة تجاه ذلك الإنسان الجميل الذي أنا عاشقه. لماذا؟
لأنه إذا كان الأساس هو أنني أريد الوصول إلى الجمال الحقيقي، فلا يهمّ كثيراً أن أبدأ من هذا الجميل وأصل إلى ذاك الجميل أم أبدأ من ذاك الجميل وأصل إلى هذا الجميل؛ بتعبير آخر، إذا كنت عاشقاً لعمارة المصرف، فقد تفضّل مبنى معيناً على بقية المصارف لأنك تحب عمارة هذا المصرف أكثر، لكن إذا كنت تذهب إلى أي مصرف فقط من أجل المال، فما الفرق الذي تحدثه المصارف لك؟ لا فرق على الإطلاق؛ لأنني قررت أن أذهب إلى المصارف للحصول على المال. الآن إذا كان يجب عليّ أن أذهب إلى الجميلات لأتمتع بالجمال الحقيقي، فهذه الجميلة وتلك الجميلة لا تختلفان عن بعضهما. وهذا هو السبب في أنه في هذا النوع من الحب؛ أي في الحب الإيروسي، يمكن أن نتصوّر نوعاً من التسيّب الأخلاقي. والنقطة الأخيرة هي أن الجمال في هذه النظرية ليس صفة للإنسان فقط، بل هو أيضاً صفة للجمادات والنبات والحيوان، لكن فوق ذلك، وفق رأي أفلاطون، الجمال هو صفة النظريات الفلسفية أيضاً. يمكن أن نقول إن نظرية فلسفية أجمل من نظرية فلسفية أخرى، ويمكن أن نقول إن نظاماً سياسياً أجمل من نظام سياسي آخر، ويمكن أن نقول إن مثالاً أجمل من مثال آخر. قد يقول شخص: الحقيقة أجمل من العدالة، وقد يقول آخر: العدالة أجمل من الحرية. هنا حتى المثل الأعلى لها جمال وقبح، بتعبير آخر، المثل الأعلى لها الجمال والجمال الأكثر والجمال الأكثر فأكثر. الآن بعد أن تعرّفنا على نظرية الحب الإيروسي، يمكننا أن ندرس أشعار المولوي عن الحب بموجبها. قلنا إن في هذه النظرية يبدأ الحب بمشاهدة جمال إنساني وينتهي به إلى الجمال الحقيقي. نرى كثيراً في أشعار المولوي أنه يتحدث عن جمال معشوقه؛ أي أن المولوي في الحقيقة يسير في البحث عن الإيروس ويعتبر جمال المعشوقين الإنسانيين علامة على جمال الله. انتبه إلى البيت التالي للمولوي: معشوقة بهانة، والمعشوق إله من ظنّ اثنين منهما، فقد خاب وخسر (ديوان شمس، ص 1279) إن «معشوقة بهانة، والمعشوق إله»، هو عين رأي أفلاطون. في الحقيقة المعشوق الحقيقي هو الله. كل المعشوقات في هذا العالم مجرد بهانات، والعاشقون، واعين أم غير واعين، يسيرون بواسطتها نحو الله؛ المعشوقات في الحقيقة ليست محبوبة بذاتها والعاشقون، طواعية أم كرهاً، يتجاوزونها ويصلون إلى جمال آخر. وفي البيت التالي أيضاً يتحدث المولوي عن الإيروس: الحب معراج نحو سقف جمال السلطان أعدِ قصة المعراج من وجه العاشق (ديوان شمس، ص 82) نحن بالحب نحو من هو جميل نصعد معراجاً. هنا أيضاً يتحدث المولوي عن الجمال وكما سأقول لاحقاً، في أنواع الحب الأخرى الجمال ليس مهماً على الإطلاق. انتبه إلى عدة أمثلة أخرى من أشعار المولوي يأتي فيها ذكر الجمال: أصل مئة يوسفَ جمال ذي الجلال يا قليل من امرأة، كن فدية لذلك الجمال (المثنوي، 5/ 3240) جمال يوسف أصبح قوة النفس في سنة الجدب جئنا من جدب بحثاً عنك (ديوان شمس، ص 788) تعلم أنه في الأساطير وفي التفاسير العرفانية، مثل تفسير سورآبادي، ورد أنه في السبع سنوات التي كان فيها القحط في عهد يوسف في مصر، كان كل صباح جميع الناس الجائعون يخرجون من بيوتهم، فلما لم يكن عندهم شيء يأكلونه، كانوا يأتون بجانب قصر يوسف، وكان يوسف يجلس على ظهر سطح القصر والناس ينظرون إليه حتى الليل ويشبعون من جماله ثم يعودون إلى بيوتهم شباعاً، وفي صباح الغد يجوعون مرة أخرى؛ أي أن يوسف كان يشبع الناس بجماله. يقول المولوي: «جمال يوسف أصبح قوة النفس في سنة الجدب»؛ في سنة الجدب أصبح جمال يوسف قوة النفس للناس والآن جئنا نحن أيضاً من جدب نحوك. يوجد عدد كبير جداً من الأبيات بهذا المعنى في آثار المولوي لقد دونت كثيراً منها، لكنني امتنع عن نقلها وأكتفي بالإشارة إلى بيت آخر كمثال: إذا كنت عاشقاً من هذا الجانب أو من ذاك الجانب فعلى كل حال إلى ذاك الجانب سيكون قائدنا (المثنوي، 1/ 111) هذا أيضاً الحب الأفلاطوني نفسه، وفقاً له العاشق مهما يكن من تحبه، لا يهمّ، ستصل في النهاية إلى الحب الإلهي، لكن ليس كل ما يقوله المولوي عن الحب يتوافق مع هذه الرؤية. هنا نصل إلى الرأي الثاني الموجود حول الحب، وسأبدأ الآن بطرحه. 1) الحب الفيليائي ظاهرة أخرى كانت موجودة حول الحب في اليونان القديمة، وهي ما يُعبّر عنه بـ فيليا. فيليا هي النوع الثاني. في هذا النوع من الحب لا يوجد بحث على الإطلاق عن الجمال أو الميل والاشتياق أو مشاهدة الجمال الحقيقي. هنا نتعامل مع مسألة الإرادة والاختيار، والشخص الذي يحبه الإنسان ليس جميلاً.
أعظم منظّر للفيليا هو أرسطو. فخلافاً لأستاذه أفلاطون الذي كان محصوراً اهتمامه بالإيروس بسبب نظرية فلسفية معينة كان يحملها، طرح أرسطو مسألة الفيليا. الآن ننتقل إلى بيان خصائص هذا النوع من الحب. أولاً، كما قلنا، في الحب الإيروسي يمكن للجمادات والحيوانات والنباتات أن تكون موضوع الحب من أجل جمالها، لكن في الفيليا لا يكون موضوع الحب سوى الأشخاص؛ لأن الإنسان فقط هو الذي يمكن أن أرغب له في خير، لا الجمادات والنباتات والحيوانات. ثانياً، إذا كان شخص ما حقاً محباً وودوداً لآخر، فإنه حالما يعلم باحتياجه أو رغبته أو مصلحته، يسعى فوراً لتلبية احتياجه وتحقيق رغبته وتوجيه مصلحته إليه. ثالثاً، برأي أرسطو يمكن تصور هذا الحب بشكلين: من طرف واحد وثنائي. قد أكون أنا تجاهك على هذه الحالة، لكنك أنت تجاهي لست عليها؛ أي أنني وحدي أرغب في إيصال كل خير لك من أجلك، لكن قد لا تشعر أنت تجاهي بهذا الشعور على الإطلاق. أرسطو يسمي هذا النوع من الفيليا بـ "الحسن الظن". أنا حسن الظن بك، لكنك لست حسن الظن بي؛ لأنك لا تشعر تجاهي بما أشعر به تجاهك. لكن إذا أصبحت هذه العلاقة ثنائية؛ أي أنني أمتلك هذه الرغبة تجاهك وأنت أيضاً تمتلكها تجاهي، فهنا نحن نتعامل مع نوع من الحب يسميه أرسطو بـ "الصداقة". هنا نحول البحث من الحب من طرف واحد إلى الحب الثنائي؛ لأن مولانا ينتبه أكثر للعلاقة الثنائية، رغم أنه يشير أحياناً إلى العلاقة من طرف واحد. قلنا إنه في الفيليا يرغب شخص في الخير للآخر وللآخر وحده. الآن يطرح هنا سؤال: ما هي هذه الخيرات التي يجب أن أرغب فيها للآخر؟ برأي أرسطو قد يكون هذا الخير تلبية حاجة أو تحقيق رغبة أو إيصال منفعة. وهذه الحاجة والرغبة والمنفعة بدورها قد تكون فضيلة أو لذة أو منفعة، وعلى هذا الأساس توجد ثلاثة أنواع مختلفة من الصداقة:
لاحظ أن المنفعة واللذة يختلفان عن بعضهما، وإذا أردنا الخوض في هذا النقاش الطويل، فسنحيد عن البحث الأساسي. لذا، بناءً على نوع الخير الذي يريد الإنسان أن يسديه للآخر، يمكن تصور ثلاثة أنواع من الصداقة: صداقات قائمة على تسديد اللذة، وصداقات قائمة على تسديد الفضيلة، وصداقات قائمة على تسديد المنفعة. وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة ينقسم بدوره إلى نوعين: فأحياناً أنا وأنت نكون صديقين معاً، وأنا أريد أن أسدي إليك فضيلة، وأنت تريد أن تسدي إليّ فضيلة، أو أنا أريد أن أسدي إليك لذة وأنت تريد أن تسدي إليّ لذة، أو أنا أريد أن أسدي إليك منفعة وأنت تريد أن تسدي إليّ منفعة. هنا كل واحد منا يأخذ ما يعطيه للآخر، ويعطي ما يأخذه. وأحياناً يكون الحال بحيث أنني أريد أن أسدي إليك فضيلة وأنت تريد أن تسدي إليّ لذة، أو أنني أريد أن أسدي إليك لذة وأنت تريد أن تسدي إليّ منفعة، أو أنني أريد أن أسدي إليك منفعة وأنت تريد أن تسدي إليّ فضيلة؛ أي أن المبادلة تحدث فعلاً. أنا أعطيك شيئاً وأنت تعطيني شيئاً آخر مقابل ذلك؛ مثلما لو أعطيتكم القمح وأعطيتموني الشعير مقابله. هذه المسألة أيضاً تجعل الصداقة مختلفة، ولهذا ينبغي على الإنسان أن ينتبه في علاقته مع أصدقائه. كانت الصداقة مهمة عند أرسطو واعتُبرت فضيلة أخلاقية كبرى؛ ولذلك كان يقول إنه ينبغي على الإنسان أن يتأمل في صداقاته مع الآخرين، وأن يعرف عند اختيار صديقه هل في هذه الصداقة تبادل فضيلة، أم لذة، أم منفعة؟ ثانياً: ماذا يسدي كل طرف للطرف الآخر مقابل ما يتلقاه؟ النقطة الرابعة التي يقولها أرسطو هنا هي أن طرفي الصداقة هل يقفان في موضع متساوٍ أم لا؟ وهل يلحق هذا الموضع غير المتساوي ضرراً بصداقتهما أم لا؟ دعني أستخدم أمثلة ملموسة؛ مثلاً، الوالدان نسبة إلى أطفالهما لديهما هذا النوع من الصداقة ذاته، لكن موضع الوالدين نسبة إلى الأطفال موضع غير متساوٍ، وبالمثل، يستطيع الحاكم أن يملك هذه الصداقة ذاتها نسبة إلى رعاياه، لكن الحاكم لا يملك موضعاً متساوياً نسبة إلى رعاياه، والرجال نسبة إلى زوجاتهم لديهم هذا النوع من العلاقة ذاته، لكن موضعهم ليس متساوياً، إلا أن عدم تساوي موضع الطرفين في هذا النوع من الصداقة لا ينقصها؛ أي أن بإمكاني وبإمكانك أن نكون صديقين وأن نملك موضعاً غير متساوٍ، ويمكننا أن نكون صديقين وأن نملك موضعاً متساوياً أيضاً، مثل زميلي عمل، أحدهما مدير والآخر موظف تابع له، لكنهما يقفان على كفة ميزان واحدة ويستطيعان أن يسديا بعضهما المنفعة، ويستطيعان نقل الفضيلة لبعضهما، ويستطيعان توفير اللذة لبعضهما. النقطة الخامسة هي أنه برأي أرسطو في هذه الصداقة، المحب هو من يستفيد أكثر، لا المحبوب؛ أي أن كون المرء محباً أفضل من كونه محبوباً، والعاشق أفضل حالاً من المعشوق. يُظهر أرسطو بتحليل نفسي أنه في هذا النوع من الصداقة؛ أي صداقة الفيليا، العاشق يستفيد أكثر من المعشوق؛ لذلك في هذا النوع من الصداقة، الذين هم ذوو فطنة يسعون أكثر إلى الحب، لا إلى أن يُحبوا. والملاحظة الأخيرة أن هذا النوع من الصداقة قد يقع بين الإنسان وذاته؛ هنا وحده الموضع حيث حب الذات لا يشوبه أي عيب. يستطيع الإنسان أن يسدي إلى ذاته فضيلة أو لذة أو منفعة؛ وكما يحب الآخرين، يستطيع أن يحب ذاته؛ هذا ما نسميه حب الذات. يستطيع الإنسان أن يفعل لنفسه ما يفعله لأصدقائه. فما العيب في أن يسدي الإنسان إلى ذاته فضيلة ونفعاً ولذة أكثر؟ برأي أرسطو، هذا النوع من حب الذات لا عيب فيه ولا نقص، بل هو إحدى الفضائل الأخلاقية أن لا يعتبر الإنسان ذاته أقل من الآخرين. حينما يكون للإنسان شوق واهتمام بأن يسدي إلى الآخرين لذة أو فضيلة أو منفعة، فلماذا يحرم هذه الأشياء من ذاته ويضن بها؟ فيما بعد، قال بعض الأرسطيين، مثل توما الأكويني، إن على الإنسان أن يحب ذاته أولاً، ليتمكن بعد ذلك من أن يحب الآخرين. إن من لا يحب ذاته لا يستطيع أبداً أن يقيم علاقة من نوع الفيليا مع الآخرين. 3) عشق الأغابي النوع الثالث من الصداقة هو صداقة الأغابي، وهو يختلف عن العشق الإيروسي وصداقة الفيليا، وله عدة خصائص مهمة لا توجد في النوعين الآخرين. في هذا العشق، مثلما في العشق الفيليائي، أنا أريد أن أعطي شيئاً لشخص آخر، لكن مع اختلافات بارزة جداً ومحددة جداً.
أولاً هذا النوع من العطاء هو عطاء بلا جواب؛ أي في هذا الإعطاء، إذا أعطيتك شيئاً، فإنني لا أريد على الإطلاق أن آخذ منك شيئاً في المقابل؛ لذلك هذا العطاء هو عطاء لا يصحبه أمل في الأخذ، ولا انتظار للأخذ، ولا توقع للأخذ. لاحظ أن الأمل والانتظار والتوقع تختلف عن بعضها. إذا كان عطاؤي لك بحيث لا يصحبه أمل في الاسترجاع، ولا انتظار للاسترجاع، ولا توقع للاسترجاع، فحينئذ تكون لدي هبة، دون أن يكون لدي على الإطلاق توقع أخذ منك. يسمى هذا النوع من العطاء العطاء بلا جواب. أي عطاء لا أنتظر منك فيه ردة فعل، ولا جواباً متناسباً منك، ولا استجابة متناسبة؛ وبالتالي هو تماماً بلا جواب وبدون انتظار. ثانياً هذا النوع من الحب شامل تماماً؛ أي أنه يشمل جميع الناس. في نوعي الحب السابقين يحب الإنسان قوماً ولا يحب آخرين، لكن هذا الحب شامل وعام ويشمل جميع الناس تماماً بل حتى الأعداء. ورد في شريعة اليهود: «أحب أقربائك ولا تحرم الذين أحسنوا إليك من معروفك»! السيد المسيح، كما ورد في إنجيل متى وإنجيل لوقا، لا ينكر هذا القول بل يقول: ما ورد في الشريعة صحيح، لكنني أقول لكم يجب أن تحبوا أيضاً أولئك الذين لا يحبونكم. كلامه هو: «لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ ألا يفعل ذلك أيضاً العشارون؟ يجب أن تحبوا أولئك الذين لا يحبونكم». وفي إنجيل متى في موضع آخر ينقل عن السيد المسيح أنه قال: «أحبوا أعدائكم وباركوا لاعنيكم» وفي المتابعة يعطي عدة أمثلة على الناس الذين يجب أن يكونوا موضوع هذا الحب ويقول يجب أن تحبوا هؤلاء. وفوق ذلك يوجد في إنجيل لوقا مثال عن السامري الصالح. هناك يقول السيد المسيح: «حتى أولئك الذين هم بعيدون عن ديانتكم ومعتقداتكم، الذين لا يقبلون ديانتكم وينعتون بالكفر والمخالفة في دينكم، احبوهم أيضاً» والمثال الشهير جداً لذلك هو السامري الصالح. هذه أمثلة من حب الأغابي، لذلك في هذا النوع من الحب لا يجب أن تكون للشخص الآخر الذي يريد أن يستقبل حبي خصائص معينة. أستطيع أن أحب حتى أعدائي، أولئك الذين لا يعرفونني على الإطلاق، أو أولئك الذين يعرفونني ولديهم نحوي كراهية وبغض وعداء؛ لذلك حب الأغابي شامل وعام ويشمل الجميع. الخاصية الثالثة لهذا النوع من الحب، وهي ما يؤكد عليها مولانا كثيراً، هي أن الناس لأنهم بشر يتمتعون بقيمة؛ لذلك يجب ألا تنظر إلى أفعالهم وأن تحبهم. الإنسان يتمتع بقيمة وكرامة ذاتية، والكرامة الذاتية للناس هي بالذات السبب في أننا لا يجب أن ننظر إلى أفعالهم ويجب أن نتجنب أن نحسن فقط إلى من يفعل الخير ونرفض الإحسان لمن يفعل السوء. أفعال الناس لا تملك أي أهمية وأياً كانوا يفعلون، سواء كان صحيحاً أخلاقياً أم لا، يجب أن نحسن إليهم. لا أن نقصر إحساننا على الصالحين فقط ونعرض عمن هم أشرار؛ لأن الإنسان لأنه إنسان يملك قيمة وكرامة، وليس لأنه صالح. وبناءً على ذلك يجب أن يكون الناس موضوع اهتمامك بغض النظر عما إذا كانوا صالحين أم لا، وبغض النظر عما إذا كانوا يحضرون لك لذة أم لا، وبغض النظر عما إذا كانوا يحضرون لك نفعاً أم لا. السبب في إشارتي إلى هذه الثلاث نقاط هو أننا في الفيليا كان اهتمامنا موجهاً لواحدة من هذه الثلاث، لذلك في حب الأغابي لا يجب أن تحدث خصائص الأفراد فرقاً بالنسبة لنا. الخاصية الرابعة لهذا الحب هي أنه دائم ولا يزول مثل بقية أنواع الحب. النوعان السابقان من الحب قد يكونان موجودين للوقت ثم يزولان، لكن هذا الحب دائم. حبنا ليس أبدياً؛ لأنه يعتمد على خصائص الطرف الآخر، لكن بما أن حب الأغابي لا يعتمد على خصائص الطرف الآخر على الإطلاق، لذلك فهو لن يزول أبداً. هذا الحب حب دائم، حب بلا توقف وبلا انقطاع. المسألة الخامسة هي: من هم المصاديق لمثل هذا الحب؟ من يتعلق بهم هذا الحب؟ كما قال أرسطو وسائر الفلاسفة وكما ورد في اللاهوت المسيحي، هذا النوع من الحب قد يكون بين إنسان وإنسانين آخرين، ويمكن للإنسان أن يكون لديه مثل هذا الحب تجاه الله.في هذه الحالة، الإنسان دون أن يأبه برد فعل الآخر، يعتبر نفسه في كل الأحوال خادماً وعبداً له ويخدمه بإخلاص. وحقيقة أن الله ـ في مقابل الخدمة التي أقدمها له ـ ماذا يعطيني، فهذا ليس مهماً على الإطلاق. بلا شك، الحب الإلهي في اللاهوت المسيحي هو قطعاً من نوع الأغابي، لكن حبنا نحن البشر لبني البشر الآخرين قد يكون من هذه الفئة الثالثة، قد يكون من الفئة الأولى أو قد يكون من الفئة الثانية. في اللاهوت المسيحي، يعملون على تعزيز هذا الحب أكثر من الحبين الآخرين. كان القديس بولس يقول: «كل الفضائل تنحصر في ثلاث فضائل: الإيمان والحب والرجاء» وكان يقصد بالحب هذا الحب من نوع الأغابي. كان بعض الفلاسفة والعارفين اللاحقين يرون أنه في الوقت الذي تكون فيه الأغابي ذات قيمة عالية جداً، إلا أنه لما كانت إمكانياتنا للأغابي محدودة ولا نستطيع أن نحسن إلى جميع البشر في العالم بغض النظر عن حسنهم وسوءهم، وأن نحبهم، فعلينا أن نلجأ إلى الانتقاء؛ أي أنني وإن كنت أحب جميع بني البشر في العالم قلباً وعاطفة وباطناً، إلا أنني وبالنظر إلى قصر هذه الحياة والموارد المحدودة، لا أستطيع أن أتعامل مع الجميع بطريقة عاشقة وودية، فعلي أن ألجأ إلى الانتقاء، وهذا يتطلب أن يكون هناك تفضيل في هذا الانتقاء؟ هنا اقترح مفكرون مثل توما الأكويني أن لماذا يجب أن تكون الأغابي غير آبهة بصفات الناس؟ حينما أن إمكانيات كل إنسان محدودة ولا نستطيع أن نحسن إلى جميع الناس، يجب أن يكون لدينا انتقاء في إحساننا وهو يعرّف هذا الانتقاء هكذا:لكن كثيرين من المفكرين يعتقدون أنه إذا تدخل الاختيار، فإن الأغابي تتحول إلى غير أغابي؛ لأنه في الأغابي لا ينبغي لأحد أن يكون له فرق تجاه الآخرين. هذا ما يقوله كيركيغورد في كتابه Works of Love؛ «آثار الحب» الذي يعتبر أهم كتبه، يقول: لا ينبغي تخصيص الأغابي، والأقربون إلى الله لا ينبغي أن يكونوا مختلفين عمن هم بعيدون عن الله، وبنفس الطريقة أنا أيضاً لا ينبغي أن أكون مختلفاً عن الآخرين، والأقارب بالنسب والرحم ليس لهم أي أفضلية على من هم بعيدون عني بالنسب والرحم. يستند كيركيغورد إلى قول السيد المسيح بأنه كان يحب الأغابي أكثر تجاه جباة الضرائب والعسكريين والعاهرات وكان يولي اهتماماً أكبر لمثل هؤلاء الأشخاص. قال بعض منتقدي كيركيغورد أن حقيقة أن السيد المسيح كان يحسن إلى البشر البعيدين عن الله أكثر، يدل على أن أغابي يسوع كانت تفرق أيضاً، وكأنه كان يميز بين البعض، وكان يحب العاهرات أكثر من جباة الضرائب والعسكريين. يقول كيركيغورد في معرض الحجة أن محبة السيد المسيح الأكبر للبشر السيئين كانت لأنهم كانوا أشد احتياجاً، فمن البديهي أن الطبيب يجب أن يذهب إلى المريض وليس إلى الإنسان السليم. لو كان هناك طبيب في مدينة ما يريد أن يتصرف بطريقة أغابية تماماً، يجب أن يولي اهتماماً متساوياً لجميع الأفراد، لكنه يذهب أكثر إلى المرضى؛ لأن المرضى يحتاجون إليه أكثر من الأصحاء. مولانا يتحدث كثيراً عن هذا النوع من الحب. يقول مولانا أن الشمس تشرق على المزبلة وتشرق على الحديقة. الشمس لا تقول: أنا أشرق فقط على الحديقة ولا أشرق على المكب، وفي رأيه نحن أيضاً يجب أن نتصرف مثل الشمس، يجب أن نشرق على الجميع، ولا يهمنا ما إذا كان هذا الشخص الذي أحسن إليه إنساناً جيداً أم إنساناً سيئاً. لقد سجلت شواهد كثيرة جداً من أشعار مولانا يتحدث فيها عن هذا النوع من الحب، لكنني الآن لا أريد أن أشير إليها. الحب في آثار مولانا، وإن كان يمكننا أن نجد أمثلة كثيرة في أشعار مولانا لكل واحد من أنواع الحب الثلاثة السابقة، إلا أن مولانا لديه أقوال عن الحب لا تنطبق على أي واحد من هذه الأنواع الثلاثة. ينسب مولانا ثلاث خصائص مهمة إلى الحب، وليس لأي واحدة من هذه الخصائص الثلاث وجود في أنواع الحب الثلاثة التي نعرفها. الخصيصة الأولى هي أن مولانا أحياناً يتحدث عن الحب بطريقة تجعل الأمر كأن جميع أجزاء العالم عاشقة. لقد رأينا سابقاً أن حب الإنسان للكائنات الأخرى، سواء من فئة الإيروس أم من فئة الفيليا أم من فئة الأغابي، على كل حال هو حب يملكه الإنسان للكائنات الأخرى والعاشق في كل هذه الحالات هو الإنسان، لكن مولانا لديه أبيات كثيرة جداً يكون فيها جميع الكائنات في العالم عاشقة: هل يعرف الذئب والدب والأسد ما هو الحب؟ قليل من الإنسان أن يكون أعمى عن حبه (المثنوي، 5/ 2008) برأي مولانا الذئب والدب والأسد يعرفون الحب أيضاً. فحقاً أي نوع من الحب هذا؟ من البديهي أن الذئب والدب والأسد لا يعرفان شيئاً عن الإيروس والفيليا والأغابي. في آثار مولانا جميع أجزاء العالم عاشقة، وكل جزء من العالم مسكور باللقاء: إذا لم تكن السماء عاشقة لما كان في صدرها صفاء، ولو أن الشمس لم تكن عاشقة لما كان في جمالها ضياء، الأرض والجبل إن لم تكن عاشقة لما نبتت من قلب كل منهما النباتات (ديوان الشمس، ص 1127) في الأبيات السابقة نرى أن السماء والشمس والأرض والجبل جميعها عاشقة. هذه الخصيصة من الحب لا توجد في أي من المقاربات المختلفة للحب. الخصيصة الثانية للحب برأي مولانا هي أنه في كثير من الحالات يعتبر الله أيضاً عاشقاً. في أنواع الحب الثلاثة التي ذكرنا سابقاً، فقط في الحب الأغابي يمكن لله أن يكون عاشقاً، لكن من أقوال مولانا يبدو أن حب الله لنا ليس حباً أغابياً، بل هو من فئة أننا متشابهون. نحن متشابهون مع الله وهو متشابه معنا. هذا أيضاً لا ينطبق على أي من المقاربات الثلاث السابقة. الخصيصة الثالثة التي توجد في آثار مولانا للحب وتبدو لي غريبة جداً، هي أنه إذا ظهر الحب في أحد، فإن جميع السيئات فيه تزول. إذا كنت مراقباً، فإن موضوع البحث كان أننا لأننا لسنا عاشقين، فإننا لا نعيش حياة أخلاقية؟ والآن نرى أن الحب الذي يقصده مولانا يمكنه أن يزيل جميع السيئات فينا، لكن الفيليا والإيروس والأغابي ليس لديهم مثل هذه الخاصية.صحيح أن الأغابي بحد ذاتها خير، وإذا كان للإنسان حب من نوع الأغابي؛ أي أن يفعل الخير للآخرين بلا أجر وبدون انتظار، فهذا بحد ذاته فضيلة عظيمة، لكن معنى ذلك ليس أن هذا النوع من الحب يولّد الفضائل الأخرى فينا، بينما ادعاء مولانا هو أن الحب يعالج الكبر والعزة عند الإنسان: يا دواء كبرنا وعزنا يا أنت أفلاطون وجالينوس نا (المثنوي، 1/ 24) يبدو أنه في آثار مولانا ثمة نوع رابع من الحب لا ينسجم بشكل كامل مع أي من الأنواع الثلاثة التي ذكرتها سابقاً. لكن هل لدينا تصور من هذا الحب الرابع؟ في النقاشات الهرمينوطيقية يُقال إنه عندما تواجه في نص كاتب كلمة ما ولا تعرف معناها، يجب أن تشكل نموذجاً (patern) منها بحيث يمكن الاقتراب منها تدريجياً عبر هذا النموذج. فعلاً أي نموذج يمكن أن يكون لهذا الحب؟ حب تكون فيه كل أجزاء العالم عاشقة، وحب الله لنا من هذه الفئة ويزيل كل الشرور في الإنسان، أي نوع من الحب هو وأي تصور يمكن أن نكون له؟ النقطة الأخرى أن أرسطو كان يعتقد أن الأفلاك والنفوس الفلكية تمتلك العلم والإرادة أيضاً؛ أي برأيه فلك الشمس وفلك الزهرة وفلك القمر وجميع الأفلاك تمتلك العلم والإرادة وهي موجودات حية، وبما أنها تمتلك العلم والإرادة، يمكنها أن تملك الحب أيضاً؛ لأنه برأي أرسطو الموجود الذي يمتلك العلم والإرادة يمكنه أن يكون عاشقاً أيضاً. للحب العلم والإرادة كافيان؛ لذلك كان يقول إن الأفلاك عاشقة، وإذا كانت تتحرك فهذه الحركة لأنها عاشقة للمحرك بلا تحرك؛ وإن لم يستخدم أرسطو كلمة الله، فإنني أعتبر المحرك بلا تحرك فعلاً بمعنى الله، لذا يمكن القول إن الأفلاك عاشقة لله أيضاً وتملك هذه الحركة والفعالية بسبب حبها لله؛ لذلك الحب الذي تملكه الأفلاك يسبب حركتها، بعبارة أخرى الحركة الدورانية للأفلاك ناجمة عن الحب الذي تملكه الأفلاك لله. برأي أرسطو المحرك بلا تحرك مثل المعشوق؛ لأن المعشوق يجلس في مكان والعاشق يأتي إليه. المحرك بلا تحرك نفسه لا يتحرك والمتحركات تتحرك نحوه. قد يعتقد أحد أن هذه نظرية أرسطو هي نفس نظرية مولانا، لكن يجب الانتباه إلى أنه في نظرية أرسطو الأفلاك تمتلك العلم والإرادة وبسبب علمهم وإرادتهم يمكنهم أن يكونوا عاشقين للمحرك بلا تحرك، لكن طبقاً لنظرية أرسطو فقط الأفلاك هي التي تمتلك العلم والإرادة، بينما الموجودات الأخرى على كرة الأرض لا تمتلك العلم والإرادة ولا يمكنها أن تكون عاشقة، مثلاً الخشب والحجر لا يمكنهما أن يكونا عاشقين. كان أرسطو يقول إن كل شيء تحت فلك القمر لا يمتلك العلم والإرادة ولذلك الخشب لا يمكنه أن يكون عاشقاً؛ لأنه تحت فلك القمر، لكن برأي مولانا جميع موجودات العالم يمكنها أن تكون عاشقة. هنا نحن لا نفهم أي نوع من الحب هو ذلك الحب الذي كان يفترض أن يحول الإنسان غير الأخلاقي إلى إنسان أخلاقي، كي نذهب ونجد ذاك العاشق حتى يحول وجودنا مثل الإكسير النحاس إلى ذهب ويحولنا من إنسان غير أخلاقي إلى إنسان أخلاقي. الآن كل ما أقوله هو أنه بينما يعتقد مولانا أنه إذا أردت أن تكون أخلاقياً، فيجب أن تكون عاشقاً، نحن لا نستطيع أن نفهم أنه يجب أن نكون عاشقين أي يجب أن نصبح ماذا؟ أي هل يجب أن نجد حباً إيروسياً؟ أم يجب أن نجد حباً من نوع الفيليا، أم يجب أن نجد حباً من جنس الأغابي؟ وحتى الآن لم يتمكن أي من الباحثين المتخصصين في مولانا من تحديد ما هو هذا الحب؟ لكننا نتحدث بشكل مستمر عن أن مولانا رأس العاشقين وأن شعره من البداية إلى النهاية يتحدث عن الحب. فعلاً ما حقيقة الحب الذي يتحدث عنه مولانا؟ لذلك سؤالي هو: ما نوع الحب الذي يحول الإنسان غير الأخلاقي إلى إنسان أخلاقي وله مثل هذه القدرة الفنية، وكيف يمكن اكتساب هذا الحب والحصول عليه؟
.
.
- صدري نيا، باقر(1388). فرهنگ مأثورات عرفانی(مشتمل بر احادیث، اقوال و امثال متون عرفانی فارسی). طهران: سخن.
ـــ عطّار، فريد الدّين محمّد النيسابوري(1372). تذكرة الأولياء. بررسی، تصحیح متن، توضیحات و فهارس محمّد استعلامی. طهران: زوّار.
ـــ مولوي، جلال الدّين (1381). المثنوي المعنوي. بعناية توفيق. هـ. سبحاني. طهران: روزنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1381). فيه ما فيه. تصحیحات و حواشی بدیع الزّمان فروزانفر. طهران: امیر کبیر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1386). كليات شمس ديوان جلال الدّين محمد بلخي(مولوي). على أساس طبعة بدیع الزّمان فروزانفر. طهران: هرمس.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
بسیار عالی و مفید
عالی بود ممنون
سلام و تشكر خواستم بپرسم كه آيا اين يك سخنراني بوده است ؟ و آيا فايل آن همچون ديگر سخنراني هاي ايشون موجود است ؟ با تشكر
خیر سخنرانی نبوده است. ترم یکی از درسگفتارها بوده است. فایل صوتی آن به طور مشخص در مجازی موجود نیست.
آقای ملکیان دست مریزاد! با این سخنان، کمی هم تکلیف خودتان را با مولوی بزرگ روشن کردید و هم تکلیف خوانندگانش را. این کاری بود هم لازم و هم مفید برای معرفی خودتان و هم برای ما شاگردان. اما اگاپه! عجب چیزی است! به نوشته زیر هم نظری بیندازیم، خالی از تامل نیست: goo.gl/iY7y0Z
خیلی عالی ممنون