اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
المسألة الأهم في علم نفس الأخلاق هي الفجوة بين المعرفة الأخلاقية والفعل الأخلاقي. يوضح مصطفى ملكيان، من خلال تفحصه لأعمال مولانا، أن الحب وحده، من منظوره، هو ما يسد هذه الفجوة ويدفع الإنسان إلى العيش الأخلاقي.

سيكولوجيا الأخلاق فرع من علم النفس يهتم بما يجري في نفس الإنسان الأخلاقي. وفيما يلي قائمة بأهم المباحث المطروحة في سيكولوجيا الأخلاق:
البحث في الأمور التي تدور في أذهان الأشخاص الذين يتعاملون مع ظاهرة الأخلاق، والعيش الأخلاقي، والكون أخلاقياً، والتي تدفعهم إلى أن يكونوا أقل أخلاقية أو أكثر أخلاقية.
البحث عن تلك الحاجات النفسية التي دفعت الإنسان إلى تأسيس مؤسسة تُدعى الأخلاق. والبحث عن مجموعة الحاجات النفسية التي تجعل الإنسان يُقبل على الأخلاق أو يُدبر عنها.
البحث في الآثار والنتائج النفسية المترتبة على العيش الأخلاقي. بمعنى، ما هي الآثار والنتائج الإيجابية أو السلبية المحتملة التي يختبرها ويشعر بها في دواخلهم الأفراد الذين يعيشون حياة أخلاقية جراء هذا العيش الأخلاقي؟
البحث عن المعايير والمقاييس السيكولوجية للأنظمة الأخلاقية، وأخيراً دراسة موضوع ما إذا كان بالإمكان تفضيل نظام أخلاقي على نظام أخلاقي آخر بسلسلة من المعايير السيكولوجية أم لا؟
تحليل الافتراضات المسبقة السيكولوجية للأخلاق. للأخلاق افتراضات مسبقة سيكولوجية. مثلاً، أحد الافتراضات المسبقة السيكولوجية للأخلاق هو أن البشر مختارون لا مجبرون، لأنه إذا كان الإنسان مجبراً، فحينئذٍ لا معنى للحديث عن الأخلاق، وينبغي على علماء النفس دراسة صحة أو خطأ هذا الافتراض المسبق.
البحث في السبل السيكولوجية للعيش الأخلاقي. بمعنى، إذا أدركنا المعنى الصحيح للعيش الأخلاقي، كيف يمكننا أن نصبح أنفسنا أخلاقيين في عيشنا، وأن نجعل من الآخرين أيضاً أفراداً يعيشون حياة أخلاقية؟ بعبارة أخرى، كيف يمكننا تحويل أنفسنا أو غيرنا من إنسان غير أخلاقي إلى إنسان أخلاقي؟ أو كيف يمكن جعل الإنسان الأقل أخلاقية إنساناً أكثر أخلاقية؟
من بين مباحث سيكولوجيا الأخلاق، يُعد أحد أهم المباحث، وفي ظني أهمها، هو: ما الذي يخلق فجوة بين المعرفة الأخلاقية والعمل الأخلاقي؟ بمعنى، لماذا لا نعمل، في كثير من المواقف، بمقتضى معرفتنا الأخلاقية رغم امتلاكنا لها؟ ما الذي يجري في ذهني وضميري ويدفعني إلى الكذب، رغم أني أعلم أنه لا ينبغي لي الكذب؟ أو لماذا أتكبر ولا أتصرف بتواضع، رغم أني أعلم أنه ينبغي لي التواضع؟ لماذا لا تؤدي المعرفة الأخلاقية دائماً وبالضرورة إلى العمل الأخلاقي المناسب لها؟ ما هو البرزخ الموجود هنا الذي يجعلنا لا نستطيع الانتقال دائماً وبالضرورة من المعرفة الأخلاقية إلى العمل الأخلاقي؟ لماذا، رغم أننا نعلم أخلاقياً في كثير من المواقف، إن لم نقل في جميعها، ما الذي ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، لا نلتزم به عملياً؟ ما منشأ هذه الفجوة بين المعرفة الأخلاقية والعمل الأخلاقي؟ ما الذي يملأ هذه الفجوة، وما الذي يجعل شخصاً ما، بمجرد أن يكتسب معرفة أخلاقية، يعمل بمقتضاها، بينما يمتلك آخر هذه المعرفة الأخلاقية، لكنه لا يلتزم بها عملياً في الوقت نفسه؟ في رأيي أن جميع مباحث سيكولوجيا الأخلاق تعود في نهاية المطاف إلى هذا البحث حول ماهية الفجوة بين المعرفة الأخلاقية والعمل الأخلاقي.
لطالما كانت هذه المسألة موضع نقاش منذ القدم في الثقافات الشرقية كالهندوسية والبوذية والطاوية، وفي الأديان الغربية كاليهودية والمسيحية، وفي الإسلام، وكذلك في شتى الأنظمة الفلسفية، وقُدِّمت لها إجابات كثيرة. لن أتطرق الآن إلى مختلف الإجابات التي قُدِّمت لهذا السؤال في الثقافات الدينية والمدارس العرفانية والمدارس الفلسفية وفي الثقافات الأخلاقية المحضة، لأن نقل الإجابات والنظريات المختلفة التي قيلت في هذا الباب يستلزم سلسلة طويلة من المجالس. أريد أن أوجه هذا السؤال إلى مولانا، لأرى من وجهة نظره ما الذي يحدث فجوة بين المعرفة الأخلاقية والفعل الأخلاقي، ولماذا لا يعمل البشر بمقتضى معرفتهم الأخلاقية؟ أشار مولانا إلى هذه النقطة في المثنوي بشكل أكبر، وبدرجة أقل في فيه ما فيه والمكتوبات وديوان شمس، وبالطبع، رغم أن مولانا لم يتناول طرح هذا البحث والإجابة عليه صراحة، إلا أن هناك إشارات كثيرة، لا سيما في المثنوي، يمكن استخراج رأي مولانا في هذا الباب منها. العبارات التي يحلل فيها مولانا سبب تأخرنا في الفعل الأخلاقي عن المعرفة الأخلاقية كثيرة.
دون أن أنقل هنا أقوال مولوي في هذا الشأن، أقول، بناءً على استقصاء قمت به في أعماله، إن خلاصة آراء مولانا في هذا الباب يمكن تلخيصها في جملة واحدة: ما يجعل معرفتنا الأخلاقية، رغم كونها كاملة، لا تفضي إلى فعل أخلاقي مناسب، هو أننا محرومون من العشق. من وجهة نظر مولانا، إذا أردتم لمعرفتكم الأخلاقية أن تفضي إلى فعل أخلاقي مناسب لها، فعليكم أن تعشقوا، لأن العشق وحده هو ما يملأ الفجوة بين المعرفة الأخلاقية والفعل الأخلاقي. يمكن التعبير عن هذه القضية بلغة أخرى والسؤال: لماذا لا نعيش حياة أخلاقية؟ الجواب هو: لأننا لم نعشق. برأي مولانا، من صار عاشقاً يعيش بالضرورة حياة أخلاقية، ونتيجة لذلك يمكن أن نفهم أن من لا يعيش حياة أخلاقية لم يصبح عاشقاً. يعتقد مولانا أنه حتى يزيد لو عشق لصار جبرائيل. أي أن الشيطان ويزيد، اللذين هما تجسيد لكل الشرور الأخلاقية، لو عشقا لتحولا في الواقع إلى كائنين أخلاقيين: ديـو اگر عاشق شود هم گوی برد/ جبرئیلی گر شود دیوی بمرد (المثنوي، 6/3661). لو عشق الشيطان أيضاً لصار جبرائيل، ولزال عنه شيطانه، أي شيطانيته وصفاته الشيطانية. أسلَمَ الشَّیطان آن جا شد پدید/ که یزیدی شد ز فضلش بایزید (المثنوي، 6/3662). قال النبي: «أسلَمَ شَيطانِي عَلَى يَدَيَّ» (فرهنگ مأثورات عرفانی، ص 49). أي أسلم الشيطان على يدي. برأي مولانا، سبب إسلام الشيطان على يد النبي هو أن النبي كان عاشقاً. لو لم يعشق، لما استطاع أبداً أن يُسلم شيطانه.
نظير هذا الكلام تراه في ديوان شمس أيضاً: اندر دو چشم کور درآیی نظر دهی/ و اندر دهان گرگ درآیی زبان شوی/ در دیو زشت در روی و یوسفش کنی/ و اندر نهاد گرگ درآیی شبان شوی (ديوان شمس، ص 1094). أي أن الذئب لو عشق أيضاً، لصار راعياً بدلاً من أن يسلك سلوك الذئاب. وفي أدبيات مولوي التالية، يخاطب العشقُ الإنسانَ على لسانه قائلاً: تو همچو وادیِ خشکی و ما چو بارانیم/ تو همچو شهر خرابی و ما چو معماری (ديوان شمس، ص 972). أنت، أيها الإنسان، مدينة خراب ونحن، أي العشق، معمارك. چو فتاد سایه تو سوی مفسدان مجرم/ همه جرم های ایشان چله و نماز گردد (ديوان شمس، ص 223). يقول إن وقع نظر العشق على البشر المجرمين، تتحول كل جرائمهم إلى خلوات أربعينية مرضية. العشق يحول الجرم إلى صلاة. إذن، العشق هو الإكسير الذي يحول نحاس وجودنا إلى ذهب، وينقلنا من إنسان غير أخلاقي إلى إنسان أخلاقي.
بناءً على ما تقدّم، يمكننا أن نتبيّن إجابة مولانا عن السؤال المطروح بجلاء تام، ولكن ما إن نسأل: ما هو هذا العشق الذي يصنع من الإنسان غير الأخلاقي فرداً أخلاقياً؟ حتى نصطدم بمشكلة كبيرة، وهدفي هنا هو طرح هذه المشكلة ذاتها. وهذه المشكلة لا تقتصر على بحثنا الراهن فحسب. ففي رأيي، حتى بغضّ النظر عن خاصية العشق في تحويل الإنسان غير الأخلاقي إلى إنسان أخلاقي، فإن كل من يريد البحث في العشق من منظور مولانا سيصطدم بهذه المشكلة، وعليه أن يدقّق فيها. وبالطبع، هذه المشكلة ليست حكراً على مولانا، ويبدو أننا نواجهها في آثار جميع الذين ظهروا في الثقافة العرفانية لخراسان الكبرى. أي أننا حين نرجع إلى آثارهم، لا ندرك ما هو العشق الذي يتحدثون عنه تحديداً؟ وفيما يلي سنستقصي هذه المسألة أكثر.
ثمة ثلاث مقاربات مهمة حول ظاهرة العشق. لكننا حين نطابق كلام مولانا عن العشق مع أيٍّ من هذه المقاربات الثلاث، نجد أن آراء مولانا لا تنطبق انطباقاً تاماً مع أيٍّ منها، وإن كانت هناك تشابهات كثيرة بين نظرات مولانا وكل واحدة من هذه المقاربات الثلاث. ومع ذلك، توجد في كلام مولانا مضامين لا نجدها في أيٍّ من هذه المقاربات. لعل هناك ظاهرة رابعة للعشق لم تكن معروفة لدى الآخرين الذين ساروا في هذا المضمار، وكان أشخاص كالعطار ومولانا هم المكتشفين الأوائل لتلك الظاهرة. لكن ليس من الواضح ما هو الشيء الذي اكتشفه أمثال العطار ومولانا تحديداً؟
كما قلت سابقاً، في الثقافة العالمية، سواء في الثقافة الغربية التي تضرب جذورها في اليونان وروما ومصر القديمة، أم في الثقافة الشرقية التي جذورها في الصين والهند واليابان القديمة، ثمة ثلاث ظواهر معروفة يُعبَّر عنها جميعاً، قليلاً أو كثيراً، بالعشق والمحبة والمودة وأمثالها. لكن هذه الظواهر لا تشترك إلا في الاسم، وهي مختلفة حقاً عن بعضها البعض، ولا يمكن تعميم حكم أيٍّ منها أو إسراؤه إلى الأخرى. ولكي نتعرف على العشق في منظور مولانا بشكل أفضل، يلزم أن نتعرف على هذه المقاربات الثلاث.
وهذه المقاربات الثلاث هي: 1) العشق الإروسي؛ 2) العشق الفيليائي؛ 3) العشق الأغابي. وفيما يلي سنشرح كل واحد منها باختصار.
1) الحب الإيروسي: هذا النوع من الحب يتعلق بالجمال. أما سائر أنواع الحب فلا صلة لها بالجمال. النوع الوحيد من الحب الذي نتعامل فيه مع الجمال هو ما كان يُعبَّر عنه في ثقافة اليونان وروما القديمة بـ«إيروس». الإيروس هو نوع من الحب لا ينشأ إلا حين يشاهد المرء جمالاً في مكان ما. فإذا لم يشاهد المرء جمالاً، أو شاهد شيئاً لا يراه جميلاً في ظنه، فلن ينشأ حب بهذا المعنى الأول. أكبر منظّر لهذا الحب هو أفلاطون الذي تحدث عنه في كتابين من مؤلفاته: أحدهما «المأدبة» (الوليمة، أو السمبوزيوم) والآخر «فايدروس». وقد قدّم أفلاطون في هذين الكتابين أكثر التنظيرات حول الظاهرة التي يُعبَّر عنها بالإيروس. ما هو التعريف الدقيق لهذه الظاهرة؟ التعريف الدقيق للحب الإيروسي هو: الرغبة في مشاهدة الجمال الحقيقي. ينبغي أن ننتبه إلى جميع كلمات هذا التعريف. فوفقاً لهذا التعريف، أولاً: الحب من مقولة الرغبة، وثانياً: هو رغبة في المشاهدة (الرؤية)، لا في شيء آخر، وثالثاً: هو رغبة في مشاهدة الجمال الحقيقي. هذا هو تعريف الإيروس في الواقع. يرى أفلاطون أن الرغبة في مشاهدة الجمال الحقيقي لدى الإنسان تبدأ من الرغبة في الأجساد الجميلة للبشر. الرغبة في الأجسام الجميلة للبشر. في البداية، يعشق الشخص الجمال الموجود في جسد إنسان معين. الحب الذي يكنّه الإنسان لجسد جميل هو الحب الإيروسي. ثم تمتد هذه الرغبة شيئاً فشيئاً من جمال جسد معين إلى جميع الأجساد الجميلة، ثم تخرج رويداً رويداً من جمال جسد البشر وتتعمم إلى جمال الجمادات والنباتات والحيوانات. هنا يعشق الإنسان جمال الأزهار والطيور والحيوانات، لكنه يدرك شيئاً فشيئاً أن هذه أيضاً لا ترويه، ومن هنا يشق طريقه بهدوء نحو الجمال الحقيقي الذي ينال كل كائن جميل من هذه الكائنات حصة منه، ويشارك فيه، بتعبير أفلاطون، فيصبح عاشقاً للجمال الحقيقي. في هذا المعنى من الحب، الذي هو حب الجمال، ينبغي أن ننتبه إلى عدة نقاط، كلها كانت موضع تأكيد أفلاطون والذين يدّعون اجتياز هذه المراحل. النقطة الأولى هي أننا في هذا الحب نتجاوز جسداً أو بدناً بشرياً معيناً ونصل إلى حقيقة متعالية يعدّها أفلاطون مثال الجمال وصورة الجمال، ويُطلق عليها بالتعبير الديني اسم الله. لكن أفلاطون لا يستخدم تعبير «الله»، بل يذكر الجمال الحقيقي باسم «مثال الجمال». إذن، النقطة الأولى هي أننا هنا نتعامل مع «سير» من الجمال الإنساني نحو الجمال الحقيقي. النقطة الثانية هي أن كل شيء جميل من هذا المنظور هو دعوة من العالم العلوي. الكائنات الجميلة هي بطاقات دعوة تُرسل إلينا من العالم العلوي. كل إنسان جميل يدعونا نحو صورة الجمال أو مثال الجمال. كل جسد جميل لا يحمل في ذاته سوى انعكاس للجمال الحقيقي؛ تماماً مثل انعكاس الشمس الذي يقول لك: أنا انعكاس لنور الشمس، فإذا أردت أن ترى من أين جئت، فعليك أن ترجع إلى الشمس نفسها. إذن، الجمال هو دعوة العالم العلوي لأولئك الساكنين في العالم الأدنى والأسفل من هذا الكون. الجميلون في هذا العالم ليسوا سوى بطاقات دعوة أُرسلت إلينا لتدعونا من التراب إلى الأفلاك. في الواقع، جميع الجميلين يدعوننا إلى أن نحلّق من هنا ونمضي نحو الأعلى. هنا بالضبط يُقال: الحب المجازي جسر إلى الحب الحقيقي. ما كان يقوله علماؤنا: «المَجازُ قَنطَرَةُ الحَقيقَةِ»، كان بهذا المعنى. كانوا يسمّون حب الإنسان للإنسان «حباً مجازياً» ويعتقدون أن هذا الحب جسر إلى «الحب الحقيقي»، أي حب الإنسان لله. لماذا هذا الحب جسر؟ لأنه يدعو الإنسان ألا يتوقف عند هذا الجميل المعين ويمضي نحو الله. كل جمال إنساني هو حصة ونصيب من جمال الله، ومن أراد الذهاب إلى منبع الجمال فعليه أن يذهب إلى العالم العلوي. بتعبير آخر، جميع الجميلين يقولون لنا بلسان الحال: أنا جميل، وإذا كنت عاشقاً لي فبسبب جمالي، فاذهب إذن نحو أصل الجمال. نحن جميلون لكن ثمّة جمال آخر هو الجمال الحقيقي وعليك أن تذهب نحوه.
النقطة الثالثة هي أنه بحسب أفلاطون والأفلاطونيين المحدثين والسالكين في مشربهم، فإن جميلات هذا العالم يدعوننا للذهاب إلى ذلك العالم، وما لم نذهب إليه، فإن هذه الجمالات لن تُشبعنا. جميلات هذا العالم يَعِدنَ ولا يَفينَ بوعودهن. كل جميلة في هذا العالم تقول لي: سأُشبعك، لكنها في الواقع لا تُشبعني. وعود جميلات هذا العالم وعود لا تُوفى، ولن نبلغ الإشباع إلا إذا ذهبنا إلى المنشأ الإلهي للجمال، حينها فقط يمكن أن نشعر بالرضا التام، أي أن نحس بالامتلاء والاكتفاء والقناعة الكاملة.
النقطة الرابعة هي أنه وفقاً لأفلاطون، فإن شرف الإنسان وقيمته يختلفان بحسب الجمال الذي يعشقه. شرف العاشق رهين بوعاء معشوقه. قد ينجذب شخص لجمال زهرة، وقد ينجذب آخر لجمال إنسان. مقدار قيمتي كعاشق يتوقف على مقدار قيمة معشوقي كمعشوق، لأن جمالات الجميلات المختلفة ليست على درجة واحدة من القيمة والشرف والفضيلة.
النقطة الخامسة هي أنه وفقاً لهذا الرأي، عندما يُفترض بي أن أتجاوز كل الجمالات لأصل إلى الجمال الحقيقي، فإن ثمة نوعاً من عدم الاكتراث بذلك الإنسان الجميل الذي أعشقه. لماذا؟ لأنني إن كنت أريد بلوغ الجمال الحقيقي، فلن يعود ثمة فرق كبير بين أن أبدأ من هذا الجميل فأصل إلى ذاك، أو أن أبدأ من ذاك الجميل فأصل إلى هذا. بتعبير آخر، إن كنتَ تعشق مبنى البنك، فقد تُفضّل مبنىً معيناً على بقية البنوك لأن هندسة هذا البنك تعجبك أكثر. أما إن كنتَ ترتاد أي بنك لأجل المال فحسب، فما الفرق عندئذ بين البنوك؟ لا فرق البتة. والآن، إن كان مرادي من ارتياد الجميلات هو التمتع بالجمال الحقيقي، فلن يعود ثمة فرق بين هذه الجميلة وتلك. لهذا يمكن تصور نوع من التطواف العشقي في هذا النوع من الحب، أي الحب الإروطيقي.
أما النقطة الأخيرة فهي أن الجمال في هذه النظرية ليس صفة للإنسان فحسب، بل هو صفة للجمادات والنباتات والحيوانات أيضاً. بل وأكثر من ذلك، فالجمال بحسب أفلاطون صفة للنظريات الفلسفية كذلك. يمكن القول إن نظرية فلسفية ما أجمل من نظرية فلسفية أخرى، أو إن تنظيماً سياسياً ما أجمل من تنظيم سياسي آخر، ويمكن القول إن مثالاً أعلى أجمل من مثال أعلى آخر. قد يقول قائل إن الحقيقة أجمل من العدالة، ويقول آخر إن العدالة أجمل من الحرية. حتى المُثُل العليا هنا لها جمال وقبح، وبتعبير آخر، للمُثُل العليا جمال، وكونها أجمل، وكونها الأجمل.
الآن وقد تعرّفنا على نظرية الحب الإروسي، صرنا نستطيع أن ندرس بها أشعار مولوي في الحب. نجد في أشعار مولانا بكثرة حديثه عن جمال معشوقه. أي أن مولوي في الواقع يسير في بحث الإروس ويعتبر جمال المعشوقين البشريين علامة على جمال الله. تأملوا هذا الشعر لمولانا: المعشوقة ذريعة والمعشوق هو الله/ وكل من ظنّ اثنين فهو يهودي أو نصراني (ديوان شمس، ص1279). إن كون «المعشوقة ذريعة والمعشوق هو الله» هو رأي أفلاطون نفسه. فالمعشوق الحقيقي في الواقع هو الله. وجميع معشوقي هذا العالم ذرائع، والعشّاق، عن وعي أو عن غير وعي، يسيرون من خلالهم نحو الله. فالمعشوقون في الواقع ليسوا محبوبين لذواتهم، والعشّاق، شاءوا أم أبوا، يتجاوزونهم ويصلون إلى جمال آخر. وفي الشعر التالي يتحدث مولوي أيضاً عن الإروس: العشق معراج نحو سطح الجمال/ من وجه العاشق يقرأ قصة المعراج (ديوان شمس، ص 82). نحن بالعشق نحو الشخص الجميل نعرج. وهنا أيضاً يتحدث مولوي عن الجمال، وكما سأقول لاحقاً، ففي أنواع الحب الأخرى لا أهمية للجمال مطلقاً. لاحظوا بعض النماذج الأخرى من أشعار مولوي التي ورد فيها الحديث عن الجمال: أصل مئة يوسف جمال ذي الجلال/ يا من أنت دون امرأة، كن فداء لذاك الجمال (المثنوي، 5/3240). حُسن يوسف صار قوت الروح عام القحط/ جئنا من قحطنا نحن أيضاً نحوك (ديوان شمس، ص 788). ورد في الأساطير والتفاسير العرفانية، كتفسير سورآبادي، أنه في السنوات السبع التي ساد فيها القحط زمن حكم يوسف في مصر، كان جميع الناس يخرجون من بيوتهم جياعاً كل صباح، وإذ لم يكن لديهم ما يأكلونه، كانوا يأتون إلى جانب قصر يوسف، وكان يوسف يجلس على سطح القصر، فينظر إليه الناس حتى المساء ويشبعون من جماله، ويعودون إلى بيوتهم ليلاً شبعى، وفي صباح اليوم التالي يعودون جياعاً. أي أن يوسف كان يُشبع الناس بجماله. يقول مولانا: في عام القحط، صار جمال يوسف قوت روح الناس، ونحن الآن جئنا من القحط نحوك أيضاً. ثمة أبيات كثيرة بهذا المضمون في آثار مولوي، أشير إلى بيت آخر منها: العاشق إن يكن من هذا الطرف أو من ذاك الطرف/ فهو في النهاية دليلنا إلى ذلك الطرف (المثنوي، 1/111) وهذا هو عين الحب الأفلاطوني الذي لا يهم وفقاً له من تعشق، فستصل في النهاية إلى الحب الإلهي. لكن كل ما يقوله مولانا في باب الحب لا ينسجم مع هذه الرؤية. وهنا نصل إلى الرؤية الثانية الموجودة حول الحب.
2) الحب الفيليائي: الظاهرة الأخرى التي كانت موجودة حول الحب في اليونان القديمة، هي ما يُعبّر عنه بـ «فيليا». الفيليا هي النوع الثاني. في هذا النوع من الحب لا حديث مطلقاً عن الجمال، أو الميل والشوق، أو لقاء الجمال الحقيقي. نحن هنا نتعامل مع بحث الإرادة والرغبة، والشخص الذي يكنّ له المرء المحبة ليس جميلاً. تعريف هذا الحب هو: أن ترغب في الخيرات لشخص آخر ومن أجله هو فقط. إذا وجدت علاقة من هذا القبيل بين شخص وآخر، فقد نشأت محبة من نوع الفيليا. إذا كنت أرغب في أمر جيد لكم، لكن ليس من أجلكم أنتم، بل لكي تعود فائدته إليّ أنا، فمحبتي في هذه الحال ليست من جنس الفيليا. أكبر منظّر للفيليا هو أرسطو. فهو على خلاف أستاذه أفلاطون الذي كان كل اهتمامه، بسبب نظريته الفلسفية، محصوراً في الإروس، طرح بحث الفيليا. والآن ننتقل إلى بيان خصائص هذا النوع من المحبة.
النقطة الأولى هي أن الأشخاص وحدهم هم من يقعون متعلَّقاً للمحبة في الفيليا؛ لأن البشر وحدهم هم من يمكننا أن نرغب في الخير لهم، لا الجمادات والنباتات والحيوانات.
النقطة الثانية هي أن الشخص في هذه المواقف، إذا كان حقاً عاشقاً ومحباً لشخص آخر، فبمجرد أن يعلم بحاجته أو رغبته أو نفعه، يبادر فوراً إلى قضاء حاجته، وإيصاله إلى رغبته، ودفع النفع إليه.
النقطة الثالثة هي أن هذه المحبة، بحسب أرسطو، يمكن تصورها على صورتين: أحادية الجانب وثنائية الجانب. تارة أكون أنا من يرغب فقط في إيصال كل خير إليك لذاتك، لكن قد لا يكون لديك أنت هذا الشعور تجاهي إطلاقاً. يسمي أرسطو هذا النوع من الفيليا "حسن النية". أنا أحسن النية تجاهك، لكنك لا تحسن النية تجاهي؛ لأنك، لأي سبب كان، لا تكنّ تجاهي هذا الشعور الذي أكنّه تجاهك. أما إذا أصبحت هذه العلاقة ثنائية الجانب، أي أنا لدي هذه الرغبة تجاهك وأنت لديك هذه الرغبة تجاهي، فهنا نتعامل مع نوع من المحبة يسميه أرسطو الصداقة. يولي مولانا اهتماماً أكبر بالعلاقة ثنائية الجانب، وإن كان يشير أحياناً إلى العلاقة أحادية الجانب.
يبرز هنا سؤال: ما هي الأشياء الجيدة التي ينبغي أن أرغب فيها للآخر؟ بحسب أرسطو، قد يكون ذلك الشيء الجيد تلبية حاجة أو رغبة أو إيصال منفعة. وهذه الحاجة أو الرغبة أو المنفعة يمكن أن تكون بدورها فضيلةً أو لذةً أو نفعاً، وبناءً على ذلك توجد ثلاثة أنواع مختلفة من الصداقة:
أ) أحياناً أرغب في إيصال فضيلة إلى الطرف المقابل، وهنا تنشأ الصداقة القائمة على إيصال الفضيلة. على سبيل المثال، إذا أردت أن أحولك إلى إنسان جيد، وأن أجعلك شخصاً صادقاً بعد أن كنت مثلاً شخصاً غير صادق، ففي هذه الحالة تكون صداقتي تجاهك قائمة على إيصال الفضيلة.
ب) أحياناً أرغب في إيصال لذة إلى الطرف المقابل، وفي هذه الحالة تنشأ الصداقة القائمة على إيصال اللذة.
ج) أحياناً أرغب في إيصال فائدة إلى الطرف المقابل، فتنشأ الصداقة القائمة على إيصال النفع. انتبه إلى أن النفع واللذة يختلفان عن بعضهما، وهذا ليس موضوع نقاشنا.
ينقسم كل نوع من أنواع الصداقة الثلاثة هذه في داخله إلى نوعين: تارة نكون أنا وأنت صديقين، وأرغب في إيصال الفضيلة أو اللذة أو النفع إليك، وترغب أنت في إيصال الفضيلة أو اللذة أو النفع إليّ. هنا كل واحد منا يعطي ما يأخذه ويأخذ ما يعطيه. وتارة أخرى يكون الأمر على هذا النحو: أرغب أنا في إيصال الفضيلة إليك وترغب أنت في إعطائي اللذة، أو أرغب أنا في إعطائك اللذة وترغب أنت في إيصال النفع إليّ، أو أرغب أنا في إعطائك النفع وترغب أنت في إعطائي الفضيلة؛ أي تحدث مقايضة في الواقع. هذه المسألة تجعل الصداقة مختلفة أيضاً، ومن هنا ينبغي على المرء أن يدقق في علاقته بأصدقائه. كان هذا الأمر مهماً لدى أرسطو ويُعتبر فضيلة أخلاقية عظيمة، ولذلك كان يقول إنه يجب أن تمعنوا النظر في صداقتكم مع الآخرين، وعند اختيار صديقكم عليكم أن تعرفوا هل يُتبادل في هذه الصداقة فضيلة أم لذة أم نفع؟
النقطة التالية التي يقولها أرسطو هنا هي: هل لطرفي الصداقة موقف متساوٍ أم لا؟ هل يخل هذا الموقف غير المتساوي بصداقتهما أم لا؟ فمثلاً، الوالدان تجاه أبنائهما لديهم هذه الصداقة ذاتها، لكن موقف الوالدين تجاه الأبناء موقف غير متساوٍ، وبالمثل، يمكن للحاكم أيضاً أن تكون لديه هذه الصداقة تجاه رعاياه، لكن الحاكم ليس له موقف متساوٍ تجاه رعاياه، وللرجال تجاه زوجاتهم هذا النوع من العلاقة ذاته، لكن موقفهم ليس موقفاً متساوياً أيضاً، غير أن عدم تساوي موقف الطرفين في هذا النوع من الصداقة ليس مخلاً بالصداقة. مثل زميلين أحدهما رئيس للآخر والآخر مرؤوس له، لكنهما يوضعان في ميزان واحد ويمكنهما أن يفيدا بعضهما، وينقلا الفضيلة، ويوفرا اللذة لبعضهما.
النقطة الخامسة هي أن المستفيد الأكبر في هذا النوع من الصداقة، بحسب أرسطو، هو من يُحب، لا من يُحَب. أي أن تكون محباً في هذه الصداقة أفضل من أن تكون محبوباً. أن تكون عاشقاً أفضل من أن تكون معشوقاً. يُظهر أرسطو، من خلال تحليل سيكولوجي، أن العاشق في صداقة الفيليا ينتفع أكثر من المعشوق.
والنقطة الأخيرة هي أن هذا النوع من الصداقة قد يحدث بين الإنسان ونفسه؛ وهذا هو الموضع الوحيد الذي لا إشكال فيه في حب الذات. يمكن للمرء أن يمنح نفسه فضيلة أو لذة أو نفعًا، وكما يحب الآخرين، يحب نفسه. ويمكن للإنسان أن يفعل لنفسه ما يفعله لأصدقائه. وهذا النوع من حب الذات، في نظر أرسطو، ليس فيه عيب ولا حرج، بل هو من الفضائل الأخلاقية ألا يرى المرء نفسه أقل من الآخرين. فحين يكون لدى الإنسان شوق واهتمام بأن يمنح الآخرين لذة أو فضيلة أو نفعًا، فلماذا يضن بهذه الأمور على نفسه ويمنعها عنها؟ وقد ذهب بعض الأرسطيين لاحقًا، مثل توما الأكويني، إلى أن على المرء أن يحب نفسه أولاً، حتى يتسنى له بعد ذلك أن يحب الآخرين. فمن لا يحب نفسه، لا يمكنه أبدًا أن يقيم مع الآخرين علاقة من نوع فيليا.
3) الحب الأغابي: تختلف الصداقة الأغابية عن الحب الإروتيكي والصداقة الفيليائية، ولها عدة خصائص مهمة لا توجد في ذينك النوعين من الحب. في هذا الحب، كما في الحب الفيليائي، أريد أن أعطي شيئًا لشخص آخر، ولكن مع فوارق جلية وبارزة جدًا. أولاً، في هذا العطاء، إذا أعطيتكم شيئًا، فأنا لا أريد مطلقًا أن آخذ منكم شيئًا في المقابل؛ لا أرجو أخذًا، ولا أتوقعه، ولا أحسب حسابه. وهذا النوع من العطاء يسمى العطاء بلا مقابل. ثانيًا، هذا النوع من الصداقة شامل تمامًا، أي أنه يشمل جميع البشر، بل ويشمل حتى الأعداء. ورد في الشريعة اليهودية: «أحبوا أصدقاءكم ولا تحرموا من أحسن إليكم من إحسانكم». والسيد المسيح (ع)، كما ورد في إنجيلي متى ولوقا، لا يرفض هذا القول، بل يقول: ما جاء في الشريعة صحيح، ولكني أقول لكم: ينبغي لكم أن تحبوا حتى أولئك الذين لا يحبونكم. وعبارته هي: لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟ إذا كان على المرء أن يحب من يحبونه، فأي أجر في ذلك؟ أليس العشارون أيضًا يفعلون ذلك؟ ينبغي لكم أن تحبوا الذين لا يحبونكم. وفي موضع آخر من إنجيل متى، نُقل عن السيد المسيح (ع) قوله: «أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم»، ثم يضرب عدة أمثلة لأناس ينبغي أن يكونوا مقصودين من حيث المبدأ، ويقول: هؤلاء يجب أن تحبوهم. وأسمى من ذلك، في إنجيل لوقا، هناك مثال عن السامري الصالح. حيث يقول السيد المسيح (ع): «أحبوا أيضًا أولئك الذين هم بعيدون عن ملتكم ودينكم ولا يقبلون ملتكم ودينكم»، والمثال الشهير جدًا على ذلك هو السامري الصالح. هذه نماذج من الحب الأغابي. إذن، في هذا النوع من الحب، لا ينبغي أن تكون للطرف المقابل الذي سيتلقى حبي صفة خاصة. يمكنني أن أحب حتى أعدائي، والأشخاص الذين لا يعرفونني، أو الذين يعرفونني ويكنون لي البغض أو الحقد أو العداوة. إذن، الحب الأغابي يتسم بالشمول ويحتضن الجميع. الخاصية الثالثة لهذا النوع من الحب، والتي يؤكد عليها مولانا كثيرًا، هي أن البشر قيمون من حيث هم بشر. لذلك، لا ينبغي أن تنظروا إلى أعمالهم، بل يجب أن تحبوهم. للإنسان قيمة وكرامة ذاتية، وبسبب هذه الكرامة الذاتية للبشر تحديدًا، ينبغي ألا ننظر إلى أفعالهم.
الخاصية الرابعة لهذا الحب هي أنه دائم ولا يزول كبقى أنواع الحب. النوعان السابقان من الحب قد يدومان مدة ثم يزولان، أما هذا الحب فهو دائم. حبنا ليس أبديًا لأنه يتوقف على صفات الطرف المقابل. ولكن بما أن الحب الأغابي لا يتوقف أساسًا على صفات الطرف المقابل، فهو إذن غير قابل للزوال أبدًا. هذا الحب هو الحب الدائم. حب بلا توقف وبلا انقطاع.
المسألة الخامسة هي: مَن هم مصاديق هذا العشق وإلى أيّ أفراد يتعلّق؟ على النحو الذي كان يقوله أرسطو وسائر الفلاسفة، قد يكون هذا النوع من العشق بين إنسان وبشر آخرين، ومن الممكن أن يحمل الإنسان هذا العشق تجاه الله. في هذه الحال، ومن دون أن يأبه بردود أفعاله، يرى الإنسان نفسه خادماً له وعبداً في جميع الأحوال، ويخدمه بإخلاص. ليس مهماً البتّة ما يعطيني الله إياه لقاء خدمتي له. لا شكّ أنّ عشق الله هو حتماً من نوع الأغابي، أمّا عشقنا نحن البشر للبشر الآخرين فيمكن أن يكون من هذه المقولة الثالثة أو الأولى أو الثانية. في اللاهوت المسيحي يروّجون لهذا العشق أكثر من العشقين الآخرين.
كان القديس بولس يقول: «جميع الفضائل تختزل في ثلاث فضائل: الإيمان، والعشق، والأمل»، وكان يعني بالعشق هذا العشق الأغابي تحديداً. ذهب بعض الفلاسفة والعرفاء اللاحقين إلى أنّه على الرغم من كون الأغابي قيّماً جداً، لكن بما أنّ إمكاناتنا للأغابي محدودة ولا نستطيع أن نحسن ونعشق جميع بني البشر في العالم، بصرف النظر عن خيرهم وشرّهم، فلا بدّ لنا من أن نلجأ إلى الانتقاء. بمعنى أنّه في الوقت الذي أحبّ فيه جميع بني البشر باطناً وقلباً ومن الناحية العاطفية، لكن نظراً لقصر العمر وضآلة رأس المال، لا أستطيع أن أتعامل معهم جميعاً تعاملاً عاشقاً وودوداً، فلا بدّ من الانتقاء، ولهذا الغرض يلزم أن يكون هناك ترجيح في هذا الانتقاء. هنا قال منظّرون مثل توما الأكويني: لماذا ينبغي للأغابي ألّا يكترث بخصائص البشر؟ والآن بما أنّ إمكانات كلّ إنسان محدودة ولا نستطيع أن نحسن إلى جميع البشر، فينبغي أن يكون في إحساناتنا انتقاء، وهو يعرّف هذا الانتقاء على النحو التالي: أولاً ليكن أغابيكم لأنفسكم، ثانياً للأفراد المقرّبين إلى الله، وبتعبير الدين: المقرَّبين إلى الله، ثالثاً للأقارب بالنسب والمصاهرة. لكنّ كثيراً من المفكّرين يعتقدون أنّه إذا دخل الانتقاء تحوّل الأغابي إلى غير أغابي، لأنّه لا ينبغي في الأغابي أن يكون الشخص مختلفاً تجاه الأفراد الآخرين. ولهذا يقول كيركغور في كتاب «أعمال العشق» الذي هو أهمّ كتبه: لا ينبغي تخصيص الأغابي. ويتحدّث مولانا كثيراً عن هذا النوع من العشق. يقول إنّ الشمس تشرق على المزبلة كما تشرق على البستان، وبرأيه ينبغي لنا نحن أيضاً أن نفعل مثل الشمس، ينبغي أن نشرق على الجميع.
على الرغم من أنّنا نستطيع أن نجد في أشعار مولانا نماذج كثيرة لكلّ واحد من أنواع العشق الثلاثة المذكورة أعلاه، إلّا أنّ لديه مع ذلك كلاماً عن العشق لا يتوافق مع أيّ واحد من هذه الأنواع الثلاثة للعشق. ينسب مولانا ثلاث خصائص مهمّة للعشق لا توجد في أيّ نوع من أنواع العشق الثلاثة التي نعرفها.
الخاصّية الأولى هي أنّ لمولانا أبياتاً كثيرة جداً يكون فيها جميع موجودات العالم عاشقين: الذئب والدبّ والأسد يعلم ما العشق/ أَخَسّ من كلبٍ مَن كان عن عشقه أعمى (المثنوي، 5/2008). تُرى كيف يكون هذا العشق؟ من البديهي أنّ الذئب والدبّ والأسد لا علم لهم بالإروس والفيليا والأغابي. في آثار مولوي جميع أجزاء العالم عاشقة وكلّ جزء من العالم مستهام باللقاء: لو لم تكن هذه السماء عاشقةً/ لما كان لصدرها صفاء/ ولو لم تكن الشمس أيضاً عاشقةً/ لما كان في جمالها ضياء/ الأرض والجبل لو لم يكونا عاشقين/ لما نبت من قلب كليهما نبات (ديوان شمس، ص 1127). نرى في هذه الأبيات أنّ السماء والشمس والأرض والجبل جميعاً عاشقة. هذه الخصوصية للعشق لا توجد في أيٍّ من المقاربات المختلفة للعشق.
الخاصّية الثانية للعشق في نظر مولوي هي أنّه يعتبر الله عاشقاً أيضاً في كثير من المواضع. في أنواع العشق الثلاثة التي ذكرناها آنفاً، لا يمكن أن يكون الله عاشقاً إلّا في العشق الأغابي وحده. لكن يبدو من كلام مولوي أنّ عشق الله لنا ليس عشقاً أغابياً، بل هو عشق من مقولة أنّنا شبيهون ببعضنا؛ نحن شبيهون بالله وهو شبيه بنا.
السمة الثالثة التي يجدها مولانا للحب في أعماله، والتي تثير دهشتي كثيرًا، هي أنه إذا نشأ الحب في شخص ما، فإن جميع الشرور تزول منه. كان موضوع النقاش أننا لا نعيش حياة أخلاقية لأننا لسنا عاشقين. والآن نرى أن الحب في نظر مولانا يمكنه أن يزيل كل الشرور فينا، لكن الفيليا والإيروس والأغابي لا تمتلك هذه الخاصية. صحيح أن الأغابي هي في حد ذاتها خير، وإذا كان لدى الإنسان حب من نوع الأغابي، أي أن يحسن إلى الآخرين دون أجر أو مقابل أو توقع، فهذه فضيلة عظيمة بحد ذاتها، لكن معنى هذا القول ليس أن هذا النوع من الحب يخلق فينا الفضائل الأخرى. لكن ادعاء مولوي هو أن الحب يداوي كبرياء الإنسان وناموسه: يا دواء كبريائنا وناموسنا/ يا أنت أفلاطوننا وجالينوسنا (المثنوي، 1/24).
هل لدينا تصور عن هذا الحب الرابع؟ يُقال في مباحث الهرمنيوطيقا إنك عندما تصادف لفظًا في كتابات مؤلف ولا تعرف معناه، يمكنك أن تبني منه نمطًا (pattern) تقترب به منه شيئًا فشيئًا. حقًا، ما النمط الذي يمكن أن نتصوره لهذا الحب؟ حب تكون فيه جميع أجزاء الكون عاشقة، ويكون حب الله لنا من هذا القبيل أيضًا، ويزيل كل الشرور في الإنسان، كيف يكون هذا الحب؟
نقطة أخرى هي أن أرسطو كان يعتقد أن الأفلاك والنفوس الفلكية تمتلك علمًا وإرادة. أي أنه في نظره فلك الشمس وفلك الزهرة وفلك القمر وجميع الأفلاك تمتلك علمًا وإرادة وهي كائنات حية، وبما أنها تمتلك علمًا وإرادة، فيمكنها أن تمتلك حبًا أيضًا، لأن امتلاك العلم والإرادة كافٍ للحب في نظر أرسطو. لذلك كان يقول إن الأفلاك عاشقة، وإذا كانت تتحرك فإن حركتها هذه هي لأنها عاشقة للمحرك الذي لا يتحرك. ورغم أن أرسطو لم يستخدم لفظة الله، إلا أنني أعتبر المحرك الذي لا يتحرك بمعنى الله في الواقع. لذلك، يمكن القول إن الأفلاك أيضًا عاشقة لله، ولها هذا السعي والحركة بسبب عشقها لله. في نظر أرسطو، المحرك الذي لا يتحرك هو كالمعشوق، لأن المعشوق يجلس في مكانه والعاشق هو من يأتي إليه. قد يظن البعض أن نظرية أرسطو هذه هي نفس نظرية مولانا، لكن يجب الانتباه إلى أن الأفلاك وحدها هي التي تمتلك علمًا وإرادة في نظر أرسطو، أما سائر الموجودات على وجه الأرض فلا تمتلك علمًا وإرادة ولا يمكنها أن تصبح عاشقة. أما في نظر مولانا، فجميع موجودات العالم يمكنها أن تصبح عاشقة. وهنا لا نفهم أي حب هذا الذي كان من المفترض أن يحولنا من إنسان غير أخلاقي إلى إنسان أخلاقي. والآن، كل كلامي هو أنه في الوقت الذي يعتقد فيه مولانا أنه إذا أردتم أن تصبحوا أخلاقيين، فعليكم أن تصبحوا عاشقين، فإننا لا نستطيع أن نفهم أن نصبح عاشقين يعني ماذا يجب أن نصبح؟ هل يعني أن نجد حبًا إروتيكيًا؟ أم أن نجد حبًا من نوع الفيليا، أم أن نجد حبًا من جنس الأغابي؟
حتى الآن، لم يستطع أي من الباحثين المتخصصين في مولانا أن يحددوا ما هو هذا الحب؟ لكننا نتحدث باستمرار عن أن مولانا هو سيد العشاق، وأنه يتحدث عن الحب من بداية أشعاره إلى نهايتها. حقًا، ما هي حقيقة الحب الذي يتحدث عنه مولانا؟ وكيف يمكن تحصيل هذا الحب واكتسابه؟
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١٣ تعليق
سلام دوستان اگر من معنی و مفهوم جمله " من نمی دانم " و جمله " تا حالا به نظر می رسد یا دانسته شده است که انسان نمی داند" و شبیه این جملات در تکمیل لاادری! را بپذیرم، کار و بارم خواهد گرفت و نوعی رضایت خاطر _ لاجرم شخصی _ خواهم داشت. سپس می توانیم همین معنی را که من از مولانا مطلبی را نگرفتم، اما از آکوییناس گرفتم. در این صورت معنی یا مفهوم یا منظوری را از مثلا کلمه عشق _ در رابطه با؛ یا بدون ارتباط با چیزی یا شخصی _ می فهمم. البته بعدا با شواهدی که بدست می آورم یا عمیقتر شدن فهمم، بازهم بیشتر دانا خواهم شد... . و لذت یا الم، یا لذت و الم _ و دیگری هایی _ کسب خواهم کرد. متشکرم امین بلندی
عشق پیوند روح عاشق و روح معشوق است. فکرکنم منظور مولانا همین است. پیوند دوروح درواقع درهم تنیدگی روح عاشق ومعشوق است.دو روح که هم سنخ یکدیگر باشند.
چنانچه روح عاشق با روح معشوق سنخیت نداشته باشد.هردو عذاب می کشند,مخصوصا معشوق بیچاره. اگرعاشق واقعا عاشق است وبامعشوق سنخیت ندارد,باید معشوق رارها کند.چه بساکسانی به نام عشق چه جنایتهایی مرتکب شده اند,نظیر قتل-خودکشی-اسیدپاشی وغیره.. به نظرمن انسانی که بداخلاق است باعشق هم درست نمی شود. ذات بد نیکو نگردد چونکه بنیادش بد است..
به قول دکتر عبدالحمید ضیایی، ملکیان فرمانروای فروتن حوزه عقلانیت است . آفرین بر دست و بر بازوش باد . حکایت مولوی ( و اساسا عرفان اسلامی ) اینست که دائما و دائما و دائما در باب چیزی ( عشق ) سخن میگویند که اساسا معلوم نیست ماهیت آن چیست .بنده اصلا کاری به مبادی انتولوژیک عشق ( یعنی وجود خدا ) ندارم . مشکل بنده ( و در واقع مشکل عرفان )اینست که سخن محصلی در باب کیفیت این عشق وجود ندارد . حکایت مولوی حکایت کسی است که دائما و با شوقی بی حد و حصر میگوید: وه که چه لذت نابی ، وه که چه شادی غیرقابل وصفی ، و کذا و کذا ، و آنگاه که مامیپرسیم از چی لذت میبری ، واسه چی میرقصی ( سماع میکنی ) ، جناب مولوی هیچ حرف محصلی ندارد . شما دیوان شمس را که میخوانید حرارت غزلیات شمس را احساس میکنید . غرلیات شمس تصنع و تکلف نیست . احساس خالص و نابی است که منظوم شده . بقول خود مولوی : خون چو میجوشد منش از شعر رنگی میدهم . ولی دریغ از ذره ای اندربیان چیستی این عشق . علی ای حال با حلوا حلوا کردن دهان شیرین نمیشود . مضاف به آنکه عاشقان دیوانه کم ندیده ایم . ( بلانسبت مولوی ) .
سلام علیکم قیامت شو قیامت را ببین..... این پاسخ مولوی به شماست
به نظر چاره ای نیست جز اینکه پای در راه نهیم که آن هم زهرهء شیر میخواهد که نازپرورد تنعم نبرد راه به دوست و میان خون رفتن کار هر روبه صفتِ لاغرِ زشتخو مثل من نیست.
هر وقت زیر شمشیر غمش رقص کنان رفتیم، ما هم میچشیم ولی افسوس که حب دنیا نمیذاره پا در چنین راهی بذاریم.
به نظر من عشقی که مولانا از آن می گوید، بیان احساس تعلق به کل هستی و شادی زنده بودن است.چیزی شبیه به شادی و اعتماد بی چون و چرای کودکان.
زیبایی عشق در سردر نیاوردن است کار سر نیست درک عشق . جای عاشقی هم سر نیست
جالب بود از افلاطون و ارسطو و عیسی و توماس اکویناس و... چیزها آموختیم اما از آشفته بازار عشق و عاشقی های مولوی نتوانستیم سر در بیاوریم! زیبا نیست؟ همه شعر و عرفان ما دقیقا همینه!
اگر مولوی رومی یا حتا اگر ژاپنی بود ، در ردیف کسانی قرار می گرفت که از آنان « چیزها آموختید » . به هر حال ، از مولوی آموختم « ترازو گر نداری ، ترا زو ره زند / یکی قلبی بیاراید ، تو پنداری که زر دارد » ؛ « هر که باشد خرمنش سوخته / می نخواهد شمع کس افروخته » و .... ؛ آموختن به منش آموزنده هم وابسته است .
سلام علیکم چون افلاطون و ارسطو و توماس رو ریختی تو ذهنت . حالا با مولوی هم میخوای همون کارو بکنی بخاطر همین جواب نمیگیری
از استاد دکتر محمدعلی انصاری مفسر ارجمند قرآن جایی شنیدم که استاد جلال الدین همایی این غزل خواجه که ((زان یار دلنوازم شکریست با شکایت)) را هرگاه خواستند بخوانند از خود بیخود و بیهوش می شدند و نمی توانستند به پایان برسانند غزل جناب خواجه را؛ غرض اینکه آن حالی که شما و من یا هر فارسی زبان پیدا میکنیم با خواندن هر غزل جناب حافظ یا یکی از غزلیات شمس را یک غیرفارسی زبان نمیتواند داشته باشد و درک کند، آن عشق که حضرت خداوندگار مولانا مارا بدان راهبر است، نه در لفظ و بیان که در جان و دلهای ما نقش بسته( توجه شما را به ناخودآگاه جمعی یونگ جلب میکنم) عشقی که از صدها و هزارها سال پیش در جان و دل ما نقش بسته و در لفظ و بیان و قلم آمدنی نیست.به نظرم ما ایرانیان ملت عاشقانیم ولی افسوس و هزار افسوس که روزمرگی( اقتصاد،سیاست و ...) ما را از خودِ واقعی مان بسیار دور کرده است وگرنه چرا ما هنوز عاشق حضرت مولونا و جناب حافظ و شعر و غزل هستیم.