اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
انزلقت النقاشات الأخيرة بين المترجمين والنقاد إلى سجالات عدائية واستقطبت الفضاء الفكري. الحل المقترح هو تجاوز هذا التقابل عبر المنهج الجدلي الهيغلي وبلوغ مواجهة نقدية بناءة.

الطريقة الوحيدة للتعامل مع حقيقة أي أمر هي التعامل النقدي معه. لا شك في أنه يجب الدفاع عن النقد بشكل عام، وهذا الدفاع في مسألة الترجمة أخطر وأكثر حيوية بكثير. منذ سنوات، بسبب تعاملنا المتزايد مع الآفاق العالمية – رغم العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية و«التمحور الثقافي» – اكتسبت الترجمة وظيفة أكثر جدية وفعالية بكثير من السابق. لقد تطور الأمر إلى درجة يمكن الحديث عن تيار يُسمى «الترجماتية» التي ترى في الترجمة الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة والتفكير الصحيح. من جهة أخرى، في هذه السنوات، تزايدت بشدة تجربة التعامل مع ترجمات مليئة بالأخطاء والمشبوهة والمضللة وغير المفهومة. ترجمات مترجموها إما «لا يعرفون اللغة المصدرية»، أو «لا يجيدون الكتابة باللغة الهدف»، أو «لا يفهمون معنى النص»؛ وللأسف قد يعانون من كل هذه الثلاث المشاكل في آن واحد...
.
المقدمة: نقاشات متكررة
في السنوات الأخيرة شهدنا مراراً نقاشات حول ترجمة الأعمال الفلسفية. اتسمت هذه النقاشات بعملية ونتيجة واحدة في الغالبً. يبدأ أحدهم بانتقادات على ترجمة عمل ما. يصحب هذا الانتقاد عادةً عدة شواهد. يركز الناقد على أكبر الأخطاء وأفضحها لتقديم الشواهد. يُعاد عرض جملة من الترجمة؛ ثم يُذكر النص الأصلي باللغة المصدر، وأخيراًً يقدم الناقد ترجمته البديلة. في هذه اللحظة يفترض أن يبلغ العرض ذروته، فيدرك المخاطب حجم الخطأ الفاحش وينال نوعاً من الكشف. لكن هذه الانتقادات عادةً لا تقف عند هذا الحد. لقد بسط الناقد مقدماته للتو. ليس الهدف في الواقع نقد الترجمة، بل الانتقاد الأولي يوفر للناقد فرصة بدء معركته. يتطور النقاش أحياناً ليشمل المنهج الفكري وطريقة العيش وحتى السن والجنس. الناقد هنا منشغل بتصفية حسابات، حتى مع أشخاص لا يعرفهم. يضع الناقد نفسه في موقع صاحب المعرفة المطلقة وحامي اللغة والفكر، ويؤدب المترجم الخاطئ.
من جهة أخرى، يقدم المترجم أو مناصروه على الرد. في شبه جميع الحالات المجربة يتجاهل المترجم أو تماماً انتقادات الناقد ولا يرد إلاّ على الاتهامات والنقاشات الهامشية، أو في أحسن الأحوال يبحث بين جميع الانتقادات عن أضعفها فيختاره ويرد عليه لكي يقلل من قوة النقد. وفي بعض الحالات يذهب المترجم إلى حد أنه يصنع من ضعف الترجمة والخطأ فيها نوعاً من الفضيلة، وبدون مواجهة نقدية مع عمله يلجأ إلى حيلة "تطبيع الخطأ" أو حتى إلى تثليثه.[۱]
إن نتيجة هذا الجدل المحض لكن المنقسم بشكل ثنائي هي مجرد استقطاب المجال الفكري للمجتمع، وهو ما ينتهي عادة إلى نزاعات جدلية أشد بخصوص الأخطاء في الترجمة نفسها — وذلك مع تمركز حول أنصار الطرفين.[۱]
الرفع الهيغلي للطرفين
في تقابل مع هذه الجدالات العدائية، يمكن للمرء أن يسير على نهج الطريقة الهيغيلية في مواجهة الخلافات الفكرية التي تنبثق من جدليتها، طريقة تتوخى هيغل من خلالها دائماً – بخلاف كانط – العمل على رفع طرفي التناقض في نوع من «الطريق الثالث» الذي يكون رافعاً وجامعاً لكلا الطرفين. يتم هذا الأمر المهم بوساطة مفهوم أصبح اليوم، بفضل الدراسات الهيغيلية للعقد الأخير، مفهوماً أكثر أو أقل ألفة: الأوفهبونغ (Aufhebung). الأوفهبونغ في اللغة الألمانية يحمل معاني متعددة لكن بقدر تعلق الأمر بالبحث الحالي يجب الإشارة إلى ثلاث معان متلازمة: الحفظ والنفي والرفع. هذه الملاحظة لا تسعى إلى بسط وتحليل شامل لهذا المفهوم ووظائفه، بل تسعى فحسب إلى اعتماد الطريقة التي يتبناها هيغل، على سبيل المثال في مقدمة فينومينولوجيا الروح، في مواجهة الصراع بين التنوير والرومانتيسية. يقوم هيغل هناك من جهة بانتقاد التنوير لأنه لم يوجه العقل نحو الرضا ورفع التناقضات، ومن جهة أخرى ينتقد الرومانتيسية لأنها، رغم أنها تقدم انتقادات صحيحة حول ضعف وأخطاء العقل، ليس لديها الحق في أن تضع العقل جانباً تماماً وتنزلق إلى نوع من العرفان البديهي الذي ينكر العقل ومليء بالخيال. في الحقيقة يسعى هيغل إلى إظهار أن التنوير محق في نقده للرومانتيسية وأن الرومانتيسية محقة في نقدها للتنوير، وفي الوقت ذاته كلاهما على خطأ بسبب اعتماد منهج أحادي الجانب وعدم رؤية «الحقيقة بوصفها كلاً شاملاً رافعاً». الطريقة الجدلية الهيغيلية (مع الأخذ بعين الاعتبار المعاني الثلاثة للأوفهبونغ) «تنفي» كلا الطرفين، وفي الوقت ذاته «تؤكد» جوانب من الحقيقة في كل منهما، وأخيراًً «ترتقي» بكلا الطرفين إلى مستوى آخر يتضمن كليهما رغم نفيهما. هذه المقدمة الموجزة تكفي لتوضيح منهج الكاتب في هذه الملاحظة وطريقة تعامله مع التقابل الثنائي بين «النقد بوصفه إمساكاً وتصفية حساب» و«الدفاع بوصفه تجاهلاً واستجابة».
موقف النقد بوصفه إمساكاً وتصفية حساب
الطريقة الوحيدة لمواجهة حقيقة أي شيء هي مواجهة نقدية. لا شك في أنه يجب الدفاع عن النقد بشكل عام، وهذا الدفاع أكثر جدية وحيوية بكثير في مجال الترجمة. منذ سنوات، بسبب انخراطنا المتزايد مع الآفاق العالمية – رغم العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية و«التوطين» الثقافي – اكتسبت الترجمة وظيفة أكثر جدية وفعالية بكثير من السابق. وصل الحال إلى حد يمكن الحديث عن تيار يسمى «الترجميين» الذين يعتبرون الترجمة الطريقة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة والتفكير السليم. من جهة أخرى، في هذه السنوات، ازدادت بشدة تجربة مواجهتنا بترجمات مليئة بالأخطاء ومريبة وضالّة وغير مفهومة. ترجمات مترجموها إما «لا يعرفون اللغة المصدر»، أو «لا يجيدون الكتابة باللغة الهدف»، أو «لا يفهمون معنى النص»؛ أو للأسف يعانون من المشاكل الثلاث معاً.
في مثل هذا المناخ، «رسالة» الناقد هي التمسك بمقولة تسمى «الصحة». يجب على الناقد أن يُظهر قبل كل شيء أن المترجم لم يستطع أن يفهم بشكل صحيح «معنى» فقرة أو جملة أو اصطلاح أو أحياناً النص برمته، ولم يستطع نقله أو إعادة صياغته. وطبيعياًً أفضل عمل أيضاً هو الإمساك بأفدح الأخطاء اللغوية. جمل بسيطة أو اصطلاحات عجز المترجم عن نقلها أو بالأحرى إعادة بنائها في اللغة الهدف، سواء بسبب بعده عن أجواء اللغة المصدر أو «عدم وجوده في الحديقة»، من الناحية المفاهيمية. يرى الناقد أن مهمته هي فضح الأكاذيب والتضليلات والكشف عنها، وبهذا المعنى يضع نفسه إلى جانب «الحقيقة» وفي موقع الدفاع عنها. إن وجود ناقد من هذا النوع في الفضاء الفكري (خاصة في مجتمعنا) ضروري جداًً. في مجتمع يقف الناقد فيه كـ«حارس» فوقه، يراقب جميع الأفعال والسلوكيات، لا يستطيع مترجم هاوٍ أو جاهل بعد الآن أن يسيب بسهولة أي هراء باسم فيلسوف أو كاتب معين ويلقيه في فم الشعب الجائع.
لكن السؤال هنا: هل هذه وحدها وظيفة الناقد؟ هل رسالة الناقد فقط الدفاع عن «الصحة»؟ ألا يمكن اعتبار ترجمات شاملو من لوركا وهدايت من كافكا وغيرها خاطئة وغير صالحة للقراءة بسبب عدم وفائها للنص الأصلي أو الأخطاء الفاحشة فيها؟ والأهم من ذلك، هل «الصحة» و«الوفاء» شرط ضروري للدفاع عن ترجمة ما؟ وما هو أهم من ذلك أيضاً: هل يجب أن يكون هدف الناقد إبعاد «الشباب الطالبين للشهرة» عن معبد الترجمة وإغلاق متاجرهم وإطفاء حماسهم وسعادتهم ربما الموهومة، حتى لو بدت هذه الحماسة زائفة وتلك المتاجر خادعة؟ هل يجب على الناقد أن يضرب مترجماً ناشئاً مخطئاً بسيف النقد الحاد مع توابل السخرية واللمز، بحيث لا يستطيع أن ينهض بعد؟ والأهم من كل ذلك: هل ينتج عن مثل هذا النقد عموماً الأثر الذي يقصده الناقد؟ ألا يحول الناقد في الممارسة الفعلية النقد بحجة للدفاع ليس عن ساحة الحقيقة المقدسة، بل عن حفظ موقعه وموضعه؟ هل الناقد مستعد لأن يطرح هذه الانتقادات «بنفس الشدة والحدة» ضد أقرانه وزملائه؟ وفي النهاية، إذا كان الناقد شرطياً، فلنسلّم أنه «شرطي صالح»، فهل نحتاج فعلاً إلى شرطي صالح في هذا المجال؟ وهل الشرطي يمكن أن يصبح «صالحاً» أساساً؟
موقف الدفاع في مقام التغافل والرد
تصوّر شاباً كان منشغلاً بالقراءة والتفكير في موضوعات مختلفة منذ فترة. لا تمثّل هذه القراءة والتفكير هواية له، بل أضفت ظلالها على كلّ حياته. هذا الشاب بعد أن استسلم لنوع من القراءة العشوائية والعمل الفوضويّ، يجد نفسه فجأة في موضع فلسفيّ محدّد وربّما له تعلّق خاص بمفكر واحد أو عدّة مفكرين. يبدأ أولاً بقراءة الأعمال الأصليّة (أو الترجمات الإنجليزية) ويحاول تدريجياً أن يحوّل دراساته إلى اللغة الفارسيّة. إنه ملمّ بلغة أجنبيّة وكتب شيئاً ما بالفارسيّة أيضاً ولديه الكثير من المفاهيم والأفكار. هناك طريق شائعة وهي أن يعيد سرد نفس الأفكار التي قرأها من فيلسوف معيّن باللغة الأصليّة في مقالات وملاحظات وفصول دراسيّة مختلفة ويفتح محلاً ويكتسب مقاماً وربّما لا يستحق حتى اسماً من المصادر الأصليّة التي درسها. الطريق الثاني والأصعب هي أن ينقر في ترجمة الأعمال الفلسفيّة. يحبس نفسه في البيت ليلاً ونهاراً ويسير كلمة تلو الأخرى وأحياناً يضيف مقدمة أو حاشية للنص وبعد شهور من الجهد والمشقة يترجم كتاباً إلى الفارسيّة ويدخل السوق المضطربة للنشر وبعد تبديل الناشرين مراراً والاستماع إلى وعود كاذبة أخيراً يسلّم عمله لناشر بعد تحمل آلاف المنن ليضعه في عملية طويلة من التحرير الأوّلي-الترقيم-ورقة الفهرس-التصريح-التحرير النهائي-الموافقة النهائية-الطباعة-التوزيع وقد يستغرق كل واحد منها أشهراً وأخيراً يُفترض أن يضع بعد 4 أو 6 أشهر من النشر بعض الفتات في جيب المترجم وهي لا تساوي حتى تكاليف أسبوع واحد من العيش في هذه المدينة. لكن المترجم الشاب لا يستسلم. يتنازل عن العائد المالي من ترجمته ولا يشتكي من الإهمال لأعماله ولا يفقد حماسه ويعود بطريقة ماسوشية إلى ترجمة عمل آخر وتستمر هذه القصة مراراً وتكراراً. لكن المترجم يبقى محتفظاً بالأمل. ترجماته تصبح أفضل فأفضل بسبب الاستمرار والمتابعة واكتساب الخبرة وأخيراً يحوّل نفسه إلى أحد المترجمين المتخصصين لفيلسوف أو مفكر معيّن. الآن يكتشف هذا المترجم على الصفحة الأولى من جريدة أو في زاوية موقع ويب أو حتى أسوأ من ذلك من ألسنة هذا وذاك أن أحداً انتقد أعماله. يقرأ الانتقاد. نبرة جارحة وعرض بعض الأخطاء الفاحشة التي ارتكبها بسبب الإهمال أو عدم الانتباه وعرض بعض الانتقادات التي لا يقبلها. لكن إلى جانب كل هذا يواجه اغتيالاً للشخصيّة والمنهج وتاريخ كل نشاطه الفكري. لم يكتشف الناقد أي جانب إيجابي أو قابل للدفاع في عمله وهاجمه بكليته وأحياناً بطريقة متحيزة بألسنة مهيّجة وتلميحات استفزازية لمس نقاط الضعف الشخصيّة والسياسيّة والعمليّة وحتى الثقافيّة للمترجم.
ماذا يُتوقع من هذا المترجم؟ أن يرسل رسالة جواب «أضحّي بنفسي من أجلك» للناقد ويشكره على تنبيهه لأخطائه؟ لا. المترجم في قصتنا لا يستطيع أن يفعل ذلك. إنه في موضع رد فعل. لا يقبل أي انتقاد أو إن قبله فهو يدافع عنه. يتحول المترجم إلى طفل عنيد يريد أن يفسد لعبة الكبار. يدافع عن هويته وعن سهره وارتباكه بالمفاهيم الفلسفيّة الصعبة وفقره المحتوم وبشكل عام عن هويته. يدخل ساحة لعبة أسسها الناقد (أي ساحة الجدل (Polemy)) ويجيب على الأسئلة بالأسئلة ويشكك أخيراً في مكانة الناقد وتاريخه وهويته وفي أحسن الأحوال يجيب على بعض من أضعف الانتقادات. المترجم في هذا الدفاع حتى مستعد أن يضحّي بالحقيقة ذاتها والمفكر المترجَم ذاته والعلم والنقد والحقيقة ذاتها من أجل الدفاع عن نفسه.
يحمي المترجم على ما يبدو شاعريته، تماماً كما يدافع الناقد على ما يبدو عن «الدقة»، مع أن الضحية الأساسية لهذا الصراع هي شاعرية المترجم وكذلك الحقيقة التي يدافع عنها الناقد[۲]. بعد هذا الصراع الأولي، تبدأ صراعات هامشية وأكثر أسفاً بكثير، ويهاجم الأنصار بعضهم بعضاً؛ أنصاراً لا يكونون عادة على علم كبير بالقضية الأصلية ذاتها، وربما لم يقرؤوا حتى النص الأصلي محل النزاع؛ وتتكرر الانتقامات والضغائن والاتهامات التعسفية والشيء نفسه مراراً.[۳]
إشكالية الترجمة
والسؤال الذي لا يجب تجنب الإجابة عليه هو: إذن ماذا يجب أن نفعل؟ ألا يجب نقد «دقة» الترجمة؟ هل يجب أن نسمح لكل مترجم مبتدئ وجاهل أن يترجم كتاباً وينشره؟ هل يجب أن نعطي الجميع الحق وأن نتجاهل الأخطاء اللغوية الفاحشة بحجة التعددية الترجمية أو خوفاً من اتهام الإرهاب أو أن نكون بوليس؟ هل لا توجد أي حدود بين الترجمة الخاطئة والصحيحة؟
ومن ناحية أخرى، هل حتى لا يصبح «الشاب» و«الناضج» لا يحق له أن يترجم؟ هل من الآن فصاعداً، يجب على المترجمين أن يسلموا الناشر شهادة اللغة الأجنبية أو إكمال برنامج ترجمة معين قبل نشر الكتاب؟ هل يجب أن يكون المترجمون قد درسوا الترجمة بالضرورة في جامعة أو مؤسسة معينة وأن يكونوا «متعلمين» بالمعنى الأكاديمي للكلمة؟ هل يجب أن يتم، في أحسن الأحوال، تأسيس اتحاد لتحديد درجة ومستوى الجودة لعمل المترجمين والإشراف على أدائهم؟ هل فعلاً توجد حدود بين الترجمة الخاطئة والصحيحة؟
كل إجابة أحادية الجانب على الأسئلة المذكورة أعلاه محكومة بالفشل مسبقاً. الطريق الوحيد هو كسر الثنائية «الناقد/موضوع النقد» أو بتعبير أدق ثنائية «اللص والشرطي». لا ينبغي لأحد أن يكون لصاً ولا شرطياً، وبالطبع طالما يعتبر أحد الطرفين الآخر لصاً، فقد حول نفسه إلى شرطي، وإذا اعتبر الآخر شرطياً، فقد جعل نفسه لصاً. لا يجب أن يكون النقد بالشكل الشائع في الشارع «التشهير» ولا بالشكل الإداري الشائع «المجاملة والحشمة». من جهة، أولئك الذين يعتبرون النقد تشهيراً فقد فقدوا الرحمة بالحقيقة مسبقاً وهم مثل الأشخاص الذين بمجرد رؤيتهم لشخصين يتخاصمان في الشارع، يسيل اللعاب من فمهم ويترقبون الانحياز لأحد الطرفين والدخول في المشاجرة. ومن جهة أخرى، أولئك الذين يعتبرون النقد «مجاملة وتعريف»، يرتعشون عند سماع أقل انتقاد ويضربون قبضتهم على الطاولة ويقلبون كوب الماء. وبالمثل، من جهة، أولئك الذين يعتبرون الوظيفة الوحيدة والرسالة الوحيدة للترجمة «نقل المعنى بشكل صحيح إلى اللغة المستهدفة»، لن يفشلوا فقط بسبب طبيعة اللغة غير القابلة للنقل والزيادة الكامنة فيها، بل أيضاً وضعوا هدفهم ليس على الحقيقة بل على تقنية الترجمة، وبالتالي من الترجمة في وضعها الحالي ينزعون المعنى ويختزلونها إلى نوع من الآلية التي تحتاج إلى مراقبين (مهندسين أو شرطة) يراقبون التنفيذ «الصحيح» و«الدقيق» لتلك العملية. ومن جهة أخرى، أولئك الذين يعتبرون الرسالة الوحيدة للترجمة الحماس[۴] وإيجاد أجواء وتأثير عيني وعملي، ولا يزالون يمدحون ترجمات هدايت لكافكا ويعتبرونها أفضل من الترجمات الأكثر صحة الموجودة، قد خلطوا معنى الترجمة مع «الاقتباس» وأنسوا تماماً الالتزام بالنص الأصلي ورسالة إعادة بناء المعنى، وبالتالي سيكونون مترجمين بالمعنى الدقيق للكلمة، «سيئين» و«مضللين».[۵]
رفع ثنائية السارق/الشرطي في الترجمة
الحل للخروج من سداد جزمي ومستقطب تماماً، هو صرفاً إعادة صياغة جدلية للفضاء وتفكيك الحدود الزائفة بين القطبين. لا هذا المترجم سارق، ولا ذاك الناقد شرطي. الناقد والمترجم ليسا في جبهتين متقابلتين، بل يقفان معاً في جبهة واحدة. المترجم والناقد ليسا عدوين أحدهما للآخر، بل كلاهما في الحقيقة وحسب ادعاءاتهما جاء ليحارب، مع عدو مشترك، ضد «التفاهة»، ضد «الانتهازية»، ضد «الكذب»، ضد «الجهل» وضد «الظلم». إن كان الحال كذلك، فإن لغتهما لا يمكن أن تكون كشعر الحماسة بين عدوين أو كنشر وثائق منظمتي استخبارات ضد بعضهما. يجب على الناقد أن يبين للمترجم أنه وإن كانت انتقاداته جادة، وإن كانت تاستهدف أساس عمل المترجم، فهو ليس عدواً له، بل هو بجانبه، يفهم جهده، يقدّر تضحياته، وهدفه ارتقاء مستوى أداء المترجم وتدقيق «الترجمة» نفسها، حتى لو جاء المترجم بالفعل لا بقصد الترجمة، بل بقصد السرقة (كما شهدنا نادراً في العقد الأخير). من الواضح أن هذا التغيير في المنهج النقدي، ليس تغييراً شكلياً في النبرة أو تمويهاً بنوع من الصداقة والرقة الكاذبة، بل هو في الواقعً ارتقاء إلى مستوى جديد من العلاقة النقدية التي يمكن أن نطلق عليها بتعبير هيغلي «المصالحة النافية» (negative reconciliation). قد حان الآن وقت المصالحة. لكن هذه المصالحة لا تتم بتبادل التجاملات، ولا بالابتسامات المصطنعة، ولا بالاستخفاف وتجاهل الأخطاء المتبادلة، بل تتم بدقة من خلال النفي مع الحفاظ الذي يعني في الواقع اسماً آخر للـ«رفع» ورفع الوضعية برمتها (العلاقة) إلى مستوى جديد يكون رافعاً وجامعاً للثنائية الجزمية السابقة. هنا يستطيع المترجم أن يستمع إلى انتقادات الناقد، أن يتقبلها، وحتى أن يعاني من مواجهته بأخطائه وأغلاطه، وأن ينتقد نقاط ضعفه والإهمالات والفهم الخاطئ والأخطاء فيه، لكن لا ينبغي أن ينسى أن وجود ناقد حقيقي ودقيق وملاحظ، هو شرط جوهري وأساسي لتحقق رسالته، وبالمقابل يمكن للناقد أن يوجه أشد الانتقادات وأقسرها إلى الترجمة وكتابة المترجم وفهمه، وأن ينبه بدون تحفظ إلى أخطاء الترجمة والفهم الخاطئ والادعاءات الخاطئة والأخطاء عند المترجم، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن ينسى أن الهدف من هذه الانتقادات ليس تدمير أو تصفية حساب أو إخراج المترجم من الميدان، بل هو على العكس إنجاح المترجم في الهدف الذي اختاره. لكن الوسيط الذي يستطيع بالمعنى الهيغلي أن يتوسط بين هذين العنصرين المتخاصمين حالياً وأن يرفع خصامهما الكاذب إلى مستوى التناقض الأسمى في سبيل الرفع المتبادل، أي «المصالحة النافية»، هو الاشتراك في رسالتهما. إذا اختار كلاهما رسالة واحدة، فإن تلك الرسالة نفسها يمكن أن توفر الأساس لإعادة صياغة الفضاء وإحياء النقد والترجمة. وتلك الرسالة ليست سوى «الحقيقة» نفسها بمعنى شامل يجمع توامً الفكر الصحيح والعمل المتحمس، وهي نقطة التقاء وبطريقة جدلية جامعة لكلا الوجهين المدّعى فيهما: من جهة «الصحة والالتزام» ومن جهة أخرى «الحماس والحرية».
[۱] من الواضح أن رسم هذه الثنائية وتجذيرها قد تم صرفاً في سبيل صياغة النقاش، والمؤلف الذي يرى نفسه على كلا طرفي هذه الثنائية (مترجماً وناقداً معاً)، لا ينوي حصر النقاش بالضرورة في نزاع محدد (خاصة النزاع الأخير)، أو فرض إحدى طرفيه بشكل إسقاطي ضمن إطار تحليله؛ إذ إن المسافة ونوع المواجهة بين الطرفين يختلفان في كل نزاع. غير أنه يمكن بقوة الدفاع عن فكرة مفادها أن الثنائية المرسومة أعلاه توجد، بدرجات متفاوتة، في جميع النزاعات المجربة وتعمل فيها.
كذلك يوجد في النزاع الأخير بين النجفي وغلامي مستوى من النقاش يتعين، بدلاً من إرجاعه إلى مستوى الثنائية مترجم/ناقد، أن يُنسب إلى معايير الثنائية هيغل/دولوز والفرق بين منهجيهما بخصوص مفاهيم كالفلسفة واللغة والحياة والحقيقة. وإذا كان المؤلف، كما هو واضح، يسعى لتبيين النقاش من منظور هيغلي، وإذا كان لا يعتنق بالمرة بالتعددية النظرية بمعنى عدم الأفضلية في مجال المعايير والمسلمات، فإن الخوض في هذا النزاع الثانوي والأعمق يعتبره فوق نطاق مهمة هذه الملاحظة، بل وفوق طاقة «مقالة» بشكل عام. وبالتالي، مع الإقرار بوجود هذا المستوى الثانوي، ستقتصر الملاحظة الحالية على تناول النقاش على المستوى الأول لصياغة الناقد/المترجم فحسب.
[۲] النص أعلاه، بسبب صيغته الجدلية، حاول أن يضع نفسه في كل «لحظة» من حيث موقف أحد الطرفين، واتخذ في هذه اللحظة موقفاً متعاطفاً مع المترجم. لهذا السبب قد يحدث التباس لدى القارئ بأن النقاش يبقى في النهاية رومانسياً، وأنه يدور فقط حول الموقف الأخلاقي للناقد تجاه المتاعب المحتملة والمخاوف الشخصية للمترجم. يجب تجنب هذا الالتباس الذي أتاحته الصيغة الاستدلالية، ويجب بالنهاية أن نكون قادرين على إعادة قراءة موقف المترجم ليس من منظور فردي باعتباره شخصاً «مهتماً» و«حساساً»، بل باعتباره قوة في ساحة القوى الموضوعية وعلاقته بالتاريخ، وأن ننقله إلى مستوى بناء الروح الموضوعية. هنا، رغم أن للمترجم الحق في حماية اجتهاده الخاص، إلا أنه لا يستطيع أن يتخذ منه ذريعة للهروب من النقد.
[۳] بما أن موضوع المقالة الحالية هو قضية الترجمة والنقاشات حولها، فقد ركز هذا المقال على الترجمة نفسها وثنائية الناقد/المترجم. لكن من الواضح للقارئ أن هذا الطرح يمكن تعميمه على جميع الجدالات الفكرية في المجال المعاصر (وحتى الماضي). أفضل وأقسى مثال عليه هو انتقادات الدكتور جواد طباطبائي للدكتور مجتهدي. انتقادات كانت، رغم أن جزءاً كبيراً منها من حيث المحتوى وارداً وصحيحاً، قد تعرضت للنقد بسبب اللهجة العدائية والجدلية للدكتور طباطبائي، وتحول النقاش النظري إلى خصومة مؤلمة بين أنصار كلا الطرفين، وكل منهم يعتقد أنه على حق.
[۴] من الواضح أن «الخجل» في الملاحظة أعلاه ينصرف إلى أكثر من معاناة الشخص المترجم والتفاعل الأخلاقي تجاهها. إن الخجل الفردي هنا يرتبط بنوع من بالفضاء الاجتماعي والقوى الفاعلة في المجال الثقافي، وينال في النهاية واقعيته في ساحة التاريخ.
[۵] وإن لم تتح الفرصة في هذا المقام لطرح هذا البحث، فلماذا لا يمكن، رداً على مثل هذه الادعاءات، أن نربط بين علم أمراض المجال الفكري الإيراني والوهم في معرفة الغرب والحداثة الإيرانية، من جهة، وبين الترجمات الأولى الخاطئة وغير الملتزمة من الأعمال الفلسفية والأدبية والاجتماعية على يد أمثال هدايت وشاملو (على الأقل كأحد العوامل المؤثرة) من جهة أخرى؟
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.