اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُولي مصطفى ملكيان الكلماتِ حقوقَها ويَعرض معاييرَه للفارسية المثلى؛ كما يُحلّل الأسبابَ الستةَ الرئيسيةَ لضعف اللغة الفارسية في خطاب رجال الدين والحوزات العلمية وكتاباتهم.

خزاعي فر: سيد ملكيان، مجال عملك وتخصصك هو الأخلاق والدين والفلسفة وعلم النفس. ومع ذلك، فإلى جانب مؤلفاتك العديدة، لديك أيضًا ترجمات كثيرة، ومن خلال ترجماتك ومؤلفاتك فإنك تحتكّ حتمًا باللغة الفارسية المكتوبة وقدراتها التعبيرية. حدّثنا عن علاقتك باللغة الفارسية، متى انصبّ اهتمامك على اللغة الفارسية؟ وأي نوع من الفارسية تفضّل؟
ملكيان: كان والدي، رحمة الله عليه، شغوفًا للغاية بنظامي وسعدي ومولانا وحافظ، وكان في كثير من أوقات وجوده في البيت منهمكًا في مطالعة آثار هؤلاء العظماء، وكان يقرأ بصوت عالٍ وأحيانًا بالتطريب. لقد نشأ لديّ، منذ سن السادسة أو السابعة، حين كنت لا أزال لا أعرف القراءة والكتابة، اهتمام بهذه الآثار، وكنت أحفظ طائفة من أشعار هؤلاء العظماء، رغم أني لم أكن أفهم معانيها كثيرًا. ومنذ تلك الأيام، انصبّ اهتمامي على اللغة الفارسية المكتوبة. وهكذا، تعاملت أولاً مع الشعر والنظم الفارسيين وألفتهما، ثم مع النثر الفارسي. لقد بدأت مواجهتي للنثر الفارسي بقراءة الآثار التي كانت، في ذلك الزمان، الآثار الوحيدة المتاحة للأطفال والناشئة، أي بقراءة كتب مثل أمير أرسلان نامدار، وحسين كرد شبستري، وألف ليلة وليلة، والفرج بعد الشدة. وأود أن أضيف هذا، وإن كان لا يتصل بسؤالك، وهو أن اللغة، بالنسبة لي ومنذ طفولتي المبكرة، كانت لها جاذبية تفوق بكثير كونها مجرد وسيلة للتعبير عما في الضمير. كنت أولي أهمية لطريقة تلفظ الكلمات، وصرفها، والنحو، والجمل، والظرائف واللطائف البلاغية للغة، لدرجة أنها بدت لأصدقائي ومن حولي نوعًا من التنطع والتفاصح والوسوسة، وبدت لي بالطبع أداءً لحق الكلمات والعبارات والجمل، وكأن لهذه أيضًا تشخّصًا وشخصيةً وحقوقًا تحدد واجبنا الأخلاقي تجاهها.
وأما الفارسية التي أفضّلها: فهي الفارسية التي، أولاً، تكون بقدر الإمكان (وليس أكثر من ذلك الحد بالطبع) بمنأى عن كلمات اللغة الأجنبية ونحو هذه اللغات، بعيدة عنها وخالية منها؛ وثانيًا، أن يُستخدم فيها، بقدر الإمكان أيضًا، لفظ واحد فقط لإيصال كل معنى ومفهوم، وأن يُستخدم كل لفظ فقط لإلقاء معنى ومفهوم واحد، وبعبارة أخرى، أن تكون هناك مطابقة واحد لواحد بين الدوال والمدلولات؛ وثالثًا، أن تكون بليغة ومعبّرة، أي ألا تكون عرضة للإبهام والإيهام والغموض، بحيث يدرك المخاطب للقول أو الكتابة مقصود المتكلم أو الكاتب بأقل صرف للطاقة الدماغية والذهنية والنفسية؛ ورابعًا، أن تكون فصيحة وعذبة، بمعنى أن تصبّ المراد في قالب أجمل صورة بيانية؛ وخامسًا (وهذا الخامس هو، إلى حد ما، نتيجة لاجتماع الثاني والثالث) أن يكون الشأن النحوي للكلمات والعبارات فيها واضحًا بأكبر قدر ممكن من الوضوح، وألا يأخذ المخاطب، مثلاً، الظرف على أنه فاعل، أو الصفة على أنها موصوف أو اسم. إذا لم يكن الشأن النحوي للكلمات والعبارات واضحًا، يصبح النطق فاقدًا للمنطق، ويميل اللسان إلى العدول عن القوانين المنطقية.
خزاعي فر: كما تعلم، إحدى وظائف اللغة هي الخطابة. ينبغي للخطيب أن يكون على درجة عالية من الإلمام بالقدرة العاطفية والاستثارية للغة حتى يستطيع أن يحدث التأثير المنشود في المخاطب. يبدو لي أن اللغة الفارسية في الحوزة العلمية، سواء في صورتها المنطوقة أم المكتوبة، لا تشعّ كثيرًا. وكأن الذائقة اللغوية والأدبية للطلاب لا تُقوَّى بالقدر الكافي. من ناحية أخرى، ربما يقتنع مخاطبو المنابر بالخطابات العادية. وعلى الصعيد الكتابي، فالوضع ليس أفضل حالاً. نثر الحوزويين هو عادةً نثر عادي، نثر تُستخدم فيه اللغة في أدنى مستوياتها. هل هذا التصور عن وضع اللغة الفارسية في الحوزة صحيح؟
ملكيان: كلامك صحيح تمامًا؛ فعموم رجال الدين وطلاب الحوزات العلمية الدينية، سواء في حديثهم أو كتاباتهم، لا يتمتعون بلغة فارسية سليمة وبليغة وفصيحة. وهذا العيب والنقص، في اعتقادي، ناتج عن عدة أسباب: أولها أن التعليم اللغوي الوحيد الذي يتلقاه هؤلاء هو تعليم اللغة العربية، وتحديدًا العربية القديمة (وليس عربية اليوم)، وهي أيضًا العربية التي استخدمها ولا يزال يستخدمها معظم رجال الدين وعلماء الدين الناطقين بالفارسية (وليس العرب). هؤلاء لا يتلقون أي تعليم للغة الفارسية على الإطلاق. حتى تدريس كتب مثل كلستان سعدي، وكليلة ودمنة، وأنوار سهيلي التي كانت شائعة يومًا ما، قد هُجرت ونُسخت منذ زمن طويل في الحوزات العلمية الدينية. ومن باب أولى، لا يُدرّس سطر واحد من النثر أو الشعر الفارسي الحديث. ثانيها أن النظام التعليمي في هذه الحوزات نفسه لا يقتضي، بأي حال من الأحوال، أن يرجع رجال الدين والطلاب إلى النصوص المكتوبة أو المترجمة إلى الفارسية، في مجالات معرفية كالمنطق والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والإدارة والتربية والأخلاق والحقوق والتاريخ والدين والمذهب والعرفان والأدب، وبالتالي لا يضطر رجال الدين والطلاب إلى قراءة الكتب الفارسية حتى يتعلموا اللغة الفارسية بحكم الضرورة والاحتياج. ثالثها أن تنشئة الطلاب في هذه الحوزات تجعلهم، تمامًا كما تجعلهم سيئي الظن ووهميين تجاه الفنون غير المكتوبة كالموسيقى والرسم والتصوير الفوتوغرافي والمسرح والسينما، فاترِي المودة عديمي الإيمان تجاه الفن المكتوب، أي الأدب، بحيث لا يقرأ الطلاب كتب الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية وأمثالها فحسب، بل إن رأوا هذه الكتب في يدك أو على طاولتك أو في مكتبتك شكوا في استقامة فكرك وصحة عقائدك. رابعها أن خريجي هذه الحوزات يعتبرون مخاطبيهم هم عامة الناس في الغالب ويريدونهم كذلك، ولا شك أن مخاطبة عامة الناس لا تقتضي التمتع بلغة بليغة وفصيحة وحيوية وجميلة. خامسها أن الخزانة اللفظية للنصوص الدينية والمذهبية لدى علماء هذه النصوص ضيقة النطاق للغاية، وكما يعلم الجميع، كلما اتسعت خزانة ألفاظ المتكلم، كانت لغته أفصح وأبلغ. وسادسها أن لغة رجال الدين هي لغة الجزم واليقين والادعاء بمعرفة كل شيء والأمر والنهي والحكم والفتوى. في حديث وكتابات رجال الدين، قلما تُستخدم عبارات مثل «لعل»، «ربما يمكن القول إن...»، «كم من مرة...»، «ظاهريًا»، «أشك في أن...»، «يبدو أن...»، «لكلامي معارضون جديون...»، «لست على يقين كبير من أن...»، «أخمن أن...»، «لا أعلم». مثل هذه اللغة لا تترك مجالًا للشكوك والترددات والتقلبات والاضطرابات الفكرية والعقائدية والمعرفية، ناهيك عن أن تتيح المجال للتعبير عن صعود وهبوط، وظهور وأفول، ومد وجزر، وتعقيدات المشاعر والعواطف والرغبات والمثل العليا والآمال، ومن الواضح أن لغة بهذا القدر من الجفاف والجمود والتصنع واللاواقعية لا يمكن أن تكون آسرة ومؤثرة.
خزاعي فر: أعتقد أن أحد أسباب ضعف الترجمات في إيران هو سبب نظري، بمعنى أن المترجم لا يمتلك فهمًا نظريًا صحيحًا لماهية عمل الترجمة، وبالتالي لا يعمل بشكل متسق. إذا عرّفنا الترجمة على أنها: إعادة خلق نص مكتوب في لغة ما في لغة أخرى، فإن معنى إعادة الخلق في لغة أخرى بطبيعة الحال هو أن يُكتب بقدرات تلك اللغة، بحيث لا يحدث تداخل بين اللغتين، وإلا انتقض الغرض. إذا استثنينا الحالات الاستثنائية، أي الحالات التي يكون فيها التداخل حتميًا أو مرغوبًا فيه، فالقاعدة هي أن نعتبر الترجمة إعادة خلق لنص في لغة أخرى، وإعادة الخلق هذه تختلف عن الترجمة الحرفية، والأسوأ من ذلك، الترجمة البنيوية. في إيران، للأسف، ربما لأن إعادة الخلق عمل صعب، يُدعم على المستوى النظري نوع من الحرفية بذرائع مختلفة، ويُعتبر العدول عن لفظ المؤلف عدولًا عن الأمانة وخيانة له، في حين أن الترجمة في جوهرها وأصلها هي إعادة خلق، وإعادة الخلق تصاحبها بالضرورة تغييرات لغوية. الشيء الوحيد الذي لا ينبغي أن يتغير هو المعنى ومقصد المتكلم. كيف ترى وضع الترجمة، وخاصة ترجمة الكتب التي تتم في مجال تخصصك؟
ملكيان: في اعتقادي، في المجالات المعرفية للفلسفة وعلم النفس والعرفان والدين والمذهب، ليست حالة الترجمة مرضية بالقدر الكافي؛ وأحد أوجه عدم الرضا هذه هو ما أشرتم إليه، أي، بتعبيركم، الحرفية. لكن ثمة أوجهاً أخرى تلعب دورها أيضاً. من بينها، أن كثيراً من المترجمين لا صلة لهم ولا ألفة بنصوص النظم والنثر الفارسي القديم والحديث، ونتيجة لذلك، هم جاهلون بسعة وثراء مفردات هذه اللغة، وبقدرة هذه اللغة وطاقتها على توليد الكلمات. ومنها أنهم لا يملكون وقوفاً تاماً وكاملاً على موضوع النص الذي يترجمونه. علاوة على ذلك، ينبغي أن يحظى المترجم بنصيب وافر مما نسميه «المعلومات العامة»، وهو أمر لا ينطبق على كثير من المترجمين. ليسوا بقلة أولئك المترجمون الذين لا يقرؤون كتاباً آخر غير الكتب التي يترجمونها، وأخيراً، فإن الافتقار إلى ضمير عمل قوي ويقظ وحيّ، الذي يسبب عدم الدقة والتساهل والتسرع والكسل، ينبغي اعتباره عاملاً مهماً في ضعف الترجمات. إذا لم يكن ضمير عمل المترجم قد نام، فإنه يتابع عمله ويمضي فيه بتأنٍ وصبر وأناة، ويشدد على نفسه، ويصبح جلاداً لطبعه، ولا ينتقل إلى الجملة التالية حتى يتيقن من أنه ترجم الجملة ترجمة صحيحة ودقيقة. إن انعدام ضمير العمل اليقظ هذا، في نظري، هو أهم عامل في الوضع المؤسف للترجمة في إيران؛ لأنه إذا لم يكن المترجم مبتلى بمثل هذه الآفة فإنه يجد نفسه ملزماً بإزالة جميع العيوب والنقائص الأربعة المذكورة آنفاً، وبالطبع، هذه الآفة ليست حكراً على المترجمين وقد عمت في إيران اليوم. قليلون هم الذين وهبوا قلوبهم لعملهم وأخذوه بجدية.
خزاعي فر: ما هي رؤيتكم العامة بشأن التحرير؟ ألا يشير التحرير كما يُجرى في إيران في حد ذاته إلى داء ما؟ ألم يكن هناك حاجة إلى محرر لو كان المؤلفون والمترجمون على قدر كاف من الكفاءة في عملهم؟ وإذا لم يكن المؤلفون والمترجمون على قدر كاف من الكفاءة، فكيف يمكن العثور على محررين يزيلون نقائص عمل المؤلفين والمترجمين؟
ملكيان: في نظري، مهما كان المؤلف أو المترجم قادراً وناجحاً في عمله، فإنه ليس معصوماً من الخطأ، ويحتمل وقوعه في الزلل. بناءً على هذا، ما المانع من أن يُصحح خطؤه وزلله المحتمل ويُصلح على يد محرر خبير، قبل أن يتسرب إلى أذهان القراء عبر نشر الكتاب ويوقعهم في الجهل المركب؟ إذا كان الحق معي، يمكن القول إننا لسنا في غنى أبداً عن المحررين الواعين والماهرين؛ رغم أنني أتفق معكم في أن التحرير بالصورة التي يتم بها في إيران الراهنة يدل على أن المؤلفين والمترجمين ليسوا مسيطرين على عملهم بالقدر الكافي. لكي لا يشرع المؤلف أو المترجم غير المؤهل في التأليف أو الترجمة، ينبغي إما أن يخشى الله، أو إذا كان لا يعتقد بوجود الله، أن يكون لديه ضمير أخلاقي يقظ وصارم، أو إذا كان ضميره الأخلاقي قد خمد ونام، فعلى الأقل، أن يخاف الفضيحة أمام الخلق؛ وهذا الاحتمال الثالث لا يتسنى إلا بازدهار سوق النقد العالمي والمنصف والباحث عن الحقيقة؛ ويا للأسف، ألف أسف، أن مثل هذه النقود نادرة ومعدومة في وسائلنا الإعلامية الثقافية أيضاً.
وأما بخصوص ذلك الجزء من سؤالكم: «كيف يمكن العثور على محررين يزيلون نقائص عمل المؤلفين والمترجمين؟» ينبغي أن أقول إن جميع محررينا حتى الآن كانوا أشخاصاً عصاميين؛ لكن يبدو أن الأفضل هو تأسيس فرع جامعي لتعليم «فن التحرير» لكي يتصدى خريجو هذا الفرع لتحرير المؤلفات والترجمات بشكل أكثر علمية ومنهجية.
خزاعي فر: سجلكم الحافل يظهر أنكم حررتم ما يقرب من أربعين ترجمة. بالنظر إلى موضوع الكتب التخصصي، تصوري هو أن هذه الترجمات قد أوكلت إليكم بهدف التحرير العلمي وليس بالضرورة التحرير الأدبي. تفضلوا ووضحوا كيف هي طريقتكم في التحرير؟ هل تقرؤون الترجمة كلمة كلمة على غرار المحررين الإيرانيين وتدرجون التصحيحات؟ أم تقرؤون الكتاب ببساطة من منظور قارئ وتشيرون إلى بعض الملاحظات، مثل المحررين في الغرب؟ هل تقابلون الترجمة بالنص الأصلي؟
ملكيان: بخصوص فيما يتعلق بالترجمات، نعم؛ فأنا أقابل الترجمة بالنص الأصلي وأقرأها كلمة كلمة وأُدرج التصحيحات والتعديلات. فقط في السنوات الست الماضية، حيث لم أعد أقبل التحرير بمعنى مقابلة الترجمات كلمة بكلمة مع النصوص الأصلية، حدث أحيانًا، وبإصرار من المترجم، أن قرأت ترجمة ما، بتعبيركم، من منظور قارئ فحسب، واقترحت بعض الملاحظات ونبهت إليها. كانت طريقتي في التحرير بمعنى المقابلة هي أنني إذا وجدت كلمة أو عبارة أو جملة قد تُرجمت ترجمة خاطئة، كنت أشطب عليها وأستبدلها بالصورة الصحيحة، وإذا لم تكن الترجمة خاطئة لكنها كانت مرجوحة ويمكن صياغتها بشكل أفضل، كنت أضع خطًا تحتها وأكتب الصورة الأفضل وأترك الاختيار للمترجم ليُبقي على ترجمته أو يُفضّل ترجمتي. وفي الأمور الذوقية والسليقية، لم أكن أجيز لنفسي التدخل مطلقًا، كي لا يضيع طابع الترجمة وأسلوبها وبصمة المترجم وتبقى محفوظة، ويرى المترجم ذوقه وسليقته متجلية في ترجمته كما هي. وبالمناسبة، إذا كنت أرى أن سبب وقوع الخطأ في الترجمة هو غفلة المترجم عن ملاحظة كلية، كنت أكتب تلك الملاحظة داخل معقوفتين في هامش الترجمة.
خزاعي فر: لقد قلتم في موضع ما إن الترجمة والتفكير يرتبطان من خمسة أوجه: تعريف أبناء بلد ما بآخر منجزات العلوم والمعارف البشرية؛ ومنع البحوث المكررة؛ وتوفير المواد الخام للتفكير؛ وإنقاذ المجتمع من الأُحادية الصوتية الفكرية والثقافية؛ وكشف نظرية لا انكشافية الحقيقة في المجتمع وتهيئة الأرضية لسلام عالمي دائم. هذه الرؤية منكم لدور الترجمة هي رؤية إيجابية ومتفائلة جدًا، والدور التاريخي الذي لعبته الترجمة في تطور المجتمعات يؤكد هذه الرؤية أيضًا. سؤالي هو عن علاقة التفكير بالترجمة. أنتم تعتقدون أنه يمكن أن توجد بين التفكير والترجمة ثلاثة أنواع من العلاقات: 1. التوافق الكلي؛ 2. التعارض الكلي؛ 3. توافق إلى حد ما وتعارض إلى حد ما.
لقد طرح السيد مراد فرهاد بور نظرية تقول إن الترجمة، بمعناها الأوسع، قد تحولت في العصر الحديث إلى الشكل الحقيقي الوحيد للتفكير بالنسبة لنا. هذه الرؤية، التي هي على عكس رؤيتكم متشائمة، هي على الأرجح ما تصنفونه أنتم ضمن فئة «التعارض الكلي بين التفكير والترجمة». ما أفهمه من كلام السيد فرهاد بور هو أنه في إيران، وبالنظر إلى موقعيتنا إزاء الغرب، لا يتحقق تفكير من النوع الذي يؤدي إلى إبداع أعمال جديدة في سياق إيران التاريخي ونصها. بعبارة أخرى، إن مفكرينا، لكونهم تحت تأثير الأفكار المستوردة، لا يتأملون في وضعهم التاريخي ليتمكنوا من صياغته بشكل صحيح والتوصل إلى مفاهيم جديدة مرتبطة بالفضاء الثقافي والتاريخي لإيران. وفقًا لهذه الرؤية، لا توفر الترجمة المواد الخام، بل تستورد التفكير الجاهز والمُعلّب. بالطبع، هذه الدعوى، شأنها شأن غالب الدعاوى الكلية، هي دعوى مفرطة، لكنها، شأنها شأن معظم الدعاوى أيضًا، تنطوي على نصيب من الحقيقة. فالتفكير التاريخي والفلسفي وصناعة المفاهيم يتحقق في إيران، بفضل اطلاعنا على المنجزات الفكرية والفلسفية الغربية أو باستقلال عنها، كما تستشري آفة الترجمة في الوقت نفسه. ومن نماذج آفة الترجمة هذه وضعية البحث والتفكير في العلوم الإنسانية في الجامعات الإيرانية؛ حيث التأليفات غالبًا ما تكون ترجمة، والترجمات غالبًا ما تكون ركيكة. برأيكم، أين تنطبق هذه الدعوى القائلة بأن الترجمة أغلقت طريق التفكير علينا، وما العمل؟
ملكيان: أنا، وفقاً للاعتبارات الخمسة التي نقلتموها عني، لا أعتبر الترجمة متوافقة مع التفكير فحسب، بل أعتبرها وسيلة لا مناص منها للوصول إلى مرحلة التفكير، ومن ثم، أرى أن حركة الترجمة ليست مفيدة فحسب، بل ضرورية لزيادة التفكير كمّاً وكيفاً. لو كانت الترجمة تنطوي على عدم توافق ذاتي وكلي مع التفكير، لكان ينبغي أن تقع عملية الترجمة في تقابل وتضاد مع عملية التفكير في كل المجتمعات والمقاطع التاريخية، والحال أن هذا التقابل والتضاد، كما أشرتم أنتم أيضاً، لم يكن عاماً ولا دائماً. لا عملية الترجمة، في حد ذاتها، تمنع المترجم من التفكير، ولا نتاجها يمنع قراء الأثر المترجم من التفكير. فكل من المترجم وقراء أثره المترجم يمكنهم أن يفكروا فيما ورد في الأثر، ويمكنهم ألا يفكروا. الترجمة والأثر المترجم كلاهما معصومان وبريئان. إن كان هناك من إثم - وهو موجود - فهو على عاتق المترجم أو قارئ الأثر المترجم، الذي، بدافع من حكم مسبق إيجابي أو تعصب تجاه المؤلف، أو بدافع من كسل ذهني وفكري، أو بدافع من الشعور بالنقص وفقدان الثقة بالنفس، يتخلى عن التفكير الشخصي ويكتفي بالتكرار الببغاوي والتلقين لما قاله المؤلف، وينخرط في سلك مقلدي المؤلف. بدلاً من أن نخطّئ حركة الترجمة ونحرم أنفسنا من آثارها ونتائجها المباركة، ينبغي أن نعلّم ونربّي أبناء وطننا بحيث يتجنبون، منذ النعومة والطفولة، الحكم المسبق (سواء أكان إيجابياً أم سلبياً) والتعصب، ويعتادون على السعي والجدية الذهنية والفكرية، ويكتسبون الثقة بالنفس، ويدفعون عن أنفسهم الشعور بالنقص ويزيلونه. وكما قلت مراراً وتكراراً وبشدة في مواضع أخرى عديدة، فإن مؤسستنا التعليمية والتربوية (لا وزارة التعليم والتربية فحسب، بل كل من يضطلع، عن وعي أو عن غير وعي، وبقصد أو بغير قصد، بتعليمنا وتربيتنا) تعاني من خمسة عيوب ونقائص كبرى ومدمرة على الأقل، اثنان منها، لهما صلة ببحثنا الحالي، يتمثلان في أن هذه المؤسسات، أولاً، تشدد على الحفظ بدلاً من التشديد على الفهم، وثانياً، تصر على التعبد والتقليد بدلاً من الإصرار على الاستدلال. ونتيجة هذا الوضع معلومة بالطبع: أغلبنا يزيد باستمرار من محفوظاته، في حين أننا لم نفهم شيئاً من محفوظاتنا تقريباً فهماً صحيحاً وعميقاً، ونحن متعبدون ومقلدون لمعلمينا ومربينا (بالمعنى الأوسع لكلمتي «معلم» و«مرب»)، في حين ينبغي لنا، بالاستعانة بقوة الاستدلال، أن نميز الخبيث من الطيب ونفصل الجيد عن الرديء، وأن نوجد لأنفسنا، في كل مسألة، موقفاً شخصياً ومستقلاً ومدللاً عليه. لا شك أننا، في مثل هذا الوضع، معرضون لأن نلتقم اللقم الفكرية التي تتاح لنا، عبر الترجمات، دون أدنى نظر وتأمل في موادها ومحتوياتها. لكنني أكرر أن طريق الخلاص من هذا الوضع غير المرغوب فيه أبداً ليس هو الجفاء مع الترجمة، بل إصلاح مؤسستنا التعليمية والتربوية المليئة بالعيوب والنقائص. فالذين حظوا بتعليم وتربية صحيحين، أي عقلانيين وأخلاقيين، لا يعتبرون أي نص مترجم محتوياً على تفكير جاهز ومعلب؛ بل يعتبرونه محتوياً فقط على مواد خام ينبغي الانتباه إليها، والتأمل فيها، والتنظير حولها، وفهمها فهماً صحيحاً، ورفضها أو قبولها. الواقع أن إحدى المشكلات الثقافية الكبرى في مجتمعنا اليوم هي أن قسماً منا، ينتمي إليه معظم رجال الدين وعلماء العلوم الدينية، يخاف من الثقافة الغربية الحديثة بلا داع ويعاديها، وقسماً آخر، ينتمي إليه كثير من خريجي الجامعات، مفتون بهذه الثقافة، مرة أخرى بلا داع، ويقلدها. لقد آن الأوان لأن يكون لنا تجاه الثقافة الغربية الغنية جداً مقاربة محققة وباحثة عن الحقيقة، عميقة التأمل ودقيقة النظر، وبالطبع ناقدة، وألا نحرم أنفسنا، بجهل وحماقة، من بركاتها، أو نصبح مجرد مقلدين لها؛ وهذا الغرض لا يتحقق بسد باب الترجمة أو تقبيح حركة الترجمة وتخطئتها. كما ينبغي الانتباه إلى أن الوضع غير المرغوب فيه أبداً للبحث والتفكير في العلوم الإنسانية، في بلدنا، لا صلة له بآفة الترجمة، وهو معلول بعشر علل تناولتها في موضع آخر.
خزاعي فر: أنا أسمي وضع الترجمة في إيران «ابتذال الترجمة»، وهذا المصطلح بالطبع لا يخلو من صلة بمفهوم «تفاهة الشر» عند حنة آرنت. من البديهي أن مترجمين كثيرين في إيران قدّموا خدمات جليلة، لكن كلامي ينصبّ على الوضع العام للترجمة. من السمات العامة لهذا الوضع أن كثيرين في إيران، مقارنة بالدول الغربية، ممن لا يمتلكون الكفاءة ينخرطون بدوافع شتى في جميع مجالات العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية في عمل الترجمة، بحيث لا يمكن اعتبار ترجماتهم الرديئة أو المكررة خدمة للعلم أو الثقافة. وسبب ارتباط مصطلح «ابتذال الترجمة» بمفهوم «تفاهة الشر» هو أننا لا نستطيع أن نعتبر جميع هؤلاء المترجمين أشخاصًا ذوي نية سيئة. من المؤكد أن كثيرين منهم يظنون أنهم يقدمون خدمة. المجتمع هو المذنب لأنه لا يمتلك أي آلية لمنعهم من دخول حقل الترجمة. من الآليات الموجودة في الغرب قانون حقوق التأليف والنشر. لكن ربما لو لم يوجد هذا القانون أيضًا، لكان الضمير الأخلاقي والعلمي للأفراد يحول دون هذا الابتذال. برأيكم ما الذي ينبغي فعله كي لا يتمكن من دخول كل حقل إلا المترجمون الأكفاء، لتستطيع الترجمة أن تؤدي ذلك الدور الإيجابي الذي ترونه؟ هل يمكن ترك هذا الأمر للضمير الفردي فحسب؟
ملكيان: في الوقت الذي يمكن للضمير الأخلاقي الحي واليقظ أن يحول دون إقدام شخص على عمل لا يمتلك المعرفة والمهارة اللازمتين له، فمن البديهي أنه لا يمكن إلقاء مهمة إصلاح وضع الترجمة في إيران على عاتق الضمير الأخلاقي للمترجمين فحسب. إضافة إلى ذلك، فإن نشر مجلات ودوريات متخصصة في نقد الترجمة، يقوم فيها نقاد عليمون خيّرون، دون أن يبتغوا من وراء ذلك منفعة فردية أو جماعية تعود عليهم، وبكل إنصاف وشفقة انطلاقًا من حب الحقيقة، بوضع الترجمات المنشورة على محك النقد، يمكن أن يساعد كثيرًا في تحسين الوضع، ولا سيما إذا تبيّن، إثر نقد من هذا القبيل، أن مترجمًا ما يفتقر حقًا إلى الكفاءة، فترك أهل الثقافة المجادلة والمداهنة وأظهروا رد فعل يليق به، فمثلًا، ما المانع من أن يمتنع الناشرون، بعد ذلك، عن إبرام عقود مع هؤلاء المترجمين؟ لعلكم تتهمونني بالتفاؤل المفرط بل بالسذاجة لأني أقدم اقتراحًا كهذا في مجتمع لا يزال الأساتذة الذين ثبتت سرقاتهم العلمية منشغلين بالتدريس في الجامعات، وكأنهم لم يرتكبوا أي خطأ.
لكن، العمل الأساسي هو تغيير وضع التعليم والتربية والبحث في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، التي لا ترى لنفسها اليوم، على ما يبدو، رسالة ووظيفة سوى إنتاج الشهادات الدراسية وتوزيعها. أليس مدعاة للتساؤل والأسف لماذا يكون مستوى معرفة خريجي الجامعات في مجال اللغة الفارسية ولغة أجنبية وحقل المعرفة الذي يترجمون فيه، إلى هذا الحد من الضآلة والتفاهة؟ ماذا علّموا هؤلاء في الجامعات؟ الشجرة تُعرف من ثمرها. شجرة ثمرها هكذا لا بد أنها مصابة بآفات وأمراض. لنكن صادقين وصريحين، ولنقبل ونعترف، ولو بألم وحسرة، بأن مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا لا تمنح أبناءنا تعليمًا صحيحًا ولا تربية صحيحة. إنها تمنح أبناءنا شهادات بدلًا من الفهم. وخطورة هذا الوضع في العلوم الإنسانية، مقارنة بالعلوم الطبيعية والهندسة والطب، أكبر بكثير؛ ومن نتائج هذا الوضع أن المترجم الكفء نادر بيننا.
خزاعي فر: من الأسئلة التي تُطرح باستمرار على أساتذة الترجمة هو إلى أي حد يتمتع المترجم بالحرية. هذا السؤال بحد ذاته يدل على حقيقة أن الشخص الذي يسأل لا يمتلك فهمًا نظريًا صحيحًا للماهية المختلفة للغات، ولماهية فعل الترجمة، ولمدى الحرية المشروعة للمترجم في عملية الترجمة، ولفهم صحيح للترجمة بوصفها نصًا مستقلًا له سمات نصية، ولمخاطَب مختلف، ولغرض محدد. نتيجة هذا الجهل هي المنهج الانتقائي الذي يسلكه المترجمون؛ برأيكم كيف ينبغي أن يكون منهج الترجمة؟ ما المبادئ التي ينبغي أن يراعيها المترجمون؟ كيف تعرّفون مفهوم الأمانة؟
ملكيان: الأمانة في الترجمة، كما قال الكثيرون، تعني ألا يفرّط المترجم قيد أنملة في مراد المؤلف ومقصده عند نقله إلى اللغة الهدف، وألا يغيّره. وأن يفترض أن المؤلف يريد أن يعبّر عن مراده ويؤدي مقصده بمواد اللغة الهدف ومواردها. حتى هنا، فيما يبدو، لم أقل كلاماً جديداً ولا كلاماً مثاراً للنزاع. لكن ثمّة نكتة مهمة لا ينبغي أن تغيب عن البال، وهي أن المؤلف يستطيع أن يبلّغ مراده ومقصده، في اللغة المصدر وبحيازته مواد لغته ومواردها، بوجوه عديدة ومتعددة، وإذا كان قد اختار وجهاً واحداً من بين تلك الوجوه الكثيرة، لأي سبب كان، فعلى المترجم أيضاً أن يستخدم من مواد لغته، أي اللغة الهدف، الوجه الذي يكون أقرب ما يكون إلى الوجه الذي اختاره المؤلف. دعوني أضرب مثلاً، فالمؤلف الناطق بالإنجليزية كي ينقل حب جورج لهيلين يمكنه أن يستفيد من جمل عديدة؛ فهو مثلاً يستطيع أن يكتب:
George loves Helen George is in love with Helen. George is very fond of Helen George adores Helen. George is devoted to Helen. Helen is beloved by George! George is Helen’s lover.
أيمكنني، أنا المترجم الناطق بالفارسية، أن أرجع كل هذه الجمل وغيرها من الجمل التي بالمعنى نفسه إلى جملة واحدة هي «جرج عاشق هلن است»؟ في ظني، لا. إذا كان المؤلف قد اختار إحدى هذه الجمل للتعبير عن مراده، فلا بد أن له عناية خاصة في هذا الاختيار، أي أنه ألقى نظرة خاطفة على نكتة ظريفة ولطيفة، وهذه النكتة كلما كان المؤلف أكثر أدباً وأكثر كتابة فنية كانت أصدق. ما أريد قوله هو أنه لما كانت الإمكانات اللغوية للمؤلف، لأداء كل مقصد بعينه، تضع تحت تصرفه وجوهاً بيانية لا تُحصى، وهذا الأمر ينطبق تماماً على المترجم أيضاً، فإن الترجمة الأمينة هي التي توصل مراد المؤلف ومقصده إلى قراء اللغة الهدف، ولكن بكلمات وعبارات وجمل تكون أقرب ما يمكن إلى كلمات المؤلف وعباراته وجمله، طبعاً بالقدر الممكن والمقدور.
دعوني أقول هذا المطلب بتعبير آخر. كل مؤلف (أو متكلم) يسعى إلى إبلاغ مراد ومقصد إلى مخاطبه. هذا المراد والمقصد هو جواب هذا السؤال (الأول): «ماذا يريد المؤلف أن يقول؟» ولكن بشأن كل مؤلف، يمكن طرح سؤالين آخرين أيضاً: أحدهما (السؤال الثاني): «لمن يريد المؤلف أن يقول؟» والآخر (السؤال الثالث): «لماذا يريد المؤلف أن يقول؟» الجواب الذي يعطيه المؤلف نفسه عن السؤالين الثاني والثالث يحدد ويكشف مصير السؤال الرابع: «كيف يقول المؤلف؟» أي أننا نستطيع أن نصب المقصد الواحد في قوالب بيانية كثيرة، تبعاً لمن نريد أن نبلغه إياه ولماذا نريد أن نبلغه. إن تنوع وتعدد طريقة القول (كيفية القول) تابع لمتغيرين؛ أحدهما هوية المخاطب (لمن نقول)، والآخر دافع/هدف/نية المتكلم (لماذا نقول). الترجمة الأمينة ينبغي أن تراعي كلاً من «ماذا يريد المؤلف أن يقول؟» و«كيف يقول المؤلف؟». أشرت إلى هذه النكتة وأكدت عليها، لأن الكثيرين، في ظني، يرون أمانة الترجمة مشروطة بالشرط الأول فحسب، ويتصورون أنهم إذا أوصلوا مقصد المؤلف فلا أهمية بعد ذلك لطريقة القول التي أوصلوا بها ذلك المقصد، وأنهم، على كل حال، كانوا أوفياء لنص المؤلف. برأيي، هذا الرأي خاطئ، ومراعاة طريقة القول، إلى جانب مراد القول، مهمة أيضاً. إحدى نتائج رأيي هذا هي أن تفننات المترجم ينبغي أن تكون تابعة تماماً لتفننات المؤلف. لا أخوض الآن في مزيد من التفصيل بشأن نتائج هذا الرأي.
خزاعي فر: في مجال تخصصكم أنتم، كيف ترون وضع الترجمة والكتب المترجمة؟ هل يشتغل أهل الفن بترجمة هذه الكتب؟ هل تُرجمت أمهات هذا التخصص؟ هل جودة لغة الترجمات مقبولة؟
ملكيان: في مجالات الفلسفة، وعلم النفس، والدين، والعرفان، والأخلاق، التي تهمني، لا أرى وضع الترجمة مرضياً. قسم كبير من المترجمين إما لا يمتلكون المعرفة والقدرة اللازمتين لعمل الترجمة، أو يعانون من التسرع والاستهتار واللامبالاة، التي يجب أن نقول مع الأسف الشديد إنها أصبحت عملة رائجة وسائدة اليوم. وغني عن البيان أن هناك مترجمين يمتلكون تلك المعرفة والمهارة اللازمة ولا تشوبهم هذه العيوب والنقائص غير اللائقة.
كما أن معظم أمهات الكتب في هذه المجالات إما لم تُترجم إلى الفارسية أصلاً، أو لم تُترجم بالشكل اللائق. ومن مشكلات هذه المجالات الخمسة أن مجموعات مصطلحاتها الخاصة والتخصصية، مقارنة بمجموعات مصطلحات الرياضيات، والمنطق، والاقتصاد، والسياسة، وعلم الاجتماع، والحقوق، ليست مستقرة وراسخة، وهذا الأمر يتيح المجال لتفننات وابتكارات لفظية خاطئة وغير دقيقة من بعض المترجمين، ويضيق الخناق على فهم القراء. والمشكلة الأخرى هي أنه نظراً لعدم ارتباط هذه المجالات مباشرة بالفن والأدب، لا يرى المترجمون أن من واجبهم البتة تقديم ترجمات بليغة وفصيحة، وكأن البلاغة والفصاحة شرطان فقط لترجمة النصوص الأدبية.
خزاعي فر: هل كان للرقابة على اختيار الكتاب للترجمة والرقابة الذاتية للمترجم تأثير ملموس في مجال تخصصكم؟
مليكان: أستطيع أن أدعي أنه، في مرتبة تلي الفن والأدب، تلقت هذه المجالات الخمسة أكبر ضرر من ناحية رقابات السلطات الرسمية والحكومية. في هذه المجالات، توجد آثار مفيدة جداً، تفتح البصيرة، وتزيل الإشكالات، لكن الخوف من الرقابة يميت ويدمر الرغبة في ترجمتها في ذهن وضمير المترجمين. شرح اين هجران و اين سوز جگر/ اين زمان، بگذار، تا وقت دگر
خزاعي فر: برأيكم ما هي السمات التي يجب أن يتسم بها النقد المنصف للترجمة؟ وهل نقد الترجمة ممكن أصلاً في ظروف لا يحتل فيها النقد مكانة راسخة في الصحافة بشكل عام؟
ملكيان: يبدو أن النقد المنصف يجب أن تتوفر فيه هذه السمات على الأقل: أ) أن يرفض فقط الأخطاء والأغلاط، وألا يرفض كلمة أو عبارة أو جملة لمجرد أنها لا توافق ذوق الناقد وسليقته؛ ب) أن يراعي أصل الحمل على الأحسن (principle of charity) (في إحدى صيغ هذا الأصل)، أي أن يكون تعاطفياً، بمعنى ألا يعتبر الترجمة خاطئة ما دام بالإمكان إيجاد وجه لصحتها؛ ج) أن يبين نقاط قوة الترجمة أيضاً، إضافة إلى نقاط ضعفها، بل وبطريقة أكثر وضوحاً وجلاء؛ د) أن ينبه إلى غموض وإبهام وصعوبة النص الأصلي أيضاً، حتى لا يظن القراء أن كل خشونة في الترجمة ناتجة عن جهل المترجم وعجزه، ولا يحملوه إياها. هـ) ألا يتلوث بالإهانة، والتحقير، والسخرية، وأن يحفظ جانب السمعة الحسنة واحترام ماء وجه المترجم، وألا يتجاوز حدود الأدب.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
با درود گفت و شنودی بسیار سودمند بود دو جا در پرسشهای دکتر خزاعی فر خطای نوشتاری دیدم یکی فعل غلط ورود کردن و دیگری چگونه می بینید به جای چگونه ارزیابی می کنید با سپاس
گفتگویی دقیق و موجز بود در باب ترجمه و استلزامات آن. با تشکر