اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن الروحانية والعقلانية متلازمتان، ويعتبر الأخلاق شاملةً لطريقة الاعتقاد ذاتها. وبناءً على ذلك، فإن الاعتقاد الناتج عن الاستدلال أخلاقي، بينما الاعتقاد التقليدي غير أخلاقي.

يسير هذا الحوار نحو إيضاح الدعوى القائلة بأن العلاقة بين الروحانية والعقلانية هي علاقة عِلّية، بمعنى أن السير في درب الروحانية سيدفع الإنسان يقيناً نحو العقلانية، وبالعكس، ففي ضوء العقلانية ستتحقق الروحانية لا محالة. إن الجمع بين العقلانية والروحانية هو دوماً جمع بين اللازم والملزوم. فإذا كانت العقلانية هي الملزوم، فالروحانية لازمة لها، وإذا كانت الروحانية هي الملزوم فالعقلانية لازمة لها، والإنسان، بصرف النظر عن أيهما يختار في البداية، سيحصل على الآخر قطعاً ويقيناً. وبالتعبير الفلسفي، فإن الجمع بين العقلانية والروحانية هو جمع بين العلة والمعلول. فالروحانية علة للعقلانية، كما أن العقلانية علة للروحانية، ولكن هذه العلاقة العِلّية هي في الواقع علاقة ثنائية الاتجاه أو جدلية، وهي العلاقة ذاتها التي كان القدماء يسمونها العِلّية اللُّبْنِيَّة[1].
نعم، إن هدفي من هذا النقاش الحالي هو الوصول إلى هذه النقطة بالذات. ولهذا السبب، أرى من الضروري قبل البدء في صلب الموضوع أن أقدم مقدمة حول موضوعات الأحكام القيمية الأخلاقية، أو الحالات القابلة للأحكام القيمية الأخلاقية.
من بين وجوه الاشتراك في جميع التعريفات التي قُدمت للروحانية حتى الآن، يمكن الإشارة إلى أن الإنسان الروحي هو بالضرورة إنسان أخلاقي، دون أن يكون العكس صحيحاً. أي أن إمكانية أن يكون الفرد أخلاقياً دون أن يخطو في ساحة المعنى هي إمكانية ممكنة. وعليه، فإن الأخلاق قابلة لأن تُستخلص من الروحانية، ولهذا السبب يُتوقع دوماً من الإنسان الذي يعتبر نفسه روحياً أن يكون أخلاقياً أيضاً.
ولكن، ما الذي تخضعه الأحكام القيمية الأخلاقية للحكم القيمي؟ بعبارة أخرى، ما الذي تضعه أحكام الأخلاق وقواعدها وتوصياتها موضع حكم قيمي؟ إن المفاهيم الأخلاقية العشرة المهمة (خير أو شر، صواب أو خطأ، ينبغي أو لا ينبغي، فضيلة أو رذيلة، واجب أو مسؤولية) التي تقع محمولات في الأحكام القيمية الأخلاقية، ما الذي تصفه؟ لا شك أن هذه المحمولات الأخلاقية العشرة تصف الأفعال الإرادية الخارجية التي تخضع للأحكام الأخلاقية، أو بتعبير القدماء، الأفعال التي تتم بأعضاء الجوارح. أفعال مثل قول الصدق، واجتناب الكذب، والسرقة... إلخ. هذه السلسلة من الأفعال تخضع قطعاً للقطب الإيجابي أو السلبي من الأحكام الأخلاقية. لكن غالبية فلاسفة الأخلاق يرون، بالإضافة إلى الأفعال الإرادية الجوارحية، أن الأفعال الإرادية الجوانحية، التي لا تتم بالجوارح بل داخل الإنسان، تخضع أيضاً للأحكام الأخلاقية. بعبارة أخرى، وفقاً لرأي فلاسفة الأخلاق، فإن أفعالاً من قبيل الشعور بالامتنان والمحبة تجاه شخص أسدى للإنسان خدمة، حتى لو لم تجد تجلياً خارجياً، هي صائبة أخلاقياً ولها حكم أخلاقي إيجابي، والشعور بالعداوة والجحود تجاهه، حتى لو حدث داخل الإنسان فقط، سيكون له حكم سلبي من الناحية الأخلاقية.
ولكن، إلى جانب الأفعال الخارجية الإرادية والأفعال الإرادية الجوانحية، يوجد نوع ثالث من الأفعال يخضع، من وجهة نظر البعض، للأفعال الأخلاقية. فأشخاص مثل أرسطو يرون أنه حتى الأمور الداخلية غير الإرادية تخضع للأحكام الأخلاقية. فمن وجهة نظره، وعلى الرغم من أن الشجاعة والجبن ليسا أمرين إراديين، إذ إن البشر الشجعان خُلقوا شجعاناً، والبشر الجبناء وُلدوا جبناء، إلا أنه مع ذلك يمكن القول إن الشجاعة أمر إيجابي من الناحية الأخلاقية، والجبن ذو قيمة سلبية.
يذهب آخرون إلى أنه حتى الإنسان نفسه، لا أفعاله الجوارحية والجوانحية، ولا ما يجري في داخله مما ليس من مقولة الإرادة (كالانفعالات والمشاعر والعواطف والانفعالات النفسية)، يمكن أن يكون موضوعاً للأحكام الأخلاقية. فعلى سبيل المثال، يُعد غاندي إنساناً خيِّراً من الناحية الأخلاقية، وهتلر إنساناً شريراً من الناحية الأخلاقية. وبتعبير آخر، يمكن للإنسان ككل أن يكون موضوعاً للحكم القيمي الأخلاقي. وهناك من يجعل حتى المؤسسات الاجتماعية والسياسية موضوعاً للحكم القيمي الأخلاقي. أي أنهم ينسبون الخير والشر والصواب والخطأ وما شابه ذلك إلى هذه المؤسسات أيضاً. فمثلاً، مؤسسة الزواج بهذه الصورة (الزواج الأحادي للرجل والمرأة) صائبة أخلاقياً، ولكنها بشكل آخر (كأن يكون الزواج الأحادي للمرأة وتعدد الزوجات للرجل) خاطئة أخلاقياً. وفي السياسة يمكن القول بالإجراء نفسه، فتُمدح الديمقراطية أخلاقياً مثلاً، ويُعد الاستبداد خاطئاً أخلاقياً. وبتعبير آخر، فإن الأشكال المختلفة للمؤسسات الاجتماعية والسياسية... تمتلك أيضاً هذه القابلية لأن تكون موضوعاً للمدح والذم الأخلاقيين. بل إن فئة أخرى ذهبت إلى أبعد من ذلك واعتبرت الأوضاع الاجتماعية أيضاً مشمولة بالحكم القيمي الأخلاقي. فعلى سبيل المثال، تُعد الفجوة الطبقية، واتساع المسافة بين أفقر الفقراء وأغنى الأغنياء عن حد معين، أمراً مذموماً في مجتمع ما.
لكن ما يعنينا هنا هو أن الأفعال الإرادية الجوانحية، وليس فقط الأفعال الإرادية الجوارحية، تدخل أيضاً في نطاق الفعل الأخلاقي. ومن الأفعال الجوانحية أو الباطنية «طريقة الاعتقاد» برأي ما. فالأخلاق لها حكم في شأن «طريقة الاعتقاد» بالآراء. فهناك طريقة «للاعتقاد» بعقيدة ما تكون صائبة من الناحية الأخلاقية، وطرق أخرى للاعتقاد بالعقيدة نفسها تُعد خاطئة من الناحية الأخلاقية. هذه المسألة هي منشأ ظهور فرع من الأخلاق يُسمى أخلاق الاعتقاد (Ethics of belief). وهكذا، فرغم أن الاعتقاد أو عدم الاعتقاد أمر باطني، فإن للأخلاق حكماً في اعتناق الإنسان للاعتقاد أو عدم اعتناقه له.
يعود منشأ ظهور أخلاق الاعتقاد إلى نقاشات فيلسوفين في أواخر القرن التاسع عشر. نقاشات كليفورد، الفيلسوف والرياضي والمنطقي الإنجليزي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، مع ويليام جيمس، الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي، أدت إلى تشكل هذا الفرع من الأخلاق. وكما قيل، فإن هذا الفرع من الأخلاق، أي «أخلاق الاعتقاد»، يقوم على الادعاء بأنه بغض النظر عن نوع الاعتقاد وعما نعتقده، فإن بعض الاعتقادات أخلاقي وبعضها الآخر غير أخلاقي. وبتعبير آخر، ما يحظى بالاهتمام في أخلاق الاعتقاد هو كيفية الاعتقاد، لا الاعتقاد نفسه. على سبيل المثال، تصور إنسانين، كلاهما يلتزم بعقيدة واحدة هي «الاعتقاد بالله»، لكن فيلسوف أخلاق يعد طريقة اعتناق أحدهما للعقيدة صائبة أخلاقياً، وطريقة اعتناق الآخر للقضية نفسها «الاعتقاد بالله» خاطئة أخلاقياً. ووفقاً لأخلاق الاعتقاد، إذا اعتقد شخص ما بقضية ما عن طريق التقليد، أو التعبد، أو القابلية للإيحاء، أو القابلية للتلقين، أو عن طريق التماهي مع الجماعة، أو اتباع روح العصر، أو اتباع صيحات الفكر السائدة، فإن اعتقاده يكون خاطئاً من الناحية الأخلاقية، بينما اعتقاد شخص آخر بالقضية الواحدة نفسها، إذا كان ناتجاً عن الاستدلال، يُعد صائباً. وعلى هذا الأساس، أرسى هذان الفيلسوفان البارزان، وخصوصاً ويليام جيمس، «أخلاق الاعتقاد» التي حددت الطرق التي بموجبها يمتلك الإنسان «حق» الاعتقاد بقضية ما، أو لا يمتلك هذا «الحق».
في أن الاعتقاد ينبغي أن يكون تابعاً للاستدلال، بمعنى أن عملية تكوين الاعتقاد يجب أن تكون عملية مصحوبة بالاستدلال، وعليه فإن العمليات غير الاستدلالية لتكوين الاعتقاد تُعتبر جميعها خاطئة من الناحية الأخلاقية. ويترتب على هذا الحكم أنه كلما ازدادت قوة الأدلة التي تؤيد اعتقاداً ما، ينبغي أن يزداد مقدار التعلق (مقام النظر) والالتزام (مقام العمل) بهذا الاعتقاد، والعكس بالعكس. ومن هنا يلزم وجود تناسب طردي بين مقدار قوة الأدلة والشواهد والقرائن التي تؤيد اعتقاداً ما، ومقدار تعلقنا والتزامنا بهذا الاعتقاد. وهذا هو معنى الاستدلالية. والمقصود بالعقلانية (rationality) هو هذه الاستدلالية ذاتها، أي اتباع الاستدلال (reasoning). فالعيش بعقلانية يعني الالتزام بالاستدلال. اختيار الصمت حيث لا يتوفر الاستدلال، والالتزام بالاعتقاد (نظراً وعملاً) حيثما يوجد الاستدلال. ومن الجدير بالذكر أن هذا البحث، أي «أسلوب تكوين الاعتقاد»، لا يشمل مجال الاعتقاد فحسب، بل يشمل جميع المجالات التي ترتبط بشكل أو بآخر بساحتنا العقائدية (doxastic). وعليه، فإن الشك، واليقين، والظن، والتخمين، والتقدير، والتقييم، التي تتصل بالساحة العقائدية المعرفية لوجودنا، جميعها لها أخلاقياتها.
وخلاصة القول، إن الانتفاع بالحياة المعنوية لن يكون ممكناً إلا بمعونة الأخلاق والإنسان الأخلاقي، وكما أنه لا يستطيع أن يدوس على سائر أقسام الأخلاق، فلن يستطيع ألا يلتزم بأخلاق الاعتقاد، والالتزام بأخلاق الاعتقاد لن يكون ممكناً إلا بالاتباع الكامل للاستدلال، واتباع الاستدلال هو ما يُعبَّر عنه بالعقلانية (rationality).
تلك المصادر المعرفية التي، بإجماع جميع المعرفيين، تصل الإنسان بالواقعيات، لا بالخطأ والجهل والأوهام والهذيانات و...، هي ستة مصادر:
الحس
الاستبطان
الذاكرة
الشهادة (الإخبار)
الحدس
الاستدلال
الإدراك الحسي perception
الإدراك الحسي؛ الحس الذي يمكن الوصول إليه عبر الحواس الخمس والذي كان القدماء يعبرون عنه بالحس الظاهر، يُعرف بإجماع عام من المعرفيين بأنه مصدر للمعرفة حقاً. وذلك أن العين، والأذن، والأنف، وبراعم التذوق، وحاسة اللمس قادرة حقيقةً على أن تُعرِّف الإنسان بسلسلة من واقعيات العالم.
الاستبطان introspection
وعي الإنسان بأحواله الداخلية يُسمى استبطاناً. فمن خلال الاستبطان وحده يستطيع أن يدرك أحواله الداخلية كالغم والحزن، والفرح، والعشق، واللذة، والعداوة، والألم والمعاناة، واليأس والتعب. ولأن هذه الأحوال الداخلية غير قابلة للمس والرؤية و...، فإن الحواس الظاهرة لا تصل إليها. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه كما يُلاحظ، فإن المشاعر والعواطف والانفعالات تشغل أيضاً جزءاً من الاستبطان، ومن هنا يُلاحظ بوضوح أن عواطف الإنسان ومشاعره وانفعالاته تؤدي دورها أيضاً في استدلال عقلاني.
الذاكرة memory
باستذكار الوقائع والأحداث يمكن أيضاً النفاذ إلى عالم الواقعيات الخارجية. فالذاكرة تضطلع بدور تذكُّر إدراكاتنا الحسية أو استبطاناتنا. وعليه يمكن القول إن الذاكرة، وإن كانت أحد مصادر المعرفة، إلا أنها تُعتبر مصدراً معرفياً من الدرجة الثانية، لأنها تحتاج إلى المصدرين السابقين عليها لكي تعمل.
الإخبار (الشهادة) testimony
أحياناً لا تحصل المعرفة عن طريق الإدراك الحسي والاستبطان، ولا حتى عن طريق التذكر، بل يحصل الإنسان على المعرفة عن طريق شهادة الآخرين وإخبارهم. فعلى سبيل المثال، الإنسان الذي لم يذهب في عمره إلى اليابان يستطيع أن يدعي باطمئنان أن طوكيو هي عاصمة اليابان.
الحدس Intuition
إذا عُرضت على الإنسان قضيةٌ بحيث يعجز عن عدم تصديقها مهما تأمل واستقرأ في ذهنه، أي يعجز عن رفض التصديق بها، فإن هذه القضية تُسمى قضية شهودية. ومن أمثلة هذه القضايا: كل ما له لون له شكل، أو الكرة التي تكون بيضاء بالكامل لا تحتوي على بقعة سوداء، أو أيضاً أن كل إنسان أصغر سناً من أبيه، وكل إنسان هو في عمر نفسه، و...
الاستدلال Argument
الفرق بين هذا المصدر والمصدر السادس هو أن المصادر الخمسة السابقة توفر المواد الخام ليتمكن هذا المصدر السادس، أي الاستدلال، من تركيب هذه المواد الخام والتوصل إلى أشياء جديدة. يُعبَّر عن مصدر الاستدلال هذا أحياناً بالعقل. يكمن فن العقل في أن يضع المواد الخام من المصادر الخمسة السابقة جنباً إلى جنب، ويستخدمها، ويتوصل إلى نتائج لا يمكن أن تتحقق، بذاتها، من أي من المصادر السابقة، ويمكنه القيام بهذا العمل بثلاث طرق:
الاستدلال القياسي deductive
الاستدلال الاستقرائي inductive
الاستدلال الاستنتاجي لأفضل تفسير abductive
نعم، الأمر كذلك تماماً؛ فالإنسان بدخوله ساحة المعنى لا يمكنه أن يتصور نهاية أمام ناظريه سوى زعامة العقل، وفي هذا الطريق، كلما ازدادت الاستدلالات، يزداد تعلقه والتزامه بهذه الساحة أكثر فأكثر، وبالمقابل فإن نقصان الاستدلال سيقلل من مقدار هذا التعلق والالتزام بها، وهذا هو ما يُعبَّر عنه بالعقلانية rationality. أما مسألة «هل عكس هذه القضية صادق أيضاً؟»، بعبارة أخرى، «هل ستؤدي العقلانية إلى المعنوية» أم لا، فهي موضوع سنتطرق إليه الآن.
نعم، للإجابة عن هذا السؤال يلزمنا العودة مرة أخرى إلى بحث العقلانية، والتطرق إلى شرح أنواع القضايا من منظور العقلانية. كما تم توضيحه، العقلانية تعني اتباع الاستدلال، بمعنى أنه لقبول أي اعتقاد، يجب أن نطالب بالدليل. كلما قُدمت أدلة أقوى، كان القبول أكثر، وكلما كانت الأدلة أضعف، كان القبول أضعف. لننظر إلى قضية «ألف» هي «باء». إذا طُلب من الإنسان قبول هذه القضية، فعليه أن يطالب بدليل مقابل ذلك، وفي هذه الحالة يمكن للقضية الواحدة، بحسب درجة متانة الأدلة، أن تتخذ صوراً مختلفة سنشرحها الآن.
القضايا المقبولة عقلاً Rational
في الحالة الأولى، يمكن لمجموع القوى الإدراكية، أو قوة الإنسان الاستدلالية نفسها، أن تثبت صدق قضية «ألف هي باء». ووفقاً لنظرية المعرفة، إذا كان الحكم أو القضية مقبولاً عقلاً فيجب قبوله.
القضايا المنافية للعقل Antirational
في الحالة الثانية، يمكن لمجموع القوى الإدراكية، أو قوة الإنسان الاستدلالية نفسها، أن تثبت كذب قضية «ألف هي باء». في هذه الحالة يُسمى الحكم أو القضية منافياً للعقل. وبناءً على نظرية المعرفة، يجب رفض القضية المنافية للعقل.
القضايا المتعالية عن العقل
في الحالة الثالثة والأخيرة، لا يمتلك مجموع القوى الإدراكية، أو قوة الإنسان الاستدلالية نفسها، القدرة على إثبات صدق قضية «ألف هي باء»، ولا القدرة على إثبات كذبها. وفي هذه الحالة يُسمى الحكم أو القضية متعالياً عن العقل.
حسناً، ما هو تكليف الإنسان عند مواجهة مثل هذه الأحكام؟
في الواقع، نشب النزاع بين جيمس وكليفورد حول هذه القضايا المتعالية عن العقل بالتحديد. وفي النهاية قدم ويليام جيمس دليلاً قوياً لا يزال معرفيون يستندون إليه حتى الآن بعد مرور حوالي قرن ونصف. تصور ويليام جيمس ثلاث حالات للخيارات المتعالية عن العقل:
الحالة الأولى، العقل لا يملك القدرة على إثبات الصدق ولا على إثبات الكذب، لكن الأدلة التي يسوقها لإثبات الصدق أرجح قليلاً من الأدلة التي يملكها لإثبات الكذب. ومع ذلك فهي ليست أقوى بما يكفي لإثبات الصدق. في هذه الحالة، يلتحق هذا الأمر العقلانيّ المُراوغ بالأمور العقلانية المقبولة، ومن ثمّ يجب قبوله.
في الحالة الثانية، مرة أخرى لا نملك القدرة على إثبات صدقه ولا على إثبات كذبه، لكن الأدلة المساقة لإثبات كذبه تكون أرجح قليلاً هذه المرة، وبالتالي ستُلحق القضية العقلانية المُراوغة بالقضايا المنافية للعقل، وعليه فستُرفض القضية أو الحكم المذكور.
أما في الحالة الثالثة، فإننا نواجه قضايا وأحكاماً لا نملك القدرة على إثبات صدقها ولا على إثبات كذبها، ولا تكون أي من هاتين المجموعتين من الأدلة أقوى أو أضعف من الأخرى حتى بمقدار رأس إبرة، وبتعبير آخر فإن أدلة إثبات الصدق أو الكذب متكافئة تماماً.
هنا، أي في خصوص الشق الثالث من القضايا العقلانية المُراوغة، لا يجد العقل البشري بداً من أن يلتزم الصمت. أي أن العقل في مواجهتها يختار اللا أدريّة. في هذه المرحلة يصمت مقام التنظير. تُسمى مثل هذه القضايا سرّاً mystery. وبناءً على هذا التعريف، فالأسرار هي قضايا لا يملك العقل القدرة على إثبات كذبها ولا صدقها، وليست القدرة على إثبات صدقها أكبر، ولا القدرة على إثبات كذبها أرجح. كان كانط يسمي هذه القضايا والأحكام جدلية الطرفين. أما اليوم فقد اختار لها epistemologists مصطلح سرّ. لا يوجد إجماع محدد بين epistemologists حول عدد الأسرار الموجودة في العالم، لكنني أعتقد أن وجود الله، والحياة بعد الموت، والجبر والاختيار، وأخلاقية النظام الأخلاقي للعالم أو عدم أخلاقيته هي من أسرار العالم.
في مثل هذه الظروف والأحوال، يُقال، بما أن مقام النظر قد توقف، فيجب الدخول في مقام العمل. هذا مقام لم تعد فيه النظرة الواقعية realistic تجدي نفعاً، ويجب أن نخطو إلى النظرة العملية pragmatistic. في هذا المقام، يكتشف الإنسان بالرجوع إلى ذاته أن الاعتقاد بأيها يؤمن له المطلوبات النفسية بشكل أكبر. المطلوبات النفسية الرئيسية هي: السكينة في مقابل القلق والاضطراب والانشغال والهم، والفرح في مقابل الاكتئاب والحزن، والأمل في مقابل اليأس، ورضا الضمير في مقابل الصراع مع الذات، ومعنوية الحياة في مقابل عبثية الحياة. يجب أن نرى أيّاً من هذه المطلوبات النفسية الخمسة يتحقق للإنسان باختيار أيّ من الطرفين. أيّهما يمنح الإنسان رضا الضمير وسكينة أكثر، أو فرحاً وأملاً ومعنوية أكثر.
لكن ثمة نقطتان مهمتان هنا:
النقطة الأولى هي أن العقل يجب حقاً أن يصل إلى هذه النقطة. ففي أي مكان قبل هذه المرحلة لا يحق لنا أن نتحدث عن سكينتنا النفسية. المطلوبات النفسية لا تُطرح في الأمور العقلانية المقبولة، ولا تُطرح في الأمور المنافية للعقل، ولا تُطرح في الأمور العقلانية المُراوغة الراجحة التي تلتحق بالعقلانية المقبولة، ولا في الأمور العقلانية المُراوغة المرجوحة التي تلتحق بالمنافية للعقل. لا يمكن إقحام المطلوبات النفسية في موضع يقل عن حيث يصمت العقل تماماً.
والنقطة الثانية، هي أننا إذا أردنا، عند صمت العقل، أن نعمل بناءً على المطلوبات النفسية، فيجب أن نتذكر دوماً أننا لم نتوصل إلى هذه الحالة الخاصة بمعونة العقل، وكما يقول فيتغنشتاين فإننا نعيش كما لو (as if) كنا مخيرين، كما لو أن نظام العالم أخلاقي، كما لو...
بقبول أن القضايا الروحية للعالم، التي تدفع الإنسان نحو الروحانية، تقع في هذا المقام، يمكن الاعتقاد بأن الإيمان بهذه القضايا ليس مخالفًا للعقل فحسب، بل إن العمل بخلافها هو خلاف مقتضى العقل. صحيح أن الشقين الموجودين أمامنا يتمتعان بعقلانية متساوية، لكن ينبغي الانتباه إلى أن البشر، وإن كان لكل منهم عالمه الفريد، إلا أنه لا يمكن إنكار وجود خصائص مشتركة جسدية وذهنية ونفسية بينهم. وبالنظر إلى الإحصائيات ومشاهدة حياة البشر على مر العصور، يمكن رؤية أن هذه الخصائص المشتركة تدفعه نحو الروحانية والتحلي بالروحانية أكثر مما تدفعه نحو الاتجاه الآخر. بعبارة أخرى، إن الآدمي على نحو يجعل مطالبه النفسية وسكينته في مقام العمل تتحقق له أكثر مع التحلي بالروحانية، ومع وجود الله، ومع وجود حياة بعد الموت. فعلى سبيل المثال، لو اعتقد البشر أنهم مختارون، لقاموا بتنظيم نظام حياتهم بشكل أفضل بكثير مما لو قالوا بالجبر. إذن، ما هو مناط الاهتمام هنا هو السكينة في مقام العمل.
النتيجة: كما يُلاحظ، فإن هذا النقاش الذي بدأ من وجهة نظر واقعية انتهى إلى وجهة نظر براغماتية، وهذه الوجهة الأخيرة تدفع الإنسان نحو القول بالقضايا الروحية.
إن تقدم العلوم، الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وحتى الفلسفة وعلم النفس، يكمن في أن قضاياها العقلية العصية قد تحولت إلى مقبولة عقلاً، أو كانت مناقضة للعقل وأصبحت الآن على الأقل عصية على العقل، أو حتى العكس، كانت مقبولة عقلاً وأصبحت الآن مناقضة للعقل أو عصية عليه. فمثلاً، برهان الحركة لأرسطو الذي كان يتوصل من خلاله إلى محرك لا يتحرك ويسميه الله، كان مقبولاً عقلاً حتى زمن نيوتن. لكن نيوتن اكتشف مبدأً في الفيزياء جعل برهان أرسطو، بالنظر إلى ذلك المبدأ، يهوي من القبول العقلي إلى المناقضة العقلية. لكننا في كل زمان مكلفون بأن نقبل، بالنظر إلى آخر المنجزات العلمية في زماننا، كون موضوع ما مقبولاً عقلاً أو مناقضًا للعقل أو عصيًا عليه. وكما نستخدم آخر ما توصلت إليه العلوم الطبية والدوائية، ولا يمكننا أبدًا أن ننتظر مثلاً 100 عام لاكتشاف دواء جديد، فإن الأخلاق تطلب من كل إنسان أن يلتزم بما هو مقبول عقلاً أو مناقض للعقل أو عصي عليه في لحظة وقوع حياته، حتى لو كنا نعلم أن أبناءنا في المستقبل قد يكونون ملزمين بالنظر إلى هذه الخيارات بطريقة أخرى. نحن مكلفون بأن نعمل بما تمليه علينا مجموع قوانا الإدراكية في لحظة القرار.
مثل اتكاء ذوي خشب على بعضهم البعض، حيث لا يمكن القول أيهما يمسك الآخر، ويبدو الأمر وكأن كلاً منهما قد أمسك بالآخر. [1]
.
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
سلام مسئله یا حتی مشکل اساسی ای در میان مسلمان(آن)، وجود همین نوع سوالات 1-5 و جوابی نظیر 6 وجود دارند. آقای مسلمان عزیز، من حق خودم می دانم که حداقل یکبار این سوالات 1-5 و این جواب 6 را به کناری رها بکنم. سپس بیاندیشم. دقیقتر بگویم : بدون حتی یک کلمه یا حرف، حتی معنای مشابهشان و کاربرد معنای مشابهشان بپرهیزم. سپس بیاندیشم. به همه مسلمان(آن) پیشنهاد می کنم : یکبار این کار را _ اگر می توانید. اگر امکان دارد. اگر امکانش را دارید. _ امتحان بکنید. انجام بدهید. بسیار بسیار، و عمیق عمیق، و پهناور پهناور خواهید شد. خواهید دانست. خواهید بود. یکبار انجام بدهید. (( بین خودمان بماند خلاصه خلاصه عرض کردم.)) متشکرم امین بلندی
عالی ، ممنونم
در ارتباط با ادعا های بدون دلیل فوق ، باید پرسید : ۱_ آیا عقل نمی داند که موجودات بطور خود به خود از هیچ به وجود نمی آیند؟ ۲_ آیا عقل نمی داند که سیستمهای طبیعی یعنی مجموعه های مرتبط و هماهنگ، نیاز به هماهنگ کننده دارند؟ ۳_ آیا عقل نمی داند که بر قراری قانونهای معین در کل جهان نیاز به مدیری دارد که بر تمام عالم مسلط است؟ ۴_ آیا عقل نمی داند خود انسان که دویست سال قبل هیچ نبوده است و اکنون وجود دارد ومی اندیشد نیاز به خالق دارد؟ ۵_آیا عقل نمی داند اینهمه امکانات برای زندگی انسان بطور تصادفی فراهم نشده است؟ ۶_ آیا عقل نمی داند که اینها دلایل و آثار و نشانه های خدا هستند و اینها نشان میدهند که عظمت خدا و علم خدا و قدرت خدا و تعالی خدا و حکمت خدا و عدل خدا و مهربانی خدا و.......فوق تصور ما است که مخلوق هستیم و او خالق است.
درود لطفا اشکالاتتان را مستدل بفرمایید من نماینده ی آقای ملکیان نیستم اما می بینم عبارات جنابعالی، تکرار برهان های نظم وعلیت و... است که درکتب دبیرستان بصورت ناقص وضعیف بیان شده اند که شماهم اصرار دارید با همانها، پروژه ی عقلانیت ومعنویت را زیر سوال ببرید. از شما خواهش میکنم قبل از اینکه احساساتی شوید نگاهی به پیشینه ی بحث بیندازید