اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
العدد 153 من مجلة «معلومات الحكمة والمعرفة» الفصلية، بملف خاص عن «حكمة الحياة»، يرى الفلسفة لا أمرًا تجريديًا بل سبيلًا للعيش. حوار مع مصطفى ملكيان حول فلسفة الحياة وبحث في حكمة الحلم، من مواد هذا العدد.

فصلنامه علمی تخصصی إطلاعات حكمت ومعرفت
العدد 153 حكمة الحياة
أبدأ مقالتي بهذا السؤال: هل تعتقدون أنتم أيضاً أن «الفلسفة مجرد معتقدات تجريدية لا تنفع أحداً في الحياة اليومية الواقعية»، وأنه «ينبغي ترك الفلسفة للفلاسفة»، وما شابه ذلك من أقوال ترسم خطاً فاصلاً بين الفيلسوف وسائر الناس؟
الخبر السار هو أنه على الرغم من أن كلمة «الفلسفة» قد أصبحت على مر التاريخ طنانة لدرجة أن قلة من الناس يمكنهم أن يصدقوا أن مهد الفلسفة، أي اليونان القديمة، كان منبتاً لأشخاص مثل سقراط الذين استخدموا الفلسفة لمساعدة الناس في طريقة عيشهم وتفكيرهم في حياتهم اليومية، فإن الفلسفة ارتبطت في المقام الأول بالسمات الشخصية للأفراد، وأسلوب حياتهم، وطريقة تفكيرهم، أي بالحياة بأكملها. ومن المثير للاهتمام هنا أن محاورات سقراط مع عامة الناس وأسئلته حول مسائل الحياة اليومية تُظهر أيضاً أن جميع الشرائح الاجتماعية كانت تنخرط عادة في التفكير بمثل هذه المسائل الفلسفية ولم تكن تتحرج من ذلك.
لكن طريق الموضوعات المتعلقة بالحياة وطريق التجريد انفصلا تدريجياً عن بعضهما، وفي غضون ذلك يبدو أن الغلبة كانت للمجموعة الثانية، أي الفلاسفة الذين اتبعوا الفلسفة التحليلية. وقد أدى هذا الأمر إلى أن نتجه عبر التاريخ نحو أن تصبح الفلسفة جزءاً منفصلاً عن الحياة لا يتناوله إلا أفراد معينون، أي الفلاسفة، بشكل نظري ومنهجي. ولكن على أية حال، فإن المجموعة الأولى أيضاً، في قالب الفلسفة الوجودية، وهي الفلسفة التي يكون همها الوصول إلى الحياة الطيبة وتخفيف آلام الإنسان في الحياة، ظلت منهمكة في نشاطها، وأولئك الذين يكون همهم إيجاد طرق للحياة قائمة على الفلسفة يمكنهم أن يجدوا ذلك في أعمال فلاسفة مثل مونتيني، وشوبنهاور، وإمرسون، وكيركغور... وغيرهم.
لكن كيف تدخل الفلسفة إلى حياة الإنسان العادية؟ لا شك أن وضوح الوجهة الكلية للحياة هو من الأركان المهمة للحياة المثالية، وهنا هي النقطة التي تبرز فيها فلسفة الحياة. قد تسألون: «لماذا ينبغي بالضرورة أن نتبع نهجاً كلياً في حياتنا؟». يبدو أن اختيار طريق كلي للحياة، أي امتلاك «فلسفة للحياة»، يمكن أن يساعدنا بطريقتين. الأولى أنه بدون امتلاك فلسفة للحياة، هناك احتمال كبير جداً لخطر أن ننفق أعمارنا في أمور تافهة نكون قد انشغلنا بها فقط لأنها اعترضت طريقنا. في مثل هذه المواقف، عادة ما يكتشف البشر بعد سنوات من الحياة، وعلى فراش الموت مثلاً، حينما يستطيعون أن ينظروا إلى الحياة كلها، لا من نقطة في منتصفها، بل من موقع أسمى، أنهم استبدلوا الفرصة الوحيدة للحياة بثمن بخس؛ والثانية هي أننا، حتى مع امتلاك هدف كلي للحياة، نحتاج إلى امتلاك استراتيجيات عملية للوصول إلى هدفنا تمنعنا من السير في طرق خاطئة. صحيح أنه يوجد في كل جزء من حياة الإنسان متخصصون يضعون أمامنا، بما لديهم من خطط وبرامج، أفضل طريق للوصول إلى المقصد، لكنهم لا يستطيعون أن يضعوا أمام الفرد طريقاً مناسباً للوصول إلى الهدف الرئيسي لحياته، وهنا يمكن الاستعانة بمتخصصي الحياة الذين هم فلاسفة الحياة.
كما قلنا، فإن أول نقطة يمكن لفيلسوف الحياة أن يساعدنا فيها هي إيجاد الهدف الرئيسي للحياة. وفي هذا السياق، يمكن بالاستعانة بفلسفة الحياة أن ندرك كيف ينبغي لنا أن نختار بين أهدافنا الأصغر خلال الحياة لنتمكن من الوصول إلى ذلك المقصد الرئيسي الذي حددناه بناءً على فلسفة حياتنا الخاصة. هنا ستخبرنا فلسفة الحياة عن علاقتنا بأبناء جنسنا الآخرين وبعالم الوجود، وما هي وظيفتنا، وفيم تكمن قيمة حياتنا، وأين تكمن فائدتها، وما هي التكاليف التي ينبغي بذلها من أجلها، وفي النهاية، ينبغي لمثل هذه الفلسفة أن تكون قادرة على مساعدتنا في فهم مشاعرنا ومشاعر الآخر.
أما بعد أن ندرك فلسفة حياتنا ونختار الهدف الأسمى من عيشنا، يبرز هذا السؤال: «أين هو ذلك ’الدستور العملي‘ الذي يوصلنا إلى مبتغانا؟». من المؤكد أننا في هذه المرحلة لم نعد نستطيع الاكتفاء بفلسفات الحياة النظرية التي ترسم لنا طريقاً عاماً، وهنا نكون بأمس الحاجة إلى فلسفة تشتمل على أساليب يمكن الرجوع إليها في منخفضات الحياة ومرتفعاتها، في مسراتها ومكارهها، وفي مخاوفها وقلقها... الفلسفة العملية، التي هي بدورها جزء من فلسفة الحياة، هي استراتيجيات للحياة بوسعها أن تغير مسار الحياة العملية للفرد. كل فرد، بحسب نمطه النفسي، يختار أسلوباً لحياته، وبناءً على أي الحلول ينتقي لمسائل حياته، ستكون له حياة عملية مختلفة.
يعتزم ملف «حكمة الحياة» أن يكون خطوة صغيرة في امتلاك نظرة فيلسوفية إلى درب الحياة المتعرج، ذلك أن فلاسفة الحياة يزعمون أنه من خلال العيش الفلسفي يمكن تقليص ألم الإنسان ومعاناته إلى أدنى حد، علاوة على رسم أفق أجمل وأكثر ديمومة في بلوغ السعادة الإنسانية. في هذا الملف، سعينا إلى الاستفادة من آراء المتخصصين في هذا المجال حول كُلية مفهومَي الحكمة وفلسفة الحياة، وكذلك تجلياتها في مختلف أنشطة الحياة الإنسانية المعتادة.
المادتان الأوليان في ملف «حكمة الحياة» هما حواران مع مصطفى ملكيان حول «فلسفة الحياة والحياة الفلسفية»، ومع الدكتور محمد رضا سرغلزايي حول «حكمة الحلم»، وقد أجرتهما نغمه بروان. في الحوار الأول، يتناول مصطفى ملكيان تعريف مفهومَي فلسفة الحياة والحياة الفلسفية، وبعد أن يشير إلى نقاط حول تمييزهما عن بعضهما، يتطرق إلى موضوعات ذات صلة مثل «معنى الحياة» و«الفلسفة العملية». وفي سياق هذا النقاش، وبعد بيان علاقة هذه المفاهيم ونسبتها إلى بعضها البعض وطرح الموضوعات المتعلقة بفلسفة الحياة، يؤكد ملكيان على أهمية معرفة «النمط النفسي» في الاختيار البصير لأسلوب الحياة المناسب. في الحوار الثاني المعنون «حكمة الحلم»، يتناول الدكتور محمد رضا سرغلزايي موضوع كيف يمكن لـ«الحلم»، وعلى أي أساس، من منظور يونغ، أن يكون بمثابة دليل ينبه الإنسان إلى رسالته في الحياة. وبعد تأمل في ساحات الوجود الإنساني من وجهة نظر سيغموند فرويد وكارل يونغ، يتطرق إلى إقامة الصلة بين «الحلم» وامتلاك حياة طيبة، أو بلوغ الإيودايمونيا بالتعبير الفلسفي من منظور يونغ، ويشرح تلك الآلية الذهنية والنفسية التي يدعي يونغ بناءً عليها أن «الأحلام تحمل رسالة لنا». وفي النهاية، يؤكد سرغلزايي على الشروط التي يمكن فيها الوثوق بـ«الحلم» وإيجاد معنى الحياة ورسالتها فيه.
إذا اعتبرنا الفلسفة العملية مجموعة من المباحث الفلسفية التي، حين تتبلور في أذهاننا ونجد لها حلولاً، لا نستطيع بعدها أن نحيا كما كنا من قبل، فإن موضوعات يومية مثل كيفية «الحوار» و«الثقة» ستندرج تحتها. «تأمل في حدود إمكانية وشروط تحقق الحوار» هو المادة الثالثة في هذا الملف، وقد خطه محمد مهدي مجاهدي. المقصود بـ«الحوار» في هذه المقالة هو معنى خاص يقصده العقلانيون النقاد من الحوار، وهو أكثر من مجرد إشارة إلى «منطق الحوار» أو «الحوار المنطقي»، إذ يشير إلى نوع من أساليب العيش. يقدم محمد مهدي مجاهدي أسلوب العيش هذا بوصفه سعياً يقظاً ومستمراً وارتقائياً، لا يستقل فيه أحد عن «الآخر المانح للمعنى» ولا يستغني عنه ولا يمكنه ذلك. ويؤكد أن ممارسة الحوار بوصفه أسلوب عيش تستلزم التحرر من بعض سوءات الفهم حول الحوار، ومعرفة وإزالة موانع الحوار، وتهيئة شروط الحوار في العالم الواقعي. «مفهوم الثقة الأساسية» بقلم أولي ليغربتس وترجمة علي رضا رضايت هي المادة الرابعة في هذا العدد. يقدم ليغربتس في هذا النص الثقة بوصفها أساس الحياة الاجتماعية، وكذلك الثقة في نظام الطبيعة وانتظامها، بوصفها مفاهيم مضللة مرتبطة بسلوكنا. من وجهة نظره، تتضمن الحياة الإنسانية بالضرورة الاعتماد على الآخر، ومن ثم فإن شكلاً من الثقة الأساسية هو مدخل أو مقدمة للحياة الإنسانية كلها.
المقالة السادسة، «الحكيم والعالم»، هي مقالة بقلم جون كوبر وترجمة علي أخلاقي. يتناول الكاتب في هذه المقالة، من خلال تقديم النظرة الكلّية، والرؤية الجميلة، ومشاهدة العالم من أعماق الذات، والعيش في اللحظة... بوصفها سمات لشخصية الإنسان الحكيم وطبيعة حياته، موضوع أن نمط الحياة هذا والنظرة إلى العالم، رغم انفصالهما عن الحياة اليومية، إلا أنهما متلازمان معها. وهو يقدم الوعي بوصفه السر الأساسي للطمأنينة الحكيمة، ويعتقد أن الحكيم هو شخص يتعلم كيف يحقق إدراكًا واقعيًا للعالم كله من خلال الدخول إلى ساحة إدراكه وخلق الانسجام بين العالم الظاهر والعالم الباطن.
المقالة السابعة بعنوان «بصيرة كيركغور والآخر العيني»، كتبها باتريك ستوك وترجمتها إلى الفارسية راضية زينلي. تتناول هذه المقالة أحد المفاهيم المهمة المطروحة في الوجودية، وهو نفوذ «الآخر» ومدى تأثيره وعلاقته بالفرد الإنساني. تبحث المقالة في موضوعات من قبيل: هل يعير كيركغور اهتمامًا بالجار وابن جنسه ويقدره، أم أنه يتجاهله؟ إلى أي مدى يولي كيركغور عناية واهتمامًا للآخر العيني؟ هل بقدر ما تكون اللحمية والدمية وفهم أحوال الفرد مهمة في مقولة «الذات» وتحقيق «التفرد»، تكون هذه المسألة مهمة أيضًا في مقولة «الآخر»؟
المطلب الثامن والأخير في عدد «حكمة الحياة» الخاص هو مقالة بعنوان «التكامل والانفصام» بقلم جون كاتينغهام وترجمة نغمة بروان. يعتبر كاتينغهام في هذه المقالة التكامل عنصرًا ضروريًا للحياة الطيبة، والحياة المنفصمة أو المتجزئة معرضة دائمًا لعدم الاستقرار. وهو يعتقد أن الوصول إلى حياة مستقرة ومتكاملة يتطلب وعيًا ذاتيًا، وهو ليس موضوعًا بسيطًا، بل يحتاج إلى عملية معقدة لاكتشاف الذات.
ختامًا، كان كل سعينا في هذا العدد الخاص منصبًا على تقديم مواد مرتبطة بالفلسفة العملية قادرة على حل عقدة من عقد الحياة وتجعل السير في درب الحياة أكثر يسرًا قليلًا. ذلك أنه، كما أشرنا في بداية الكلام، فإن الفلسفة العملية هي جزء من فلسفة الحياة، تضع في الاعتبار مسائل يختلف معها طرحها في ذهن الإنسان والعمل بها، وكذلك كيفية اختيار الحلول لها، الحياةَ العملية للفرد عما كانت عليه من قبل، بحيث تصبح أقل عرضة للمعاناة والمرارة قدر الإمكان.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.