اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يعود اختلاف العارفين والفلاسفة المسلمين في الإلهيات إلى تعريفهم لله وتصورهم له. وتستقصي هذه الدراسة، عبر فحص نزعات الأصولية والإيمانية ونظرية المعرفة المُصلَحة، العلاقةَ بين العقل والإيمان.

هذا البحث بصدد دراسة مقارنة بين الإلهيات العرفانية والإلهيات الفلسفية في الثقافة الإسلامية. المدّعى الرئيسي للمؤلف هو أن اختلاف وجهات النظر بين العرفاء والفلاسفة المسلمين حول الإلهيات ينبع من اختلاف أعمق حول تعريف الله وتصوره. وعلى وجه الخصوص، فإن عقلانية الإيمان بوجود الله وحاجتنا أو عدم حاجتنا إلى دليل على وجوده، وهو أحد الموضوعات المحورية في الإلهيات الفلسفية والعرفانية، يقوم على التعريف والتصور اللذين يحملهما العرفاء والفلاسفة عن الله. إن حاجة وجود الله إلى الاستدلال أو عدم حاجته إليه، وصفات الله، وإمكانية معرفة الله وكيفية معرفته، وتشابهه وتميزه عن الخلق، وعلاقة الله بالخلق، وعقلانية المعتقدات الدينية أو نسبة العقل إلى الإيمان، هي من جملة المسائل والموضوعات الأساسية في الإلهيات، وكما سنرى، فإن حسم جميع هذه المسائل يقوم بشكل ما على الافتراض المسبق الذي يحمله الشخص حول تعريف الله.
قبل الخوض في البحث الأساسي، من المناسب أن نستعرض وجهات النظر الرئيسية المطروحة حول علاقة العقل والإيمان في فلسفة الدين. هذه الوجهات، التي تتسم بصبغة معرفية، تقوم في الحقيقة على تعريفات وتصورات مختلفة للعقلانية. ثلاثة من أهم هذه الوجهات هي: التأسيسية التقليدية (Classical Foundationalism) أو الدليلية (Evidentialism)، والإيمانية (Fideism)، ونظرية المعرفة المُصلَحة (Reformed Epistemology) أو التجريبية (Experientialism).
1-1. التأسيسية التقليدية أو الدليلية. التأسيسية التقليدية هي وجهة نظر حول بنية المعرفة تقوم على أن: 1) معتقداتنا تنقسم إلى فئتين: بديهية ونظرية، 2) المعتقدات البديهية أو الأساسية لا تحتاج إلى تبرير، وحجيتها واعتبارها لا تدين بهما لسائر المعتقدات، و3) المعتقدات النظرية أو الفوقية تُستنتج من المعتقدات البديهية أو الأساسية، وهي قابلة للتبرير بهذه الطريقة فقط. بصرف النظر عن هذه الأصول الثلاثة المشتركة، يختلف التأسيسيون حول 4) تعريف البداهة أو معيارها، 5) مصاديق المعتقدات البديهية، و6) كيفية ابتناء النظريات على البديهيات أو كيفية تبرير النظريات استناداً إلى البديهيات. يدّعي التأسيسيون أن 7) التأسيسية هي مقتضى العقلانية النظرية، وهي نابعة من معايير العقل النظري وإلزاماته.
1-2. يمكن تنسيق التأسيسية في باب المعرفة الدينية في صورة القضايا التالية:
8) لا اعتقاد دينياً مقبولاً ما لم يكن معقولاً؛ و
9) لا اعتقاد دينياً معقولاً ما لم يكن قابلاً للإثبات بمساعدة «الاستدلال».
بهذا الترتيب، يسعى الأصوليون الذين يعتقدون بوجود الله إلى إثبات وجوده بمساعدة الاستدلال وتبرير إيمانهم في كنفه. ومن جهة أخرى، يسعى الأصوليون الذين ينكرون وجود الله أو يشكون فيه إلى إظهار قصور تلك الأدلة وعدم اكتمالها، أو الاستدلال على عدم وجود الله. لكن كلا المجموعتين تتفقان على أن الإيمان بوجود الله نظري وأننا بحاجة إلى الاستدلال لتبرير هذا الإيمان. من الوجوه المشهورة للأصولية في المسيحية الأكويني، (Aquinas) ومن الوجوه البارزة للأصوليين الملحدين يمكن ذكر كليفورد، (Clifford). الإيمانية والتجريبية (أو نظرية المعرفة المُصلَحة) هما في الحقيقة ردود فعل على الأصولية التقليدية. ينكر الإيمانيون المدعى الأول للأصولية الدينية، أي القضية (8)، ويعتقدون أن المعتقدات الدينية غير معقولة ومع ذلك مقبولة. أما التجريبيون أو أنصار نظرية المعرفة المُصلَحة فينفون المدعى الثاني للأصولية، أي القضية (9)، ويعتقدون أن المعتقدات الدينية معقولة ولكنها بديهية ولا تحتاج إلى استدلال. يدّعي الإيمانيون أن المعتقدات الدينية تدين بحجيتها واعتبارها للإيمان، ويدّعي التجريبيون أن المعتقدات الدينية تستمد حجيتها واعتبارها من التجربة الدينية. الفرق بينهما هو أن الإيمانيين يقبلون الأصولية التقليدية كتفسير للبنية الفوقية للعقلانية، وفي الوقت نفسه يعتقدون أن المعتقدات الدينية لا أساس عقلاني لها. أما التجريبيون، فيدّعون أن المعتقدات الدينية لها أساس عقلاني، لكن الأصولية التقليدية لا تقدم صورة صحيحة عن بنية العقلانية ولا معياراً صحيحاً لتشخيص مصداق المعتقدات البديهية، وبالتالي تعتبر الإيمان بوجود الله إيماناً نظرياً وبحاجة إلى استدلال. كلا النظريتين تدافعان عن المعتقدات الدينية في مواجهة تحدي الأصولية التقليدية؛ وإن كانتا تسلكان في هذا الدفاع مسارين مختلفين.
1-3. الإيمانية. الإيمانية هي الرأي القائل بأن المعتقدات الدينية غير قابلة للتقييم العقلاني. أحد الأدلة التي تُساق عادة لصالح هذا المدعى هو أن تسليم الإنسان لله يجب أن يكون همه وانشغاله الأقصى، (Ultimate Concern) وأن تعليق الإيمان على الاستدلال العقلي يُظهر في الحقيقة أن العقل، وليس الله، هو الهم الأقصى للإنسان. لذلك، فإن تسليم مصير الإيمان بيد العقل وقبول حكم العقل في حقل الدين يتنافى مع جوهر التدين. للإيمانية روايات مختلفة، وبارت، (Barth) وكيركغور، (Kierkegaard) وجمع من أتباع فتغنشتاين، (Wittgenstein) هم من الوجوه البارزة للإيمانية.
أحد الأدلة المعتد بها لصالح الإيمانية يقوم على الفرق بين الإيمان والعقيدة؛ الإيمان، (Faith) غير العقيدة، (Belief that). الإيمان أوسع بكثير من مجرد الاعتقاد بصدق قضية ما. الإيمان يتضمن نوعاً من التسليم، والالتزام، والتوكل، والتقييم الإيجابي، في حين أن العقيدة ليست كذلك؛ ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون موضوع الإيمان والعقيدة هو الله أو شيء آخر. الإيمان بالله يعني الإيمان بحقيقة الله وأحقيته الذي يتضمن التسليم والخشوع والتوكل؛ أما الاعتقاد بقضية «الله موجود» فيعني الاعتقاد بصدق هذه القضية؛ فقط لا غير.
1-4. نظرية المعرفة المُصلَحة أو التجريبية. أنصار نظرية المعرفة المُصلَحة أو التجريبيون، الذين يستلهمون أفكار جان كالفن، (John Calvin) المصلح المسيحي الشهير، يقومون في الحقيقة بثلاثة أمور: يبين هؤلاء أن
1) الأصولية التقليدية ناقصة وقاصرة؛
2) المعتقدات الدينية، ومنها الإيمان بوجود الله، هي جزء من المعتقدات البديهية والأساسية، ومؤسسة ومستندة إلى التجربة الدينية، وبالتالي فإن التبرير العقلاني لهذه المعتقدات لا يدين للاستدلال ولا يقوم على قبول معتقدات غير دينية؛ ونتيجة لذلك
3) الشك والترديد في المعتقدات الدينية أو إنكار معقوليتها، بناءً على الافتراضات المسبقة للأصولية التقليدية، لا أساس له.
ويليام بي. ألستون، (William P. Alston) وألفين بلانتينغا، (Alvin Plantinga) من الوجوه البارزة لهذا المنهج في فلسفة الدين المعاصرة. (1)
1-4-1. يحاول ألستون، عبر تأكيده على أن المعتقدات الحسية هي جزء من معتقداتنا البديهية والمعقولة التي لا تدين حجيتها واعتبارها للاستدلال، بل للتجربة الحسية، أن يبيّن أن الاعتقاد بوجود الله هو أيضاً بديهي ومستند إلى التجربة الدينية. من وجهة نظر ألستون، لا تختلف التجربة الدينية عن التجربة الحسية من حيث الطبيعة والماهية؛ ففي كلتا الحالتين نقيم اتصالاً مباشراً بواقع موضوعي. الفارق الوحيد يكمن في موضوع ومتعلق هذين النوعين من التجربة، وهو فارق لا يؤثر في حجية التجربة والاعتقاد المستند إليها واعتبارهما. ففي التجربة الحسية نواجه موضوعات طبيعية ومادية ومقيدة، وفي التجربة الدينية نواجه موجوداً متعالياً ومطلقاً. ويقوم نقد ألستون للأسسية التقليدية بشكل رئيسي على أن الأسسيين لا يملكون أي تبرير معقول لقبول اعتبار التجربة الحسية وإنكار اعتبار التجربة الدينية. فبحسب اعتقاد ألستون، ليس هناك أي دليل يقتضي بداهة المعتقدات الحسية ومعقوليتها وعدم بداهة الاعتقاد بوجود الله ومعقوليته؛ فالاعتقاد بوجود الله قابل للتبرير في كنف التجربة الدينية بنفس القدر الذي تكون فيه المعتقدات الحسية قابلة للتبرير في كنف التجربة الحسية. وعليه، يسعى ألستون إلى تعديل وجهة نظر الأسسية التقليدية حول ماهية التجربة الدينية واعتبارها. ألستون هو توثيقي (Reliabilist) في التبرير الإبستمولوجي، أي أنه يعتقد أن اعتقاداتنا ومعتقداتنا لا تكون مبررة وتُعتبر معرفة إلا إذا تم الحصول عليها من قنوات موثوقة. وعلى هذا الأساس، يدّعي أن المعتقدات الحسية والاعتقاد بوجود الله، اللذين يتم الحصول عليهما عبر قناة التجربة، كلاهما صادقان ومبرران. لأن التجربة الحسية والتجربة الدينية هما من قنوات المعرفة الموثوقة. (2)
1-4-2. يقدم ألفين بلانتينغا رواية أخرى للتجريبية الدينية أو الإبستمولوجيا المُصلَحة. نقده للأسسية التقليدية يقوم على ادعاء أن المعتقدات الأساسية لا تختزل في المعتقدات الحسية أو غير القابلة للشك، فهناك معتقدات قائمة على الذاكرة، ومعتقداتنا حول العقول الأخرى، ومعتقدات أخرى كثيرة في أذهاننا لا يمكن استنتاجها من معتقداتنا الأخرى ولا نملك أي دليل لصالحها، ومع ذلك فإن قبول تلك المعتقدات معقول ولا نرتكب أي خطأ إبستمولوجي في قبولها ولا نتجاهل أي مبدأ إبستمولوجي. يدّعي بلانتينغا أن الاعتقاد بوجود الله هو كذلك أيضاً؛ أي أنه جزء من المعتقدات الأساسية، ولا يمكن استنتاجه من معتقدات أخرى، ولا يدين تبريره لمعتقدات أخرى، وهو معقول في الوقت نفسه. بلانتينغا هو وظائفوي (Functionalist) في التبرير الإبستمولوجي، ويعتقد أننا في موقف إبستمولوجي ملائم. وذلك لأن أدوات معرفتنا قد خُلقت لأداء وظيفة معينة، هي اكتشاف الحقيقة واكتساب المعرفة، وهي تؤدي عملها على النحو الصحيح. (3)
1-5. يعتقد الكاتب أن النزاع بين العرفاء والفلاسفة المسلمين حول معقولية المعتقدات الدينية، وخصوصاً حول حاجة الاعتقاد بوجود الله إلى الاستدلال أو استغنائه عنه، يمكن فهمه وتبيينه بوضوح في إطار وجهتي نظر الأسسية التقليدية والتجريبية الدينية أو الإبستمولوجيا المُصلَحة. الأغلبية الساحقة من الفلاسفة المسلمين هم من أنصار الأسسية التقليدية في الإبستمولوجيا، وفي الوقت نفسه لا يعتبرون أياً من القضايا الدينية، بما فيها قضية «الله موجود»، بديهية ومستغنية عن الاستدلال، وبناءً على ذلك يسعون إلى الاستدلال على وجود الله وتبرير الاعتقاد بوجود الله بمساعدة معتقدات غير دينية. وكما سنرى، فإن هذا المقاربة تستند إلى التعريف الذي يقدمه الفلاسفة المسلمون لله.
من جهة أخرى، يدّعي العرفاء المسلمون أن الإيمان بوجود الله بديهي وواضح ولا يحتاج إلى استدلال، وكما سنرى، فإن هذا المنهج قائم أيضاً على التعريف الذي يقدمه العرفاء لمفهوم الله وحقيقته. وبهذا يمكن أن نستنتج أن الفلاسفة المسلمين قد قبلوا كلا دعويي النزعة التأسيسية التقليدية بشأن المعرفة الدينية، أي القضيتين (8) و(9)، في حين أن العرفاء المسلمين ينكرون بشكل رئيسي الدعوى الثانية، القضية (9)، وينكرون أحياناً الدعوى الأولى للنزعة التأسيسية التقليدية، القضية (8). وأي هذين الرأيين أقرب إلى نصوصنا الدينية ويقدم تفسيراً وتبييناً أفضل لهذه النصوص، هو موضوع مقال آخر. سنتناول هنا، بعد بيان تعريف الله في العرفان والفلسفة، ذكر شواهد تؤيد وجهة نظر العرفاء وتُظهر أن الإيمان بوجود الله هو جزء من المعتقدات الأساسية، بل هو أساس وافتراض مسبق لكل المعتقدات الأخرى التي يمكن أن توجد في أذهاننا، وبدون قبول هذا الاعتقاد، لا يكون أي اعتقاد معقولاً وقابلاً للتسويغ. الإيمان بوجود الله غير قابل للاستدلال، وهو معقول في الوقت نفسه. وبناءً على التعريف العرفاني لله، فإن الشكية الدينية هي عين الشكية المطلقة، والشك في وجود الله هو عين الشك في أصل الوجود. ومن ثم، فكل من ينفي الشكية المطلقة يؤمن بوجود الله. من منظور العرفاء، فإن الشك في وجود الله أو إنكار وجوده ناشئ عن تصور خاطئ لله، لا عن عدم تمامية الاستدلال على وجوده.
دعوى الكاتب بإيجاز هي:
1) وجود الله غير قابل للاستدلال، لأن وجوده هو افتراض مسبق لكل استدلال؛ وبالتالي
2) الإيمان بوجود الله هو جزء من المعتقدات الأساسية، بل هو أكثرها أساسية؛
3) الإيمان بوجود الله قائم ومستند إلى التجربة الدينية؛ و
4) التجربة الدينية حقيقة ذات مراتب ومشككة: فبعض التجارب الدينية هي تجربة أو شهود عقلي (Thought Experiment Or Intellectual Intuition)، وبعضها الآخر تجربة قلبية أو علم حضوري (Knowledge by Presence). الشواهد التي تُقدم هنا لصالح إله العرفان هي جميعاً من سنخ التجربة أو الشهود العقلي. تُعرض هذه الشواهد فقط بغرض وضع ذهن المخاطب في الظروف المناسبة للشهود العقلي لقضية «الله موجود».
وبهذا، فأنا أتفق مع الإيمانيين من حيث إن الاستدلال على وجود الله غير صحيح؛ وإن كان لدي دليل آخر على هذه الدعوى. في رأيي أن الاستدلال على وجود الله أولاً لا ينسجم مع ألوهية الله؛ أي أنه قائم على تصور خاطئ لله، وثانياً فإن الإله الذي يُثبت وجوده من خلال الاستدلال لا يمكن أن يكون أساساً للإيمان الديني؛ أي أن المعرفة التي يستند إليها الإيمان ويتكئ عليها هي معرفة تجريبية لها لوازم ومضامين نفسية وعملية. خلافي مع الإيمانيين هو أنني أعتقد أن أدنى درجة من معرفة الله متقدمة على الإيمان ومستقلة عنه، وأن الإيمان بوجود الله معقول؛ بمعنى أنه قابل للتسويغ في ظل التجربة الدينية؛ وإن كان هذا التسويغ لا يعني الاستدلال على وجود الله، ولا يتعارض مع كون الله هو الشاغل الأقصى للإنسان. الإيمان بوجود الله معقول لنفس السبب الذي يجعل سائر المعتقدات القائمة على التجربة معقولة. الإيمان بوجود الله معقول لأن هذا الاعتقاد هو أساس وافتراض مسبق لكل المعتقدات الدينية وغير الدينية الأخرى. وحيث إن الشك في وجود الله هو عين الشك في الوجود المطلق، فإن قبول الوجود المطلق هو عين قبول وجود الله. إذن فقبول صدق أي قضية يتوقف على قبول وجود الله في المرتبة السابقة.
من جهة أخرى، أوافق في إطار نظرية المعرفة المُنقَّحة على الادعاء بأن الإيمان بوجود الله هو من المعتقدات الأساسية والمعقولة، ويمكن تبريره بالاستناد إلى التجربة الدينية. ويكمن خلافي مع التجريبيين في ماهية التجربة الدينية. فبينما يعتبر التجريبيون التجربة الدينية من سنخ التجربة الحسية (العلم الحضوري)، أعتقد أن للتجربة الدينية أنواعاً وأقساماً؛ أي أنها تشكل طيفاً يقع في أحد طرفيه الحدس العقلي (Rational intuition) أو التجربة الذهنية (Thought experiment)، وفي الطرف الآخر الحدس القلبي أو التجربة العرفانية أو العلم الحضوري. علاوة على ذلك، لا يدّعي التجريبيون أن وجود الله غير قابل للاستدلال. إنهم يدّعون أن وجود الله لا يحتاج إلى استدلال، وأن الإيمان بوجوده معقول بصرف النظر عن الاستدلال أيضاً. في حين أن مدّعاي هو أن وجود الله غير قابل للاستدلال، وأن الاستدلال على وجوده قائم على تصور خاطئ له، وحتى لو كانت أدلة الفلاسفة على وجود الله تامة، فإن الموجود الذي يُثبَت وجوده من خلال هذه الاستدلالات ليس هو الله.
يمكن الادعاء بأن اختلاف الفلسفة والعرفان في باب الإلهيات والأنطولوجيا ونظرية المعرفة وكثير من الأبواب الأخرى، ناشئ عن اختلاف في افتراض مسبق مفتاحي وأساسي. هذا الافتراض المسبق هو أن «الوجود المطلق اللابشرط موجود في الخارج عن الذهن». يدّعي العرفانيون أن الوجود المطلق اللابشرط موجود في الخارج وليس مجرد مفهوم ذهني. ومن جهة أخرى، يدّعي الفلاسفة أن الوجود المطلق اللابشرط مفهوم كلي وانتزاعي لا يوجد إلا في الذهن، وما يوجد في الخارج عن الذهن هو مصداق الوجود المطلق، لا هو نفسه. يسعى العرفانيون إلى إظهار صدق هذا الافتراض المسبق، بينما يناقش الفلاسفة في صدقه ويشككون فيه. من وجهة نظر الفلاسفة، الموجودات العينية التي هي مصاديق مفهوم الوجود تكون دائماً مقيدة بقيد من القيود، والله الذي هو أحد هذه المصاديق وجوده مقيد بقيد الإطلاق؛ فإله الفلسفة هو وجود بشرط لا، لا وجود لابشرط. من منظور الفلسفة، الله هو مجرد واحد من تعينات الوجود المطلق، بينما هو من منظور العرفان نفس الوجود المطلق. هذا الافتراض المسبق الأساسي هو الذي يفصل طريق الفلسفة والعرفان، ليس فقط في الإلهيات، بل في كثير من المسائل المهمة في الأنطولوجيا ونظرية المعرفة. إن اختلاف الفلاسفة والعرفانيين في تعريف الله ناشئ أيضاً من الاختلاف في الوجود المطلق اللابشرط. من البديهي أنه إذا كان المطلق اللابشرط موجوداً فهو الله نفسه، أما إذا لم يكن موجوداً، فسيكون الله بالضرورة أحد تعيناته.
2-1. بناءً على تعريف الفلسفة، الله موجود مقيد بقيد الإطلاق. تُعرِّف الفلسفة الإسلامية مفهوم الله بأنه وجود بشرط لا، أو وجود خاص مباين لسائر الموجودات. من المنظور الفلسفي، مفهوم الله مركب من الوجود والقيد السلبي بشرط لا أو الإطلاق، الذي يتميز به الله وينفصل عن سائر الموجودات، ويحتل مرتبة خاصة من الوجود هي أعلى المراتب. إن إمكانية الشك في وجود إله الفلسفة واحتياجه إلى الاستدلال هو بسبب هذا القيد بالذات. لأنه عندما يتقيد وجود بقيد ما، يصبح وجود ذلك القيد مشكوكاً فيه، وسيسري الشك في وجود القيد إلى الوجود المقيد أيضاً. مثل هذا الشك معقول؛ لأنه لا يستلزم أي تناقض أو تهافت، ولا يمكن إزالته إلا بالدليل والبرهان. وبهذا، وبناءً على التعريف الفلسفي لله، يكون وجوده مشكوكاً فيه ومحتاجاً إلى الاستدلال.
2-2. مثل هذا التعريف لمفهوم الله قد ألقى بظلاله على وجهة نظر الفلاسفة في باب وجود الممكنات، وعلاقة الله بالخلق، وتعريف العلية، وكيفية صدور الكثرة عن الوحدة، ومباحث أخرى كثيرة جداً. وفيما يلي بعض من أهم نتائج ولوازم هذا التعريف:
2-2-1. يتيح مثل هذا التعريف للفلاسفة أن يقبلوا، بالإضافة إلى وجود الله، وجود موجودات أخرى، ولو بشكل تابع؛ أي أن يلتزموا بالكثرة الحقيقية للوجود. يقسم الفلاسفة موجودات عالم الوجود إلى واجب وممكن، ويقولون للممكنات بوجود حقيقي، وإن كان مقيداً وتابعاً. يثبت الفلاسفة، في مقام إثبات وجود الله، وبمساعدة الاستدلالات الفلسفية، إلهاً يكون وجوده منسجماً مع وجود الممكنات. إن الكثرة الحقيقية للوجود هي الافتراض المسبق للاستدلال على وجود إله الفلسفة.
2-2-2. بقبول هذا التعريف، ينزه الفلاسفة الله بشكل مطلق عن صفات الممكنات. لأن قيد الإطلاق بمعناه السلبي لا ينسجم ولا يمكن جمعه مع أي قيد آخر، والوجود المقيد بهذا القيد مباين للوجود المقيد بأي قيد آخر.
2-2-3. بناءً على التصور الفلسفي للإله، فإن اجتماع الله والخلق في مرتبة واحدة أمر مستحيل. بمعنى أنه ليس فقط لا تحضر الممكنات في مرتبة الله، بل إن الله أيضًا لا يحضر في مرتبة الممكنات ولا يمكنه أن يحضر. وذلك لأن قيد الواجب وقيد الممكن يطرد أحدهما الآخر، ولا يمكن الجمع بين موجود مقيد بأحد هذين القيدين وموجود مقيد بالآخر. فهذه القيود تمنع حضور كل منهما في مرتبة الآخر. فتنزل إله الفلسفة عن مرتبته غير معقول، لأنه يستلزم التخلي عن قيد الإطلاق والوجوب، كما أن تعالي الممكنات نحوه مستحيل، لأنه يستلزم التخلي عن قيد الإمكان. ويدّعي الفلاسفة بالطبع أن لله علمًا حضوريًا بالممكنات، ولكن كما سنرى فإن هذا الادعاء لا يمكن تبريره بناءً على ذلك الأساس.
2-3-4. علاقة إله الفلسفة بالخلق هي علاقة عليّة بمعناها الفلسفي، ومن المباحث الفلسفية الغامضة تبيين هذا المعنى: كيف يمكن صدور الكثرة عن الوحدة.
2-3-5. بقبول تعريف الفلاسفة للإله، يصبح تبرير علم الله بالخلق وعلم الخلق بالله مشكلًا. في الحالة الأولى، تنشأ المشكلة من أن علم الله بالممكنات لا يمكن أن يكون علمًا حصوليًا؛ لأن الله ليس له ذهن حتى يمكن افتراض أن علمه بالممكنات يتم بواسطة مفاهيم وقضايا موجودة في ذهنه. ومن جهة أخرى، لا يمكن لإله الفلسفة أن يكون له علم حضوري بالممكنات؛ وذلك أولاً لأن العلم الحضوري، بتصريح الفلاسفة أنفسهم، مختص بالمجردات، أي أن العالم والمعلوم في العلم الحضوري كلاهما مجردان، ومناط العلم الحضوري هو الوحدة أو الاتحاد الوجودي بين العالم والمعلوم. وعليه، لا يمكن لإله الفلسفة أن يكون له علم حضوري بعالم الطبيعة والموجودات والحوادث المادية في هذا العالم. العلم الحضوري عبارة عن حضور المجرد لدى المجرد. وهذا العلم متوقف على حضور العالم في مرتبة المعلوم أو حضور المعلوم في مرتبة العالم، وكما رأينا، فإن قيد الإطلاق يمنع إله الفلسفة من أن يحضر في مراتب الوجود الدانية أو أن تحضر الموجودات المقيدة بقيود أخرى في مرتبته.
علم الممكنات بإله الفلسفة يواجه مشكلة أيضًا. لأن إله الفلسفة هو آخر بالكلية، وبسبب قيد الإطلاق الذي يستلزم تنزيهه المطلق عن صفات الممكنات، لا يوجد أي وجه شبه بينه وبين الممكنات، ومن ثم فإن إله الفلسفة غير قابل للمعرفة الحصولية. والمعرفة الحضورية لهذا الإله مستحيلة أيضًا للسبب ذاته الذي مرّ.
3-1. بناءً على التعريف الذي يقدمه العرفان للإله، فإن «الله هو الوجود المطلق اللابشرط». وعلى خلاف إله الفلسفة، فإن إله العرفان ليس مقيدًا بقيد الإطلاق. إن أخذ هذا القيد في تعريف الله هو فقط لإظهار تحرره من جميع القيود، بما في ذلك قيد الإطلاق.
3-2. إذا كان الله هو الوجود المطلق اللابشرط، فسوف تترتب النتائج التالية بحسب التعريف:
3-2-1. لن يكون لمفهوم الله ولا لوجوده أي قيد؛ وعليه فإن إثبات وجود إله العرفان لا يتوقف على إثبات وجود أي قيد. الشك في وجود إله العرفان شك مستحيل وغير معقول؛ لأن إله العرفان هو الوجود المطلق اللابشرط، والوجود المطلق اللابشرط ليس له قيد حتى يسري الشك في وجود ذلك القيد إلى الوجود المطلق. بناءً على التعريف العرفاني، فإن الشك في وجود الله ناشئ عن تصور خاطئ للإله. لأنه إذا كان الله وجودًا مطلقًا لابشرط، كما يدّعي العرفاء، فإن الشك في وجوده هو عين الشك في أصل الوجود، والشك في الوجود شك غير معقول وغير ممكن، وافتراضه مشتمل على تناقض. أما الشك في وجود الله بسبب تصوره الخاطئ، فرغم أنه ممكن، فإن إزالته ممكنة فقط من خلال تصحيح تصور الإله، لا من خلال الاستدلال على وجوده.
3-2-2. إله العرفان موجود مع جميع المقيدات وحاضر في جميع مراتب الوجود؛ رغم أنه لا يوجد أي مقيد معه. الوجود المطلق بمعنى من المعاني هو عين المقيدات، وتنزله من مرتبة الغيب المطلق وظهوره وتجليه وتعيّنه في المراتب الدانية للذات أمر ممكن. لأن المطلق اللابشرط هو لابشرط حقًا، ويجتمع مع أي مقيد ولا يطرد أي قيد أو أي مقيد. بالطبع، لا يحضر أي مقيد في مرتبته، ولكنه موجود مع الجميع. المطلق موجود مع جميع المقيدات، ولو لم يكن موجودًا لما كان مطلقًا، ولكن لا يوجد أي مقيد مع المطلق أو مع المقيدات الأخرى؛ لأنه لو كان موجودًا لما كان مقيدًا بعد.
3-2-3. إله العرفان يعلم بالممكنات؛ لأن الممكنات، بالمعنى الحقيقي للكلمة، ليست غيره. علم الله بالممكنات هو عين علم الله بنفسه. لإله العرفان علم حضوري وعلم حصولي معاً. العلم الحضوري، كما رأينا، يتوقف على الاتحاد أو الوحدة الوجودية بين العالم والمعلوم، وهذا الافتراض الوجودي والميتافيزيقي لا يمكن فرضه إلا في ظل التعريف العرفاني لله. ليس للعلم الحضوري معنى سوى حضور المعلوم «لدى» العالم والعكس، وهذا «اللدى» هو عين الوجود في مرتبة العالم أو في مرتبة المعلوم. ولكن كما رأينا، فإن وجود الله في مرتبة الممكنات لا يكون ممكناً ومعقولاً إلا إذا اعتبرناه وجوداً مطلقاً لا بشرط. الوجود المطلق لا بشرط، مع حفظه لإطلاقه، يمكنه أن يتحقق وجوداً وحضوراً في مرتبة الموجودات المقيدة، التي ليست سوى مظاهره وتجلياته.
وأما العلم الحصولي لله بالممكنات؛ فلأن العلم الحصولي يرجع إلى العلم الحضوري، بمعنى أن العلم الحضوري بالعلة هو علم حصولي بالمعلول. العلم الحصولي هو نوع من الاعتبار والفرض. في العلم الحصولي، يواجه الشخص العالم العلةَ التي هي حقيقة المعلول، ويفرض معرفة تلك العلة معرفةً للمعلول الذي هو رقيقة العلة. بتعبير آخر، العلم الحصولي هو اعتبار العلة، المعلومة بالذات، بدلاً عن المعلول، المعلوم بالعرض. إذن، فعلم الله الحضوري بذاته وصفاته هو، بلحاظٍ ما، علمه الحصولي بما سواه، الذي هو مظاهر ذاته وصفاته وتجلياتها. لكن هذا الادعاء لا يكون معقولاً ومقبولاً إلا إذا كانت العلة بمعنى الظهور والتجلي، وكانت العلة حقيقة المعلول، والمعلول رقيقة العلة. بعبارة أخرى، الافتراض المسبق لهذا الادعاء هو وحدة الوجود العرفانية، التي بموجبها العلة والمعلول شيء واحد لا شيئان.
3-2-4. الوجود المطلق بالمعنى العرفاني لا يبقي مجالاً للغير، حتى في صورة الوجود التابع والربطي. من المنظور العرفاني، كل ما هو غير الله ليس سوى ظهور محض، وظل، وتجلي لله. العلة ليست بمعنى إيجاد الممكنات، بل بمعنى تطور الوجود المطلق في أطواره، وتشأنه في شؤونه، وظهوره في مظاهره. مثل هذا الوجود لا يباين تنزلاته، وليس بعيداً عنها ولا منفصلاً. نتيجة ذلك أنه بناءً على التعريف العرفاني لله، تصبح الكثرة الحقيقية في الوجود محالاً، والكثرة الحسية المشهودة لا تكون قابلة للتبيين والقبول إلا بوصفها كثرة في المظاهر.
3-2-5. إله العرفان لا يمكن أن يتصف بصفة في مرتبة الذات. لأن كل صفة هي نوع من القيد والمحدودية، وتستلزم الخروج عن الإطلاق واللاحدية. بعبارة أخرى، انتزاع الوصف منه متوقف على لحاظ نسبة واعتبار حيثية لا تنسجم مع كونه غيباً مطلقاً وامتناع الإشارة العقلية إلى كنه حقيقته. من هنا، فإن صفات الله كلها من التعينات والمراتب النازلة لوجوده، التي تظهر نتيجة تجلي ذلك الوجود وتنزله من الغيب المطلق.
3-2-6. وجود إله العرفان بديهي، والأدلة المقامة على وجوده إما ناشئة عن تصور خاطئ له، وفي هذه الحالة ما يُثبت وجوده لن يكون هو الله، بل أمراً آخر ظُن خطأً أنه الله؛ وإما هي تنبيه وتذكير على وجوده، بدلاً من أن تكون دليلاً وبرهاناً بالمعنى الدقيق والفلسفي للكلمة؛ وإما هي دليل على بداهة وجوده، بدلاً من أن تكون دليلاً على أصل وجوده.
3-2-7. تعريف العرفاء لله يستلزم تفسيراً وتبييناً جديدين لجميع مقولات الأنطولوجيا. بناءً على هذا، تُفسر «العلية» بأنها «تشأن» و«تجلي»، و«وجود» الممكنات بأنه «ظهور وتجلي»، و«التشكيك في الوجود» بأنه «تشكيك في المظاهر»، و«الوحدة التشكيكية للوجود» بأنها «وحدة حقيقية وشخصية»، و«الكثرة في الوجود» بأنها «كثرة في المظاهر»، و«الصادر الأول» بأنه «الفيض المنبسط».
3-2-8. التعريف العرفاني لله يتيح للعرفاء إمكانية الجمع بين التشبيه والتنزيه، وتجنب التنزيه المطلق لله.
في هذا القسم، مرادنا هو أن نبين أن الوجود المطلق بمعناه العرفاني، أي الوجود المطلق اللابشرط، موجود. ومن المعلوم أنه إذا قُبل وجودُ موجودٍ كهذا، فينبغي ضرورةً أن يكون هو الله؛ لأن الله هو الموجود الذي لا يُتصور أكمل منه. لكن ينبغي أن ننتبه إلى أن هذه الدعوى لا يمكن إثباتها عن طريق الاستدلال؛ لأن قبول وجود كهذا هو مفترضٌ مسبقٌ لكل استدلال، والاعتقاد بوجود كهذا كامنٌ في أعماق ذهن وضمير كل إنسان. العمل الوحيد الممكن هنا هو إظهار صدق هذه الدعوى من خلال توفير الأرضية المناسبة للشهود العقلي. ما نحتاجه هنا هو «العلم بالعلم»، والعلم بالعلم لا يمكن تحصيله من طريق الاستدلال بالمعنى المتعارف للكلمة. الاستدلال هو لرفع الجهل وتحويل المجهول إلى معلوم، لا لرفع الغفلة وتحويل المغفول عنه إلى مذكور. رفع الغفلة ممكن فقط من خلال رفع عللها وأسبابها. الجهل نقيض العلم، أما الغفلة فهي نقيض العلم بالعلم وهي متوافقة مع العلم.
بالنسبة لحقيقة ما، الشخص إما عالم بها أو جاهل؛ وفي الحالة الأولى، إما أن يكون غافلاً عن تلك الحقيقة وعن علمه بها، أو ذاكراً لتلك الحقيقة ولعلمه بها. تذكُّر المعلوم السابق يختلف عن تعلُّم حقيقة جديدة؛ وطريقة التعلم تختلف أيضاً عن طريقة التذكر. في مقام التذكر، ينبغي وضع الذهن في ظروف يكون التواجد فيها موجباً للتنبه والتذكر. وماهية هذه الظروف تابعة إلى حد كبير لموضوع البحث. برؤية صورة صديق، تحيا في ضميرنا الذكرياتُ التي كانت لنا معه. إذا كان «نقش العالم»، كما يقول العرفاء، «ليس إلا خيال الحبيب»، فلِمَ لا نتذكر الحبيب برؤية العالم؟ لتذكُّر الوجود المطلق اللابشرط، العمل الوحيد الممكن هو النظر في لوازم وتبعات الاعتقاد أو عدم الاعتقاد بوجود حقيقة كهذه، وبالتأمل فيها ندرك أن الإيمان بوجود هذه الحقيقة كان موجوداً في الذهن من قبل، وهذا ما يتكفل به هذا القسم من المقالة. بعض الشواهد التي توجب تنبهنا لصدق قضية «الله موجود» هي كما يلي:
4-1. الشك في وجود وواقعية أي شيء ممكن فقط إذا قبلنا الوجود المطلق اللابشرط. لأن معنى الشك في وجود شيء هو أن «هل x، الذي نشك في واقعيته ووجوده، قد نال حظاً من الواقعية المطلقة اللابشرط واختص بنصيب من الوجود المطلق اللابشرط أم لا؟». إذن، الوجود المطلق اللابشرط هو المفترض المسبق للشك في وجود أي شيء، وبدون قبوله لن يكون قبول وجود الموجودات المقيدة ممكناً فحسب، بل وحتى الشك في وجودها وإنكاره. بناءً على ذلك، الشك في الوجود المطلق اللابشرط يستلزم قبول وجوده في المرتبة السابقة. وحيث إن الله، بالتعريف العرفاني، هو عين الوجود المطلق اللابشرط، فالشك في وجوده غير ممكن؛ لأن هذا الشك متوقف على قبول وجوده في المرتبة السابقة. أما إذا كان الله، كما يقول الفلاسفة، وجوداً مقيداً بقيد الإطلاق، أي الوجود المطلق بشرط لا، فسيكون الشك في وجوده ممكناً دون أي تناقض. لأن معنى هذا الشك هو أن هذا الوجود الخاص هل نال حظاً من الوجود المطلق الذي هو غيره أم لا. بتعبير آخر، الشك في وجود إله الفلسفة لا يحتوي على أي تناقض. لأن هذا الشك بمعنى: «هل الوجود المطلق بشرط لا قد نال حظاً ونصيباً وسهماً من الوجود المطلق اللابشرط أم لا؟». طرح سؤال كهذا معقول، وهذا السؤال سؤال مفتوح يتطلب غلقه استدلالاً.
أما إذا اعتبرنا الله، كما يقول العرفاء، عين الوجود المطلق اللابشرط، فإن الشك في وجوده أو إنكار وجوده يستلزم الاعتراف بوجوده، ومثل هذا الأمر يكون وجوده بديهياً وغير قابل للاستدلال. لأن إحدى علامات بداهة قضية ما هي أن الشك فيها وإنكارها يستلزم إثباتها. بناءً على ذلك، بدون قبول الوجود المطلق اللابشرط لا يكون قبول أي واقعية أو الشك فيها وإنكارها ممكناً. ننتبه إلى أنه بناءً على الرؤية العرفانية، تصور الله كموجود متميز ومتمايز ومنفصل وخارج عن الموجودات الأخرى، هو تصور باطل؛ لأنه يستلزم نقص الله ومحدوديته. بتعبير آخر، الشك في وجود الله هو عين الشك في أصل الوجود لا مصداقاً من مصاديقه.
وفقًا لتعريف الفلسفة، يمكن للمرء أن يقبل صدق قضايا كثيرة ووجود موجودات كثيرة، ومع ذلك يشك في وجود الله، ومثل هذا الشك لا يستلزم أي تناقض. في الحقيقة، إن الاستدلالات الفلسفية على وجود الله كلها تقوم على هذا الافتراض المسبق بأننا، بينما نشك في وجود الله ونحتاج إلى استدلال لقبول وجوده، لا نشك في وجود الممكنات أو الظواهر الممكنة، كالحركة أو النظام، وبالتالي يمكننا من خلال الممكنات أو الظواهر الممكنة إثبات وجود الله وإزالة الشك في وجوده. (4) أما إذا كان الله، كما يدّعي العرفاء، هو عين الوجود المطلق اللابشرط، فإن الشك في وجوده هو عين الشك في الوجود المطلق اللابشرط، والشكاكية الدينية هي عين الشكاكية المطلقة؛ أي أن فرض الشك في وجود الله مع العلم بوجود الممكنات ينطوي على تناقض داخلي. وبما أن قبول الوجود المطلق اللابشرط هو الافتراض المسبق لقبول أي شيء، فإن نفي الشكاكية المطلقة وقبول أصل الوجود هو عين نفي الشكاكية الدينية وقبول وجود الله. في هذه الحالة، يكون وجود الله غنيًا عن الدليل؛ بمعنى أن فرض هكذا حاجة هو فرض غير معقول ولا معنى له. بتعبير آخر، عندما يفترض الفلاسفة وجود الممكنات ويسلمون به بداهةً كي يستدلوا من هذا الطريق على وجود الله، فإنهم في المرتبة السابقة يكونون قد افترضوا الوجود المطلق اللابشرط وسلموا به. لأن فرض وجود أي شيء يستلزم فرض الوجود المطلق اللابشرط في المرتبة السابقة. من هذا المنظور، فإن استدلال الفلاسفة على وجود الله ينطوي على تناقض داخلي؛ لأن هذا الاستدلال هو لإثبات وجود شيء تم افتراض وجوده ضمن مقدمات الاستدلال.
4-2. إن احتياج قضية ما إلى دليل متوقف على تصور موضوعها ومحمولها بشكل خاص. إذا تُصُوِّر الموضوع والمحمول على نحو تكون علاقتهما إمكانية وقابلة للانفكاك عن بعضهما، ففي هذه الحالة إثبات صدق تلك القضية، أي إثبات هوهوية وارتباط موضوع ومحمول تلك القضية، يطلب دليلًا؛ الشك في صدق هكذا قضية هو شك ممكن ومعقول. لأن فرض انفصال موضوع ومحمول تلك القضية في أحد العوالم الممكنة لا ينطوي على أي تناقض. أما إذا كانت علاقة الموضوع والمحمول، بحسب التعريف، علاقة ضرورية وكان فرض انفكاكهما يستلزم تناقضًا أو محالات أخرى، فإن ثبوت المحمول للموضوع يكون غنيًا عن العلة، وعلمنا بتلك القضية يكون أيضًا غنيًا عن الدليل والبرهان. هكذا قضايا تُعتبر بديهية والعلم بصدقها متوقف فقط على تصور دقيق للموضوع والمحمول؛ على خلاف القضايا النظرية التي تحتاج، بالإضافة إلى تصور الموضوع والمحمول، إلى دليل أيضًا. قضية «الله موجود» بديهية؛ لأن الله عين الوجود وانفكاكه عن الوجود محال. وجود الله بحسب التعريف ضروري لا إمكاني؛ ومن ثم، فإن علاقة موضوع ومحمول قضية «الله موجود» هي أيضًا، من الناحية المنطقية، علاقة ضرورية.
4-3. إن نسبة احتمال وجود شيء ما تعتمد على عدد قيود وشروط وجوده، وكلما كانت شروط وجود شيء أكثر كان احتمال وجوده أضعف، والشك في وجوده أكثر معقولية، وإثبات وجوده أكثر صعوبة. لأن وجود ذلك الشيء متوقف على تحقق مجموعة تلك الشروط، والعلم بوجوده سيكون أيضًا متوقفًا على العلم بتحقق جميع تلك الشروط. أما كلما تمتع موجود ما بشروط وافتراضات مسبقة أقل، ازداد احتمال وجوده، وفي حالة حيث لا يتوقف وجود موجود، بسبب إطلاقه، على أي شرط، يصبح وجوده يقينيًا. وجود الله، بحسب التعريف، لا يتوقف على أي شرط؛ لأنه باعتراف الفلاسفة أنفسهم، يُنتزع مفهوم الوجود من صميم ذات الله، وحمله على الله لا يتوقف على لحاظ أي حيثية تحليلية أو تقييدية؛ ذات الله عين الوجود.
4-4. مطالبة الدليل على وجود شيء تتوقف على تصوره بصورة محدودة ومباينة ومتميزة عن الأشياء الأخرى. لكن تصور الله بشكل مشخص ومباين ومتميز عن الموجودات الأخرى يستلزم النقص والتحديد والتشبيه، ومن ثم، إذا تصورنا الله على هذا النحو، شأن الفلاسفة، وجعلنا هذا التصور موضوعاً لقضية «الله موجود»، نكون قد وقعنا في الخطأ؛ أي أننا في الواقع لم نتصور الله ولم نصدق به، بل وضعنا شيئاً آخر مكان الله وأقمنا الدليل عليه. ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون القيد الذي يفصل الله عن الموجودات الأخرى قيد الإطلاق أو غير الإطلاق. أي لا فرق بين القيد الماهوي والقيد غير الماهوي؛ لأن مشكلة النقص والتحديد ناشئة من أصل القيد، لا من كونه ماهوياً. قيد الإطلاق يسلب عن الله الإحاطة والشمول والوجود السعي الذي هو من الكمالات. والفرق الوحيد بين هذا القيد وسائر القيود هو أن القيود الأخرى، علاوة على سلب هذا الكمال، تستلزم أيضاً تحديد سائر الكمالات أو زوالها. لكن هذا الفرق لا يحدث تغييراً في حكم القيود. دليل نفي القيد عن الله هو أن القيد يستلزم النقص والتحديد ولا ينسجم مع ألوهية الله. وخطأ الفلاسفة هو أنهم لا يرون قيد الإطلاق مستلزماً للنقص، في حين أن الإحاطة والسعة الوجودية، التي تستلزم وجود صاحبها وحضوره الحقيقي في جميع مراتب الوجود، هي بدورها من الكمالات، بل أهمها. وبتعبير آخر، تقسيم إقليم الوجود إلى منطقتين: الواجب والممكن، أو الوجود المستقل والوجود الرابط، يستلزم تحديد الله في ساحة الوجوب ونفي وجوده وحضوره في ساحة الممكنات. وقد رأينا سابقاً أنه بدون وجود الله وحضوره في العالم، لا يكون لعلمه الحضوري معنى محصل، ولا يكون تصرفه وتأثيره وتدخله في العالم قابلاً للتصور.
4-5. الله عين الوجود والوجود عين ذاته؛ لذلك فإن تصور انفكاك ذات الله عن الوجود يؤدي إلى التناقض، وكلما أدى نفي قضية إلى التناقض، صار صدقها بديهياً. أما كون الله عين الوجود، فدليله أننا إذا افترضنا أن ذات الله غير الوجود، فهذا الافتراض يستلزم النقص والتحديد كما يستلزم الاحتياج إلى الغير. لأن الشيء الذي ليس الوجود عين ذاته، يكون مديناً بوجوده للغير، ويكون افتراض انفكاكه عن الوجود افتراضاً ممكناً ومعقولاً. لذلك، للفرار من هذا المحذور، يجب أن نقبل أن الله، بحسب التعريف، موجود ولا يمكن ألا يكون موجوداً. وبتعبير آخر، مطالبة الدليل على وجود الله تقوم على تصوره كماهية من الماهيات أو مفهوم من المفاهيم التي هي في حد ذاتها منفكة عن الوجود؛ في حين أن ما يجب قوله في شأن الله هو أن المفهوم الذي ينتزع من صميم ذاته دون أخذ أية حيثية تعليلية أو تقييدية بعين الاعتبار هو مفهوم الوجود، لا مفهوم آخر ولا حتى مفهوم الوجود المقيد بقيد الإطلاق. ومع أن الفلاسفة أيضاً يرون الله عين الوجود ويسلبون عنه الماهية، إلا أنهم بأخذ قيد الإطلاق في تعريف الله، يعرفونه بأنه مركب عقلي مؤلف من الوجود المطلق وقيد الإطلاق، وهذا التعريف يستلزم ألا يكون مفهوم الوجود قابلاً للانتزاع من صميم ذات الله، وأن يكون إثبات وجوده محتاجاً إلى دليل. قيد الإطلاق هو نفسه إحدى الحيثيات التقييدية التي تمنع انتزاع الوجود وحمله على صميم ذات الله. وبهذا يكون تعريف الفلاسفة لله غير منسجم ومتناقضاً مع دعوى استغناء وجوده عن الحيثيات التعليلية والتقييدية.
4-6. من الناحية المنطقية، أحد شروط صحة التعريف هو أن يكون المعرِّف أجلى وأوضح من المعرَّف. لكن هذا الشرط لا يختص بباب التصورات، بل هو جارٍ وسارٍ في باب التصديقات أيضاً، ومراعاته لازمة؛ أي أن المقدمات في التصديق أيضاً يجب أن تكون أوضح من النتيجة. لكن هذا الشرط يُنتهك في الاستدلال على وجود الله. لأن الله، بحسب التعريف، أظهر الموجودات، وعدم رؤيته أو إنكار وجوده إنما هو بسبب شدة ظهوره. في حين أن الاستدلال على وجود الله يقوم على افتراض أن الله أخفى من الموجودات الأخرى وأن وجوده أخفى من وجود مقدمات الاستدلال. يقول العارف الكبير، الشيخ محمود الشبستري، في منظومة كلشن راز:
للمحقق الذي يرى الوحدة في الشهود
قلبٌ رأى من المعرفة نورًا وصفاءً
كل من لم يهده الله سبيلاً
الفيلسوف الحكيم إذ هو حيران
من الإمكان يثبت الواجب
تارةً يسير من البعيد سيرًا معكوسًا
ولما توغل عقله في الوجود
ظهور الأشياء كلها بأضدادها
ولما لم يكن لذات الحق شبه ولا ند
ليس للممكن من الواجب نموذج
فيا لجهل من يطلب الشمس المضيئة
لو كانت الشمس على حال واحدة
لما عرف أحدٌ أن هذا الشعاع منها
فاعلم أن العالم كله فيض نور الحق
التفكر في ذات الحق باطل
ولما كانت الآيات قد اتضحت من الذات
العالم كله ظاهر بنوره
أول نظرة له على نور الوجود
في كل ما رأى، رأى الله أولاً
لم ينحل له باستعمال المنطق شيء
لا يرى من الأشياء غير الإمكان
ومن هذا تحير في ذات الواجب
وتارةً صار محبوسًا في التسلسل
التوت قدمه في التسلسل
لكن الحق لا مثل له ولا ضد
لا أدري كيف يعرفه إذن
وكيف يعرفه، ثم كيف
بضوء شمعة في الصحراء
لظل شعاعها على وتيرة واحدة
ولما كان ثمة فرق بين اللب والقشر
الحق فيها من شدة ظهوره خفي
محال محض أن تعرف بطلب الحاصل
لا تتضح ذاته بالآيات
فأنى له أن يصير ظاهرًا من العالم
4-7. بين الاحتياج إلى العلة والاحتياج إلى الدليل ملازمة منطقية. ذلك أن ما لا علة له لا يكون وجوده مشكوكًا فيه حتى يحتاج إلى دليل. الشك في تحقق شيء ما ناشئ عن الشك في تحقق علته، وهذا الأمر منتفٍ في الحالة التي لا علة للشيء موضوع البحث، بل تكون عليته محالاً؛ إذن فاحتياجه إلى الدليل منتفٍ أيضًا. الله لا دليل عليه لأن الله لا علة له.
4-8. إن الاحتياج إلى الدليل، كما يتبدى أساسًا من فحوى المضامين السامية لدعاء عرفة، هو ذاته نوع من النقص تتنزه عنه ساحة الحق تعالى. فالموجود الذي يفتقر في ظهوره إلى الغير، والموجود الذي يدين بظهوره لدلالة غيره، أنقص من الموجود الذي لا يحتاج إلى ذلك. وبتعبير آخر، حين يقول الفلاسفة إن وجود الله يحتاج إلى دليل، فإن الافتراض المسبق لهذا القول هو أن الله غائب وبعيد بذاته، وهو محتاج في ظهوره إلى الغير؛ غيرٍ هو، بحسب فرض الفلاسفة، أظهر وأحضر من الله. فالله من منظور الفلاسفة غائب بالذات ومحتاج في ظهوره إلى الغير. وبتعبير آخر، فإن «الغيبة» و«البعد» شرطان من الشروط الأساسية لاحتياج وجود الشيء إلى الدليل، وهذان الشرطان منتفيان بحسب التعريف فيما يخص الله. نحن نلوذ بالدخان لإثبات وجود النار حين تكون النار بعيدة عنا ومحجوبة عن نظرنا، أما حين تكون النار قريبة منا ونحس بحرارتها، فإن طلب الدليل على وجودها وإثبات وجودها عن طريق وجود الدخان بعيد عن الحكمة. وكما يقول المولوي:
إن كان دخانها دليلاً على النار
لا سيما هذه النار التي من قرب الولاية
فبغير دخان لنا في تلك النار أنس
من الدخان صارت إلينا أقرب
بطبيعة الحال، الفارق بين النار والله هو أن بعد النار وقربها وحضورها وغيبتها أمر ممكن، في حين أن غيبة الله وبعده لا ينسجمان مع ألوهيته. فإذا تصور أحدٌ اللهَ على نحو يستلزم غيبته أو بعده، فإنه في الحقيقة لم يتصور الله بشكل صحيح، وينبغي أن يصحح تصوره عن الله، لا أن يُسَلِّم بغيبة الله وبعده ثم يقيم الدليل على وجوده. فظهور الله وحضوره ذاتيان له، والإله الغائب البعيد ليس بإله.
4-9. يعتقد بعض الفلاسفة، بإلهام من المصادر العرفانية، أن القضايا الفلسفية والوجودية هي من قبيل «عكس الحمل»؛ أي أن موضع الموضوع والمحمول فيها قد تبدل، وحين يقال «الإنسان موجود»، فإن الصورة الحقيقية للقضية هي أن «الوجود المطلق تعين بالتعين الإنساني» و«ظهر في المظهر الإنساني». وكما يقول الجامي:
الوجود بقياس أرباب القيود لكن بمكاشفات أصحاب الشهود
لم يظهر إلا عارض الأعيان والحقائق الأعيان كلها عارضة والوجود معروض
على هذا الأساس، فإن الوجود المطلق ليس مفهوماً أجوف تكون الوجودات المقيدة مصاديقه. لأن موضوع القضية لا بشرط بالنسبة إلى محمولها. الوجود المطلق هو نفس الوجود اللابشرطي الذي تعرض له التعينات والحدود والقيود في مراتب الوجود المختلفة، ويتجلى في المظاهر المتنوعة. ومن هنا، فبدون افتراض وجود موجود مطلق في الرتبة السابقة، لا يمكن أن تكون لدينا أية قضية فلسفية وجودية. إن الغاية المعقولة للفلسفة هي إثبات تعينات وتجليات وجود كهذا، لا إثبات تكثر حقيقي في الوجود. بعبارة أخرى، الوجود المطلق اللابشرطي هو افتراض مسبق تبدأ الفلسفة بقبوله. هذا الافتراض المسبق هو الذي يفصل طريق الفلسفة عن السفسطة والشكوكية، وبما أن الوجود المطلق هو الله نفسه، فإن وجود الله هو افتراض مسبق للفلسفة، لا مسألة من مسائلها النظرية.
4-10. يمكن إدراك وجود الله أيضاً من خلال عجز الذهن عن فصل المحمول عن الموضوع في قضية «الله موجود»، التي هي نوع من الشهود العقلي. أي يمكن الادعاء بأنه في حال تصور الله بشكل صحيح، فإن ذهننا مهما حاول فلن يستطيع فصل الله عن الوجود؛ كما لا يستطيع فصل المثلث عن كونه ذا ثلاث زوايا. افتراض انفصال الله عن الوجود يستلزم أن وجوده ليس من ذاته، وأنه في اتصافه بالوجود يحتاج إلى حيثية تعليلية أو تقييدية. مفهوم الله المعدوم مفهوم متناقض ذاتياً ومفارق للمعقولية، وهذا الأمر يؤدي إلى أن الذهن لا يستطيع افتراض الله بدون وجود، وعلى هذا الأساس، فإن الذين ينكرون وجود الله أو يشكون فيه، لم يتصوروا الله في الحقيقة كما يليق به؛ كما أن الذين يطالبون بدليل لقبول وجوده، مشكلتهم أيضاً هي التصور الخاطئ لله.
4-11. إحدى الرؤى العميقة للحكمة المتعالية في تبيين علاقة العلة والمعلول هي أن العلة والمعلول بلحاظ ما، عين بعضهما البعض، فالعلة حقيقة المعلول، والمعلول رقيقة العلة. على هذا الأساس يمكن حمل العلة والمعلول على بعضهما البعض. وهذا الحمل معروف بـ «حمل الحقيقة والرقيقة». مدعانا هو أن قبول رؤية كهذه لا يكون معقولاً إلا إذا كانت العلة لا بشرط بالنسبة إلى المعلول. لأن حمل شيئين متباينين وبشرط لا على بعضهما البعض غير ممكن. إذن، فالله الذي هو بإقرار الفلاسفة العلة الأولى وعلة العلل، يجب أن يكون وجوداً مطلقاً لا بشرط حتى يمكن حمله على الموجودات الأخرى. وافتراض وجود أي شيء يستلزم افتراض وجود الله في الرتبة السابقة عليه. لأن الله حقيقة كل شيء، وكل شيء رقيقة الله، وحقيقة كل شيء متقدمة على رقيقته.
4-12. قضية «الله موجود» هي قضية تحليلية. لأن الله منزه عن الماهية، وذاته عين الوجود. القضايا التحليلية ضرورية الصدق؛ لأن محمولها إما عين الموضوع وإما جزء منه. بعبارة أخرى، قضية «الله موجود» صادقة بحسب التعريف. لأن الله بحسب التعريف هو نفس الوجود المطلق اللابشرطي الذي هو محمول كل القضايا الوجودية.
5-1. الإشكال الأول: القضايا التحليلية ليست ناظرة إلى الخارج، ومفادها يرتبط بعالم الذهن. ومن هنا لا يمكن إثبات واقع خارجي من خلال القضايا التحليلية. بعبارة أخرى، القضايا الناظرة إلى العالم الخارجي هي جميعاً تركيبية وغير بديهية، وتحتاج إلى استدلال.
الجواب: إن القول بأن القضايا التحليلية ناظرة بالكامل إلى عالم الذهن هو ادعاء بلا دليل، ولعله ناشئ عن توهم أن صدق هذه القضايا يتم عبر التحليل الذهني دون الرجوع إلى العالم الخارجي. لكن لا يوجد أي دليل يقتضي أن القضايا الموضوعية لا يمكن إثباتها عن طريق التحليل الذهني. فإذا كان موضوع قضية ما من الأمور الخارجية، فلا شك أن محمول تلك القضية سيكون خارجياً أيضاً، وهذا الأمر بذاته لا يجعل القضية تركيبية. ذلك أن المفاهيم الخارجية ناظرة إلى الخارج، وبواسطتها يثبت حكمٌ عن الخارج، حتى لو تم إثبات ذلك الحكم عن طريق تحليل الموضوع. والأمثلة على القضايا التحليلية الناظرة إلى العالم الخارجي كثيرة. فمثلاً قضية «كل معلول له علة» هي قضية تحليلية، لأن وجود العلة كامن في تعريف المعلول، ومع ذلك فهذه القضية ناظرة إلى العالم الخارجي، لأن مفادها أنه إذا وُجد معلول في الخارج فستكون له علة في الخارج. أو قضايا مثل «كل ولد له أب» أو «كل زوج له زوجة» هي قضايا تحليلية وناظرة في الوقت نفسه إلى العالم الخارجي. وكثير من القضايا المنطقية لها الحكم نفسه. فمثلاً عندما نقول إن اجتماع النقيضين أو الضدين محال، فإن مقصودنا هو أن اجتماع النقيضين والضدين محال في العالم الخارجي؛ أما تصور اجتماع النقيضين والضدين في الذهن فليس محالاً، لأن تصور المحال ليس محالاً. وعليه، فإن قضية «الله موجود» يمكن أن تكون قضية تحليلية وناظرة في الوقت ذاته إلى العالم الخارجي.
5-2. الإشكال الثاني: صدق القضايا التحليلية مبني على قبول تعريف موضوعها؛ لكن صحة هذا التعريف من عدمها لا يمكن إثباتها عن طريق هذه القضايا نفسها. وبتعبير آخر، إن صدق القضايا التحليلية قائم دوماً على قبول التعريف المدعى به للموضوع، ويمكن للشخص بإنكار التعريف أن ينكر موضوع القضية المتنازع عليها.
الجواب: يمكن تفسير هذا الإشكال بمعنيين مختلفين. فبناءً على معنىً واحد، يستند هذا الإشكال إلى التفسير الذي يقدمه الوضعيون المناطقة لطبيعة القضايا التحليلية. فهم يدعون أن صدق القضايا التحليلية مبني على الاتفاقات اللغوية، وبالتالي فبتغير الاتفاق قد تفقد هذه القضايا صدقها. لكن هذا الأساس غير صحيح؛ لأن النزاع في القضايا التحليلية ليس على علاقة الألفاظ بالمعاني، بل النزاع على المعاني والمفاهيم، وارتباط المفاهيم بعضها ببعض ليس تابعاً للاتفاقات اللغوية. وقضية «الله موجود» بصفتها قضية تحليلية ليست خارجة عن هذه القاعدة. فنزاع الفلاسفة والعارفين ليس حول المعنى الذي وُضع له لفظ الجلالة، أو المعنى الذي يريده الناس من هذا اللفظ. فالنزاع في معنى لفظ الجلالة هو نزاع لغوي يمكن حله بالرجوع إلى المعجم، ولو استعمل الناس يوماً لفظ الجلالة في معنى غير الوجود المطلق لا بشرط، فلن تكون قضية «الله موجود» قضية تحليلية؛ لكن البحث يدور حول ما إذا كان مثل هذا الموجود هو الله أم لا. فلو اتفق جميع الناس على تسميته إلهاً، ولو كان وجود هذا الموجود قابلاً للإثبات ببراهين فلسفية متعددة، فسيظل هذا السؤال ذا معنى: هل مثل هذا الموجود هو الله؟
أما المعنى الثاني الذي يمكن تصوره لهذا الإشكال فهو أن كون قضية «الله موجود» تحليلية مبني على قبول التعريف العرفاني لله. وعليه، لا يمكن بافتراض تحليلية هذه القضية إثبات صدق ذلك التعريف. وبتعبير آخر، يمكن للفلاسفة تبرير الشك في صدق قضية «الله موجود» من خلال مناقشة تعريف موضوع القضية. صحيح أنه بناءً على التعريف الفلسفي لله، لن تكون قضية «الله موجود» قضية تحليلية، لكن يجب الانتباه إلى أننا لا نريد أن نستنتج صحة التعريف العرفاني لله من تحليلية قضية «الله موجود». فمدعانا هو أن مجموع دعاوى الفلاسفة في شأن الإلهيات ينطوي على تناقض؛ لأنهم من جهة يعرّفون الله بأنه الوجود المطلق بشرط لا، ومن جهة أخرى يدعون أن مفهوم الوجود يُنتزع من صميم ذات الله، دون لحاظ أي قيد تقييدي أو تحليلي، ويُحمل عليه. وهذان المدعيان غير منسجمين معاً. فالأول يستلزم كون قضية «الله موجود» تركيبية، والثاني يستلزم كونها تحليلية. ولما كان افتراض أن انتزاع مفهوم الوجود من ذات الله متوقف على انضمام قيد من القيود، ولو قيد الإطلاق، منافياً لألوهية الله، فيجب إذن استنتاج أن كون الله إلهاً يستلزم تحليلية قضية «الله موجود»، وأن افتراض تركيبية هذه القضية منافٍ لألوهية الله ومشتمل على تناقض.
5-3. الإشكال الثالث: الوجود المأخوذ في تعريف الله هو مفهوم الوجود لا مصداقه؛ في حين أن النزاع حول وجود الله هو نزاع حول وجوده الخارجي والعيني. إذن، فقد وقع في هذا الاستدلال خلط بين «الوجود بالحمل الأوّلي» و«الوجود بالحمل الشائع» أو بين مفهوم الوجود ومصداقه. لأن ما أُخذ في تعريف الله هو الوجود بالحمل الأوّلي أي مفهوم الوجود، بينما الوجود في قضية «الله موجود» هو الوجود بالحمل الشائع أي الوجود العيني.
الجواب: أولاً، إن الوجود المأخوذ في تعريف الله هو الوجود الخارجي أي الوجود بالحمل الشائع، لا مفهوم الوجود؛ فلو كان الله عين مفهوم الوجود لعادت جميع المحذورات السابقة. لأنه في هذه الحال تكون ذات الله غير الوجود العيني، والشيء الذي تكون ذاته غير الوجود العيني لا يمكن أن يكون إلهاً. ومن هنا، فالوجود المأخوذ في تعريف الله هو الوجود الخارجي؛ أي أن الله موجود ذاته عين الوجود الخارجي الذي هو الوجود بالحمل الشائع. إن عينية موجودٍ ما مع مفهوم الوجود أو مع الوجود بالحمل الأوّلي لا تُعد كمالاً لذلك الموجود حتى يؤخذ مفهوم الوجود في تعريف الله. بعبارة أخرى، لو كان الله عين الوجود بالحمل الأوّلي لاستحال تحققه في الخارج عن الذهن. إن مفهوم الوجود في قضية «الله عين الوجود» هو عنوان مشير يُشار من خلاله إلى الوجود الخارجي؛ ومفاد هذه القضية هو أن الله عين الوجود الخارجي، لأن مثل هذا الموجود هو الذي يمكن أن يكون إلهاً، لا موجود يكون مساوياً للوجود مفهوماً.
ثانياً، إن قبول هذا الادعاء بأن الوجود المأخوذ في تعريف الله هو الوجود بالحمل الأوّلي لن يضر باستدلالنا. لأنه لا يمكن أخذ مفهوم الوجود في تعريف شيء ما إلا إذا كان ذلك الشيء في الخارج عن الذهن غير قابل للانفكاك عن الوجود الخارجي؛ وفي هذه الحالة فقط يكون مفهوم الوجود قابلاً للانتزاع من ذاته دون لحاظ أي قيد تعليلي أو تقييدي. ليس لأخذ الوجود في تعريف شيء ما معنى سوى أن هذا المفهوم قابل للانتزاع من صميم ذات ذلك الشيء دون انضمام أية حيثية تعليلية أو تقييدية. ونتيجة لذلك، فإن قضية «الله موجود بالحمل الأوّلي» التي هي تعريف الله، وقضية «الله موجود بالحمل الشائع» التي هي القضية موضع البحث، متلازمتان في الصدق والكذب، وفرض صدق إحداهما مع كذب الأخرى أو التردد فيها يؤدي إلى التناقض. وبهذا، فعلى الفلاسفة إما ألا يأخذوا مفهوم الوجود في تعريف الله، وإما أن يقبلوا وجوده الخارجي بحسب التعريف، وإلا وقعوا في التناقض. لا يمكن أخذ مفهوم الوجود في تعريف شيء ما والقول بأن ذلك الشيء مساوٍ للوجود مفهوماً إلا إذا كان ذلك الشيء في الخارج عن الذهن عين الوجود مصداقاً. إذن، فالوحدة المفهومية بين مفهوم الله ومفهوم الوجود في الذهن تستلزم الوحدة المصداقية بينهما في الخارج عن الذهن على نحو ضروري وعيني، وبهذا لا يمكن الادعاء بأن مفهوم الوجود قد أُخذ في تعريف الله، وفي الوقت نفسه يكون وجوده الخارجي مشكوكاً فيه وبحاجة إلى دليل.
5-4. الإشكال الرابع: القضايا التحليلية الناظرة إلى الخارج تكون صادقة بفرض وجود موضوعها في الخارج. مثلاً، حينما نقول «كل معلول له علة»، فإن معنى هذه القضية هو أنه إذا وجد معلول في الخارج فستكون له علة، أو حينما نقول «كل زوج له زوجة» فمقصودنا هو أنه إذا وجد زوج في الخارج فستكون له زوجة. إذن، فثبوت المحمول للموضوع في هذه القضايا هو ثبوت فرضي وتقديري ولا يستلزم وجود الموضوع في الخارج. ومن هنا، ففي قضية «الله موجود» لا يمكن الحصول على وجود الله الخارجي من خلال تحليل مفهوم هذه القضية.
الجواب: هذا الادعاء ليس كلياً، ولا يصدق إلا في الحالة التي لا يكون فيها محمول القضية هو الوجود. أما في القضية التي يكون محمولها هو الوجود أو الكون، فإن ثبوت المحمول للموضوع هو عين ثبوت الموضوع، ولا حاجة إلى إثبات الموضوع في مرتبة سابقة.
5-5. الإشكال الخامس: يمكن أخذ الوجود في تعريف الشريك الباري أيضاً، وبناءً على ادعاء هذه المقالة، يمكن استخراج وجود الشريك الباري على نحو تحليلي من هذا التعريف.
الجواب: إذا كان الوجود المأخوذ في تعريف الله هو الوجود المطلق اللابشرط، فإن فرض وجود آخر إلى جانبه، ولو بعنوان الشريك الباري، يستلزم التناقض. لأن الإله الحائز على هذا التعريف لا يبقي مجالاً للغير.
5-6. الإشكال السادس: حينما نقول «x موجود»، يمكننا دوماً إنكار وجود x دون أن يلحق ذلك ضرراً بكونه x. بعبارة أخرى، يمكن القول «x هو x» وإن لم يكن موجوداً.
الجواب: هذا الادعاء ليس كلياً، ولا يصدق إلا في الحالة التي يكون فيها x أحد الماهيات، أو تركيباً من الوجود وقيدٍ غير الوجود. أما حيث يكون x عين الوجود المطلق اللابشرط، فإن إنكار وجوده أو الشك فيه يؤدي إلى إنكار كونه x أو الشك في ذلك. أي أنه بقبول تعريف الله، لا يمكن إنكار وجوده أو الشك فيه.
5-7. الإشكال السابع: من الإيرادات التي تُستخدم كدليل ضد الوجود المطلق اللابشرط، هي أن التقابل والحصر للموجودات في الواجب والممكن هو حصر عقلي، وفرض وجود موجود ليس بواجب ولا ممكن، بل هو وراء الواجب والممكن، هو فرض خيالي يستحيل تحققه في الخارج.
الجواب: المغالطة الكامنة في هذا الكلام هي أن قيد الوجوب، كقيد الإطلاق، يمكن أن يُنظر إليه على نحوين؛ فإذا اعتبرناه عنواناً مشيراً، فإن الحصر المذكور مقبول، لكن في هذه الحالة لا يُعد الوجوب حقيقةً قيداً للواجب ليفصل وجوده عن الوجود المطلق اللابشرط وعن الممكنات، ويكون في الواقع هو نفس الوجود المطلق اللابشرط الذي يدعيه العرفاء. أما إذا أُخذ الوجوب على نحو القيد في جانب الموضوع، فهذا الحصر ليس حصراً عقلياً. لأنه من المنظور العقلي يمكن فرض موجود فوق الوجوب والإمكان، ويكون مقسماً لهما؛ وكل الكلام هو في أن هذا الوجود المقسمي موجود في الخارج، لا فقط في ضمن الأقسام، وبدون فرض وجوده يكون هذا التقسيم بلا معنى من الأساس. يعود لب هذا التقسيم إلى أن الوجود المطلق اللابشرط الموجود على نحو اللابشرط، يتنزل من مقامه، ويكتسب في هذا التنزل تارةً تعيناً وجوبياً وتارةً تعيناً إمكانياً؛ والتعين مسبوق بعدم التعين. وهذا الإشكال أيضاً مبني على نفس الافتراض الأساسي للفلسفة، وهو أن الوجود المطلق اللابشرط، المتحرر من كل القيود حتى من قيد الإطلاق، هو مجرد مفهوم ذهني لا يوجد إلا في ضمن الموجودات المقيدة. في حين أن نفس تقسيم الوجود إلى واجب وممكن، والقول بأن «الوجود إما واجب وإما ممكن»، يستلزم - بناءً على قاعدة عكس الحمل - قبول الوجود المطلق اللابشرط في الرتبة السابقة. لأن معنى هذا التقسيم هو أن ذلك الوجود المطلق اللابشرط الذي هو في الحقيقة موضوع القضية، والموجود بصرف النظر عن المحمول، يتنزل من مقام اللاشرطية واللاتعين، ويتعين بالتعين الوجوبي والإمكاني. وخلافاً لظن المُشكِل، فإن معنى هذه العبارة ليس أن مفهوم الوجود المطلق اللابشرط يوجد في الخارج إما في ضمن الواجب فقط أو في ضمن الممكن فقط. هذا الحصر إذا أُخذ بهذا المعنى فهو حصر وهمي لا عقلي.
نقود هذه المقالة تتوجه بالكامل إلى التعريف الذي تقدمه الفلسفة لله؛ والنتيجة المنطقية لهذه النقود هي أن البراهين المقدمة لإثبات مثل هذا الموجود بوصفه الله تكون خاطئة. لكن بعض الفلاسفة، مع قبولهم التعريف العرفاني لله، أقاموا شواهد تنبيهية على وجود الله. مثال هذه البراهين في الثقافة الغربية هو البرهان الوجودي، وخصوصاً روايته الديكارتية، وفي الثقافة الإسلامية بعض روايات برهان الصديقين؛ كالرواية التالية التي تقول:
حقيقة الوجود التي هي عين الخارج، حقيقةٌ يمتنع عدمها، والحقيقة التي يمتنع عدمها هي واجب الوجود.
يقول العلامة الطباطبائي (ره) في شرح هذا البرهان:
هذه هي الواقعية التي ننفي بها السفسطة، ونجد كل موجود ذي شعور مضطراً إلى إثباتها. هذه الواقعية ذاتاً غير قابلة للرفع والبطلان، حتى إن فرض بطلانها ورفعها يستلزم ثبوتها ووضعها؛ فإذا فرضنا أن جميع الواقعيات باطلة في جميع الأوقات أو في وقت خاص، [فمعنى ذلك أن] جميع الواقعيات باطلة واقعاً (أي أن الواقعية ثابتة). وهكذا إذا رأى السوفسطائي الأشياء موهومة، أو شك في واقعيتها، ففي نظره أيضاً الأشياء موهومة واقعاً، والواقعية مشكوكة واقعاً (وهذا يعني أن الواقعية من حيث هي مرفوعة، ثابتة). ولما كانت أصل الواقعية ذاتاً لا تقبل العدم والبطلان، فهي واجبة بالذات، وعليه فهناك واقعية واجبة بالذات، والأشياء التي لها واقعية هي في واقعيتها محتاجة إلى تلك الواقعية، وفي وجودها قائمة بها. ولو تأملنا في هذه النكتة لاتضح لنا جلياً أن أصل وجود الواجب بالذات ضروري لدى كل إنسان، والبراهين المثبتة له هي في الحقيقة تنبيهات. (5)
النتيجة الواضحة التي يمكن استخلاصها من هذا البحث هي أن الاختلاف بين الإلهيات الفلسفية والإلهيات العرفانية اختلاف جوهري وغير قابل للحل، وأن الفارق بين إله العرفان وإله الفلسفة يبلغ حداً يُضطر معه إلى الاختيار بينهما. والتحليلات المقدمة في هذه المقالة تُظهر بوضوح أن اختلاف العرفاء والفلاسفة في باب الإلهيات ليس مجرد اختلاف في الذوق أو المنهج أو حتى اختلاف في المنظور. فليس الأمر أن العرفاء والفلاسفة يقدمون تعريفاً وتصوراً واحداً عن الله ويقترحون فقط طرقاً مختلفة لمعرفة هذا الإله الواحد والوصول إليه. فإله العرفان غير إله الفلسفة، وهذه الغيرية هي منشأ اختلاف منهج الإلهيات الفلسفية والإلهيات العرفانية. إن الاستدلالات الفلسفية ليست فقط عاجزة عن إثبات إله العرفان، بل هي قائمة أساساً على نفي وإنكار وجود مثل هذا الإله. (6)
إن الاستدلال على وجود الله يستلزم قبول افتراضات مسبقة تتنافى مع ألوهية الله. ومن أهم هذه الافتراضات فرض وجود الممكنات، وفرض غياب الله وبعده، وفرض كون الله مجهولاً وحاجته إلى دليل ودلالة الممكنات.
إن إثبات وجود الله عن طريق وجود الممكنات قائم على فرض وجود الممكنات، وفرض وجود الممكنات يتنافى مع التعريف الصحيح لله، وهذا الفرض ليس بديهياً فحسب، بل هو باطل أيضاً. التعريف الصحيح لله لا ينسجم إلا مع مظهرية الغير، والممكنات هي مظاهر وآيات لله وليست دليلاً على وجوده. وبتعبير آخر، فإن الكثرة الحقيقية للوجود، التي هي لازم نفي الوجود المطلق اللابشرط، هي الافتراض المسبق للفلسفة. الفلسفة تبدأ بنفي إله العرفان، والعرفان يبدأ بنفي الافتراض المسبق للفلسفة، وهو ما يعني أيضاً نفي الفلسفة نفسها؛ ونحن مضطرون إلى الاختيار بين هذين التصورين عن الله. إن اختلاف هذين التصورين غير قابل للحل، ولا يمكن الادعاء بأن أحدهما دقيق والآخر أدق. فهاتان الصورتان متباينتان ومتناقضتان، واشتراكهما لفظي محض. بين قمري وقمر السماء فرق كما بين الثرى والثريا.
لا بأس أن نشير أيضاً إلى أن معقولية الاعتقاد بوجود الله وإمكان التعقل في باب الإلهيات لا يتوقف على إمكان الاستدلال على وجود الله، إلا بناءً على افتراض مسبق خاطئ حول العقلانية ووظيفة القوة العاقلة، والذي بموجبه تختزل وظيفة القوة العاقلة في الاستدلال بالمعنى الفلسفي للكلمة، ولا يكون التبرير العقلاني للمعتقدات ممكناً إلا في ظل معتقدات أخرى تلعب دور الدليل. كلا هذين الافتراضين المسبقين باطلان ولا أساس لهما من الصحة. يمكن أن يُسأل: إذا كانت معقولية كل اعتقاد مرهونة بتأييده وإقراره من قبل العقل المستدل، فكيف يتم تبرير هذا الاعتقاد نفسه وتأييده؟ وإذا كان تبرير كل اعتقاد لا يتم إلا من خلال تقديم دليل بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، فما هو الدليل على هذا الادعاء نفسه؟ هذه الافتراضات نفسها غير مدللة وغير مبررة، وبالتالي فإن الدعاوى المبنية عليها غير مبررة أيضاً. إن إحدى أهم وظائف العقل هي الشهود والتجربة العقلية، وكثير من معتقداتنا لا يمكن تبريرها إلا من خلال الشهود العقلي والتجربة الذهنية. إذن، لا وظيفة العقل تختزل في الاستدلال، ولا التعقل يعني فقط الاستدلال، ولا التبرير الإبستمولوجي للمعتقدات يعني تقديم دليل لصالحها. وفوق كل هذا، فإن الاستدلال الفلسفي على وجود الله يتنافى مع ماهية الإيمان الديني ولوازمه ونتائجه المتوقعة منه، وبكلمة واحدة يُبعد الإنسان عن إله الدين الذي هو غير إله الفلسفة.
فيلسوفٌ قتل نفسه بالفكر قُل له: إنه كلما أسرع في العدو الماء في الكوز ونحن عطاشى ندور
قُل له: إن الكنز خلفه صار أبعد عن مراد القلب الحبيب في الدار ونحن حول العالم ندور
في مقال آخر سنتناول دراسة مقارنة بين إله الفلسفة وإله الدين.
.
.
Wil1iam P. Alston (1991) Perceiving God (Ithaca, NY: Cornell University Press). Alvin Plantinga (2000) Warranted Christian Belief (New York: Oxford University Press).
William P. Alston (1989) Epistemic Justification (Ithaca, NY: Cornell University Press).
Plantinga (1993) Warrant: The Current Debate (New YourkL Oxford University Press).
__ (1993) Warrant and Proper Function (New Yourk: Oxford University Press).
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام و تشکر آیا سلسله و شبکه و زنجیره دلایل و علل و استدلالات در شبکه ها/ اینترنت / سایت ها ایجاد شده است؟ البته برای هر سئوال و نکته جهت آموزش و تدریس و ... ... با تشکر مجدد