اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُثير تغيير البيئة من أجل رفاه الإنسان تساؤلاتٍ حول القيمة الذاتية أو الأداتية للطبيعة؛ ويُؤكّد فحصٌ أخلاقي وجمالي، بالاستناد إلى تجربة

لطالما كانت الحياة على كوكب الأرض محفوفة بالتحديات بالنسبة لنا. نرغب في حياة مريحة خالية من الخطر والمعاناة على هذا الكوكب، ولتحقيق ذلك نقوم أحيانًا بإحداث تغييرات في بيئتنا. نظرًا لتزايد عدد البشر وما يتبعه من زيادة في البناء والتشييد، فإن إحدى المشكلات الناشئة هي تدمير البيئة أو تغييرها. على سبيل المثال، قد تُدمر غابة بهدف إنشاء مجمع سكني. يمكن تناول هذه المسألة من منظور «أخلاقي» ومن منظور «جمالي» على حد سواء، وفي هذه المقالة سنحاول تبيين كلا الموضوعين.
أحد الأسئلة المهمة في أخلاقيات البيئة هو ما إذا كان يحق لنا تغيير الكواكب الأخرى بشكل يجعلها مناسبة لحياة البشر (تُعرف هذه الظاهرة اصطلاحًا بـ terraforming). على سبيل المثال، أن نغير كوكب المريخ أو القمر بدرجة كافية ليصبحا قابلين للسكن. هل هناك اعتبار أخلاقي في التغييرات التي نجريها على بيئتنا؟ هل يحق لنا تغيير الظواهر الطبيعية مثل الغابات والبحار والأنهار والجبال... إلخ، لنتمكن من العيش فيها بشكل ملائم؟ وماذا عن المنظور الجمالي؟ للإجابة عن المسألة الأخلاقية المتعلقة بإحداث تغييرات في البيئة، ينبغي أن نفحص «قيمة الطبيعة». هل للطبيعة قيمة «أداتية» فحسب بالنسبة للبشر، أم أن لها قيمة «ذاتية» ومستقلة؟
بشكل عام، يمكن تقسيم نظرتنا إلى البيئة إلى فئتين رئيسيتين. تتمثل إحدى النظرات في القول بأن كل ما يوجد في الطبيعة والبيئة هو لمنفعتنا، وإذا لم تكن لظاهرة ما في الطبيعة أو للطبيعة بأكملها فائدة أو معنى بالنسبة لنا، فإنها بالتالي لا قيمة لها. في الواقع، يرى هذا النوع من النظرة أن قيمة الطبيعة والبيئة مرهونة برغبات البشر واحتياجاتهم. في مقابل هذه النظرة، توجد نظرة ثانية ترى أن البيئة والطبيعة وما يوجد داخلها، كالكائنات الحية وحتى الجمادات (مثل الحجر)، تمتلك قيمة، قيمة لا تعتمد فقط على احتياجات البشر ورغباتهم. هذه النظرة لا تعتبر الطبيعة أو الحيوانات ذات قيمة لمجرد وظيفتها الأداتية بالنسبة للبشر، بل تقر لها بقيمة مستقلة بذاتها. فالحيوانات، على سبيل المثال، تمتلك قيمة في ذاتها، وإذا لم تكن لها فائدة أو منفعة لنا، فليس هذا مبررًا لأن نفعل بها ما يحلو لنا. وبطبيعة الحال، إذا أردنا أن ننظر إلى الطبيعة أو البيئة من خلال أي من هاتين النظرتين، فإن التغييرات المسموح لنا بإجرائها من الناحية الأخلاقية ستكون مختلفة. إن النظرة التي تحمل "نظرة أداتية" إلى الطبيعة، تجعل قيمتها رهينة برغبات البشر واحتياجاتهم، ولكنها تقر بقيمة مستقلة وذاتية للإنسان. ونتيجة لذلك، فإن كل ما هو غير الإنسان وموجود في الطبيعة، مثل الغابة أو الحيوانات، إذا كان مفيدًا للبشر، فإنه يكتسب قيمة أداتية، وأي شيء ليس مفيدًا أو لا أهمية له، فلن تكون له قيمة. فعلى سبيل المثال، لا يمكن إدانة حرق الغابة في هذا النوع من النظرة إلا من منظور أداتي. كأن نقول إننا إذا أحرقنا الغابات، فلن تتمكن الأجيال القادمة من استخدام هذه الغابة، أو سيُحرم الآخرون من التمتع بهذا الجمال، أو في حالة قتل الحيوانات، لا ندينه إلا لأن الجزارين يصابون باضطراب نفسي بسبب قتل الحيوانات أو تختل مشاعرهم. إذن، في هذا النوع من النظرة، القيمة التي نقر بها لغير الإنسان هي مجرد "قيمة أداتية". أما النظرة الثانية فتقر "بقيمة مستقلة" للطبيعة. ومن بين أنصار هذه الرؤية، يذكرنا "كيكوك لي"، لإظهار أن الطبيعة تمتلك قيمة مستقلة، بأن الطبيعة ليست موجودة من أجلنا، ووجود الطبيعة لا يعتمد علينا، وفي الواقع فإن وجودنا نحن هو الذي يعتمد على الطبيعة. بعبارة أخرى، إذا انقرضنا نحن البشر، فستظل الطبيعة موجودة. وعلى هذا الأساس، يقول كيكوك لي إنه يجب علينا أن نتعامل مع الطبيعة بتواضع واحترام، لأننا نحن من نعتمد على الطبيعة وليست الطبيعة من تعتمد علينا. مهما بلغ بنا تدمير الطبيعة أو إحداث التغيير فيها، حتى لو أدى ذلك إلى فنائنا نحن، فسيظل هناك شيء اسمه الطبيعة والبيئة. قد لا تكون بيئتنا خضراء كما كانت في الماضي، وقد لا يكون هناك بحر، أو قد يحدث جفاف، ولكن ستظل هناك طبيعة، سواء كنا موجودين أم لا. يمكن أخذ هذا الاستدلال بعين الاعتبار للتغييرات التي يمكن إجراؤها على كوكب الأرض، وكذلك للتغييرات التي قد تُجرى على كواكب أخرى في المجموعة الشمسية لجعلها قابلة للحياة. وبناءً على ذلك، يمكن الاستنتاج بأن التغييرات التي نريد إحداثها في الطبيعة يجب أن تتم مع مراعاة أننا نعتمد على الطبيعة، وأن الطبيعة ليست ملكًا لنا لنفعل بها كل ما يحلو لنا. ونتيجة لذلك، يجب أن تكون التغييرات التي نحدثها في الطبيعة بحذر وحساب دقيق حتى لا تكون لها آثار مدمرة على الطبيعة.
تصور أننا نتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الطبيعة أمر صعب على الكثيرين. لا سيما أن الاعتبار الأخلاقي السائد حالياً هو أن «كل فعل مباح ما لم يضر بالبشر الآخرين»! لكي ندرك لماذا نتحمل «مسؤولية أخلاقية» تجاه الطبيعة، يمكننا التفكير في التجربة الفكرية لـ«الإنسان الأخير» لريتشارد سيلفان. لنفترض أن جميع البشر على وجه الأرض قد ماتوا ولم يتبق سوى إنسان واحد. في هذه الظروف، إذا قام ذلك الشخص بتدمير الكرة الأرضية بواسطة التكنولوجيا التي بحوزته، فهل فعله خاطئ أم صائب؟ بأي نظرة إلى الأخلاق، فإن قبول عدم خطأ هذا الفعل أمر بالغ الصعوبة. يريد ريتشارد سيلفان بهذا التحدي أن يُظهر أن الطبيعة لا تمتلك «قيمة أداتية» فحسب، لأنه إذا قبلنا بأن تدمير العالم من قبل الإنسان الأخير على وجه الأرض هو عمل خاطئ، فإننا بالتالي نقر بنوع من القيمة المستقلة عن الإنسان أو قيمة غير أداتية وذاتية للطبيعة والبيئة.
بصرف النظر عن التقييم الأخلاقي، يمكننا فحص التغييرات التي نُحدثها في بيئتنا من منظور جمالي. لنفترض أن شخصًا ذهب لتسلق الجبال في الشتاء وشاهد مقرنصات جليدية في الجبل. إذا قام بتحطيمها، فلن يحدث شيء استثنائي، لأن هذه المقرنصات ستتشكل مرة أخرى وفقًا للظروف الجوية، وبالنظر إلى ارتفاع المكان وعزلته، لا يوجد احتمال أن يمر به شخص آخر ويرغب في الاستمتاع بجمال المقرنصات. لكن إذا حطمها شخص ما لمجرد أن تحطيمها لا يترتب عليه أي عواقب، وأزال جمالها، فهذا يدل على نوع من «العمى الجمالي»؛ أي أن هذا الشخص يفتقر إلى الحساسية اللازمة تجاه الجمال. أو لنفترض أن أزهار التوليب تنمو بريًا في الطبيعة، وإذا قطفنا عددًا منها فلن يحدث شيء وستنمو مجددًا بشكل تلقائي. إذا قام شخص ما بقطف هذه الأزهار أو دهسها، فهو يعاني من «العمى الجمالي». بناءً على ذلك، لا ينبغي أن يكون لجمال الطبيعة مجرد «وظيفة» أو «فائدة أداتية» لنا حتى نحترمها. تختلف البيئة والطبيعة البرية التي تشكلت دون تدخل بشري اختلافًا جوهريًا عما نصنعه نحن البشر بشكل مصطنع. لذلك، فإن تدمير غابة بهدف بناء طريق، بحجة أننا سنبني لاحقًا غابة مماثلة بالقرب منها، لا يمكن تبريره. يشبّه «روبرت إليوت» الطبيعة البكر التي نمت دون تدخل بشري بعمل فني. قارن العمل الفني الأصلي بنسخته لتدرك الفرق بين الطبيعة كما هي، وما نريد استبدالها به بعد تدميرها. لنفترض أن شخصًا قال لك إنه يريد أن يهديك لوحة لرمبراندت. ثم يستخدم تقنية متقدمة لطبع هذه اللوحة على قماش ويهديها لك. قد لا تختلف هاتان اللوحتان ظاهريًا في شيء، لكن ما يمنح لوحة رمبراندت قيمتها هو «أصالتها». تعتمد أصالة أثر رمبراندت إلى حد ما على «التاريخ» الذي يحمله. لقد نشأ هذا العمل الفني في حقبة تاريخية كرد فعل على حدث معين، وله معنى من هذا المنظور، وقد وصل إلى هذه المكانة التاريخية بفضل الذكريات التي خلقها للبشر أو الأهمية التي مثلها للمجتمع البشري. أما اللوحة المطبوعة بالحاسوب على القماش فلا تملك هذا التاريخ. في الواقع، هذا الأثر يتظاهر بأنه تاريخي. وبالطريقة نفسها، يعتبر إليوت المناظر الطبيعية البكر التي لم تُمس بمثابة «العمل الفني الأصلي» ويولي بدائلها قيمة أقل. قيمة البيئة الطبيعية البكر تكمن أيضًا في أن جمالها نشأ دون تدخل الإنسان، وهذا الجمال مرتبط بتاريخ تلك البيئة. مواجهتنا مع الطبيعة تتم أحيانًا دون فحص أبعادها المعقدة. حتى لو كان قبول القيمة الذاتية للطبيعة صعبًا على البعض منا، وكنا نولي الطبيعة قيمة أداتية فحسب، فلا يزال بإمكاننا الانتباه إلى أن كل التغييرات التي نُحدثها في بيئتنا تهدف إلى توفير ظروف معيشية أفضل فيها. إذا كانت التغييرات التي نُحدثها في بيئتنا ستُخل بالعيش المريح على المدى الطويل أو تعرض حياة البشر للخطر بشكل عام، فلا يمكن الدفاع عنها حتى من منظور «الأخلاق الأداتية». عندما نقول إن الطبيعة للإنسان، يجب ألا ننسى أن المقصود بـ«الإنسان» ليس فقط البشر الذين يعيشون حاليًا على كوكب الأرض. عند الضرورة، يجب تغيير الطبيعة بشكل يمكّن البشر في القرون القادمة من الاستفادة منها أيضًا.
.
.
Elliot, R. (1982). Faking nature. Inquiry, 25(1), 81-93. Lee, K. (1994). Awe and humility: Intrinsic value in nature. Beyond an earthbound environmental ethics. Royal Institute of Philosophy Supplement,36, 89-101. Sparrow, R. (1999). The ethics of terraforming. Environmental Ethics, 21(3), 227-245. Sylvan, R. (1973). Is there a need for a new, an environmental, ethic. InProceedings of the XV World congress of philosophy (Vol. 1, pp. 205-210).
.
.
.
.
البيئة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.