اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
انعقد المؤتمر الثاني عشر للجمعية الإيرانية للعلوم السياسية تحت عنوان مستقبل إيران؛ حيث شدد كاشي على السلام بديلاً عن المقاومة والاستسلام، بينما تحدث تاجيك عن الحدث المستقبلي.

محسن آزموده: المعضلات والقرارات المصيرية هو العنوان الفرعي للمؤتمر السنوي الثاني عشر للجمعية الإيرانية للعلوم السياسية، الذي انعقد يوم الخميس 9 اسفند (28 فبراير) بمشاركة قرابة 40 من الأساتذة والباحثين البارزين في العلوم الاجتماعية والسياسية في إيران، وذلك في بيت المفكرين للعلوم الإنسانية. كان الشاغل المحوري والعنوان الرئيسي لهذا المؤتمر هو مستقبل إيران، وكان القاسم المشترك بين المحاضرات هو أن إيران اليوم تعاني من مشكلات ومآسٍ جوهرية، وبالتالي فهي بحاجة إلى اتخاذ قرارات جادة. في هذا المؤتمر، شدد محمد جواد كاشي على ضرورة حدوث تحول جوهري في نظرتنا إلى السياسة، وتحدث محمد رضا تاجيك عن الحدث المستقبلي، وأصر سعيد مدني على حل مؤسسي للخروج من المعضلات، وعدد محمد مالجو معضلات بنية الاقتصاد السياسي الإيراني، وأكد أحمد غل محمدي على ضرورة إعادة تعريف الدولة وإعادتها إلى وظائفها الأساسية. أما شروين وكيلي وجواد حيدري، فمن منظور نظري، دعا الأول إلى التراث الذاتي مشيرًا إلى التمايز بين التقليدين الحضاريين الإيراني والغربي، بينما تحدث الثاني، باستعراضه للحلول المطروحة في تقليد الحركة الدستورية الغربية، عن إمكانية التوليف بين الأمن وتلقيات مختلفة للمساواة. في مستهل هذا المؤتمر، تحدث علي إسماعيلي أردكاني، السكرتير التنفيذي للمؤتمر، وسيد عبد الأمير نبوي، رئيس الجمعية الإيرانية للعلوم السياسية، عن ضرورة هذا المؤتمر في الظرف الراهن. ما تقرؤونه هو تقرير عن محاضرات الجلسة الأولى من هذا المؤتمر، والتي تطرح شواغل أكثر عمومية. ومن الجدير بالذكر أن ما يطرحه هؤلاء الباحثون حول السياسة الإيرانية اليوم هو من منظور علمي وأكاديمي، وبالتالي فهو مفتوح لإبداء الرأي والنقد.
***
في ضرورة السلام والتعايش
محمد جواد كاشي
لمؤتمرنا، إلى جانب جانبه العلمي والأكاديمي، جانب ترويجي وعام أيضًا، وهو بمثابة تحذير من المجتمع العلمي في البلاد إزاء الوضع المتأزم اليوم. في الحقيقة، إن معضلات اليوم، وإن كانت بحاجة إلى تحليل وتقييم، إلا أنها ليست غامضة جدًا. أحيانًا تتعقد المعضلات وتتكاثر حتى تمس لحم الناس ودمهم، وتخرج عن نطاق الكلمات والتحليلات. الأهم من ذلك هو اتخاذ قرارات من النوع المصيري في هذه الظروف. السياسة هي ميدان اتخاذ القرار، وفي كل الظروف يُتوقع من صانعي السياسات أن يتخذوا القرارات. لكن أحيانًا تتجاوز القرارات نطاق القرارات المألوفة وتتحول إلى قرارات مصيرية، أي قرارات يُراد لها أن تغير كيفية مواجهة الأمور من الأساس، ونحن اليوم نعيش في مثل هذه الظروف. هذا النوع من القرارات صعب بطبيعته. الأنظمة الإيديولوجية والناشئة عن إرث ثوري تواجه مشكلة بشكل مبدئي. كل ثورات العالم هكذا. إنها دائمًا ما تأتي إلى الساحة بوعد بمجموعة من المُثُل والآفاق البعيدة. لكن المتخصصين في العلوم الإنسانية يعلمون أن الخيرات والمطلوبات البشرية لا تجتمع معًا في آن واحد. تأمين أي خير، شئنا أم أبينا، يعني الإضرار بخير آخر، ولا يمكننا في هذا العالم أن نجمع كل المطلوبات.
الأنظمة السياسية الإيديولوجية تأتي إلى الساحة بسلة من جملة الخيرات، لكن جملة من العوامل، بما فيها الحوادث والمحددات التاريخية وظروف الفاعلين وخصائصهم النفسية والظروف الاجتماعية وغيرها، تؤدي عمليًا إلى أن يتمركز خير معين وتُهمش خيرات أخرى، وهذا يصبح مدعاة للمشاكل لاحقًا. ما تمركز خلال العقود الأربعة الأخيرة هو استقلال إيران عن النفوذ الأجنبي. وقد تحقق هذا، وهو أمر مبارك بالطبع. ولكن كما قيل، فإن تقدم خير لا يتوافق مع تقدم خيرات أخرى. عندئذٍ، هؤلاء الفاعلون، بقدر ما يعملون في اتجاه هذا الخير الإنساني، يهمشون خيرات أخرى كالعدالة والحرية وغيرها، ويتقدم جهازهم السياسي تدريجيًا في إطار هذا الخير نفسه وتُرسَم حدوده. اليوم، الظروف متأزمة. لقد تجمعت الأمور الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدولية معًا، لكن كل شيء قد حُشر في ثنائية المقاومة والاستسلام. هذه الثنائية هي حصيلة تجربة العقود الأربعة الماضية. وكأن لا مفر لنا ولا مناص من هذه الثنائية، وعندها تولّد هذه الثنائية شعورًا بالانسداد وتُدخل عملية اتخاذ القرار في أزمة.
لكننا نشهد عملياً أن كلاً من هذين الأمرين يفتقر إلى الأصالة، فأحياناً تتحول المقاومة إلى متجر لبعض الجماعات، كما تتحول نماذج الاستسلام إلى متجر آخر لجماعات أخرى، وكأن المسألة ليست هذه أساساً، فعندما تتعقد المشكلات وتتجاوز مستوى معيناً، تصبح المسألة شيئاً آخر، غير أن محدودية الأجهزة الإيديولوجية والخطابية التي انطلقت على المستوى السياسي قد ضيّقت الآفاق وجعلت اتخاذ القرار مستحيلاً. ولعل من مهام أساتذة العلوم السياسية (بمن فيهم المشاركون في هذه الندوة) فك هذه القيود الخطابية والإيديولوجية. لسنا مضطرين للاختيار بين المقاومة والاستسلام، بوسعنا أن نتنزه في بستان الخيرات السياسية ونختار خيرات أخرى. لقد راكمنا في العقود الأربعة الأخيرة، في ظل هذا الخير الذي كان خيراً بالفعل، مشكلات جمة، ويلزمنا أن نتنزه في بستان الخيرات السياسية وننتخب خيرات أخرى. وأن نزيل النقائص التي اعترتنا في هذه العقود الأربعة من الفضاء السياسي والاجتماعي للبلاد. ألا يمكننا مثلاً، بين ثنائية المقاومة والاستسلام، أن نختار خيرات كالسلام؟ إننا منذ سنوات لم نفكر في شيء اسمه السلام والتعايش، وقد تكبدنا خسائر فادحة على الصعيد الداخلي، وتسببنا في أن تفقد الثورة التي كانت بحق صوت المجتمع بأسره، هذه الخاصية، وألا تمتلك القدرة على تمثيل الكل، كما صنعنا لأنفسنا على الصعيد الدولي صورة لا يمكن الدفاع عنها دوماً. اليوم تفوح رائحة الحرب من حناجر أكثر المحافل فاشية في العالم، من ترامب إلى نتنياهو. إنهم يجنون أرباحاً طائلة من اشتعال نار الحرب في هذه المنطقة. وحقاً، إن الشعار الأكثر قدرة على شق الآفاق، والخير السياسي الأسمى في ظروف اليوم، على الصعيدين الداخلي والعالمي، هو السلام والتعايش الوطني والدولي. وما المانع في أن يتحول أولئك الذين كانوا قادة الدفاع والمقاومة إلى قادة للسلام والتعايش أيضاً؟ إن الثوريين وكبار صانعي القرار في الساحة السياسية هم أولئك الذين يمتلكون القدرة على إجراء هذه التحولات في الساحات العالمية، دون أن يعني ذلك استسلاماً بحق. إننا اليوم نتكبد الخسائر ونعاني الجمود في ظل إيديولوجيا المقاومة، وفي ظل الإيديولوجيات التي تدفع نحو الاستسلام تحت أي مسمى كان. لماذا لا نتخذ قرارنا المصيري حول إحدى ثمار السياسة الحلوة التي غابت في المحاق، ألا وهي السلام والتعايش؟ إذا قمنا بهذا التحول، فسننقذ أنفسنا وشعبنا وشعوب المنطقة من شرور كثيرة نحن واقعون في ظلها اليوم.
الأمين العلمي للمؤتمر
***
الحدث المستقبلي
محمد رضا تاجيك
يقول هيغل: كل شيء رهن بالفهم والتعبير. واقتداءً بهيغل، ينبغي أن نقول إن كل شيء رهن برؤيتنا وسماعنا وفهمنا وقولنا في الظرف الراهن. علينا اليوم أن نتحدث عن الواقعي في المجتمع وعن واقع المجتمع معاً. أتحدث عن حدثين مستقبليين، الأول حدث آخذ في التحقق، وهو في الطريق بتعبير دريدا، حدث علاماته وآثاره وظلاله حاضرة في هنا والآن خاصتنا، لكن حضوره التام والكامل مؤجل إلى المستقبل، والثاني حدث ينزل من كل مكان ولا مكان، لا أثر له ولا ظل، ويقع شبحياً ويدك الأسس، دون أن يكون قابلاً للتنبؤ، إنه حدث بتعبير بديو، وأمر واقعي (the real) بتعبير لاكان.
ما هو مشترك بين هذين الحدثين المستقبليين أسماه لاكان بالخطر أو التهديد. كلا هذين الحدثين المستقبليين مقترنان بالخطر، وهائلان ومرعبان، ويتجليان في هيئة آخرية تامة وكاملة، ويواجهان جميع أسس ومرتكزات نظامنا الفكري والرمزي واللغوي والخطابي والإيديولوجي والسياسي بالتحدي. هذا هو الخطر الذي ينبغي أن نتوقعه من هذه الأحداث المستقبلية.
هذان الحدثان يحوّلان الوضع إلى لاوضع. فالوضع، بتعبير باديو، ينتظم حين يتحول الكثرة إلى أمر واحد فريد. تجد الأمور الكثيرة تراصفًا واستبدالًا وتنتظم في سلسلة. أما اللاوضع فهو حالة تكون فيها هذه الكثرة فوضوية، تعصف بالانتظام وتُفرغ الوقائع وتُنشط صدوعًا ممزقة تكون هادمة للأسس ومقوّضة للدعائم. الحدث الثاني يفرّ من الترميز وقابلية التبيين ويحدث بغتة، دون أن يكون قابلًا للتقدير. شهدنا شكلًا من أشكاله في ديماه (ديسمبر/يناير) 1396. سنختبر في المستقبل الحدث من النوع الثاني بأشكال متنوعة، لكن يمكن فهم علامات الحدث الأول وهو في طريقه إلى الوقوع. أحيانًا تعمل تدابيرنا بشكل انعكاسي وتصبح هي نفسها جزءًا من المشكلة. نحن في الظروف الراهنة أمام وضع صادم (تروماتيك) من الناحية التحليلية النفسية. في الوضع الصادم، يهاجم أمرٌ ما روحَ المجتمع ونفسَه ومشاعرَه ومعتقداته من الداخل والخارج، ويخرجه عن توازنه وتماسكه. يعجز البشر في الظروف الصادمة عن إقامة علاقة منطقية وذات معنى مع الظواهر. اليوم، عوامل كثيرة تؤذي روح المجتمع ونفسه. حتى إننا نشهد حركة «ريتروتوبيا»، أي العثور على اليوتوبيا في الماضي. هذا يخلق نوعًا من الحنين إلى الماضي في روح المجتمع ونفسه، وهو وضع غير مؤاتٍ. لكن هذا الوضع الصادم يقترن بوضع أبوريّ، أي حالة لا يُعثر فيها على مخرج، ويصبح فيها اتخاذ القرار والتدبير مستحيلًا، وما يُحقن به كدواء شافٍ يزيد المرض، ويصبح التدبير نفسه معضلة خالقة للمشكلات.
ويُضاف إلى هذا الوضع نوعٌ من الإحساس بالفقدان. يشعر مجتمعنا كل يوم بمزيد من الهجران والاغتراب وعدم الرضا. إن ذاتوية (سوبژكتيفيته) الإنسان الإيراني اليوم سلبية، أي لا يوجد توازن بين ذهنيته وموضوعيته. قد يكون المرء بورجوازيًا، لكنه يشعر بأنه بروليتاري. هذا الإحساس يؤذي روح المجتمع ونفسه. وضع آخر لمجتمعنا هو العقم والجدب. منذ زمن طويل لم يعد الخطاب المهيمن والتيارات الأخرى ينتج مفاهيم جديدة، وكأننا نقف في نقطة ما من التاريخ. لا يظهر فكر وخطاب جديدان، وأصحاب خطابنا ومنتجوه راقدون منذ زمن طويل. هذا الأمر خلق فجوة بين التغيير والتدبير. تغييراتنا الموضوعية تجري بسرعة متزايدة، لكن تدابيرنا وقراراتنا تسير في أفضل الأحوال ببطء شديد.
وضع آخر هو عدم كفاية «الكفاية الرمزية» بتعبير جيجك. أي أن الآخرين الكبار الذين كانوا ينتجون القيمة والأسطورة والمعنى والأسلوب، لم تعد لديهم الكفاية السابقة. هذا الوضع الرمزي يشمل الثقافة واللغة والأيديولوجيا... إلخ. في هذا الوضع، تُطرح مشروعية الجماعات المرجعية تحت السؤال، وتفقد كفايتها في تشكيل الأفق المعنوي للبشر. كما نشهد وضع التعليق والانحلال. ما كان في العقود السابقة براكين للمعنى، آلت إلى البرودة. حتى إننا نشهد نوعًا من تعليق الناس من قبل البعض. وإلى جانب هذه، لدينا «وضع الفترة». هذا الوضع، بتعبير غرامشي، هو عصر برزخي يحتضر فيه القديم ولم يولد فيه الجديد بعد. في هذا العصر، تكتسي تيارات كاذبة كثيرة مظهر الحقيقة، وتبرز بشكل متزايد يومًا بعد يوم، وتشغل روح المجتمع ونفسه، وبتعبير بودريار، ينشأ «واقع مفرط» يصعب ويشق فيه على البشر تشخيص الأمر الواقعي والحقيقي.
كما نشهد خمودًا في الأعلى وانفصامًا (شيزوفرنيا) في الأسفل. الأفراد يتذمرون أكثر مما يمهدون طريقًا. أولئك الذين في الأعلى يظهرون في دور المعارضة، وفي الأسفل لا يلتزم الأفراد بإطار، بل يخرقون السياج ويبدعون ما هو بديع وجديد خارج السياج. ثمة فضاء فرانكنشتايني آخذ في التشكل في مجتمعنا، أي وضع يتمرد فيه الذوات الذين هم أبناء هذه الظروف على آبائهم. هذه الحالة جعلت من المستحيل على صانعي السياسات ترميز الأفراد والتيارات. هناك دائمًا خارج الإطار قيمة مضافة تنتج المعنى.
وضعیت دیگر جامعه ما نوعی استیضاح ستیزشگرانه خود است. یعنی مشابه وضعیتی پدید آمده كه به تعبیر ژان پل سارتر، دیگری به دوزخ بدل میشود، افراد خودشان یكدیگر را استیضاح و محكوم میكنند. یعنی در پدید آمدن این وضعیت، همه نقش دارند و امكان گریز از خود وجود ندارد. همچنین در جامعه ما به تعبیر روانشناختی، وضعیت سادومازوخیستی و پارانویایی و هیستریك نیز مشهود است. یعنی گویی نوعی جنگ علیه همه در حال شكلگیری است و عدم تحمل انسانها نگرانكننده است. نوعی خودآزاری و حذف و طرد یكدیگر در جامعه ما مشاهده میشود.
هذه الحالات هي آثار إن لم يتم اتخاذ تدبير وتدبير بشأنها، فعلينا أن ننتظر حدثاً كبيراً من النوع الأول. طبعاً الحدث الثاني كما قلت، غير قابل للتنبؤ ولا يندرج ضمن إطار نظري. لكن في دراسة الحالة، تتجمع هذه الحالات المختلفة وتتداخل، وإذا اجتمعت مع الحالة الخارجية، يمكنها أن تمهد الطريق لحدث كبير في مجتمعنا. لا ينبغي لمدبري المنزل أن يسمحوا بتجمع وتعميق مثل هذه الحالات، وإلا فسيصبح التدبير صعباً وعسيراً للغاية.
لكن ما هو تقديري للمستقبل؟ برأيي في الظروف الراهنة، إذا بقيت مسارات المجتمع وحالاته على هذا النحو دون تدبير، فإننا نسير نحو حالة اللاحالة التي سأذكرها. يتحول المجتمع إلى تجمع، ويحل نوع من التذرر والتفرد محل الروح الجمعية. طبعاً أنا أعتقد أننا لا نزال نعيش في حالة ما قبل الأمر الوطني، ونتيجة لذلك فإن فضاءاتنا الجماعية والقبلية تغلب على المصالح الوطنية. لكن هذا التفرد ذاته يزداد في ظروفنا الراهنة. أي أننا ننتقل من الكينونة الجمعية نحو الكينونة الفردية، ويتشكل نوع من التعبيرية الذاتية في مجتمعنا اليوم. كما نشهد عبوراً بطيئاً من السياسة المألوفة والمتعارف عليها نحو الاقتصاد. أي أن العامل الأكبر الذي سيعمل في مجتمعنا في المستقبل ويشكل المطالب والرغبات والأفعال وردود الأفعال، هو الاقتصاد أكثر من السياسة. كما سنشهد حركة من الهوية إلى ما بعد الهوية. الهويات بتعبير دريدا تصبح هجينة واختلاطية ومتعددة الرقع. كما سنعبر من اليوتوبيا إلى الريتروبيا، أي أننا سنبحث عن المثال الأعلى في الماضي بدلاً من المستقبل. ننتقل من حالة اللذة بتعبير التحليل النفسي إلى "الجوئیسانس" (الكيف)، أي أن اللذات تخرج عن حالتها الطبيعية وتنشأ حالة من الإطلاق والتحرر، ويتشكل نوع من اللامعيارية والأنومي. ينشأ نوع من العبور من الشريعة المتعارفة إلى الطريقة بين قطاعات واسعة من المجتمع. تنمو في المجتمع بين الشباب أنواع من التصوفات حتى تلك المتعلقة بالهنود الحمر والهندية والميتاليزم وهوي ميتاليزم. نعبر من الأيديولوجية ونتجه نحو المشربية الكلبية. ننتقل من المثالية نحو الواقعية. وتفقد السياسة أيضاً حالتها اليوتوبية. وتغلب الحياة اليومية والسياسة اليومية... برأيي يحدث نوع من العبور من التفلسف إلى الحياة في مجتمعنا. بتعبير دولوز عش أولاً ثم تفلسف. وأخيراً نعبر من المثقف العام ونصل إلى المثقف الخاص بتعبير فوكو؛ مثقفون لا يريدون حل جميع مشكلات المجتمع ويركزون على مسائل خاصة.
أختم بتعبير من دريدا. من المعروف أن السياسة هي علم الممكنات، يقول دولوز ودريدا إن السياسة هي علم اللاممكنات، أي حيث لا يوجد إمكان للتدبير واتخاذ القرار، إذا خلقت أمراً ممكناً، فهذه ممارسة سياسية. حيث يوجد إمكان يتخذ فيه الجميع القرارات، هناك حيث يتعطل التدبير والقرار، تجد السياسة معناها. نحن اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ممارسة سياسية وإلى ذوات سياسية تستطيع فهم الظروف. بتعبير بوذا، نحن اليوم ما أردناه بالأمس. مستقبلنا هو أيضاً موضوع إرادتنا وليس تنبؤنا. فلنمتلك إرادة حياة أفضل لأبنائنا ولهذه الأرض والديار.
***
ما هو سبيل الخروج من الأزمات؟
في ضرورة الإصلاح الهيكلي
سعيد مدني
أنا أعتبر الأزمة وضعية مفتاحية في تحليلي. في العلوم الاجتماعية تُعرَّف الأزمة بأشكال مختلفة وقد عُدِّدت أنواع منها، مثل أزمة الهوية الوطنية، وأزمة الشرعية السياسية، وأزمة النفوذ (عدم قدرة النظام في بعض المجالات الاجتماعية والسياسية)، وأزمة المشاركة، وأزمة التضامن وأزمة التوزيع. مجموعة من هذه الأزمات تجعل الظروف أكثر خطورة. تعريفي للأزمة هو: اختلال كبير يعطّل النظام بأكمله، ويواجه المنظمة بإشكاليات كبيرة، ومع خلق خطر على بقاء وحياة المنظمة يجب بذل جهد جاد. أي أن البنى لا تملك إمكانية حل القضايا والمشكلات عبر الآليات الجارية، وبالتالي تحتاج إلى إصلاحات كبيرة وبنيوية.
في وضعية الأزمة يتوقع الجميع خطراً يلوح في الأفق ونشهد فقدان اليقين ولا توجد إمكانية لاتخاذ القرار. لا يوجد توافق في المجموعة التي تتخذ القرار لعبور الأزمة. في الظروف الأزموية تتعرض الأهداف المنشودة أو الأهداف العليا للنظام السياسي للتهديد وتوجد ظروف طارئة، بينما يكون اتخاذ القرار صعباً. كذلك في بداية الأزمة توجد حالة من المباغتة. الأزمة ليست نقطة، إنها عملية قد تتكرر باستمرار. بداية الأزمة هي النقطة التي لا تملك فيها الآليات الموجودة إمكانية حل المشكلات، ويزداد الاختلال والاضطراب الناتج عن هذا العجز في اتخاذ القرار ولا تنجح الأنظمة في احتوائها، والنظام القائم غير قادر على التكيف مع الظروف الجديدة ويقاوم عادة. المقاومة تجعل المجموعات السياسية والاجتماعية المختلفة تبحث عن حلول للمشكلات. لذلك نحن نواجه دورة من الأزمات.
الأزمة لا تُطلق على وضعية واحدة، ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن أنماط الأزمات واتساع نطاقها. يمكن للأزمات أن تحدث على المستوى المحلي والإقليمي والوطني وعبر الوطني. مشكلاتنا هي بشكل رئيسي أزمة على المستوى الوطني وعبر الوطني، رغم وجود أزمات إقليمية مثل أزمة المياه وأزمة الجفاف في جنوب البلاد وأزمة الإثنيات في بعض المناطق، لكن الوجه الرئيسي لأزمتنا هو وطني وعبر وطني.
حول منشأ الأزمة طُرحت وجهات نظر مختلفة. أحد منابعها هو صانعو السياسات ونوع تخطيطهم. بعض العوامل الاجتماعية مثل الانشقاقات الإثنية والجندرية والاقتصادية هي أيضاً متدخلة في هذا الأمر. طبعاً هذه الفئة الثانية متأثرة بالمنبع الأول أي صنع السياسات. كذلك يجب الحديث عن العوامل الطبيعية، مثل أزمة المياه التي هي طبعاً متأثرة أيضاً بعوامل الفئة الأولى. لكن بعض الأزمات تُصنف من حيث الأنواع المستجدة: أزمات فورية، أزمات تدريجية وأزمات متوالية. يبدو أن ظروفنا الراهنة هي الوضعية الأخيرة، أي أننا على امتداد الزمن وفي مقاطع مختلفة نواجه مجموعة من القضايا تتحول كل واحدة منها إلى أزمة. الأزمات قُسِّمت أيضاً من حيث الشدة: أزمات اعتيادية (قابلة للتنبؤ والسيطرة)، أزمات غير متوقعة (يمكن السيطرة عليها إلى حد ما)، أزمات جامحة وعصية الاحتواء (التدخل فيها ممكن لكنه صعب) والأزمة الأساسية (المرحلة الأخيرة لاستمرار الأزمات وتجمعها).
الأزمات من جهة قابلية التنبؤ والوقاية تُصنف إلى فئتين قليلة أو كثيرة، مثلاً الأزمة الاقتصادية لأنها تحدث بشكل تدريجي، لديها قابلية للوقاية، لكن أزمة إقليمية لديها قابلية أقل للوقاية. كذلك الأزمات تختلف من حيث قابلية التأثير على الوضع القائم. لذلك من جهة التأثير وقابلية التنبؤ نواجه هاتين الفئتين: 1. الأزمات غير المتوقعة: قابلية تنبؤ قليلة ومقدار تأثير قليل 2. الأزمات الأساسية: قابلية تنبؤ كبيرة ومقدار تأثير كبير.
من جهة الشدة كلما اقتربت الأزمات من المستوى الوطني، كانت لها تأثيرات وتداعيات أكثر، مثل أزمة الركود والتضخم القائمة وأزمة الفساد التي السيطرة عليها صعبة للغاية. في تقييم نهائي تُتصور ثماني وضعيات محتملة للأزمات أبسطها الأزمة الإدارية وآخر مستوياتها الأزمة الأساسية. يبدو أننا نقف في المستويات العليا من هذا الطيف. بهذه الصورة أقدم مشهداً من الأزمة القائمة. في الصورة التي قدمها الدكتور بشير عن العقود الثلاثة بعد الثورة، في العقد الأول (1360) لم تكن هناك أزمة، في العقد الثاني (1370) تنشأ أزمة في مجال النفوذ والتوزيع، في العقد الثالث (1380) يتسع نطاق الأزمات وتظهر مثلاً أزمة الهوية والنفوذ وأزمة التوزيع نفسها.
تقديري هو أن العقد الرابع (1390 هـ.ش) لم يشهد فقط استمرار الأزمات المذكورة آنفاً، بل أُضيفت إليها أزمة الشرعية وأزمة المشاركة. وهاتان الأزمتان الأخيرتان هما في الواقع نتاج تراكمي لتلك الأزمات. وفي رأيي، إذا استمر الوضع الراهن، فإن هذه الأزمات ستُظهر نفسها في انتخابات العام المقبل. كما أننا نشهد تتابعاً للأزمات في مجتمع حراكي، والمجتمع الحراكي هو مجتمع يتحول فيه عدم الرضا إلى احتجاج. لكن هل الخروج من هذه الأزمات ممكن؟ عندما تقترب الأزمات من الأزمة الأساسية، يصبح إصلاح البنية ضرورة. أي أننا بحاجة إلى إصلاحات جادة وهيكلية. يمكن إرجاع أسباب هذه الأزمات إلى أسباب رئيسية، وأسباب رادعة، وأسباب سياقية. لكن ينبغي التركيز قبل كل شيء على الأسباب الرئيسية. في الوقت الراهن، الأزمة القائمة هي مجموعة من الأسباب الداخلية التي تعود إلى البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأسباب خارجية. لكن المشكلة تكمن في أن الأسباب الخارجية تتفاقم بفعل الأسباب الداخلية. ولحل الأزمة، يكمن الحل في إصلاح البنية السياسية والبنية الاجتماعية. وكلا هذين الإصلاحين يتطلب قرارات كلية. إصلاح البنية يعني إصلاح بنية السلطة القائمة، وهو ما ينبغي أن يتم في المؤسسات. وإلا فإننا سنواجه وضعاً مشابهاً لوضع مبنى بلاسكو.
عالم اجتماع
***
المعضلات الست للاقتصاد السياسي في إيران اليوم
حلقات السلسلة المعيبة
محمد مالجو
حتى سنوات قليلة مضت، كان من الصعب استخدام تعبير الأزمة في وسائل الإعلام الرسمية فيما يتعلق بإيران، وكان يُشار غالباً بتعبير التحدي، وعندما كانت التحديات تتفاقم، كان يُشار إليها بالتحدي الفائق. أما اليوم، ففي كثير من قضايا البلاد، لا يمكن للمرء أن يناقش المسائل المتعلقة بإيران دون أن يستخدم كلمة أزمة. لقد أصبحت الأزمة تجربتنا الحياتية الجمعية. وبالقدر الذي يتعلق بالمجال الاقتصادي، المرتبط بالطبع بمجالات أخرى، لدينا ست أزمات رئيسية، تُعد سائر الأزمات الأخرى، على الأقل في المجال الاقتصادي وإلى حد كبير في المجالين الاجتماعي والثقافي، نتاجاً لهذه الأزمات الست. لقد استخلصت هذه الأزمات الست من كيفية عمل الاقتصاد الإيراني، وتحديداً انطلاقاً من إطار تحليلي خاص بالاقتصاد الإيراني. لن أتطرق إلى ذلك الإطار التحليلي أثناء النقاش، وسأشير إليه فقط على مستوى نقل المعنى. الإطار التحليلي لنقاشي هو سلسلة تراكم رأس المال في الاقتصاد الإيراني. إذا كانت عجلة تراكم رأس المال لا تدور بشكل جيد في الاقتصاد الإيراني، الذي هو من وجهة نظري نوع من النظام الرأسمالي، فإن النمو الاقتصادي يتراجع، وتتدهور مؤشرات الصحة الاقتصادية مثل انخفاض البطالة، وانخفاض التضخم، والنمو الاقتصادي، واللامساواة... إلخ، مما ينعكس في النهاية على انخفاض جودة الحياة بين السكان. إذن، سلسلة تراكم رأس المال هي العدسة التي تشرح جودة ومستوى الحياة والمسائل المتفرعة عن هذه القضية. لهذه السلسلة 6 حلقات. إن كيفية تحقق كل حلقة من هذه الحلقات قد أنتجت أزمة محددة في الاقتصاد الإيراني.
1- أزمة تركز الثروة
أقلية تمتلك الموارد الاقتصادية وتصبح وكلاء للاستثمارات، سواء في القطاع العام أو شبه العام أو الخاص. في هذه الحلقة نشهد تركّز الموارد الاقتصادية في أيدي أقلية من أعضاء المجتمع على حساب الأغلبية، وهو ما لا يتحقق عبر إنتاج السلع والخدمات، بل يصبح ممكناً من خلال آليات أخرى. في الاقتصاد الإيراني، تُعد كيفية خلق السيولة النقدية والتضخم الذي تنتجه وإعادة توزيعه غير المقصود في المجتمع إحدى هذه السبل، كما تُشكل عمليات الخصخصة التي بدأت منذ عام 1370 آلية أخرى. وبالقياس نفسه يمكن الحديث عن كيفية توزيع التسهيلات في الشبكة المصرفية، والفساد الاقتصادي في جسم الدولة، ونمط جباية الضرائب، ونمط توزيع النفقات الحكومية، وتراجعات الدولة عن أداء واجباتها على النحو المنصوص عليه في الدستور في مجالات الصحة والعلاج والسلامة والتعليم العالي وتحويل هذه المجالات إلى سلع. عبر هذه المجموعة من الآليات في إيران، ركزت أقلية، غالباً ما تكون الأقرب إلى النوى السياسية، الموارد الاقتصادية والثروة وأدوات الإنتاج وما إلى ذلك في أيديها على نحو غير مسبوق وعلى حساب الأغلبية. إن الأزمة الناجمة عن هذا النوع من التركّز غير المسبوق للموارد الاقتصادية في أيدي الأقلية هي تحديداً أزمة اللامساواة في الاستهلاك والدخل والثروة لدى الأسر، والتي بلغت مستوى غير مسبوق في إيران المعاصرة.
2- أزمة الاختلال في إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل
الأقلية المذكورة، إذا ما أرادت الدخول في نشاط اقتصادي، فإنها تحتاج أولاً إلى قوة العمل وثانياً إلى مختلف القدرات البيئية بوصفهما عاملَي إنتاج. ترتبط الحلقة الثانية بقوة العمل. فكلما حدث تسهيل للوصول إلى هذين العاملين من عوامل الإنتاج (قوة العمل والقدرات البيئية) وجعلهما أرخص، يحدث ذلك في الحلقتين الثانية والثالثة من سلسلة تراكم رأس المال. في الحلقة الثانية، تكون علاقة القوة بين الإنسان والإنسان، بين قوى العمل وأرباب العمل. في إيران، وخاصة في السنوات التي تلت الحرب التي دامت ثماني سنوات، تشكلت علاقة القوة هذه على نحو غير مسبوق على حساب العمال ولصالح أرباب العمل، ولا سيما عبر 5 سياسات صنعتها الدولة: 1- جعل عقود قوة العمل مؤقتة 2- ظهور شركات المقاولات لتوفير الموارد البشرية 3- خروج قطاعات واسعة من قوة العمل من نطاق قانون العمل 4- تسريح الموارد البشرية الحكومية وخاصة من المستويات الوظيفية الدنيا و 5- النهج المناهض للتنظيم النقابي الذي انتهجته جميع الحكومات بعد الثورة فيما يتعلق بالهويات الجمعية لقوى العمل. لقد غيرت هذه السياسات الخمس علاقة القوة بين قوة العمل وأرباب العمل بحيث باتت قوى العمل اليوم (وهي أوسع من الطبقة العاملة) تفتقر إلى الحد الأدنى من القدرة التفاوضية في مكان العمل وسوق العمل؛ وبعبارة أخرى، فإن علاقة القوة هذه بين العمال وأرباب العمل هي التي تحدد ظروف عمل العمال، أي مكونات مثل الأجر، والسلامة في مكان العمل، والأمن الوظيفي، وظروف السكن، وكثافة العمل، ومقدار وقت الفراغ، وساعات العمل... وهكذا فإن الحلقة الثانية، أي تحويل قوة العمل إلى سلعة وجعل أصحاب قوة العمل أقل إرادة في الاقتصاد الإيراني، قد أدت إلى جانب عوامل أخرى إلى أزمة الاختلال في إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل؛ وبعبارة أخرى، فإن قطاعات واسعة من الأسر (60 في المئة من المجتمع حسب تقديري) عاجزة عن إعادة إنتاج قوة عملها بما يتناسب مع المعايير التاريخية في مجالات الصحة والعلاج والسلامة والتعليم والفراغ...
3- أزمة التدمير المتزايد للبيئة
الحلقة الثالثة هي جعل القدرات البيئية أكثر سهولة في الوصول إليها وأرخص ثمناً. هنا تُطرح علاقة القوة بين البشر عبر وساطة الطبيعة. أي أن النقاش يدور حول مدى قوة وقدرة الإنسان على تغيير الطبيعة بما يتناسب مع رغباته: الماء، والفضاء العمودي للمدن، والتربة، والمناجم، وسائر القدرات البيئية التي تشكل العامل الرئيسي للإنتاج في كل مكان. إن ممارسة الإنسان هذه للسلطة على الطبيعة تتم عبر وساطة حقوق الملكية على القدرات البيئية. في الاقتصاد الإيراني خلال السنوات التي تلت الثورة، توسعت ثلاثة أنواع من حقوق الملكية على القدرات البيئية بشكل كبير، وفقد نوع آخر من حقوق الملكية على القدرات البيئية، والذي لم يكن له نصيب كبير أصلاً، حصته الضئيلة. تحديداً، توسع حق الملكية الخاصة على القدرات البيئية، وتوسع حق التصرف الحكومي على القدرات البيئية بشدة في غياب مجتمع واعٍ بيئياً، واتسع حق ملكية الوقف على القدرات البيئية بشكل كبير، وفقد حق الملكية التعاونية، الذي لم يكن له نصيب كبير أصلاً، تلك الحصة الضئيلة. مع توسع هذه الأنواع الثلاثة من حقوق الملكية (الخاصة، والحكومية، والوقفية)، تحقق نوع خاص من ممارسة البشر للسلطة في هذه الأرض على القدرات البيئية، أي كيفية تحقق الحلقة الثالثة من سلسلة تراكم رأس المال، مما أدى إلى أزمة التدمير البيئي المتزايد.
في الحلقات الثلاث أعلاه، تُطرح العلاقة بين الطبقات (الطبقات العليا والدنيا). لقد تمكنت الطبقات العليا، ليس من خلال إنتاج السلع والخدمات، بل من تركيز الموارد الاقتصادية في أيديها، والأغلبية التي تظهر غالباً في صورة قوة عمل، والتي حدث هذا التركيز على حسابها، أصبحت أضعف فأضعف في مواجهة الأقلية التي تتجلى في صورة أرباب عمل، فيما يتعلق بظروف عملها. كما تمكنت أقلية أرباب العمل، بصفتهم أصحاب حقوق الملكية (الخاصة، أو الحكومية، أو الوقفية)، من ممارسة السلطة على القدرات البيئية بشكل متزايد بما يتناسب مع مصالحهم. لكن الأزمات الثلاث التالية لم تتشكل من نوع تحقق علاقة القوة بين العليا والدنيا، بل تنبثق من نوع علاقة القوة بين الفصائل المختلفة للطبقة السياسية-الاجتماعية-الاقتصادية الحاكمة. أي أن العلاقة داخل الطبقات هي المطروحة.
4- أزمة إنتاج القيمة
الحلقة الرابعة من تراكم رأس المال هي مسألة إنتاج القيمة (السلع والخدمات). في إيران، تتغلب القوى غير المنتجة في القطاعات الحكومية والخاصة وشبه الخاصة على القوى المنتجة. والنتيجة هي أزمة إنتاج القيمة، أي أزمة إنتاج السلع والخدمات؛ خاصة إذا استثنينا النفط ومشتقاته، كما فعلت الأزمات الدبلوماسية في السنوات الأخيرة.
5- أزمة تحقيق القيمة
لنفترض أن السلع والخدمات تُنتج في إيران بقدر كافٍ، لكن هل يوجد طلب فعّال عليها؟ نحن نعاني إلى حد كبير من أزمة تحقيق القيمة، أي نقص الطلب الفعّال على السلع والخدمات المنتجة داخل الاقتصاد الوطني باستثناء النفط ومشتقاته. هذه الأزمة تخلق بدورها انقطاعاً في سلسلة تراكم رأس المال.
6- أزمة نزع التراكم
هذه الأزمة هي نتاج كيفية تحقق إعادة تراكم رأس المال. لنفترض أن الأقلية التي استخدمت قوة العمل والبيئة وأنتجت، ولديها أيضاً طلب فعّال، فإنها لا تعيد استثمار الفائض الذي تحصل عليه في نهاية السنة المالية في الاقتصاد الإيراني. في الاقتصاد الإيراني، كان ميزان القوى داخل فصائل الطبقة السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية الحاكمة على نحو يجعل سحب رأس المال من الاقتصاد الإيراني يغلب، مع تقلبات، على الاستثمار فيه. والحاصل هو أزمة نزع التراكم في الاقتصاد الإيراني، والتي كانت بمثابة نزيف وطني.
لطالما كانت هذه الأزمات الست قائمة بدرجات متفاوتة، ومنذ زمن بعيد، كإمكانات كامنة هيكلياً في الاقتصاد الإيراني. لكننا في الوضع الراهن نعيش تفعّلها في حياتنا اليومية، لأنه قبل ذلك كانت هناك عائدات النفط التي كانت تعوّض إلى حد كبير نقص إنتاج السلع والخدمات. وقد تضاءل دور هذه العائدات النفطية في السنوات القليلة الماضية، ونتيجة لذلك تتحول هذه الأزمات أكثر فأكثر من وضعها الكامن هيكلياً في الاقتصاد الإيراني إلى وضع فعلي، وهي في ذروتها تعمل كأزمة خارجة عن السيطرة للاقتصاد الإيراني، وذلك بحسب الكيفية التي ترسمها أنواع الفاعليات السياسية والاقتصادية. إذا بقي وضع الدبلوماسية الخارجية على ما هو عليه، ولم تتم مراجعة جذرية للعلاقات بين الطبقات وداخل الطبقات بين الطبقات السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية المهيمنة، فبقدر ما يعود الأمر إلى دور البنى، فإن إمكانية التنبؤ بانهيار شامل للاقتصاد الإيراني بإيقاع لا نعلمه كبيرة جداً. أما مدى إمكانية ذلك، فيعود إلى كيفية تأدية أنواع الفاعليات والذوات الفاعلة لأدوارها، وهو ما لا يتسع له نطاق النقاش الحالي.
خبير اقتصادي
***
تأمل حول الدولة في إيران
العودة إلى مؤسسة المؤسسات
أحمد كل محمدي
حديثي هو عن الأزمة بمعنى مختلف. أسمي الإشكالية بأزمة الدولة، وأطرح سبب وقوعها، وفي النهاية أناقش ما العمل؟ نقاشي إذن هو في تشخيص أمراض الدولة في إيران من منظور مؤسساتي، في ثلاثة أقسام.
لفهم أزمة الدولة في الجمهورية الإسلامية، يجب تحديد ماهية الدولة، وماهية أزمة الدولة، وماهية أزمة الدولة في الجمهورية الإسلامية. للدولة شأنان، أولاً بوصفها مؤسسة، ثم بوصفها مؤسسة المؤسسات. الدولة بوصفها مؤسسة هي نتاج الحياة الاجتماعية. في تشكل الحياة الاجتماعية، لا مفر من اللامساواة وبالتالي ممارسة القسر. ونتيجة لذلك، ومن أجل بقاء الحياة الاجتماعية والارتقاء بها، يجب مأسسة هذه اللامساواة وممارسة القسر. أهم وجه لهذه المأسسة هو المأسسة السياسية، أي تنظيم القسر في قالب الدولة. من هذا المنظور، فإن تأسيس مؤسسة الدولة، بالمعنى الفيبري والمؤسساتي، هو لضمان بقاء الحياة الاجتماعية والارتقاء بها من خلال تنظيم ممارسة القسر. أي أن الدولة تنظم ممارسة القسر عبر احتكاره وتعليقه وشرطه بالقانون. من هذا المنظور، الدولة هي مؤسسة ذات قانون، صانعة للقانون وحارسة له. لكن الدولة هي أيضاً مؤسسة المؤسسات، لأن تأسيس الدولة بالمعنى المؤسساتي أعلاه يستلزم أن تكون فوق سائر المؤسسات أيضاً.
أما أزمة الدولة، في هذا الإطار نفسه، فتعني العجز المتزايد للدولة عن إرغام الأتباع على الامتثال للقانون، بعبارة أخرى العجز المتزايد للدولة عن منع التهرب من القانون ومعاداة القانون. هذه الأزمة نسبية بالطبع، ولا تؤدي أي دولة وظيفتها في ضمان القانون بنسبة مئة بالمئة. لكن خلال العقود الأربعة الماضية، تضاءلت قدرة الدولة على إرغام الأتباع على الامتثال للقانون يوماً بعد يوم. لا يمكن العثور على إيراني واحد لا يشهد يومياً تهرباً من القانون أو معاداة له. جميعنا نمارس التهرب من القانون بدرجة أو بأخرى. المصيبة هنا أن الوجه العقلاني للقصة قد انعكس، أي أن تكاليف الالتزام بالقانون قد ارتفعت، وتكاليف عدم الالتزام به قد انخفضت!
لكن لماذا حدث ذلك؟ لا يمكن الحديث عن سبب واحد. لكن من منظور مؤسساتي، فإن العامل الرئيسي لهذا الاختلال المتزايد هو نوع من الاختلال المؤسسي. أي أننا نشهد اختلالاً في عملية مأسسة الأمر السياسي أو السلطة السياسية في الجمهورية الإسلامية. وهذا الاختلال المؤسسي نفسه نتاج إعادة تعريف أيديولوجية حدثت في الثورة، أي إعادة تعريف أيديولوجية لماهية الدولة وأهميتها بناءً على ذلك. في ذلك السياق الأيديولوجي الذي صاغته النخب الفكرية والتنويرية والسياسية منذ ما قبل الثورة، أُعيد تعريف الدولة على نحوٍ اختلّت معه مكانتها كمؤسسة وكمؤسسة المؤسسات. أي أن إعادة تعريف الدولة جرت وكأن مهمتها الأساسية ليست سنّ القانون وحراسته. وكأننا تحرجنا من تسمية الدولة بالمؤسسة الاحتكارية لممارسة القوة، ففقدت الدولة مكانتها المؤسسية وتشوهت طبيعتها التاريخية المنبثقة من صميم المجتمع. ونتيجة لذلك، بدلاً من أن تكون الدولة خادمة للمجتمع، صارت وكأنها مخدومة من قبله.
والأهم من ذلك أنها لم تُطرح فقط كمؤسسة فوق تاريخية، بل عُرّفت كمؤسسة مقدسة عليمة بكل شيء وقديرة على كل شيء. وكان الوجه الآخر للعملة هو نزع الأصالة والاعتبار عن المجتمع، أي أن المجتمع عُرّف وكأنه قاصر وقابل للفساد. وكانت نتيجة إعادة التعريف هذه أنها شرعنت ومهدت لإعادة تعريف وظيفة مختلفة للدولة. أي وكأن وظيفة الدولة، بدلاً من ممارسة احتكار القوة المشروعة، صارت القيام بعمل المجتمع، فانخرطت في العمل الاقتصادي والثقافي والعلمي والأخلاقي. وكانت النتيجة أنها فقدت وظيفتها الأساسية، أي خلق الأمن من خلال سنّ القانون وحراسته. فنتج عن ذلك تضخم الدولة يوماً بعد يوم وعجزها عن القيام بعملها. أي أن الدولة فقدت رشاقتها وحيويتها اللازمة يوماً بعد يوم. وهذا ما جعل الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على إرغام الرعايا على اتباع إرادتها، وتزايد التهرب من القانون يوماً بعد يوم، حتى بات بوسعنا اليوم الحديث عن أزمة متسارعة للدولة بهذا المعنى.
لكن ما هو سبيل الخروج من هذه الأزمة؟ ينبغي أن نعيد تعريف الدولة على مستويين: الأول هو إعادة التعريف المؤسسي، أي أن تُستعاد للدولة مكانتها الأساسية. وبعد هذا الإجراء، ينبغي أن تتم إعادة تعريف تنظيمية أيضاً. وهذا العمل بالغ الصعوبة، لأنه عندما تدنت الدولة عن تلك الماهية والأهمية الأولية، شكلت شبكة من المصالح، وهذه الشبكة من المصالح، عتاداً وبرمجيات، قوية لدرجة أنها ترفع كلفة أي إجراء لإعادة التعريف إلى حد لا يجرؤ معه أحد على الإقدام عليه. ما لم تنشأ أزمات ويمكن استغلال هذه الدقائق.
أستاذ العلوم السياسية
***
إعادة بناء السياسة الإيرانيةشهرية؛ التحديات والفرص والاستراتيجيات
إطارنا الخطابي الخاص
شروين وكيلي
يدور النقاش الراهن حول المعضلات، أي الأزمة القادمة والقرارات، ونتيجة لذلك، يبدو وكأن ثمة علاقة عقلانية بين هذين الأمرين، أي المعضلات والقرارات. ربما يكون الاختلال ناشئاً عن طريقة تفكيرنا في تلك المعضلات، وهي طريقة ليست منهجية ولا موضوعية ولا قابلة للنقد، أي ربما تكون المشكلة منهجية. نقاشي ينطلق من داخل الإطار النظري لنظرية الأنظمة المعقدة (CST). طُرحت هذه النظرية بعد الحرب العالمية الثانية، ولاقت رواجاً كبيراً في عقدي السبعينيات والثمانينيات، ثم تراجعت في التسعينيات، وخلال العقدين الأخيرين أُعيد بناؤها وأصبحت قيد الاستخدام. ما أقوله يتعارض بشدة مع الأيديولوجيا، وهو اقتراح لأسلوب لتشكيل مفهوم السلطة والبنى المنبثقة عنه، يتم في إطار عقلاني وعلمي وموضوعي وبطريقة منهجية قابلة للمعالجة.
عندما ننظر إلى مفاهيم العلوم الاجتماعية، بما فيها الدولة والسلطة، فيما يخص أرض إيران، نجد أن بعض الأمور بديهية وواضحة، لكنها تُتجاهل وتُنكر لأسباب ما. أولاً، في أرض إيران، كجغرافيا، لدينا حيز حضاري، أي أننا نواجه نظاماً تطورياً متشابكاً ومتصلاً شديد القدم. ثمة انقطاعات واستمراريات فيه. أي أننا عندما نتحدث عن الدولة الإيرانية، فإننا نتحدث عن بنية سوسيولوجية متطورة تشكلت في سياق حضاري. المصادر في هذا المجال كثيرة جداً. ومع الأخذ بهذه النظرة، فإن طريقة صياغة المشكلة الماثلة أمامنا تتغير.
في نظرية الأنظمة يُطلق على هذه الحالة اسم الفوضى. ومن خصائصها أن التغيرات الصغيرة تؤدي إلى تحولات كبرى وتصبح السلوكيات غير خطية. ولصياغة الفوضى نحتاج إلى جهاز نظري. وبدون النظر إلى تلك الخلفية التطورية التي أوجدت الوضع الراهن، فإن هذا الأمر مستحيل.
النظر إلى تلك الخلفية صعب، لأننا نتعامل مع 5 آلاف سنة من التاريخ ومساحة تبلغ حوالي 10 ملايين متر مربع، وهو إقليم يضم الآن 30 دولة (وحدة وطنية حديثة). لقد كانت لدينا في 90 في المئة من هذا التاريخ الممتد لـ 5 آلاف سنة دولة، بل من أكبر دول الأرض، امتلكت دوائر للسلطة وآليات لإنتاج وإعادة إنتاج الموارد. تلك الخلفية مع عنصر جديد هو موجة الحداثة أدتا إلى الوضع الراهن. لذا لا شك في أنه يجب أيضاً معرفة الحداثة وفهمها وابتلاعها وهضمها. لكن أن نحاول فهم كل ما لدينا الآن بالمفاهيم الحديثة، فقد نقع في اضطراب مفاهيمي.
على سبيل المثال، لدينا في إيران خلفية من الدولة الحديثة تعود إلى الدستورية، لكن كانت لدينا دولة قبل ذلك أيضاً. يجب معرفة بنية هذه الدولة وطريقة تعريف السلطة، لأن العديد من عناصرها استمرت. لذا فإن فهم الوضع اليوم مستحيل بدون تحديد هذه الخلفية، والعديد من الأسئلة لم تُجب عليها إجابات موضوعية ودقيقة. فمثلاً، تقسيم تاريخ إيران إلى ما قبل الإسلام وما بعده ليس دقيقاً، لأن بنية الدولة في العصر العباسي هي نفس بنية الدولة في العصر الساساني، فمثلاً خواجه نظام، وإن كان يتحدث عن البنية الجديدة للخلافة، فإن جميع إشاراته هي إلى الدولة في العصر الساساني. لذا، من أجل تقسيم تاريخي دقيق، يجب الانتباه إلى مستوى تعقيد آليات إنتاج وتوزيع السلطة.
تاريخ أرض إيران هو تاريخ تحول شكل من أشكال الدولة، وهذا الشكل من الدولة مُشفّر في داخله، وقد أُطلق عليه، على الأقل منذ العصر الساساني فصاعداً، اسم الإيرانشهرية. وهذا لا يعني بالطبع أن الدولة محدودة بهذه الحقبة التاريخية، بل إن الدولة كانت موجودة في إيران منذ البداية، قبل أن يتشكل تعبيرا «إيران» و«شهر» (بمعنى السلطة). هذه الدولة الإيرانشهرية، التي واجهت صعوداً وهبوطاً على مر التاريخ، تواجه منذ البداية صياغة أخرى للسلطة هي الطريقة المصرية، نوع آخر من السلطة تحول لاحقاً إلى الدولة الرومانية. الدولة الرومانية هي نتاج استعارات سطحية من الدولة الإيرانشهرية مع هيكل عظمي للدولة المصرية. تاريخ السياسة في بلادنا هو تاريخ صراع السياسة الإيرانية والسياسة المصرية، صراع السياسة الإيرانشهرية مع السياسة الرومانية. شكل من السياسة الرومانية يتم استبطانه في دمشق في عهد معاوية تحت عنوان الخلافة التي اكتسبت شيفرات إيرانية. هيكلها وبيروقراطيتها هي عين الدولة الرومانية.
هدفي من طرح هذه المباحث هو أن أبين أننا نستطيع أن ننظر إلى الأسئلة المطروحة أمامنا من زاوية أخرى، والسؤال هو: لماذا نحن هكذا الآن؟ من منظور هذه النظرة المنهجية تجد العديد من المشكلات إجاباتها. اقتراحي هو طريقة بينية، أي الطريقة النظامية في التعامل مع المصادر. من هذا المنظور يمكن حتى تفسير ظهور أصولية داعش. بدون فهم هذه المفاهيم، تكون النتيجة فوضى واضطراباً نظرياً. اقتراحي هو أننا بحاجة إلى تدقيق المفردات. لهذه الأسئلة إجابات علمية واضحة ليست هيرمينوطيقية إلى حد كبير، ويمكن إيجاد معناها المحدد من المعطيات التاريخية. الطريق الآخر هو مكافحة الاضطراب المفاهيمي الذي ينتج عنفاً خطابياً وغموضاً. نتيجة الغموض هي ترسيم حدود غير واقعية وتجاهل نقاط الاشتراك والتمایز. نحن نواجه اضطراباً في مفاهيم مثل المصالح الوطنية والسلطة، وحل إزالة هذا الغموض ليس سوى التفكير فيه. الاستراتيجيات الهندسية التي نجربها باستمرار لا تسفر عن نتيجة سوى الوضع الراهن. لذا فإن اقتراحي هو أن نأخذ الإطار الحديث بعين الاعتبار بوصفه أحد النماذج الإرشادية، لأن هذا الإطار هو تشكيلة خطابية للسلطة داخل الحقل الحضاري الأوروبي، كما أن الإطار الكونفوشيوسي هو تشكيلة خطابية. لذا فإن مهمتنا هي مناقشة وضع إيران في إطارنا الخطابي الخاص بنا.
باحث في العلوم الاجتماعية
***
مشكلتنا الأساسية نحن الإيرانيين والتكهن للخروج من هذا الوضع
الانحياز أم المساواة؟
جواد حيدري
أحاول أن أنظر إلى مشكلة إيران المعاصرة من منظور توماس نيغل، الفيلسوف السياسي الأمريكي المعاصر، ودوغلاس نورث، الاقتصادي المعاصر. يصل هذان المفكران من منظورين مختلفين، أحدهما من الناحية الفلسفية والنظرية، ودوغلاس نورث من المنظور التجريبي والواقعي، إلى رؤية مشتركة. المسألة الأساسية للسياسة من وجهة نظر نيغل هي: كيف ننتقل من المحاباة إلى المساواة؟ ومن وجهة نظر نورث، المسألة هي: كيف ننتقل من حكومة ذات وصول محدود إلى حكومة ذات وصول مفتوح؟
أعظم مفكر نظر إلى السياسة من منظور المحاباة هو توماس هوبز. كان هوبز يعتقد أن البشر لديهم أولاً رغبة في البقاء وثانياً مصلحة شخصية. كان يعتقد أنه ينبغي لنا، بناءً على هذين العنصرين، أن نخلق وضعاً نصل فيه إلى الاستقرار والأمن. ولهذا الغرض طرح مسألة السيادة. السيادة عنصر في فكر هوبز يمكنه أن يخلق نوعاً من التنسيق بين المصالح الشخصية للأفراد. كان يؤكد دائماً على عنصري التسوية وتوازن القوى. السيادة مع توازن القوى توصلنا إلى مثال أعلى عظيم في السياسة هو الأمن.
لكن للتحرك من المحاباة نحو المساواة، يجب تحديد معنى المساواة. للمساواة عبر التاريخ ثلاثة أشكال وتجليات مهمة؛ أول تجلٍ هو مسألة الحقوق. المفكر المدافع عن هذا الفهم للمساواة هو جون لوك. من وجهة نظر لوك، يمنح الحق البشر شأناً ومقاماً متساويين. من وجهة نظره، هذا الشأن والمقام المتساوي يصوناننا من التعدي. أهم معتدٍ على الحق من وجهة نظر لوك هو الدولة والبشر الآخرون. كان مثال لوك الأعلى هو الحرية، لذلك، وبتعبير سكينر، كان هوبز مؤسس الأمن مع التأكيد على المحاباة، وكان لوك مدافعاً عن الحرية مع التأكيد على صون الحق. الحق نفسه قيد على الفعل. في التصور الثاني للمساواة، المثال الأعلى المهم للسياسة هو المنفعة. للمنفعة في الفكر السياسي القديم أصلان رئيسيان؛ أحدهما هيوم والآخر جون ستيوارت مل وجيرمي بنثام. من وجهة نظر مل وبنثام، يجلس مراقب شفوق في الأعلى ويعتبر البشر متساوين ويجمع بين سعادة البشر وشقائهم، ويجب أن تكون الحصيلة أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. لهذه النفعية في القرن العشرين مدافعون جادون مثل بيتر سينغر وجوشوا غرين. يرى هؤلاء المفكرون أن هدف السياسة هو أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. نرى التصور الثالث للمساواة لدى كانط وجون رولز. في هذا التصور، بدلاً من مراقب من الأعلى يحسب سعادة الأفراد وشقاءهم، يجب أن يحصل نوع من التقمص الوجداني. من وجهة نظرهم، يجب أن ندرك الحاجات الأكثر إلحاحاً للشرائح الأكثر حرماناً في المجتمع. تخلق هذه الرؤية تسلسلاً هرمياً بين حاجات الأفراد المختلفين وتعطي الأولوية للحاجات الأكثر إلحاحاً لشرائح المجتمع. بناءً على ذلك، كان رولز يعطي الأولوية دائماً للحاجات الأكثر إلحاحاً لهذه الأقلية الخاصة على لذة وسعادة الأكثرية الأخرى. هذه معضلة مهمة في صنع السياسات، أي النزاع بين النفعية والمساواتية الرولزية.
في إيران الحالية، يبدو أن الجانب التعييني للسيادة يسعى إلى الأمن بناءً على نموذج هوبز. حتى العلمانيون في إيران اليوم يدافعون عن هذا الأمن، لكن الجانب الانتخابي للسيادة في إيران جرب نماذج المساواة الثلاثة (حرية لوك، ونفعية بنثام-هيوم، ومساواتية كانط-رولز). مثلاً، حكومة السيد خاتمي كانت تؤكد أكثر من أي شيء على الحقوق والحرية، أو حكومة المرحوم السيد هاشمي كانت تؤكد على النفعية وابنها في ميدان السياسة أي التنمية الاقتصادية. أما النهج الثالث، أي الكانطي-الرولزي، فيمكن إطلاقه بشيء من التسامح على حكومة المهندس موسوي، أي أنها كانت تسعى إلى نوع من الاشتراكية أو إعطاء الأولوية للحاجات الأكثر إلحاحاً للشرائح الدنيا من المجتمع.
ما طرحته يندرج في قلب التقليد الدستوري الغني والفعال جداً. أي أننا بدأنا من هوبز المدافع عن الأمن، ووصلنا إلى لوك المدافع عن الحرية، ثم عبرنا إلى رفاه جون ستيوارت مل، وفي النهاية وصلنا إلى عدالة جون رولز. أي أن هذا التقليد استطاع عبر تاريخه أن ينتقل من الأمن إلى الحرية ثم إلى الرفاه وفي النهاية إلى العدالة. بناءً على ذلك، يمكن طرح أربع سياسات وأربعة أمثلة عليا مهمة في هذا التقليد الدستوري.
المسألة الأساسية الآن هي كيف نجمع بين هذه الخيرات الأربع (الأمن، والحرية، والرفاه، والعدالة) دون أن نضحي بواحدٍ منها في سبيل الآخر؟ قد يقول البعض إن هذه المُثُل العليا لا يمكن الجمع بينها. لكن ربما أمكننا من تركيب بعض هذه الذرات الأربع أن نخلق جزيئات. ففي الصين مثلاً، وبتعبير نورث، تم تركيب الأمن مع الرفاه (النموذج الثالث للمساواة) ليُشكّلا نمطاً، غير أن مسألتنا الأساسية هي كيف يمكن ربط مبدأ الأمن هذا، الذي يسعى إليه القسم التعييني من الحكم في إيران، مع مبادئ المساواة الثلاثة التي يسعى إليها القسم الانتخابي من الحكم، دون أن يُضحّى بأحدها في سبيل الآخر؟
باحث في العلوم السياسية
***
التحديات الماثلة
علي مرشدي زاد
تمر إيران في الوقت الراهن بظروف خاصة تستدعي تبادل الرأي بين المتخصصين والمؤسسات المدنية من جهة، وصناع السياسات من جهة أخرى. إن هذه التحديات وتراكمها في الوقت الحاضر تفرض ضرورة الحوار أمام السياسيين والمفكرين السياسيين كي يجدوا معاً، عبر التشاور، سبيلاً للخروج منها. ومن أهم هذه التحديات مسألة الحظر التي تحتاج إلى إدارة ومعالجة، والعقل الجمعي للمتخصصين في هذا الشأن أقدر على هدايتنا نحو الحل. أما التحديات البيئية وأهمية إيجاد نموذج لكيفية حل هذه المشكلات، ومن جهة أخرى، التوفيق بين التنمية والبيئة، فهي مسألة أخرى لا يمكن غض الطرف عنها. وللأسف، فإن عدم الاكتراث بهذا الأمر خلال هذه السنوات ألحق خسائر فادحة بالغابات والموارد الطبيعية والمياه وغيرها. والوضع الثقافي للبلاد وتآكل رأس المال الاجتماعي وما يُشار إليه بانعدام الثقة، هو موضوع آخر يحتاج إلى عناية جادة. فالاضطراب في المجال الثقافي يمكن أن يؤدي إلى تحديات هوياتية تؤثر تأثيراً ضاراً على الشرعية. ومن جهة أخرى، واجهت إيران خلال العقود الماضية تحديات متزايدة على الصعيدين الإقليمي والدولي. إن سبل حل النزاع والقدرة على التغلب على التحديات الدولية موضوع يعرفه دارسو السياسة ويمكنهم أن يمدوا يد العون للسياسيين فيه. لقد تعلموا أن ممارسة السياسة ينبغي أن تقترن بالحكمة والمرونة والتفاعل. إن وجود التكنولوجيا الحديثة والفضاء الافتراضي وكيفية التعامل معه، مسألة جديدة ومستجدة، وهنا أيضاً تبرز ضرورة الاهتمام بالحوار والتشاور مع المتخصصين في العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية. لا يمكن رفض الفضاء الافتراضي جملة وتفصيلاً، ولا يمكن تركه بلا ضوابط، بل ينبغي التفكير في نموذج ونمط نتمكن به من الاستفادة من مزاياه ونأمن فيه من أضراره.
وانطلاقاً من هذه المسائل وضرورة الحوار والتشاور لحلها، عقدت الجمعية الإيرانية للعلوم السياسية مؤتمرها السنوي الثاني عشر تحت عنوان "إيران المستقبل: المعضلات والقرارات المصيرية". والواقع أن هدف الجمعية من هذا المؤتمر، ومن المؤتمرات السابقة طبعاً، كان إقامة صلة بين علماء السياسة والسياسيين كي لا يُحرم الجهاز السياسي للبلاد من معارفهم. إن الحكومات المعاصرة التي سعت إلى تعزيز العلوم الإنسانية والاجتماعية، وخاصة العلوم السياسية، قد حظيت بمزاياها، أما البلدان التي اعتبرت هذه العلوم مجرد أداة للتعبير عن أقوالها وتكرارها ولم تسمح لهذا التخصص بالنمو، فلم تجنِ ثمرة من هذا العلم فحسب، بل كانت تشكو دوماً من عدم كفاءة هذه التخصصات. غافلة عن أن إضعاف هذه التخصصات حال دون أن تتمكن من الأخذ بيد السياسيين يوم الحاجة. وعلى أية حال، تأمل الجمعية الإيرانية للعلوم السياسية أن يسهم هذا الترابط وتعزيز الصلة بين علماء السياسة والسياسيين، عبر الحوار والتشاور، في إيجاد مخرج من التحديات الراهنة.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.