اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى محمد جواد كاشي أن النرجسية هي داء العصر وجذر المشكلات السياسية؛ فقد أُصيب الإسلاميون بها حين خلطوا بين الأكثرية والحق، واليوم صرنا جميعاً أقليات لكننا ما زلنا نشعر بأننا على حق. والعلاج مرهون بقبول الآخر.

كل عصر يصاب بداء، وعصرنا مصاب بداء النرجسية (كريستوفر لاش). نحن نرجسيون ويمكن العثور على أعراض ذلك على المستوى الفردي وعلى المستوى السياسي. لستُ بطبيب نفسي، أنا مهتم بالسياسة وأجد جذور العديد من مشكلات حياتنا السياسية اليوم في نرجسياتنا الفردية والجمعية والسياسية.
في شبابي عشتُ الثورة، وكنتُ من الإسلاميين. وما زلتُ كذلك. وبوصفنا من انتصر في ميدان المنافسة السياسية، أُصبنا بداء النرجسية في العصر الجديد. بهذا الداء أضعفنا اعتبار الإسلام، وقوّضنا أساس المجتمع السياسي. وأوهنّا جذور التعاطف الاجتماعي، وأضررنا بالحياة الأخلاقية للمجتمع.
لعل كل شيء نبع من فهم خاطئ. كنا أغلبية، لكن لم يكن واضحاً لماذا شعرنا أيضاً بأنا على حق. في اتخاذ القرارات السياسية، من البديهي أن رأي الأغلبية هو أساس العمل. وعلى الأقلية أن تمتثل. لكن هذه النقطة الواضحة لا تعني البتة أن الأغلبية صاحبة الحق أيضاً والأقلية منحرفة وضالة وبحاجة إلى تربية وهداية. ينبغي أن يكون رأي الأغلبية أساساً لاتخاذ القرار. هذا مبدأ سياسي وينبع من ضرورة الحياة السياسية، أما أن الأغلبية صاحبة الحق أيضاً، فلم يكن شيئاً نستنتجه نحن الإسلاميين من ضرورة الحياة السياسية. من حيث كوننا ثوريين كنا نعتبر صوت الأغلبية صوت الله وصوت الأقلية صوت الشيطان. وبالطبع كوننا إسلاميين أيضاً، كنا نرى الناس الذين صوتوا لنموذجنا المنشود منحازين إلى مذهب الحق، والآخرين منحرفين عن الحقيقة.
معيار الحقانية في ميدان السياسة ليس الأقلية ولا الأغلبية. معيار الحقانية هو قاعدة يمكن أن تكون مقبولة لدى جميع البشر ذوي الضمير والعقل السليم، بغض النظر عن عقيدتهم وجنسهم ودينهم ونمط حياتهم. شمولية القاعدة هي ما يحدد الحقانية في ميدان الحياة السياسية. ما يمتلك القابلية لأن يشمل كل شعب إيران، بصرف النظر عن الأغلبية والأقلية وبصرف النظر عن الإيمان بهذا الدين أو ذاك، معيار الحقانية في الميدان الوطني هو الشمولية. لكن حتى هذا لا يكفي، فما يحوز مؤشر الشمولية على المستوى الوطني، ينبغي في الوقت نفسه أن يكون قابلاً للقبول لدى كل ضمير نزيه في جميع أنحاء العالم أيضاً.
نحن الإسلاميون كانت لدينا الأغلبية، لكن لكي نكون على حق أيضاً، كان ينبغي أن نختبر معتقداتنا وأفعالنا ونتأكد من أن ما نقوله ونفعله يتطابق مع قاعدة الشمولية. لكننا ما إن تيقنا من كوننا أغلبية، صرنا نُجري كل اعتقاد وعمل كان لدينا فيه إجماع ما. لم نكن نعتد بالأقليات أساساً. بل أنكرنا وجود بعضها من الأساس.
امتلاك الأغلبية، والشعور في الوقت نفسه بالحقانية هو ما أسميه بالنرجسية.
لكن المشكلة أخذت بخناقنا نحن أيضاً. النرجسية ذاتها التي كانت تمنع رؤية الغير، صارت تمنع قبول التعدد الداخلي في صفوفنا نحن أيضاً. نحن الإسلاميون لم نكن صوتاً واحداً ولوناً واحداً. لذا تغلغل فيروس النرجسية في هويتنا المغلقة. سألنا: أي صوت إسلامي هو الأغلبية وأكثر توافقاً مع الحقانية الإسلامية؟ كانت هذه بداية تصفية الحسابات مع بعضنا البعض. شيئاً فشيئاً أقصينا بعضنا البعض من الدائرة. والذين بقوا في الداخل لم يسلموا من تأثير فيروس النرجسية هذا.
وهكذا استمرت القصة حتى غدا أولئك الإسلاميون الذين بقوا في المركز، وفقاً لرأيهم هم، أصحاب حقانية لكنهم لا يملكون أغلبية. صاروا أقلية دون أن يقبلوا بهذه النقطة أبداً. لأنهم لو قبلوا لكان عليهم حينئذ أن يذعنوا لتلك القاعدة الأخرى القائلة إن الأغلبية لها حق اتخاذ القرار في الشؤون التنفيذية للبلاد. وهكذا تقوى فينا خلق استبداد الرأي تدريجياً.
هذه العارضة لا تختص بجناح واحد داخل النظام السياسي، ففي صفوف المعارضة أيضاً يسري عارض النرجسية. لم تَحمَ نار بعد، وهم يدّعون الأغلبية ومعها يدّعون الحقانية. الواقع أنه في إيران اليوم لا أحد يمتلك أغلبية. صرنا جميعاً أقليات وفي الوقت نفسه نشعر جميعاً بالحقانية. ويل لمجتمع يصير على هذه الحال.
علينا أن نستأصل فيروس النرجسية من ذواتنا وحياتنا وهوياتنا وموروثاتنا الثقافية والتاريخية. وشرط ذلك هو الانفتاح على الآخر. ينبغي أن يختبر كل منا نفسه ليرى إلى أي حد هو مستعد للإصغاء إلى الآخر ومراعاته. وإلى أي حد هو مستعد لتحمل مسؤولية ذلك الآخر الذي ليس مثلنا، وله هوية مختلفة ويفكر بشكل مختلف.
يمكن إحصاء الأكثرية وتمييزها عن الأقلية. لكن مسألة المشروعية في ميدان السياسة تبقى دائماً مجهولة. علينا دوماً أن نتحقق مما إذا كانت قاعدتنا أو قرارنا يتمتعان بالشمولية الكاملة أم لا. لا يمكن أبداً تقديم إجابة مباشرة على هذا السؤال. لذا، ينبغي دوماً تأجيل الشعور بالمشروعية. في ضوء تأجيل الشعور بالمشروعية، نصاب بشيء من التردد، لكن النرجسية تنزاح عنا شيئاً فشيئاً، وتظهر فينا تدريجياً مشاعر جديدة. نكتشف بالتدريج أننا امتلكنا القدرة على محبة الآخرين. ولن نسعد شيئاً فشيئاً بموت أي أحد. ونتخلى تدريجياً عن سعينا اليومي لتمييز قائمة الشهداء عن قائمة الهالكين والواصلين إلى الهاوية. بل يمكننا حتى أن نجلس إلى جانب جثث أعدائنا ونبكي. وأن نعتبر من يعذبنا ضحية ونقبل وجهه.
.
.
1- كُتبت هذه الملاحظة رداً على نقد السيد محمد علي بيغي الذي نُشر في صفحة الفكر بصحيفة فرهيختغان.
2- بخصوص رأي كريستوفر لاش، راجع مقالة الدكتور عبد الكريم رشيديان: عبد الكريم رشيديان، ثقافة النرجسية: دراسة لوجهتي نظر، مجلة پژوهشنامه علوم انساني، العدد 49، ربيع 1385، ص 215-234.
.
.
.
.
علم النفس
علم الاجتماع
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.