اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
غياب الرب لا يعني عدم وجوده، بل فقدان تجربة الحضور؛ لكن بينما كان العرفاء التقليديون يرون العلة في احتجاب الإنسان، يتحدث اللاهوتيون المحدثون عن عصر صمت الله، واختفائه، بل وحتى الإلحاد الديني.

إن "الغيبة" لا تعني "عدم وجود الله" أو "خروجه من مسرح الوجود" (بأي معنى قد يُفهم به هذا التعبير)، بل تعني "فقدان تجربة الحضور". فعلى سبيل المثال، وِفق الصورة التي يقدمها بعض العرفاء التقليديين في تفسير فقدان تجربة الحضور الإلهي لدى البشر، فإن حضور الله يشرق بلا انقطاع كالشمس الساطعة في سماء المعنى، غير أن البشر أحياناً يغمضون أعينهم عن الشمس، أو يدلون رؤوسهم في بئر، أو يسكنون في قلب كهف، أي أنهم لا يضعون أنفسهم في "موقع الرؤية"، ومن ثم يُحرمون من تجربة حضور الشمس.۱ وعليه، وِفق هذا التصور، فإن "الغيبة" أو "فقدان تجربة الحضور" ناتج في معظمه عن احتجاب الإنسان. ومن هنا فإن المسؤولية الرئيسية عن هذه الغيبة تقع على عاتق الإنسان أكثر مما تقع على عاتق الله. فلو أن البشر، على سبيل المثال، أزالوا الصدأ عن مرآة قلوبهم، ووجهوها في الاتجاه الصحيح نحو الشمس، وأزاحوا بعض الحجب الحائلة بينهم وبين الشمس المشرقة في السماء، لكان ثمة أمل في أن ينعكس خيال الشمس في مرآة قلوبهم.
(1)
يقوم السلوك العرفاني (في رواياته التقليدية على الأقل) على افتراضين مسبقين مهمين: أولاً- يوجد إله؛ ثانياً- ذلك الإله (ولو مؤقتاً) غائب عن حيز تجربة السالك. والغاية المنشودة لسالك الطريق هي أن يحول تلك "الغيبة" إلى "حضور". وبالطبع، لم يكن مفهوم "الغيبة" يُفهم تقليدياً بمعنى "الغيبة الوجودية" لله. وِفق التصور التقليدي، فإن الله حاضر دائماً وفي كل مكان، وبهذا المعنى فإن عالم الوجود لا يخلو لحظة واحدة من حضوره الفياض. وقد كانت هذه "الغيبة" تُفهم في معظمها بمعنى أنه على الرغم من حضور الله الأبدي والشامل، فإن البشر يعجزون ويقصرون أحياناً، في ظل ظروف معينة، عن إدراك وتجربة حضوره. فالله حاضر، لكن جهاز الإدراك البشري يعجز أحياناً عن إدراك حضوره. إذن، فـ"الغيبة" هنا لا تعني "عدم وجود الله" أو "خروجه من مسرح الوجود" (بأي معنى قد يُفهم به هذا التعبير)، بل تعني "فقدان تجربة الحضور". فعلى سبيل المثال، وِفق الصورة التي يقدمها بعض العرفاء التقليديين في تفسير فقدان تجربة الحضور الإلهي لدى البشر، فإن حضور الله يشرق بلا انقطاع كالشمس الساطعة في سماء المعنى، غير أن البشر أحياناً يغمضون أعينهم عن الشمس، أو يدلون رؤوسهم في بئر، أو يسكنون في قلب كهف، أي أنهم لا يضعون أنفسهم في "موقع الرؤية"، ومن ثم يُحرمون من تجربة حضور الشمس.۱ وعليه، وِفق هذا التصور، فإن "الغيبة" أو "فقدان تجربة الحضور" ناتج في معظمه عن احتجاب الإنسان. ومن هنا فإن المسؤولية الرئيسية عن هذه الغيبة تقع على عاتق الإنسان أكثر مما تقع على عاتق الله. فلو أن البشر، على سبيل المثال، أزالوا الصدأ عن مرآة قلوبهم، ووجهوها في الاتجاه الصحيح نحو الشمس، وأزاحوا بعض الحجب الحائلة بينهم وبين الشمس المشرقة في السماء، لكان ثمة أمل في أن ينعكس خيال الشمس في مرآة قلوبهم.۲
لذا، يمكن تلخيص التصور التقليدي في تفسير "فقدان تجربة الحضور"، إلى حد كبير، في هذين الادعاءين المحوريين: الإنسان في "عصر الحضور" (الادعاء الأول)؛ لكنه يجد نفسه أحياناً (على الأقل بشكل مؤقت) في "موقع الغيبة" (الادعاء الثاني).
لكن يبدو أن نوع التجارب العرفانية في العالم الجديد قد شهد تحولاً مهماً قياساً إلى نوع تجارب العرفاء السابقين. وبتعبير أدق، يبدو أن تجربة فقدان حضور الأمر الإلهي قد اكتسبت لدى الإنسان الجديد معنى ومضموناً لم يكن معروفاً لدى العرفاء السابقين. لقد تجلى هذا الانعطاف العميق في عبارة نيتشه الغريبة والملغزة: "لقد مات الله." ولكن ما معنى هذه العبارة الملغزة، وما الصلة بين هذا "الإعلان" المدهش والتجارب العرفانية في العالم الجديد؟
يرى فريق من اللاهوتيين في العصر الحديث، مثل مارتن بوبر، أن هذه العبارة يمكن تأويلها بمعنى أن الله كان يخاطبنا من قبل، لكنه صمت الآن، وكأن الإله الحيّ لم يعد يكشف عن ذاته لنا، بل وأكثر من ذلك، كأنه يحتجب عنا. فالإنسان المعاصر يعيش في عصر صمت الله. وبناءً على هذا التصور، لا ينبغي أن يُعزى صمت الله أو غيبته إلى احتجاب الإنسان أو، على أية حال، إلى نوع من القصور في ذهنية الإنسان ووجوده. فهذه الغيبة أو هذا الصمت ناجم عن تحول طرأ على "الوجود نفسه".٣ وكأن الله هذه المرة قد احتجب هو ذاته، ونحن نعيش في عصر كسوف الأمر الإلهي. وإذا أردنا أن نستعين بتشبيه العرفاء السابقين، يمكننا التعبير عن الفرق بين الوضع الجديد والوضع السابق على هذا النحو: في العصر الحديث، حتى لو خرج السالك من مجاهداته مرفوع الرأس موفقاً، واستطاع أن يفتح عين القلب، وأخرج رأسه من قاع البئر، أو خرج من قلب الكهف، فإنه لن يرى ضياء الشمس. لأن الكسوف قد حدث في السماء. فالشمس لم تعد تسطع جهراً في السماء. لذلك، لا يمكن أن يُعزى "فقدان تجربة الحضور" في العالم الجديد فقط إلى أن الإنسان الحديث، شأنه شأن السالكين السابقين، يقف في "موقع الغيبة"، بل وأكثر من ذلك، ينبغي أن يُعزى إلى أن البشر في العصر الجديد يعيشون أيضاً في "عصر الغيبة". وطبقاً لهذه الصورة، فإن الله "مُختفٍ" عنا بمعنى أعمق. فالآن، حتى لو حضر الإنسان إلى ميقات الرؤية، فلن يجد الله حاضراً في الميقات. إذن، وِفقاً لهذا التصور، الله موجود لكنه يحتجب عنا بذاته. لكن غيبة الله، حتى بهذا المعنى الجديد، لا تعني بالضرورة أن السلوك الروحي والبحث عن الله مسعىً عبثي وعقيم. فالسالك يمكنه أن يختبر حضور الله في صميم غيبته. "فالصمت مفعم بما لم يُقَل".
وقد اتخذ فريق آخر من اللاهوتيين "إعلان" نيتشه أساساً لنوع من "الإلحاد الديني". ولعل سيمون فايل (Simone Weil) هي خير ممثلة لهذا التصور.٤ ففي أدبيات هؤلاء اللاهوتيين، يُنظر إلى "الإلحاد" أو "اللاكتراثية" بوصفها التجربة الدينية لموت الإله. و"الإلحاد الديني" يختلف عن "الإلحاد العرفي أو العلماني". ففي الإلحاد الديني، يُنظر إلى عالم الطبيعة ويُختبر من حيث كونه قد أُفرغ تماماً من العناية والحضور الإلهيين. وهذا "الإفراغ" يُعتبر، من منظور لاهوتي، بالغ الأهمية وذا دلالة عميقة. فسالكو الطريق وطالبو الله، لا يجدون الله في العالم، ويعانون أشد المعاناة من صمته وعدم وجوده. والذين يختبرون هذه المعاناة لا يزالون يعيشون في عالم ديني، عالم معناه الأصلي والنهائي هو الله، وإن كانت عاصفة التناقضات والمفارقات قد مزقت ذلك المعنى إرباً إرباً. فالسالك يعيش في عالم عبثي، وهذه العبثية تدل له على الله. تبحث سيمون فايل عن واقعية الله وتجده في ظواهر تفتي بكل قوة ضد وجود الله: في المعاناة اللامعنى لها في معسكرات الإبادة الجماعية، في عبثية العمل اليدوي المُضني، في الضرورة الجبرية للمادة، في السلوكية الآلية للنفس البشرية، وخلاصة القول، في صميم أنواع الشرور المدمرة واللامعنى لها. فإلهها يُتصور على نحو سلبي، ويُفسر العالم على نحو سلبي. "لقد مات الإله" هو اكتشاف لحقيقة أن الله غير موجود. والسالك يدرك "واقعية الله" تحديداً بعد اكتشاف "عدم وجوده". فالله لا يمكنه أن يحضر فينا إلا في قالب غيبته. وتعبر سيمون فايل عن التعليم المحوري لـ"الإلحاد الديني" على هذا النحو: "يمكن إنكار وجود الله دون إنكار واقعيته". وهنا يكتسب مفهوم "اختفاء" الله أو "غيبته" معنىً أكثر راديكالية. فهنا "غيبة" الله تعني "عدم وجود الله". إن التجربة العرفانية لسيمون فايل هي اكتشاف "واقعية" الله من خلال تجربة "عدم وجوده"، وتجربة عدم وجود الله تعني بالنسبة لها التجربة المؤلمة بعمق لعالم عبثي لا يسطع فيه أي بارق من العناية والحضور الإلهي.
غير أن بعض الفلاسفة الوجوديين، مثل سارتر، قد فسروا عبارة نيتشه تلك بمعنى إلحادي محض. فبحسب اعتقاد سارتر، فإن مقولة "لقد مات الإله" لا تعني أن الإله كان موجودًا ثم لن يكون موجودًا من الآن فصاعدًا. بل ينبغي أن تُفهم بمعنى أن الإنسان كان يعتقد في الماضي أنه سمع صوت الإله، لكنه لم يعد بإمكانه أن يحمل مثل هذا الاعتقاد الآن. وبرأي سارتر، فإن "صمت المتعالي" و"بقاء واستمرار الحاجات الدينية للإنسان الحديث" كانا من أهم الهواجس والمعضلات التي أقلقت نيتشه وهايدغر وياسبرس. ولكن "على الوجودية أن تتحلى بالشجاعة، وأن تتخلى عن البحث عن الإله مرة واحدة وإلى الأبد. عليها أن 'تنسى' الإله."٥ يمكن اعتبار هذا الموقف نموذجًا واضحًا لـ"الإلحاد العرفي أو العلماني". ووفقًا لهذا التصور، ينبغي التعامل مع إعلان نيتشه بجدية: لا إله في الأمر؛ لا توجد أية علامة أو آية في العالم؛ الحياة خالية تمامًا من أي معنى مقدّر سلفًا، وإضفاء المعنى يقع على عاتقي بالكامل، والقيمة ليست سوى ذلك المعنى الذي أختاره أنا لنفسي.٦ لقد كان البحث عن الإله وهمًا ينبغي التغلب عليه في نهاية المطاف.
وكما يُلاحظ، فقد ترتب على ظاهرة اختفاء الإله نتيجتان مهمتان:
أولاً- لقد كانت منبعًا لبعض أعمق المخاوف والقلق الوجودي لدى البشر. فالمشكلة الوجودية غالبًا ما تتجلى في صورة أزمة إيمان، أزمة تثير الشك في أصل وجود الإنسان، وخصوصًا في قيمة وجوده وغايته، وقد تزعزع ثقته بالله أو تدمرها أحيانًا. ووفقًا لتعاليم اللاهوت التوحيدي، فإن ازدهار الإنسان وتحقق وجوده رهين بعلاقته الفردية والاجتماعية بالله. لكن حين يرى كثير من المؤمنين حياتهم خالية من مثل هذه العلاقة الشخصية، فإنهم عاجلاً أم آجلاً يفكرون في أنفسهم أنه لو كان هناك إله، فلا بد أنه لا يكترث كثيرًا بنا نحن البشر. وهذا الاعتقاد يحوّل العالم في أعينهم إلى مكان غريب بل ومعادٍ. فالعزوف عن الحياة هو النتيجة الطبيعية لاختفاء الله بالنسبة لهؤلاء المؤمنين. (دعونا نسمِّ هذه النتيجة "المشكلة الوجودية".)
ثانيًا- غير أن ظاهرة اختفاء الله لا تنتهي بالضرورة إلى أزمة إيمان وقلق وجودي. فمن وجهة نظر بعض الفلاسفة والحكماء، يمكن اعتبار هذه الظاهرة قرينة على عدم وجود الله. (دعونا نسمِّ هذه النتيجة "المشكلة النظرية".)
وكما رأينا، ففي إطار العرفان التقليدي، وكذلك لدى بعض اللاهوتيين المعاصرين مثل بوبر، تُطرح "المشكلة الوجودية" بجدية، لكن نطاقها لا يمتد إلى "المشكلة النظرية". أما من منظور القائلين بـ"الإلحاد الديني" و"الإلحاد العرفي أو العلماني"، فإن نتائج ظاهرة اختفاء الإله تتجاوز "المشكلة الوجودية" بكثير، وتؤول عاجلاً أم آجلاً إلى "المشكلة النظرية". فمن وجهة نظر هؤلاء الحكماء، وتحت ظروف معينة، لا بد للفرد العاقل من أن يعتبر ظاهرة اختفاء الإله قرينة على عدم وجود الله.
وعليه، يتضح الآن أن تعبير "اختفاء الله" يُستخدم بمعنيين مختلفين:
وفقًا للمعنى الأول، يعني "اختفاء الله" أن هناك إلهًا موجودًا حقًا، لكنه أخفى نفسه عنا نحن البشر لأسباب ما.
ووفقًا للمعنى الثاني، يعني "اختفاء الله" أنه لا توجد قرائن كافية ومقنعة على وجود الله. وبتعبير أخص، لا يصل الإنسان في بحثه عن الله إلى نتائج تجريبية إيجابية.
سؤالي الرئيسي في هذه المقالة هو: هل يمكن اعتبار اختفاء الله دليلاً على عدم وجود الله؟ بعبارة أخرى، هل يمكن اعتبار "تجربة" فقدان حضور الله قرينة لصالح هذه "النظرية" الميتافيزيقية القائلة بأنه "لا يوجد إله"؟ هل يكون احتمال صدق نظرية الإلحاد، بافتراض ظاهرة اختفاء الإله، أكبر من احتمال صدق نظرية الإيمان بالله؟ (من الواضح أننا إذا اعتبرنا "اختفاء الله" هنا بالمعنى الأول، فإن الإجابة على تلك الأسئلة ستكون سلبية على نحو تحليلي. لذا، وتجنبًا للمصادرة على المطلوب، لا بد لنا في الأسئلة المطروحة من اعتبار مفهوم "الاختفاء الإلهي" بمعناه الثاني.)
(٢)
لكن قبل أن نناقش هذه الأسئلة، أود الإشارة إلى ملاحظتين تمهيديتين:
النقطة الأولى هي أن مسألة "الاختفاء الإلهي" ترتبط من وجوه مهمة بمسألة الشر التقليدية. بنية برهان "الاختفاء الإلهي" تشبه من وجوه مهمة بنية برهان الشر. لكن ينبغي اعتبار مسألة الشر ومسألة الاختفاء الإلهي مستقلتين إحداهما عن الأخرى. إذ يمكن تصوّر عالم ممكن لا توجد فيه مسألة الاختفاء الإلهي بوضوح (أي أن الله قد أظهر ذاته بلا إبهام) ولكن مسألة الشر مطروحة فيه بنفس القوة التي توجد بها في العالم الواقعي. على سبيل المثال، افترضوا أنه في كارثة الهولوكوست، قبل أسبوع من موت الضحايا، كان ملاك تتطابق لغته وخصائصه تماماً مع أوصاف العهد القديم يتجلّى لكل واحد منهم، ويتلو عليهم فقرات من الكتاب المقدس. لكن لم يحدث أي شيء آخر غير هذا: لم ينجُ أي من أولئك البشر الأبرياء من الموت، وسار كل شيء كما حدث فعلاً في كارثة الهولوكوست، باستثناء تلك المشاهدة الكشفية. والآن افترضوا أن جميع البشر الذين كانوا ضحايا لشرور مدمّرة ومهولة في هذا العالم، قد اختبروا، قبيل معاناتهم وموتهم النهائي بقليل، "علامات" لا لبس فيها على وجود الله، وتمكنوا من تمييز تلك العلامات بسهولة. يبدو أنه في هذا العالم الممكن توجد مسألة الشر بنفس قوة العالم الواقعي، لكن مسألة الاختفاء الإلهي لم تعد مطروحة. في هذا العالم الممكن، ربما يمكن التذمر من "تقاعس الله"، لكن ليس من "اختفائه".
من ناحية أخرى، يمكن افتراض عالم ممكن آخر لا توجد فيه مسألة الشر، لكن الله متخفٍ. على سبيل المثال، تصوّروا عالماً يشبه عالمنا الراهن من كل وجه آخر، بفارق أنه لا يوجد فيه ألم ومعاناة. دعونا نسمّ هذا العالم "اليوتوبيا العلمانية". في هذه اليوتوبيا، البشر طيبون ومحسنون بالفطرة. الألم والمعاناة الجسدية إما غير موجودة، أو مقدارها ضئيل جداً. لا وجود للموت المبكر، والمرض، والعنف في هذا العالم. لا أحد يعاني من إعاقة جسدية أو ذهنية، ولا وجود للتعصبات العرقية وأمثالها، ويستطيع الجميع تأمين احتياجاتهم المادية بشكل لائق، وهلم جراً. والآن افترضوا أنه في هذا العالم يوجد من يؤمن بوجود الله، ومن ينكر وجوده. يبدو أنه في هذا العالم الممكن، يمكن لبعضهم (مثلاً أولئك الذين لا يؤمنون بالله) أن يطرحوا مسألة الاختفاء الإلهي، وينشب بينهم وبين المؤمنين بالله نقاش حاد حول هذا الأمر. لكن في غضون ذلك، لا يمتلك أي من الطرفين خبراً أو تصوّراً عن الشرور المهولة والمدمّرة. يمكنهم أن يناقشوا مسألة الاختفاء الإلهي، دون أن تُطرح عليهم أبداً مناقشة مسألة الشر. لذلك، لا ينبغي اعتبار مسألة الشر ومسألة الاختفاء الإلهي شيئاً واحداً.۷
النقطة الثانية هي أن البرهان القائم على الشرور وكذلك البرهان القائم على الاختفاء الإلهي، هما برهانان على نفي وجود إله الأديان التوحيدية، أي الإله المتشخص الذي هو، من جملة صفاته، عالم مطلق، وقادر مطلق، وخير محض. المقصود هنا بـ "الإله المتشخص" (على الأقل) إله يمكنه أن يقيم علاقة شخصية مع الإنسان. بمجرد أن ينكر المرء إحدى تلك الصفات في الله، أو يعتبر الأمر الإلهي غير متشخص أساساً، تفقد تلك البراهين قوتها وأهميتها.
(۳)
هل يمكن اعتبار غياب الله علامة على عدم وجوده؟ كيف يمكن الانتقال من "تجربة" الغياب إلى هذا "الاعتقاد" بأنه لا يوجد إله؟
يعتبر كثير من الملحدين غياب أو صمت إله الأديان التوحيدية قرينة واضحة على عدم وجوده. كان نيتشه يتساءل بلا مواربة ومن منطلق الإنكار: هل يمكن اعتبار الإله العالم المطلق والقادر المطلق، الذي لا يهمه مطلقاً إن كان مخلوقاته يفهمون غاياته ونواياه أم لا، إلهاً خيّراً وصالحاً؟ هل يسمح إله خيّر وصالح للشكوك والمعاناة النفسية المبرحة للبشر بشأن الأمور العظيمة المتعلقة بخلاصهم أن تستمر آلاف السنين، وفي الوقت نفسه يرصد عقوبات مروّعة لأي خطأ يحدث في مقام اكتشاف الحقيقة؟ ألا ينبغي اعتبار الموجود الذي (بحسب الفرض) يمتلك الحقيقة، ويرى معاناة البشر المذلّة في مقام اكتشاف الحقيقة، لكنه لا يمد لهم يد العون، موجوداً ظالماً وقاسي القلب؟ باعتقاد نيتشه، الأديان هي ثمرة عقل بشري غير مهذّب وخام. تستهين الأديان بمهمة التعبير عن الحقيقة بشكل مدهش، وكأنه لا يهمها أن يكون الله صادقاً مع البشر، وواضحاً وبلا إبهام في مقام التواصل معهم.۸
من الواضح أن تصديق واقع اختفاء الإلهي يعني، من وجهة نظر نيتشه، إنكار خيرية الله. وبما أن الله، وفقاً للاهوت التوحيدي، هو "الخير المحض"، فيجب أن نستنتج أن الإله التوحيدي غير موجود. وهكذا، فإن الإقرار بالاختفاء الإلهي يؤدي في نهاية المطاف إلى نفي إله الأديان التوحيدية.
لكن بنية استدلال نيتشه ليست واضحة ودقيقة بالقدر الكافي. يبدو أن استنتاج عدم وجود الله استناداً إلى واقع اختفائه يحتاج إلى مقدمات أخرى. يمكن فهم استدلال نيتشه وصياغته بطرق متعددة. أود هنا أن أشير إلى قراءتين رئيسيتين لهذا الاستدلال: القراءة القياسية، والقراءة الاستقرائية.
القراءة القياسية:
يمكن صياغة "القراءة القياسية لبرهان الاختفاء"، أو باختصار "القراءة القياسية"، على النحو التالي:
(١) إذا كان الله موجوداً، فهو إذن قادر مطلق، وعالم مطلق، وخير محض. (وفقاً لتعريف الأديان التوحيدية لـ "الله")
(٢) إذا كان الله قادراً مطلقاً، فهو إذن قادر على فعل كل ما هو ممكن. (تعريف "القادر المطلق")
(٣) إذا كان الله عالماً مطلقاً، فهو إذن عالم بجميع القضايا الصادقة (ما دام العلم بتلك القضايا ممكناً منطقياً). (تعريف "العالم المطلق")
(٤) إذا كان الله خيراً محضاً، فإنه عندما يعلم ما يعانيه طالبوه الصادقون من عذاب أليم للعثور عليه وإدراك حضوره، يكشف عن نفسه على نحو لا لبس فيه، خصوصاً عندما يعلم أن هذا الاختفاء يلحق بهؤلاء الطالبين أضراراً لا تعوّض. (لا ننسينّ أن الله هنا، لكونه عالماً مطلقاً، فهو واعٍ بهذا الوضع، ولأنه قادر مطلق، فهو قادر على كشف ذاته دون أي التباس.)
(٥) الله ليس منكشفاً على نحو لا لبس فيه لطالبيه الصادقين. (ظاهرة "الاختفاء الإلهي")
(٦) إذن، الله ليس خيراً محضاً. (وفقاً لقاعدة رفع التالي، النتيجة الحاصلة من (٤) و (٥))
(٧) إذن، الله غير موجود. (وفقاً لقاعدة رفع التالي، النتيجة الحاصلة من (٦) و (١))
ماذا يمكن أن يقال عن هذا البرهان؟ هذا الاستدلال منتج من الناحية الصورية. لكن هل هو معتبر من الناحية المادية؟
لاحظ أن الهدف الرئيسي لهذا الاستدلال هو أن يُظهر أنه إذا كانت ظاهرة الاختفاء الإلهي واقعية، فلا يمكن لله أن يكون موجوداً. بعبارة أخرى، إن "ظاهرة الاختفاء الإلهي" (القضية (٥)) و "وجود الله" (نقيض القضية (٧)) غير متوافقين منطقياً. هل يستطيع الاستدلال أعلاه أن يُظهر عدم التوافق بين هاتين القضيتين؟
لنفترض أننا نريد أن نظهر أن القضية Pn والقضية C غير متوافقتين منطقياً. في هذه الحالة نحتاج إلى برهان قياسي معتبر منطقياً تكون صورته على النحو التالي:
P1
P2
….
Pn
Not-C
الآن، هذا البرهان المنطقي المعتبر لا يمكنه أن يُظهر أن Pn و C غير متوافقتين منطقياً إلا إذا كانت جميع مقدماته، باستثناء Pn، صادقة بالضرورة (ما أعنيه هنا بالقضية "الصادقة بالضرورة" هو قضية صادقة في جميع العوالم الممكنة.)
هل مقدمات البرهان القائم على "ظاهرة الاحتجاب" صادقة بالضرورة؟ يمكن اعتبار القضايا (1) و(2) و(3) صادقة بالضرورة وفقًا للتعريف. وعليه، فإن قوة هذا الاستدلال واعتباره برمتها رهن بكون القضية (4) صادقة بالضرورة. هل القضية (4) صادقة بالضرورة؟ في ظني أن الجواب سلبي بوضوح. لو كانت هذه القضية صادقة بالضرورة، لما وُجد أي عالم ممكن يكون فيه مقدم هذه القضية الشرطية صادقًا وتاليها كاذبًا. لكن من الواضح أنه يمكن تصور عالم كهذا. أي يمكن تصور عالم يكون فيه الإله خيرًا محضًا، لكنه في ذلك العالم يفضل، لأسباب ما، ألا يكشف عن ذاته لطالبيه المتلهفين. فمثلًا، قد يكون الإله قد احتجب لكي يدرك عباده عبثية الحياة بدونه، أو قد يكون احتجابه راجعًا إلى أنه لو كشف عن ذاته دون أي لبس، لانخفض الإحساس بالمخاطرة اللازم للإيمان المتقد بشكل كبير، أو لعل الاحتجاب الإلهي يدفع البشر إلى سعي حثيث لتجربة الحضور الإلهي يكون مدعاة في نهاية المطاف لاستكمالهم الروحي وازدهار شخصيتهم. ليس المهم هنا مدى احتمالية هذه الأسباب. المهم هو إمكانية هذه السيناريوهات لا درجة احتمالها. إمكانية هذه السيناريوهات تعني أن هناك عوالم ممكنة يكون فيها الإله خيرًا محضًا، لكنه مع ذلك لا يكشف عن ذاته لطالبيه المتلهفين. بعبارة أخرى، في تلك العوالم الممكنة تكون القضية (4) كاذبة. وهذا يعني أن القضية (4) ليست صادقة بالضرورة.9 لكن إذا لم تكن القضية (4) صادقة بالضرورة، فعندئذ لا يمكن الادعاء بأن ظاهرة الاحتجاب الإلهي غير متسقة مع افتراض وجود إله الأديان التوحيدية.
القراءة الاستقرائية (1):
وفقًا للقراءة الاستقرائية لاستدلال نيتشه، قد لا تكون ظاهرة الاحتجاب الإلهي ووجود الإله غير متسقين منطقيًا، لكن واقع الاحتجاب الإلهي (بمعناه الثاني) يجعل الاعتقاد بوجود الإله غير محتمل للغاية.
يمكن تسمية صورة شائعة من القراءة الاستقرائية بـ"البرهان التمثيلي".10 يسعى البرهان التمثيلي في الخطوة الأولى إلى إظهار أن الوضعية (أ) تتصف بوضوح بالصفة (ب) من جهة معينة. وفي الخطوة الثانية يسعى إلى إظهار أن الوضعية (ج) تشبه الوضعية (أ) من تلك الجهة المعينة. وفي الخطوة الثالثة يستنتج أن الوضعية (ج) تتصف أيضًا، مثل الوضعية (أ)، بالصفة (ب) من تلك الجهة المعينة. دعونا نفحص هذه الخطوات الثلاث في حالة برهان الاحتجاب:
الخطوة الأولى:
السيناريو الأول: افترض أنك طفل تلعب لعبة الغميضة مع أمك في قلب غابة. افترض أن الدور عليك الآن لتختبئ كي تجدك أمك. تختبئ خلف شجرة وتجلس منتظرًا. يمر بعض الوقت ولا خبر عن أمك. تغرب الشمس، ويحين وقت النوم. لكن لا خبر عن أمك بعد. ولا يُسمع أي صوت في المحيط. ينتابك القلق والرعب شيئًا فشيئًا. تخرج من خلف الشجرة. تصرخ باسم أمك مذعورًا. لكن لا خبر عنها. تمر ساعات طوال. تبحث في كل مكان، ويبح صوتك من شدة الصراخ، لكنك لا تجد أي أثر لوجودها. هل هي في هذه الأنحاء؟ هل لو كانت حقًا في هذه الأنحاء، لما ردت على صرخات طفلها المذعور بأي جواب؟
السيناريو الثاني: افترض أنك طفل أصيب بفقدان الذاكرة لسبب ما، ونتيجة لذلك لا يستطيع تذكر سوى الأيام القليلة الماضية، وبالتالي، لا يتذكر حتى إن كان له أم أم لا. ترى الأطفال الآخرين برفقة أمهاتهم، وتفكر في نفسك كم كان جيدًا لو كان لي أم أيضًا. من هنا تسأل كل أحد عن أمك، وتتجول في كل زاوية وركن بحثًا عنها. وتستأنف بحثك كل يوم بصورة لا تعرف الكلل. حتى عندما يؤكد لك المحيطون بك أن أمك لا بد أنها ماتت، لا تيأس. في هذه الوضعية، لو كانت أمك حية حقًا، وتعيش في نفس تلك الأنحاء، وكانت على علم ببحثك اللهوف، ألم يكن ينبغي لها أن تجيب صراخك؟
السيناريو الثالث: افترض أنك طفل أصيب بفقدان الذاكرة لسبب ما. لكنك هذه المرة عالق في وسط غابة كثيفة ومحفوفة بالمخاطر. أنت الآن تائه في قلب تلك الغابة منذ أيام وأنت مرتعب، وتصارع نفسك لتعرف من أنت ومن أين أتيت. لا تتذكر مطلقاً ما إذا كانت لك أم أم لا. لكن في أحلك لحظات اليأس وأكثرها مرارة وألماً، تستغيث بها من شدة القنوط. لكنك لا تتلقى أي إجابة. وأخيراً، فجأة، ينقض عليك نمر مفترس من قلب ظلام الغابة. تنادي أمك للمرة الأخيرة. لكنك لا تسمع أي إجابة مرة أخرى. في تلك اللحظة الأخيرة من الموت، ما الذي يدور في ذهنك؟ هل ما زلت تعتقد أن لك أماً حنونة تحبك من أعماق قلبها، وقد سمعت صراخك، وكان بوسعها أن تهب لنجدتك، لكنها قررت أن تجلس صامتة في زاوية وتتفرج على حالك المزري؟
يبدو أنك في مثل هذا الموقف ستعتبر أحد الاحتمالين التاليين أكثر جدية:
الأول، أن أمك موجودة في الجوار نفسه، لكن حالك لا يهمها.
الثاني، أن شيئاً خارجاً عن إرادتها حال دون حضورها.
على أية حال، هناك نتيجة واحدة تبدو مؤكدة: لا يمكنك القول إن أماً حنونة حقاً، قلقة على ولدها، وبوسعها أن تنجد ولدها، تخفي نفسها عنه عمداً في مثل هذا الموقف. لذلك، يمكن طرح الادعاء التالي بخصوص العلاقة بين الأم وولدها (دعنا نسمِّ هذا الادعاء "مبدأ مقتضى الحب"):
مبدأ مقتضى الحب: الأم الحنونة، في الظروف التي يمكنها فيها أن تنجد ولدها العالق في وضع صعب ومحفوف بالخطر، لا تخفي نفسها عنه.
لكن لماذا ينبغي قبول "مبدأ مقتضى الحب"؟ يمكن اقتراح أدلة متعددة للإقرار بهذا المبدأ، على سبيل المثال:
(۱) الأم الحنونة تعتبر احتياجات ولدها وطلباته المصيرية مهمة وجادة، وتسعى للاستجابة لها في أقصر وقت ممكن.
(۲) الأم الحنونة لا ترضى أن يقع ولدها في الألم والبلاء بلا موجب، بل تسعى لتأمين سلامته الجسدية وسعادته الروحية قدر استطاعتها.
(۳) الأم الحنونة لا ترضى أن يكوّن ولدها تصورات خاطئة عنها، وعن طبيعة علاقتهما، وعن مدى عشقها وحبها له.
(٤) الأم الحنونة تغتنم التواصل والاتصال الشخصي بولدها وتنتهز كل فرصة لإقامة مثل هذا التواصل والاتصال. فمجرد التواصل مع ولدها أمر ممتع ومبهج بالنسبة لها.
(٥) الأم الحنونة تشتاق لولدها حين يبتعد عنها.
الخطوة الثانية:
الخطوة الثانية هي أن يُبَيَّن أن في العالم الواقع مصاديق للاختفاء الإلهي تشبه إلى حد كبير وضعية الأم والطفل في السيناريوهات الثلاثة المذكورة أعلاه. وجه الشبه بين هاتين الحالتين هو أن الطفل في السيناريوهات المذكورة كان يبحث عن أمه ولا يجدها، وفي حالة الاختفاء الإلهي يبحث كثير من البشر عن الله بلهفة ومن شدة الاضطرار ولا يجدونه.
على سبيل المثال، كثير من البشر حين كانوا على يقين جازم بأنهم يختبرون قدرة الله وحضوره في حياتهم، فقدوا تلك التجربة والإيمان بالكلية فيما بعد (لأنهم واجهوا، مثلاً، أدلة وقرائن ألقت بشكوك جدية في أسس معتقداتهم الدينية). وضع هؤلاء الأشخاص يشبه وضع الطفل في السيناريو الأول. من ناحية أخرى، كثير من الناس حرموا مما يُسمى بالعلاقة الشخصية مع الله، لكنهم سعوا بشغف لأن ينعموا بتلك العلاقة. كان هؤلاء منفتحين ومتقبلين تماماً لتلك التجربة، وجاهدوا سنين طويلة في الطريق الروحي، لكنهم لم يجدوا تلك العلاقة في حياتهم. وضع هؤلاء يشبه وضع الطفل في السيناريو الثاني. وأخيراً، كثير من الناس تخبطوا في دوامة من صعوبات الحياة ومصائبها، ولم يكونوا فقط كغيرهم من طلاب الطريق تواقين للرؤية الإلهية، بل كانوا بالإضافة إلى ذلك في أمس الحاجة إلى تلك العلاقة. هؤلاء المتعطشون المنكوبون استغاثوا بالله مراراً وتكراراً ولم يتلقوا منه قط استجابة واضحة وجديرة. وضع هؤلاء يشبه وضع الطفل في السيناريو الثالث.
الخطوة الثالثة:
ما قيل عن الحب والحنان الأمومي، ينطبق أيضاً على حنان الله. لأنه وفقاً لتعاليم الأديان التوحيدية، كما رأينا، فإن الله خير محض، ويبدو أن من أهم تجليات خيرية الإله التوحيدي، حنانه ورحمته. طبعاً الإله التوحيدي ليس رحيماً وحنوناً فحسب، بل هو واجد للرحمة والحب في حد الكمال. لذلك، يبدو أن ما نُسب سابقاً إلى الحنان الأمومي في قالب القضايا (۱) إلى (٥)، يمكن إطلاقه على الله بطريق أولى. بالطبع، القائلون بالبرهان التمثيلي لا يدّعون أنه ينبغي اعتبار الله بمثابة "أم". لكن يبدو أن العلاقات الإنسانية، وخصوصاً العلاقات بين الأمهات وأبنائهن، توفر أرضية مناسبة ليتضح ويتجلى مضمون ومعنى مفاهيم مثل "القرب"، و"الحنان"، و"الحب"، و"القلق" وأمثالها. لذلك، وفقاً لرأي القائلين بالبرهان التمثيلي، لا يوجد أي دليل يدفعنا للاعتقاد بأن حب الله ورحمته غريبان كلياً عن حب ورحمة أم مثالية. يمكن اعتبار قرب الله وحنانه وحبه للبشر، من جهات مهمة (على الأقل من تلك الجهات الواردة في القضايا (۱) إلى (٥))، شبيهة بالحنان الأمومي. وفي هذه الحال ستكون النتيجة أن ما يقتضيه الحنان الأمومي في العلاقة بين الأم وطفلها، هو صادق وجارٍ أيضاً في العلاقة بين الله الحنون والبشر. بعبارة أخرى، إذا كان هناك إله في غاية الحنان، فلا ينبغي له أن يختبئ عن طالبيه المتعطشين (خصوصاً في ذلك الوقت الذي هم فيه بأمس الحاجة إلى حضوره).
دعونا نسمِّ مجموعة الخصائص التي نسبناها إلى الحنان الأمومي والحنان الإلهي في قالب القضايا (۱) إلى (٥)، P. الآن يمكننا تلخيص "البرهان التمثيلي" وجمعه على النحو التالي:
(۱) الأم الحنون، بمقتضى P، وفي الظروف التي يمكنها فيها أن تغيث طفلها الواقع في وضع صعب ومحفوف بالمخاطر، لا تختبئ عنه (مبدأ "اقتضاء الحنان").
(۲) وضع الأم وطفلها (في السيناريوهات الأولى إلى الثالثة) شبيه بوضع الله وكثير من البشر.
(۳) خاصية P قابلة للتطبيق على الحنان الإلهي أيضاً.
(٤) لذلك، فإن الله بمقتضى P، وفي الظروف التي يمكنه فيها أن يغيث البشر الواقعين في وضع صعب ومحفوف بالمخاطر، لا يختبئ عنهم.
(٥) الله عليم مطلق، لذلك فهو عالم بوضع البشر، وهو أيضاً قدير مطلق، لذلك يمكنه في الظروف الصعبة للبشر أن يأخذ بأيديهم.
(٦) لذلك، لا يمكن لله أن يمتنع عن إجابة صرخات "أبنائه" من البشر.
(٧) بعبارة أخرى، إذا كان الله موجوداً، فلا ينبغي أن يحدث الاحتجاب الإلهي.
(۸) لكن الاحتجاب الإلهي يحدث.
(۹) لذلك، الله غير موجود.
ماذا يمكن أن يُقال عن هذه الحجة؟ يبدو أن بوسع منتقدي هذه الحجة، بطرق مختلفة، أن يشككوا في صحتها.
الطريقة الأولى: يرى بعض المنتقدين أن المقدمة (۲) في الحجة التمثيلية كاذبة. فبحسب وجهة نظرهم، تستمد حجة الاختفاء قوتها ومصداقيتها، إلى حد كبير، من نوع التوقعات والانتظارات التي نحملها تجاه الإله. وخصوصاً تصورنا لكيفية كشف كائن محب عن حبه يلعب دوراً بالغ الأهمية في هذا السياق. ويبدو أن التمثيلات المختلفة تؤدي إلى توقعات ونتائج مختلفة. ففي السيناريوهات المذكورة، صُوِّر حب الإله للبشر على غرار حب الوالدين القلقين على أبنائهما، والراغبين في تخليصهم من الألم والحزن بأسرع وقت. لكن من الممكن تماماً تفسير حب الإله للبشر بناءً على نموذج آخر. فعلى سبيل المثال، قد يعتبر البعض حب الإله على قياس العلاقة المحبة بين المعلم والتلميذ. ففي هذا النوع من العلاقات المحبة، لا تقتصر غاية المعلم على مجرد تعليم تلميذه مجموعة من القضايا الصادقة. فالمهمة الأساسية للمعلم هي أن يربي في تلميذه روحاً وشخصية معينة، أي أن ينمي فيه، إلى جانب تعليم القضايا الصادقة، بل وأحياناً قبلها، القابليات الأخلاقية-الشخصية، وكذلك الروح والنزعة اللائقة بالبحث العلمي. لذلك، من الممكن تماماً أن يفضل المعلم، في ظل ظروف معينة، تأجيل تعليم القضايا الصادقة لبعض الوقت حتى يكتسب تلميذه الكفاءات اللازمة لنيل تلك المعارف، أو قد يرى، في ظل ظروف ما، أن تلميذه يفتقر إلى الكفاءات اللازمة إلى درجة تمنعه عن تعليمه بعض المعارف. فإذا فُهم الحب الإلهي بناءً على هذا النموذج، فإن الإيمان بالإله في حد ذاته، من المنظور الإلهي، لن يكون بتلك الأهمية التي تحظى بها نوعية النظرة، والمقاربة، والدوافع الملازمة لذلك الإيمان. فالإيمان بالإله يأتي بعد ذلك التحول في النظرة والخلق. لذلك، من الممكن تماماً أن يحتجب الإله عن بعض البشر، وألا يقيم معهم علاقة شخصية، ليدفعهم بذلك إلى السعي نحوه بجد وإخلاص أكبر، وبالتالي يبلغون رشداً وكمالاً أليق.
على أية حال، النقطة الأساسية هي أن قوة الحجج القائمة على التمثيل تتوقف، إلى حد كبير، على التمثيل الذي يُتخذ أساساً. فنوع التمثيل له تأثير قاطع في نتيجة الاستدلال، ومن الممكن تماماً أن يؤدي تغيير التمثيل إلى نتائج مختلفة كلياً.
الطريقة الثانية: يرى بعض اللاهوتيين أن المقدمة (۸) في الحجة التمثيلية كاذبة. فهذه الفئة من اللاهوتيين تشك في الادعاء القائل بأن الإله لم يكشف عن نفسه بشكل واضح لا لبس فيه. فبحسب اعتقاد هذه الفئة، لقد تجلى الإله عن نفسه بما فيه الكفاية في خلقه.
لكن في هذه الحالة، ينبغي على هؤلاء اللاهوتيين أن يفسروا لماذا لا يؤمن كثير من الناس بوجود الإله. أحد الأجوبة التقليدية على هذا السؤال هو أن البشر، بسبب خطاياهم، لا يستطيعون رؤية القرائن الموجودة في متن الخليقة والتاريخ، أو سماع نداء ضميرهم الباطني. بعبارة أخرى، إذا كان شخص ما لا يستطيع رؤية آيات الإله في العالم، فعليه أن يسيء الظن بنفسه. فجذور عدم الرؤية تلك تكمن في تقصير أو قصور صدر عن الإنسان.
الطريقة الثالثة: تقبل فئة من اللاهوتيين بأنه لا توجد قرائن واضحة لا لبس فيها على وجود الإله. فالعالم ملتبس من حيث دلالته على الأمر الإلهي. ولا يمكن أن يُعزى عدم إيمان جميع البشر إلى إثمهم. لذلك، ينبغي الاعتراف بوجود "المنكرين الصادقين". والمقصود بـ "المنكرين الصادقين" أولئك الذين جاهدوا بشغف وإخلاص لاكتشاف الإله والتواصل معه، لكنهم لم يجدوا أي قرينة واضحة لا لبس فيها تدل على وجوده. وبالتالي، فإن عدم إيمانهم وإنكارهم ليس ناشئاً عن عناد ولجاج، بل هو ناتج عن فقدان القرائن الكافية والمقنعة. لكن على هؤلاء اللاهوتيين أن يفسروا لماذا سمح الإله بهذا "الإنكار غير المستوجب للوم".
من وجهة نظر هؤلاء اللاهوتيين، فإن المقدمة (٤) في البرهان التمثيلي كاذبة. إنهم يسعون إلى إظهار أن اختفاء الله ليس ظاهرة سيئة، بل تترتب عليه فوائد لا يمكن الحصول عليها من خلال الاعتقاد السهل المنال بوجود الله. من الجيد أن أشير هنا إلى بعض الفوائد التي ذكروها لظاهرة الاختفاء الإلهي:
(١) اختفاء الله يمنح البشر المجال لأن يحبوه ويعتقدوا به بحرية، ويتبعوه. فالحب والإيمان يتنافيان أساساً مع الجبر والقسر.
(٢) اختفاء الله يحول دون أن يلبي البشر نداءه بناءً على دوافع غير لائقة (مثل الخوف من العذاب).
(٣) اختفاء الله يضعنا في موقف ندرك فيه عبثية الحياة بدونه، وبالتالي نسعى إليه بتواضع وشوق أكبر.
(٤) لو كان الله يكشف عن نفسه للبشر دون أي غموض، لكان الإيمان به يتحقق على نحو غير اختياري، ولكان الإحساس بالمخاطرة الضروري للإيمان الحماسي يتضاءل بشكل كبير.
(٥) لو كان الله يتجلى للجميع دون أي غموض، لكان وجوده فوق كل شك، وبالتالي لكان التنوع الديني يتقلص بشكل كبير، ولما وجد المؤمنون فرصة كبيرة ليساعد بعضهم بعضاً في إقامة علاقة شخصية مع الله.
(٦) لو لم يكن الله مختفياً، لما استطاع البشر أن ينمّوا في أنفسهم كثيراً من الخصال الضرورية لإقامة علاقة متناسبة وجديرة مع الله.
في الواقع، يمكن التعبير عن لبّ كل هذه الانتقادات على النحو التالي:
أولاً، إن الذين يؤمنون بصورة الله في الأديان التوحيدية لا يعتبرون اختفاء الله أمراً غير متوقع. ففي متن تلك الصورة، يُعد الاختفاء الإلهي ظاهرة يمكن التنبؤ بها تماماً.
ثانياً، لا يلزم من اختفاء الله أن يبقى الله مختبئاً دائماً، أو ألا يجد البشر أبداً قرينة تدل على واقعيته.
ثالثاً، لاختفاء الله سببان رئيسيان: (١) إما أن يكون هذا الاختفاء رداً من الله على طغيان الإنسان وعصيانه؛ (٢) أو أنه أسلوب اتخذه الله ليبلغ بالبشر مزيداً من الكمال والازدهار. فعلى سبيل المثال، ربما يسعى الله من هذا الطريق إلى حثّ البشر على سعي أعمق وأكثر جدية في المسير الإلهي، ومواجهتهم بأعمق مستويات قدراتهم البشرية وعجزهم أيضاً. وكأن تجربة الإنسان لغيبة الله يمكنها أن تكشف له، على نحو أكثر فعالية، القيمة السامية لحضور الله.
لا أعرف إلى أي حد يجد المدافعون عن البرهان التمثيلي هذه الردود مقنعة. إن الحكم على قوة البرهان التمثيلي وضعفه وردود منتقديه يتوقف، إلى حد كبير، على تصور طرفي النقاش لماهية "الرحمة والحب الإلهيين" وكذلك غايات الله في هذا العالم. والحقيقة هي أن الحكم على هذه الأمور في غاية الصعوبة.
لكن ربما لو قمنا بفحص البرهان الاستقرائي من زاوية أخرى، نصل إلى نتائج أكثر استنارة. لذلك، من الجيد أن نقدم هنا صياغة أخرى للمسألة، فلعلنا نتمكن من خلالها من الحكم على ذلك البرهان بشكل أوضح.
القراءة الاستقرائية (٢):
لبّ القراءة الاستقرائية لبرهان الاختفاء الإلهي هو أنه بافتراض واقعية ظاهرة الاختفاء الإلهي، فإن احتمال صدق الإيمان بالله أقل من احتمال صدق عدم الاعتقاد بالله. دعوني أصوغ هذا الادعاء على نحو أكثر دقة:
افترضوا أن H هي القرينة الوحيدة التي بحوزتنا:
H: ظاهرة الاختفاء الإلهي واقعية.
افترضوا أنه ليس لدينا سوى النظريتين المتنافستين التاليتين المتوافقتين مع H:
T: يوجد إله في غاية الرحمة، وقد أخفى نفسه عنا نحن البشر لأسباب مبررة بالقدر الكافي.
Q: لا يوجد إله في غاية الرحمة.
يبدو الآن أن احتمال صدق H بشرط Q، أكبر من احتمال صدق H بشرط T. بعبارة أخرى، في عالم يكون فيه Q صادقًا (أي لا يوجد فيه إله)، فإن H هو بالضبط ما نتوقعه. لكن في عالم يكون فيه T صادقًا (أي يوجد فيه إله)، فإن H ليس بالضبط ما نتوقعه. يمكننا تمثيل هذا الادعاء على النحو التالي:
(1) P(H/Q) > P(H/T)
(هنا P(H/Q) تعني "احتمال H بشرط Q"، و P(H/T) تعني "احتمال H بشرط T".)
الآن، وفقًا لـ"مبرهنة بايز" (Bayes' Theorem) سيكون لدينا:
(2) P(Q/H)/P(T/H) = (P(Q) ×P(H/Q))/ (P(T) ×P(H/T))
الآن إذا افترضنا أن (على الأقل للوهلة الأولى) احتمال صدق Q و T متساوٍ تقريبًا بنسبة 50 إلى 50، يمكننا حذف P(Q) و P(T) من بسط ومقام الطرف الثاني من المعادلة أعلاه. ونتيجة لذلك سيكون لدينا:
(3) P(Q/H)/P(T/H) = P(H/Q)/P(H/T)
هنا، بما أن احتمال H بشرط Q أكبر من احتمال H بشرط T في الطرف الثاني من المعادلة (3)، وفقًا للقضية (1)، يمكننا أن نستنتج حينئذٍ أنه في الطرف الأول من المعادلة (3) أيضًا، يكون احتمال Q بشرط H أكبر بالضرورة من احتمال T بشرط H. بعبارة أخرى:
(4) P(Q/H) > P(T/H)
وبالتالي، يمكننا الادعاء بناءً على القضية (4) أنه إذا كانت حقيقة ظاهرة الاحتجاب الإلهي هي القرينة ذات الصلة الوحيدة المتاحة، فإننا نكون قد وجدنا دليلًا أو قرينةً نفضّل على أساسها Q على T. بعبارة أخرى، يمكننا الادعاء بأن:
(5) P(Q) > P(T)
القضية (5) هي في الواقع النتيجة المرجوة من القراءة الاستقرائية لبرهان الاحتجاب. لأنه وفقًا للاستدلال أعلاه، إذا قبلنا بحقيقة الاحتجاب الإلهي، فعلينا بالضرورة أن نُقر بأن احتمال عدم وجود إله في غاية المحبة أكبر من احتمال وجود إله كهذا. بعبارة أخرى، يجب أن نُقر بأن احتمال عدم وجود إله الأديان التوحيدية أكبر من احتمال وجوده.
ماذا يمكن أن يقال عن هذا البرهان؟
الحقيقة هي أن القضية H غامضة من بعض الجهات. وكما أشير سابقًا، ينبغي أن يُفهم مفهوم "الاحتجاب الإلهي" في هذه القضية بمعناه الثاني. لذلك، يمكننا تقرير مضمون تلك القضية على النحو التالي:
H: لا توجد قرائن كافية ومقنعة للإقرار بوجود الله.
لكن تبرز هنا عدة أسئلة مهمة حول هذه القضية:
أولاً، لنفترض أن مجموعة القرائن ذات الصلة والمتاحة في زمن معين t ليست كافية للإقرار بوجود الله. لكن هل يعني هذا أن الأمر سيبقى على حاله في المستقبل؟ أليس من الممكن أن تُكتشف في المستقبل قرائن جديدة تدل بوضوح على وجود الله؟ من كون القرائن الكافية للقضية P غير متاحة في الزمن t، لا يمكن أن نستنتج أنه لن تكون هناك أي قرينة كافية ومقنعة في الزمن المستقبلي t'. لذلك، يبدو أنه ينبغي علينا إعادة صياغة القضية H على النحو التالي:
H1: من منظور المُلاحظ S، في الزمن t، لا توجد قرائن كافية ومقنعة للإقرار بوجود الله.
ثانيًا. لكن يبرز الآن سؤال آخر: على أي أساس يعتقد المُلاحظ S أنه قد اطلع في الزمن t على جميع القرائن ذات الصلة، وأخذها في الاعتبار في تقييمه؟
أحد الأجوبة المحتملة هو أن يُقال: (أ) لا يستطيع S أن يجد أي قرينة أخرى في الزمن t، وبالتالي (ب) لا توجد أي قرينة أخرى. لكن من الواضح بالطبع أن القضية (ب) لا تنتج عن القضية (أ). لذلك، يبدو أنه ينبغي علينا إعادة صياغة القضية H1 على النحو التالي:
H2: من منظور المُلاحظ S، وبقدر ما يعلم، لا توجد في الزمن t قرائن كافية ومقنعة للإقرار بوجود الله.
لكن من الممكن تمامًا ألا تشمل مجموعة القرائن التي أخذها S في الاعتبار في تقييمه، جميع القرائن المتاحة وذات الصلة فعليًا.
ثالثًا. لكن القضية H2 تنطوي على غموض آخر. فقدان أي نوع من القرائن هو الذي يضع السالك في وضعية غيبة الله؟ يبدو أن مجموعة القرائن التي قد تدل على وجود الله يمكن تقسيمها إلى فئتين كليتين: القرائن الآفاقية، والقرائن الأنفسية. ما أعنيه بالآيات الآفاقية هو العلامات والقرائن التي يستطيع الفرد اكتشافها وملاحظتها من موضع مراقب محايد ومتفرغ. على سبيل المثال، يعتبر كثير من المتكلمين نظام الطبيعة، أو وجود الموجودات الممكنة، علامة دالة على وجود الله. يمكن اعتبار هذه العلامات علامات آفاقية. المعرفة الآفاقية هي المعرفة القائمة على العلامات الآفاقية، مثل المعرفة التي نحصل عليها من دراسة الخواص الفيزيائية لحجر. نحن في فحصنا لحجر، أو للخصائص الفيزيائية لإنسان، نستطيع تمامًا أن نجلس متفرغين في موضع المراقب، ونتناول موضوع بحثنا بالفحص. أما الآيات الأنفسية، فهي علامات تتعامل مع وجود الإنسان وكيانه بوصفه ذاتًا (subject). إن مشاهدة هذه الآيات واكتشافها تقتضي انخراطًا شخصيًا، ومشاركة في متن علاقة شخصية. حين نكون بصدد معرفة موجود مشخص، ينبغي أن ننتقل من موضع المراقب إلى موضع الفاعل، ونقيم علاقة شخصية مع ذلك الموجود. وفقًا لتصور الأديان التوحيدية، فإن الله موجود مشخص، أي يمكنه أن يدخل معنا في علاقة شخصية ويكشف عن ذاته لنا بهذه الطريقة بأبلغ نحو. في الواقع، يبدو أن "تجربة الغيبة" أو "وضعية الاختفاء الإلهي" تُعتبر تحديدًا فقدان المعرفة الأنفسية أو المعرفة الناشئة عن العلاقة الشخصية مع الله في حياة سالكي الطريق. على سبيل المثال، في القراءة التمثيلية، تعني غيبة الله أنه كما لو أن الله لا يتصرف بمقتضى صفة رحمته. بعبارة أخرى، حين لا يختبر الفرد علامات رحمة الله وعنايته (التي هي من جملة الآيات الأنفسية) في متن علاقة بينشخصية، فإنه يجد الله غائبًا أو مختفيًا. إذا قبلنا هذا التفسير، فعلينا عندئذ أن ندقق القضية H2 على النحو التالي:
H3: من منظور المراقب S، وبقدر ما يدرك، لا توجد في الزمن t قرائن أنفسية كافية ومقنعة للتصديق بوجود الله.
لكن إذا فسرنا القضية H بهذا النحو، فإن القراءة الثانية من البرهان الاستقرائي لن تؤدي إلى النتيجة المرجوة. وذلك لأنه:
نتيجة البرهان الاستقرائي هي في الواقع القضية الشرطية التالية:
"إذا كانت ظاهرة الاختفاء الإلهي هي القرينة الوحيدة التي بحوزتنا، فإن احتمال عدم وجود الله يكون أكبر من احتمال وجوده."
لكن من الواضح تمامًا أن ظاهرة الاختفاء الإلهي (بمعنى فقدان القرائن الأنفسية) ليست القرينة ذات الصلة الوحيدة التي بحوزتنا (فالقرائن الآفاقية موجودة أيضًا). لذلك، من الممكن تمامًا أننا إذا أخذنا جميع القرائن ذات الصلة بعين الاعتبار، نصل إلى نتيجة مختلفة تمامًا. بعبارة أخرى، من الممكن تمامًا أن نأتي ببعض المعلومات والقرائن الجديدة (مثلًا القرائن الآفاقية) التي بناءً عليها يكون احتمال T على أساس H وتلك المعلومات الجديدة، أكبر من احتمال Q على أساس H وتلك المعلومات الجديدة. البرهان الاستقرائي (بافتراض H3) لا ينفي هذا الاحتمال مطلقًا.
يمكن صياغة هذا الإشكال في قالب البرهان التالي:
(۱) على المدافعين عن البرهان الاستقرائي أعلاه إما (أ) أن يبينوا أن ظاهرة الاختفاء الإلهي (بمعنى فقدان القرائن الأنفسية) هي القرينة ذات الصلة الوحيدة، أو (ب) أن يسلموا بأن استدلالهم لا يثبت أن احتمال عدم وجود الله أكبر من احتمال وجود الله.
(۲) ظاهرة الاختفاء الإلهي (بمعنى فقدان القرائن الأنفسية) ليست القرينة ذات الصلة الوحيدة.
(۳) إذن، يجب على المدافعين عن البرهان الاستقرائي أن يسلموا بأن استدلالهم لا يثبت أن احتمال عدم وجود الله أكبر من احتمال وجوده. (النتيجة المترتبة على (۱) و (۲)).
رابعًا. لكن قد يقدم المدافعون عن البرهان الاستقرائي قراءة قصوى للقضية H2، ويدعوا وفقًا لها أن "الاختفاء الإلهي" يعني فقدان القرائن الكافية من أي نوع (سواء أكانت آفاقية أم أنفسية). في هذه الحال يمكن إعادة صياغة القضية H2 على النحو التالي:
H4: من منظور المراقب S، وبقدر ما يدرك، لا توجد في الزمن t قرائن أنفسية وآفاقية كافية ومقنعة للتصديق بوجود الله.
إذا اتخذنا H4 أساسًا، فماذا يمكننا أن نقول إذن عن البرهان الاستقرائي؟
في ظني أن هذا الشكل من البرهان لا يخلو بدوره من إشكالات:
أولاً- حتى هذه القراءة تعاني من الإشكال السابق. أي أنه صحيح أن القرائن الآفاقية والأنفسية، بحسب الفرض، تشمل جميع القرائن الدالة على وجود الله، لكن ظاهرة الاختفاء الإلهي (وفق قراءة H4) ليست القرينة الوحيدة ذات الصلة. بعبارة أخرى، ثمة أمور أخرى تدخل في حساب الاحتمالات المذكورة. على سبيل المثال، افترض أن قرائن كافية (آفاقية وأنفسية) دالة على وجود الله متوفرة، لكن الملاحظ S، بسبب قصوره أو تقصيره، أو على أية حال بسبب بعض الخصائص الذهنية أو الوجودية لديه، عاجز عن إدراك أو مشاهدة تلك القرائن. في هذه الحالة أيضًا يكون الملاحظ S في وضعية اختفاء، لكن لأسباب غير "عدم كفاية القرائن الآفاقية والأنفسية". بعبارة أخرى، حتى في هذه القراءة الجديدة، من الممكن تمامًا أن تكون هناك قرائن أخرى ذات صلة (غير القرائن المتعلقة بوجود الله) لو أُخذت في الحسبان في الحساب المذكور، لأفضت إلى نتائج مختلفة تمامًا. البرهان الاستقرائي أعلاه (بافتراض نجاحه) لا ينجح إلا بقدر ما تكون H4 هي القرينة الوحيدة ذات الصلة. لكن لا يوجد أي دليل مطلقًا على هذا الفرض، ومن قبيل الصدفة يبدو أن الفرض المقابل (أي فرض أن H4 ليست القرينة الوحيدة ذات الصلة المتاحة) أكثر قبولاً بكثير.
ثانيًا- الحقيقة هي أن الاحتمال المعرفي يُقاس دائمًا بالنسبة لملاحظ أو شخص معين. عندما يُقال إن P(H/Q) أكبر من P(H/T)، فمعنى ذلك أن الاحتمال الأول أكبر من الاحتمال الثاني بالنسبة لوضعية معرفية معينة ومفترضة. معنى هذا الكلام هو أن P(H/Q)، على سبيل المثال، يختلف من وضعية معرفية إلى أخرى. إذن، فـ P(H/Q) قد يكون شيئًا بالنسبة لي، وشيئًا آخر بالنسبة لك. والسؤال المطروح الآن هو: في البرهان الاستقرائي، بالنسبة لأية وضعية معرفية اعتُبرت P(H/Q) أكبر من P(H/T)؟ من منظور شخص مؤمن بالله، وبحسب الفرض T، فإن H هي بالضبط ما يتوقعه. لذلك، فإن P(H/T) بالنسبة لوضعيته المعرفية قريبة من الواحد. من جهة أخرى، P(H/Q) بالنسبة للوضعية المعرفية لشخص غير مؤمن بالله قريبة من الواحد. لكن ألا نرتكب مصادرة على المطلوب إذا قيّمنا هذه الاحتمالات بالنسبة للوضعية المعرفية للمؤمنين بالله أو غير المؤمنين به؟ ربما ينبغي أن نقيم هذه الاحتمالات بالنسبة للوضعية المعرفية لفرد يقف موقفًا متساويًا من كلا الموقفين. حينها، هل ستكون P(H/Q) فعلاً أكبر بشكل ملحوظ من P(H/T)؟
ثالثًا- افترض أنه في القضية (۱) من البرهان الاستقرائي، احتمال H بشرط Q هو ۰/۵۱ واحتمال H بشرط T هو ۰/۴۹. في هذه الحالة، وبحسب الفرض H، ستكون Q محتملة أكثر من T بمقدار ضئيل جدًا. لكن هل هذا الفارق الضئيل جدًا مهم وحاسم من الناحية المعرفية؟ الحقيقة هي أن نتيجة هذا البرهان لا تكون "جديرة بالاهتمام" إلا إذا تبين مسبقًا أن احتمال H بشرط Q أكبر بكثير من احتمال H بشرط T. لكن لماذا ينبغي قبول هكذا فرض؟
قد يقوم المدافعون عن البرهان الاستقرائي، بغية تبرير ذلك الفرض، بنقد القضية T مباشرة والادعاء بأنه لا توجد أسباب موجَّهة لأن يخفي الله نفسه عن طالبيه المتشوقين إليه. لكن ما أساس هكذا ادعاء؟
أحد الأجوبة المحتملة هو: (أ) لا يمكننا أن نجد سببًا جيدًا للاختفاء الإلهي؛ إذن (ب) لا يوجد سبب جيد للاختفاء الإلهي. لكن من الواضح تمامًا أن الانتقال من (أ) إلى (ب) غير مبرر منطقيًا.
وجواب آخر هو أن نقول: (أ) جميع الأسباب المتاحة لدينا غير مقنعة؛ إذن (ب) لا يوجد سبب مقنع.
ومرة أخرى، في اعتقادي، فإن مجرد كون جميع الأدلة التي يعرفها البشر غير قادرة على تفسير الاختفاء الإلهي بشكل جيد، لا يدل على أن الله (بافتراض وجوده) ليس لديه أسباب وجيهة لاختفائه. على سبيل المثال، افترض أن أستاذًا بارعًا جدًا في الشطرنج منهمك في لعبة شطرنج، ونحن متفرجون على تلك اللعبة. المتفرجون على اللعبة لديهم بالطبع إلمام قليل أو كثير بلعبة الشطرنج، لكن لا أحد منهم يضاهي ذلك اللاعب في المهارة والبراعة. والآن افترض أن أستاذ الشطرنج يقوم بحركة غير مفهومة بل وخاطئة من وجهة نظر المتفرجين. بعبارة أخرى، يعجز المتفرجون تمامًا عن إدراك سر تلك الحركة. فهل مجرد أننا، نحن المتفرجين، لم ندرك سبب تلك الحركة، يدل بالضرورة على أن أستاذ الشطرنج لم يكن لديه سبب لحركته؟ ومن حسن الحظ، إذا كنا نعتقد حقًا أنه بارع ومتميز في عمله، فإن التفسير الأكثر ترجيحًا الذي يخطر ببالنا هو أنه على الأرجح لديه خطة لعب في ذهنه خافية عنا تمامًا، ولا يمكننا الحكم على تلك الحركة وسببها إلا في نهاية اللعبة، أي عندما تنكشف خطته بأكملها أمامنا. وقياسًا على ذلك، إذا كان شخص ما يؤمن حقًا بأن إلهه الذي يعتقده هو كلي العلم، وكلي القدرة، وخير محض، فعندئذ عندما يواجه ظاهرة الاختفاء الإلهي، ولا يستطيع أن يجد لها سببًا مقنعًا، فمن المعقول تمامًا أن يدعي أن الله لا بد أن يكون لديه سبب أو أسباب لهذا الفعل خافية عليه. ۱۱
(٤)
والخلاصة أن المؤمنين بالله يمكنهم قبول ظاهرة الاختفاء الإلهي كحقيقة في مجال تجاربهم الدينية، بل ويمكنهم أن يعانوا بعمق من الأزمات الوجودية الناجمة عن تلك التجربة. لكن يبدو أن التجربة الدينية لغيبة الله لا يمكنها أن توفر أساسًا متينًا للاعتقاد بعدم وجود إله الأديان التوحيدية.
.
.
۱ على سبيل المثال، تأمل هذه الأبيات لمولانا:
لو يفيض الكون بالشمس والنور
ثم تولي وجهك نحو ظلمة كالقبر
لحُرمت من ذلك النور العظيم
إن كنت قد سددت الكوى عن القمر الكريم
لقد نزلت أنت في البئر من القصر
فما ذنب العوالم الفسيحة إذن؟ (المثنوي، الدفتر الثالث، الأبيات ۲۸۲۸- ۲۸۳۰)
۲ على سبيل المثال، انظر، أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج ۳ ربع المهلكات، كتاب شرح عجائب القلب، صص ۲۸-۳٤ (ترجمة مؤيد الدين محمد الخوارزمي، بتحقيق حسين خديوجم، شركة انتشارات علمي وفرهنكي)
۳ للتعرف على رأي بوبر انظر.
Martin Buber, Eclipse of God, Humanity Books, 1999, esp. Ch. V " Religion and Modern Thinking", pp. 65-92.
٤ للتعرف على أفكار سيمون فايل، على سبيل المثال، انظر.
Susan A. Taubes, " The Absent God", The Journal of Religion, January 1955, reprinted in Toward a New Christianity (Reading in the Death of God Theology), ed. By Thomas J.J. Altizer, Harcourt, Brace& World, INC. 1967, pp. 107-119.
٥. Jean- Paul Sartre, Situations I, Section "New Mysticism", Schoenhofs Foreign Books, 1989, p. 154.
٦ على سبيل المثال، انظر.
Jean- Paul Sartre, Existentialism and Human Emotions, Citadel Press, 1957, p.22.
٧ لمناقشة مستنيرة حول هذا الموضوع، انظر.
Peter Van Inwagen, " What is the problem of the hiddenness of God?", in: Divine Hiddenness, ed. By Daniel Howard- Snyder and Paul K. Moser, Cambridge University Press, 2002, pp. 24-32.
٨ Nietzsche, Daybreak, Trans. R. J. Hollingdale, Cambridge University Press, 1982, pp. 89-90.
۹ الواقع أن القضية (٤) ليست فقط غير صادقة بالضرورة، بل لا تبدو صادقة أساساً. لكن يكفي النقاد هنا، كي يبيّنوا أن هذا البرهان لا يفضي إلى النتيجة المدّعاة، أن يظهروا أن القضية (٤) ليست صادقة «بالضرورة»، ولا حاجة إلى أكثر من ذلك لهذا الغرض.
۱۰ لعل ج. ل. شلنبرغ يُعدّ أفضل المدافعين عن برهان اختفاء الإله وأكثرهم مثابرة في قراءته الاستقرائية بين الفلاسفة التحليليين المعاصرين. للتعرّف على تحليلات شلنبرغ وتقريراته لهذا البرهان، انظر.
J. L. Schellenberg, " Does divine hiddenness justify atheism?", and "Hiddenness concealed: a reply to Moser", both in Contemporary debates in philosophy of religion, ed. By Michael L. Peterson and Raymond J. Vanarragon, Blackwell Publishing, 2004, pp.30-41; and "What the hiddenness of God reveals: a collaborative discussion" in Divine Hiddenness, ed. By D. Howard- Snyder and P. Moser, 2002, pp. 33- 61; and finally his book: Divine Hiddenness and Human Reason, Cornell University Press, 1993.
وقد ناقش شلنبرغ، خصوصاً في مقاله الأول، صورة من «البرهان التمثيلي» (انظر. ذلك المقال، صص ۳۱-۳۹).
۱۱. أودّ هنا أن أتقدّم بالشكر إلى الصديق العزيز السيد أمير صائمي الذي قرأ هذا القسم من المقال بعناية فائقة، وتفضّل عليّ بملاحظاته القيّمة.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار زیبا. ترجمه ای روان و شیوا. به نظر من جایی که عرفان سنتی زیر سوال برده شده است از یک ضعف رنج میبرد و آن اینست که واضحا گفته نشده چرا تجربه حضور خداوندی در زمانهای دور با امروز متفاوت است. آیا قدیما مردم خداوند را وقتی در میافتند که فرشته ای بر آنها نمایان میشد؟ واضح است که خیر. این پیشفرض غلط است. اما در مورد سایر انتقادات مخصوصا برهان شر نویسنده عالی عمل کرده است.