اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
اللغة مليئة بالاستعارات التي يؤدي اعتبارها حقائق إلى سوء الفهم. يؤكد زهير باقري نوبَرَست في كتابه «بحث في مشكلة الشر في الأعمال الأدبية» على ضرورة الوعي بالوظيفة الرمزية للغة في العلم والدين، وعدم الخلط بين الصور والواقع.

مقدمة بقلم زهير باقري نوعبرست:
لغتنا مشبعة بالصور والاستعارات والرموز التي نصف بها الظواهر. هذه السمة اللغوية يمكن ملاحظتها في لغة العلم، ولغة الدين، ولغة الفلسفة، وحتى في اللغة اليومية. أحد أكبر منابع سوء الفهم في اللغة هو عدم الانتباه إلى هذه الصور والاستعارات والرموز واعتبارها وصفًا للواقع. كان فيتغنشتاين يرى أن لغتنا تمتلك هذه السمات بالضرورة، ونتيجة لذلك، أوكل للفيلسوف مهمتين: الأولى، أن يتعرف على الصور التي غفلنا عن كونها صورًا واعتقدنا أنها الواقع أو وصف الواقع، لكي ننتبه إلى وظيفة الصور التي نستخدمها. والثانية، أن نكون على وعي بإمكانية الاستعانة بصور واستعارات ورموز بديلة، وأن توظيف هذه البدائل يؤدي أحيانًا إلى فهم أفضل للمسائل. كلتا هاتين المهمتين تؤديان إلى تقليل سوء الفهم ووضع كل شيء في موضعه.
لغة العلم تتعامل مع صور تجعل النشاط العلمي ممكنًا. فعلى سبيل المثال، شاع بين العلماء بعد الثورة العلمية اعتبار العالم بمثابة «آلة». لكن الآلة ليست سوى صورة وتمثيل، والعالم ليس آلة في الواقع. الغفلة عن هذا الأمر تجعلنا نتوهم أن العالم آلة ميكانيكية أو ساعة كبيرة بالفعل. هذا الإهمال سيؤدي إلى تشكل سوء فهم في تصوراتنا عن العالم. علاوة على ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الصورة هي أفضل صورة ممكنة لممارسة العلم أم لا. نحن لا نملك وصولًا إلى كلية العالم والواقع لنتمكن من تشخيص أي استعارة أو صورة تحقق أفضل فعالية لفهمه. ممارسة العلم في العصر الحالي مدينة إلى حد كبير بصورة الآلة عن العالم، وقد حققت نجاحات كثيرة. لكن ربما تخلق في المستقبل صور أو استعارات أخرى طاقة أكبر لممارسة العلم. على سبيل المثال، قد ينظر العلماء في المستقبل إلى العالم لا بوصفه آلة ميكانيكية خالية من الروح، بل بوصفه كائنًا عضويًا حيًا. لكن تلك الصورة أيضًا ينبغي ألا توقعنا في وهم أن العالم كائن عضوي حي بالفعل. وكذلك الأمر بالنسبة لتوظيف صورة «الذرة» أو الجسيمات بالغة الصغر لوصف الواقع الأساسي الذي تدرسه الفيزياء. في الماضي، استخدم أشخاص مثل أبيقور صورة الذرة، في حين لم يكن لديهم أي تصور عما يُطرح في فيزياء عصرنا. لقد استخدموا هذه الصورة للحصول على فهم للواقع، وكانت لهذه الصورة القابلية لأن تُستخدم في اللغة العلمية أيضًا. لكن تصور البشر للذرة شهد تحولات كبيرة جدًا، وبالطبع طُرحت صور أخرى لوصف الواقع على المستوى الأساسي يمكن التفكير فيها كصور بديلة (المجالات الفيزيائية والأعداد). تصور أن الواقع مكون بالفعل من جسيمات دقيقة تسمى الذرات، هو ادعاء نحتاج للتحقق من صحته إلى الوصول إلى كنه الواقع. لكن حتى لو كان هناك شيء اسمه «كنه الواقع» وراء العالم الظاهري، فإننا من خلال لغتنا الاستعارية والرمزية لا نوفر لأنفسنا سوى إمكانية القيام بأنشطة مثل ممارسة العلم، ولا نصل إلى كنه الواقع. إذا لم نستخدم استعارات الذرة والآلة وأمثالها، فسنُحرم من ممارسة العلم وسنبقى بلا نصيب من المنجزات العلمية كما تحققت في عالمنا.
هذه الصور قيّمة من حيث إنها تتيح لنا إمكانية ممارسة الأنشطة العلمية، لكن تصوّر أنها تكشف النقاب عن حقيقة خفية وراء العالم الظاهري وتُطلعنا عليها يحتاج إلى تقديم أدلة من قِبَل المدّعي. ينبغي أولاً أن يتحدد ما إذا كان العالم الذي نراه نوعاً من الوهم وأن ثمة حقيقة وراءه يمكن للعلوم الطبيعية اكتشاف ماهيتها. المسألة الأساسية هنا هي أن لغة العلم وتصورنا العلمي نفسهما قائمان على فهمنا العادي للعالم. نحن نختبر العالم بالألوان والروائح، ونرى الطاولة والكرسي والسجادة والزهرة والشجرة، ونسمع ونحسّ صوت البلبل ونسيم الربيع. هذه التجارب هي نقطة انطلاق جميع أنشطتنا في العالم، بما في ذلك ممارسة العلم. هل كل هذه الألوان والروائح والأصوات التي نختبرها ليست أكثر من حفنة من الجسيمات؟ إذا أراد أحد أن يدّعي أن الأمر كذلك، فعليه هو أن يبيّن كيف استطاع أن يطلّ على الحقيقة وراء الستار ويُطلعنا عليها. إذا كانت تفسيراته مقنعة، أمكن قبولها، ولكن حتى لو كان مثل هذا الكشف عن المستور ممكناً، فإنه لا ينفي امتزاج لغتنا بالصور والاستعارات. ومن ثم، فإننا لا نزال مكلّفين بأن نعي وجود الصور في لغتنا وأن نتمرّن على كيفية استخدامها الصحيح.
تنطبق الملاحظات نفسها على لغة الدين. فنحن في اللغة الدينية، كما في سائر أقسام اللغة، نستخدم استعارات وصوراً كثيرة. يُقال لنا في الأديان كيف بُني العالم، وكيف خُلق البشر، وإلامَ سينتهي أمر العالم في النهاية. كما يُوصف الله في الأدبيات الدينية بأشكال خاصة. وعند مواجهة هذا النوع من الأوصاف، ينبغي أن نتذكر أن اللغة الدينية، شأنها شأن أي لغة أخرى، تستخدم الصور والاستعارات والرموز. إن نسيان هذا الأمر المهم سيدفعنا نحو الادعاء بأن ما يُقال عن الله في الأدبيات الدينية هو وصف له بالفعل. فإذا حسبنا أن الصور المستخدمة لفهم الله هي وصف لحقيقة الله، نكون عندئذ قد افترضنا لله ما يقابله في الواقع لا صلة له به هو نفسه. فصورة الخلق مثلاً تقول لنا إن الله خلق العالم أولاً ثم استوى على العرش، أو إن يد الله فوق كل الأيدي، أو إنكم ما رميتم إذ رميتم ولكن الله رمى، أو إن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد. من البديهي أننا إذا كنا لا نستطيع النفاذ إلى ما وراء ستار العالم المادي، فلن نستطيع النفاذ إلى ما وراء الستار الأشد غموضاً وأسراراً لعالم ما وراء الطبيعة ولله، وهنا يكون الوجه الصوري والاستعاري والرمزي للغة فاعلاً أكثر من أي موضع آخر. ومن هذه الجهة، فإن العناية باستخدام اللغة وتجنب سوء الفهم في هذا القسم تكتسب أهمية مضاعفة.
حين نقول إن الله خالق العالم، فإننا نستخدم صوراً مرتبطة بالخلق نتعامل معها في عالمنا الإنساني. فنأخذ مثلاً نجاراً أو بناءً أو مؤسس دولة بعين الاعتبار. لكن أحداً منا لم يكن حاضراً هناك في لحظة الخلق، ولا نعرف كيف كانت كيفيته وما الفرق بينه وبين أنواع الخلق التي نتعامل معها. وحين نقول إن الله رحمن رحيم، فليس لدينا من رحمانية الله ورحيميته إلا فهم استعاري صوري مستمد من العطف والمحبة القائمة بين البشر. لا يستطيع أحد النفاذ إلى حقيقة الله حتى يتبين له كيف هي محبة الله ورحمته وعلى أي شكل تكون. لذلك، ينبغي أن نعي دائماً أننا حين نتحدث عن محبة الله ورحمته، فإن لغتنا استعارية وتستخدم الصور، ولسنا في الواقع بصدد وصف رحمانية الله ورحيميته. والأمر نفسه ينطبق حين نتحدث عن سائر صفات الله. فحين نقول إن الله ماكر، فالأمر على هذا النحو أيضاً؛ نأخذ مكر البشر وخداعهم بعين الاعتبار، وباستخدامه نحصل على فهم لمكر الله.
مسألة الشر
من المباحث التي يؤدي إهمال الطبيعة التصويرية والاستعارية والرمزية للغة فيها إلى مواجهتنا بمشكلات جمة هي مسألة الشر. في مسألة الشر، السؤال الأساسي هو: كيف يمكن لإله رحيم، قادر على كل شيء وعليم بكل شيء، ألا يمنع الألم والمعاناة عنا نحن البشر في هذا العالم؟ بالطبع، في بعض صياغات مسألة الشر، يُستخدم بدلًا من «رحيم» وصف «الخير المطلق» أو «الكريم» أو ما شابه ذلك من المترادفات. ولكن أيًا كان الوصف الذي نستخدمه من هذه المترادفات، فإن السؤال الأساسي هو كيف ينبغي أن تُفهم مثل هذه الألفاظ في وصف الإله. عندما نستخدم كلمة رحيم، قد نتصور أبًا أو أمًا رحيمة. فالآباء والأمهات، مهما بلغت رحمتهم، لديهم قدرة وعلم بشريان محدودان، ولا يستطيعون حمايتنا من جميع الشرور. والآن، ربما نقول لكي نتمكن من فهم مسألة الشر: افترض أن أبًا شديد الرحمة، قادرًا على كل شيء وعليمًا بكل شيء، هو الذي خلقك وخلق العالم، فكيف يمكن أن يسمح لك بأن تتألم وتتعذب؟ إن مثل هذه الصورة الأنثروبومورفية (التشبيهية بالإنسان) عن الإله لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها وصفًا حقيقيًا له. لا أحد يعلم كيف تكون رحمة الإله ومحبته في الواقع وما هي كيفيتها. كما أننا لا نعلم كيف تكون قدرة الإله وعلمه. إن فهمنا لصفات الإله ممكن من خلال الصور والاستعارات والرموز، ومن ثم فإن هذا الفهم معرض دائمًا لتشبيهه بالإنسان. لفهم كون الإله عليمًا بكل شيء، قد نأخذ في الاعتبار أنواع المعرفة التي يمكن أن نمتلكها نحن البشر وأنواع المعرفة الممكنة، ثم ننسبها جميعًا إلى الإله ونتصور أننا بهذه الطريقة قد وصفنا كونه عليمًا بكل شيء. أو في حالة كونه قادرًا على كل شيء، قد نفكر في أنواع القدرات والإمكانات التي يمتلكها البشر وسائر الكائنات الحية، ونتصور أننا توصلنا إلى فهم لقدرة الإله وقدرته على كل شيء فقط من خلال زيادة مقدارها.
إذا كنا لا نستطيع الوصول إلى الإله كما هو، ولا نصل إليه إلا بمفاهيم ممتزجة بالصور والاستعارات، فإن مسألة الشر في هذه الحالة لا يمكن أن تؤدي إلى نفي وجود الإله، وإنما يمكنها فقط أن تضع مفاهيمنا وصورنا عن الإله وفهمنا الاستعاري والرمزي له موضع تساؤل. بعبارة أخرى، تساعد مسألة الشر في أن نطرح جانبًا الصور الخاطئة وغير الصحيحة التي نحملها عن الإله. الصور الأنثروبومورفية التي تُستخدم لفهم رحمة الإله ومحبته وقدرته وعلمه تجعلنا نصل إلى نتيجة مفادها أن وجود الإله والشر في هذا العالم لا يجتمعان معًا. إذا تصورنا صورتنا عن الإله كأب رحيم جدًا يمتلك قدرة وعلمًا غير محدودين، فإن تبرير مسألة الشر سيصبح عندئذ صعبًا جدًا أو مستحيلًا. ومن قبيل الصدف أن صورة الإله كأب سماوي موجودة في المسيحية، ويمكن أن تكون أرضية لسوء الفهم في مسألة الشر. صورة الأب السماوي الرحيم الذي لا أثر فيه للغضب والسخط، وليس فيه إلا الحب المطلق، هي صورة طفولية. إذا كان شخص ما (الإله أو الإنسان) خاليًا من جميع المشاعر باستثناء الحب، فهو شخص عجيب جدًا يعاني من عدم النضج العاطفي وعاجز عن ردود الفعل العاطفية المناسبة في المواقف المختلفة. ولكن علاوة على ذلك، فإن الأشخاص الذين يستخدمون صورة الأب للإله، يلجأون أحيانًا إلى تبرير الشر بناءً على هذه الصورة أيضًا. فعلى سبيل المثال، سيقولون: مثل الأب الذي يرغب في نمو طفله ويعلم أن الألم والمعاناة ضروريان لنموه، فإن الإله أيضًا يسمح لنا بأن نختبر الألم والمعاناة لكي ننمو. في مثل هذه الحالات، ينخرط الشخص في الدفاع عن أب عليم بكل شيء وقادر على كل شيء، ويسعى لإيجاد تبريرات لوجود الشر على الرغم من وجود مثل هذا الأب. إن نسيان خصائص هذه الصورة يورطنا في جدال عقيم لا يؤدي إلى إثبات وجود الإله ولا إلى نفيه، بل هو نقاش حول وجود وأفعال كائن أسطوري لم يوجد أبدًا، أي أب أو إنسان قادر على كل شيء وعليم بكل شيء.
لسنا على علم بتفاصيل رحمة الله حتى نتمكن من تشخيص الصورة المناسبة لفهمها بشكل صحيح. لقد ورد في القرآن مراراً أن الله رحمان رحيم، وقد قدم لنا الشراح والمفسرون بمساعدة الأحاديث تعريفات وأوصافاً لهاتين الصفتين الإلهيتين. لكن لا يستطيع أحد أن يخبرنا كيف ينبغي قياس أو فهم صفة الرحمانية والرحيمية لله في معاناة بشرية محددة في هذا العالم. نحن لا نعلم بتفاصيل وكيفية علم الله وقدرته بالشكل الذي يمكننا معه القول إن علمه أو قدرته كان ينبغي أن يمنع ذاك الألم والمعاناة التي تحملها ذاك الإنسان. هذا في حين أننا نعلم أن إنساناً رحيماً، بعلمه وقدرته البشرية، سينقذ حتماً طفلاً على وشك أن يُرمى من علٍ. الصورة التي غالباً ما تأسرنا في مشكلة الشر هي أننا نفترض أن الله إنسان شديد الرحمة، شديد القدرة، وشديد العلم، وبهذا القدر من الرحمة والقدرة والعلم البشري الذي نعرفه فيه، نبدأ بالتذمر متسائلين لماذا لا يمنع إنسان بهذا الخير وهذه الرحمة، وبهذا العلم وهذه القدرة، آلامنا ومعاناتنا وشقاءنا. نحن نعلم أنه إذا كان الإنسان رحيماً، فإنه يساعد طفلاً حين يعاني، ونتوقع حين يكون إنسان في ضيق ومعاناة، أن يهرع إنسان آخر لنجدته. لكن على أي أساس يمكننا الادعاء بأن رحمة الله هي من جنس هذه الرحمة البشرية، وأن نتوقع منه الشيء نفسه؟ أو على أي أساس يمكننا اختزال وجود الله إلى محدوديات الوجود البشري، ونجعل فقط صفات العلم والقدرة والرحمة البشرية فيه لا نهائية، وبالتالي نتوقع منه أن يتصرف في حالة معينة بشكل معين؟
من البديهي أنه عندما نقول إن الله رحيم وعليم وقدير، وقد وردت مثل هذه العبارات في الكتب الدينية، فإننا نتوقع ألا تكون هذه العبارات مجرد كلمات غامضة ولغزية بالنسبة لنا. نتوقع حين يتحدث أحدهم عن رحمة الله وعلمه وقدرته، أن يكون ذلك ذا معنى بالنسبة لنا بشكل يمكننا من خلاله أن نضفي معنى على وجودنا في هذا العالم وعلى الألم والمعاناة المفروضة علينا. يبدو أن على المؤمن أن يرضى بفهم تصوري لله، ولا يمكنه أن يتوقع أكثر من ذلك. تماماً كما على العالم أن يرضى بفهم تصوري واستعاري للعالم الطبيعي. في هذا المسار، لا خيار أمام المؤمن سوى أن يسعى لاختيار صور عن الله تؤدي إلى أقل قدر من سوء الفهم. بعض الصور المقدمة عن الله لا يمكنها مساعدتنا في إضفاء معنى على آلامنا ومعاناتنا. تقديم صورة عن الله خالية من سوء الفهم وقادرة على إضفاء معنى على ألم ومعاناة المؤمن، يمكن أن يحول مشكلة الشر إلى ميزة له. لكن هذا مرهون بقدرة المؤمن على تقديم مثل هذه الصورة. أحد فروع المعرفة البشرية التي تُقدم فيها صور متعددة عن الله هو الأدب. في كل عمل أدبي يتناول فيه الكتّاب مشكلة الشر، تُقدم صورة عن الله، وتتيح كل من هذه الصور الفرصة لنقيس علاقة الألم والمعاناة ومعناهما بذلك الإله المحدد. في الواقع، في كل عمل أدبي، يسعى الكاتب، من خلال الصورة التي يحملها عن الله، إلى تحقيق فهم لألم ومعاناة البشر في هذا العالم. لكن من بين الأعمال الأدبية التي تقدم صورة عن الله ومكانة الألم والمعاناة في العالم الذي خلقه، تحتل الكتب المقدسة للأديان مكانة خاصة. إن إطلاق صفة العمل الأدبي على هذه الكتب سيكون بالطبع مثاراً للجدل، ولكن بما أن المؤمنين بهذه الكتب يعتبرونها ذات منشأ سماوي، فإن الصورة المقدمة عن الله فيها ونوع الفهم الذي تقدمه لنا عن الألم والمعاناة، هو ما ينبغي على المؤمن أن يلتفت إليه أكثر من أي صورة وفهم آخرين.
بالرجوع إلى الكتب السماوية لكل دين، سنلاحظ المكانة التي يحتلها الألم والمعاناة في كل دين. فعلى سبيل المثال، بالرجوع إلى القرآن نجد أن الألم والمعاناة يُعترف بهما كجزء مهم من الحياة في هذا العالم. في الواقع، بالرجوع إلى القرآن نفهم أنه من منظور هذا الكتاب، لا يوجد شيء يُسمى «مشكلة الشر». فالله هو منشأ جميع الكوارث الطبيعية التي نسميها في الفلسفة «الشرور الطبيعية»، وقد ذُكرت بعض هذه الكوارث الطبيعية في القرآن كعذاب لقوم عاصين ومذنبين. في النظرة التوحيدية للإسلام، لا يمكن اعتبار منشأ آخر للشرور الطبيعية، تماماً كما لا يمكن اعتبار منشأ آخر للنظام والجمال الموجودين في الطبيعة. أما الشرور الأخلاقية فهي نتيجة لأفعال بشر سيرون جزاء أعمالهم في هذا العالم أو في عالم آخر. توجد الشرور الأخلاقية كمقولة لأن البشر في هذا العالم سيُختبرون، وبأعمالهم سيحددون المصير الذي ينتظرهم بعد الموت. لذا، قد يرتكبون الشرور الأخلاقية أحياناً في غضون ذلك. بينما يتحدث القرآن عن معاقبة بعض البشر الأشرار في هذا العالم نفسه، فإنه يذكر عن آخرين أن الله قد تركهم وشأنهم ليأكلوا ويناموا في هذا العالم، وسيُحاسبون على أعمالهم في عالم آخر. لكن الألم والمعاناة في القرآن ليس لهما وظيفة واحدة في حياة البشر، فأحياناً ينزلان كبلاء وعذاب على الناس الأشرار، وأحياناً يكونان امتحاناً واختباراً لأفضل البشر. الأنبياء في القرآن، من منظور القرآن نفسه، هم أفضل الناس في العالم، ومع ذلك، بقراءة قصصهم نلاحظ أنهم تحملوا آلاماً ومعاناة هائلة. لكن لا يمكن تعداد سبب أو تبرير لكل هذه الآلام والمعاناة، ولم يتم في جميع هذه الحالات بحث سبب إنزال الألم والمعاناة عليهم. فعلى سبيل المثال، بقراءة قصة يوسف في القرآن نجد أن طفلاً بريئاً لا ذنب له يُلقى في البئر بسبب حسد إخوته، ويتحمل بعد ذلك آلاماً ومعاناة كثيرة جداً، كالسجن والتعرض للاتهامات الباطلة. وبقراءة قصة يونس وموسى، نواجه آلاماً ومعاناة تحملاها بشكل فردي، وبقراءة قصة لوط وقوم ثمود نلاحظ آلاماً ومعاناة عاشتها مجموعة من البشر بشكل جماعي. لكن الألم والمعاناة في القرآن ليسا مجرد امتحان أو عذاب. فعلى سبيل المثال، إحدى المعاناة التي نختبرها نحن البشر والتي تُعد من أشدها، هي حالة الاضطرار والانعدام التام للملاذ في أسوأ المواقف، كما هو الحال عندما ندرك أن سفينتنا تغرق في عرض البحر وأننا سنموت قريباً. لقد ذُكرت هذه المعاناة كمعاناة تأديبية للإنسان، وكأن هذا النوع من المعاناة يُفرض على الإنسان ليؤمن. وفي الوقت نفسه، يُذكر في القرآن أن بعض الآلام والمعاناة تؤدي إلى يأس البشر. وفي موضع آخر، تُذكر آلام ومعاناة البشر الفاسقين في الآخرة كعامل رادع وتحذير للبشر. وبما أنه لا يوجد إنسان يرغب في تحمل آلام ومعاناة جهنم التي ورد وصفها في القرآن، فإن وظيفة هذا النوع من الألم والمعاناة هي الردع والاجتناب. يُظهر هذا الاستعراض القصير أن للألم والمعاناة في القرآن وظائف وأسباباً وتبريرات مختلفة، ولا يمكن ببساطة وصف وصفة واحدة لجميع حالات الألم والمعاناة فيه. بعبارة أخرى، إذا أردنا النظر إلى الألم والمعاناة من منظور القرآن، فلا يمكننا القول كما قال جون هيك إن الألم والمعاناة هما لتنمية الروح. صحيح أن بعض المعاناة تلعب هذا الدور، لكن بعضها الآخر ذُكر في القرآن لإهلاك البشر الفاسقين. ومن المفارقات أن أحد الانتقادات الأساسية لرأي جون هيك هو أن الكثير من الآلام والمعاناة تدمر روح ونفس الإنسان بحيث لا يمكنها أن تلعب دوراً تنموياً. ومن ناحية أخرى، لا يمكن الادعاء بأن كل ألم ومعاناة تصيب البشر هي عذاب إلهي. لذلك، فحيثما يحدث زلزال أو سيل أو أي بلاء آخر، لا يمكن اعتباره عذاباً إلهياً، لأن لبعض الآلام والمعاناة وظائف أخرى في القرآن. فالإنسان الذي يدّعي أنه يعلم أن زلزالاً معيناً أو كارثة طبيعية معينة هي نتيجة عذاب إلهي، أو أن هذا الألم المعين هو لتنمية الروح، هو في الواقع يدّعي علم الغيب ويتمتع بالمعرفة الإلهية.
بما أن الآلام والمعاناة في القرآن لا تؤدي وظيفة واحدة، فإن كل ألم أو معاناة تحدث قد يكون لها تفسير مختلف، وبما أنه من منظور إيماني، فإن وظيفة كل ألم ومعاناة بعينها لا يعلمها إلا الله، فإن حديث البشر عن قصد الله من كل ألم ومعاناة ليس إلا نتيجة لحدسهم وظنهم. لا يمكننا أبدًا أن ندعي أننا نعرف سبب وقوع زلزال بم أو زلزال رودبار من منظور الله، كما لا يمكننا أن نقول ما هي وظيفة الألم والمعاناة التي تحملها طفل ما في حالة معينة من منظور الله. وبناءً على ما قلناه سابقًا، لا يمكننا أن نقول ما الذي ينبغي توقعه من رأفة الله ومحبته في كل ألم ومعاناة بشرية محددة تحدث. إن رد فعلنا نحن البشر تجاه الألم والمعاناة هو بالطبع أمر طبيعي، وفي الكتب المقدسة حتى الأنبياء يشكون إلى الله بسبب بعض الآلام والمعاناة، ويطلبون العون، ويدعون للنجاة منها، أو حتى يساومون الله ليخفف عنهم أو عن قومهم الألم والمعاناة. لكن ما ليس عقلانيًا هو محاولة الإنسان أن يظهر أنه «يعرف» ما هي الحكمة والتفسير الإيماني لكل ألم ومعاناة تحدث في حياته أو حياة غيره. الإنسان بحاجة إلى أن يضفي معنى على ألمه ومعاناته بشكل ما، والإنسان المؤمن بحاجة إلى أن يفهم ألمه ومعاناته بشكل ما في علاقته بالله. إنه يرغب في أن يعرف ما إذا كان ألم معين يعانيه هو عذاب أم اختبار أم شيء آخر. في هذا المسار، ينبغي على الإنسان المؤمن أن يدرك أن كل تبرير وسبب يقدمه لآلامه ومعاناته ليس أكثر من حدس وتخمين، وهو ليس وصفًا للواقع بقدر ما هو إضفاء للمعنى على ألمه ومعاناته.بالنظر إلى أن الألم والمعاناة وإضفاء المعنى عليهما يشكلان المحور الأساسي في مشكلة الشر، لا يمكننا التظاهر بأن هذه المشكلة أشبه بصيغة رياضية تحتاج إلى إيجاد حل. ساد بين الفلاسفة قديماً اعتقاد خاطئ مفاده أن العقل والعواطف منفصلان تماماً عن بعضهما، في حين أن بينهما تمازجاً، فالعقلانية بدون عواطف نوع من الذهان، والعواطف بدون عقل هي قصور في النضج. في المسائل التي يُطرح فيها ألم البشر ومعاناتهم، سيقودنا النهج الصياغي المجرد دون مراعاة مشاعر الكائنات الحية إلى نتائج غير سارة. تماماً كما أن تجاهل البُعد العقلي في هذه النقاشات وتغليب العواطف عليها يمكن أن يدفعنا نحو الانفعال والانخداع. في معظم المقالات والكتب الفلسفية، لا تتوفر إمكانية تصوير البُعد العاطفي لمشكلة الشر، وذلك لأن الفلاسفة يكتفون عادة بالقول إن في عالمنا شروراً تسبب الألم والمعاناة. بينما في الأعمال الأدبية، يتوفر المجال لتشريح ودراسة هذه الآلام والمعاناة. بعض الأعمال الأدبية تدين بقيمتها للسرد الدقيق والمُحكم للمشاعر الإنسانية متعددة الطبقات. في المقابل، تعاني الأعمال الأدبية من نقطة ضعف تتمثل في قدرة قلم الكتّاب القوي على تغليب العواطف في النقاش وإضعاف دور العقل. لإحداث توازن بين العواطف والعقل، وإشراك كليهما بالقدر اللازم في مشكلة الشر، من الضروري أن ندرس الأعمال الأدبية والفلسفية حول هذه المشكلة جنباً إلى جنب. ومن هنا، وبعد نشر كتابَي «حول مشكلة الشر» و«مشكلة الشر: مختارات من مقالات في الفلسفة التحليلية»، نضع بين يدي المهتمين بفلسفة الدين هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «مشكلة الشر في الأعمال الأدبية».
.
.
مقدمة زهير باقري نوعبرست
مشكلة الشر في الأدب شالوم جي. كان / مهرداد بيدغلي
الأدب الرعوي / الريفي والطاعون: إثبات مشكلة الشر الأساسية في رواية الكلاب السوداء لإيان ماكيوان جوديث سيبر / أحمد حسيني
مشكلة الشر في الفردوس المفقود آلن إتش. غيلبرت / محمد هادي فروزش نيا
مناظرة إيفان كارامازوف ريتشارد هاريس / ليلى بختياري
هرمان ملفيل ومشكلة الشر ويليام إس. ديكس / معصومة رضائي
أيوب ومشكلة الشر كينيث سيسكين / أحمد فكري هل آباد
المعاناة ومشكلة الشر في روايات شوساكو إندو مينيكو هوندا / محمد يوسفلويي
كامو ومشكلة الشر بن ميوسكوفيتش / شيدا راسخ
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ببخشید اون دوتا کتابی که آخر بهش اشاره شده را کجا میشه دانلود کرد؟ پیرامون شر و شر در فلسفه تحلیلی. ممنون میش راهنمایی کنی