اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تشهد اضطرابات القلق انتشاراً متصاعداً بين سكان طهران، وتُعدّ عوامل كغياب هوية المدينة والمشكلات الاقتصادية ووتيرة الحياة العصرية من أبرز أسبابها. ويرى المختصون أن علاج الأسباب بدلاً من الأعراض هو السبيل للحد من هذه الاضطرابات.

يشهد انتشار الأعراض النفسية بين الإيرانيين، وخصوصًا سكان طهران، نموًا تصاعديًا؛ حتى إن بعض الإحصائيات تدّعي أنه خلال السنوات العشر الأخيرة بلغ معدل انتشار الاضطرابات النفسية، ومنها القلق، ٣٩.٥ [تسعة وثلاثين ونصف] في المئة، وبلغ استهلاك الأدوية المضادة للقلق في طهران مرحلة الإنذار. إن القلق والتوتر المستمرين، والظروف غير القابلة للتنبؤ، وانتهاك الحرمات، والمشكلات الاقتصادية، وانعدام الرضا عن الحياة، والقيادة غير الآمنة، وانتشار اللا أخلاقية، والتهرب من القانون، وانعدام الشعور بالأمن، هي من بين العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم اضطراب القلق لدى المواطنين. يرى المختصون أن أحد الأسباب الرئيسية لقلق سكان طهران هو وتيرة الحياة وشروط الحياة الحديثة في العاصمة، حتى إنهم يمزحون قائلين بضرورة وضع الأدوية المضادة للقلق في ماء العاصمة؛ لأن القلق والتوتر تحوّلا الآن إلى أمر عادي بين المواطنين.
جذور القلق
يعتقد هراير دانيليان، فيما يتعلق بجذور القلق ومصادره لدى الأفراد: «عندما يتعرض الأفراد للضغط، تستجيب نفسية البشر له بطريقتين مختلفتين؛ أي إما أن يزداد النشاط النفسي أو يتباطأ. إذن يمكن القول إن الأعراض النفسية للقلق تشمل طورين وهي ذات وجهين. وبهذا الشكل، قد يصبح الشخص الذي يعاني من القلق أكثر شهية أو يفقد شهيته، وقد تزداد طاقته أو تقل...».
أعراض القلق وعلاماته
وتابع حديثه عن الأعراض الجسمانية والظاهرية للقلق قائلًا: «من أعراض القلق المهمة، خفقان القلب، والتنفس السريع، والإحساس بتململ مفاجئ أو حتى مستمر، والصداع، وألم البطن، وخفقان القلب، وما لم يُعرف سبب هذه الأعراض، لا يمكن معالجتها. في الواقع، القلق لا يُعالج، بل يجب معالجة الأسباب، وهذه الأسباب المولّدة للقلق تختلف من فرد لآخر. الشخص الذي يعاني من القلق يجب أولًا فحص صحته الجسمانية والتأكد من أنه لا يعاني من مشكلات جسمانية مثل أمراض الغدة الدرقية وتضخمها، والاضطرابات القلبية، وغلظة الدم وارتفاع ضغطه؛ لأن بعض أعراض هذه الأمراض تتطابق مع أعراض اضطراب القلق. عندما لا يعاني الفرد من أي من هذه العلل الجسمية، يجب البحث عن المشكلات النفسية لديه. هذه الأسباب يمكن أن تكون داخلية، مثل صراعات الفرد مع القضايا الدنيوية أو المعنوية، وكذلك أسباب خارجية مثل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والزوجية وعدم الرضا عن المجتمع والعمل و... .
القلق البيئي
يعتقد هذا المستشار والأخصائي النفسي أن القلق يصبح مزمنًا عندما يعجز الفرد عن السيطرة والتحكم في العوامل المؤثرة والمسببة للقلق. القلق البيئي الذي يعاني منه الأفراد اليوم يشمل المسائل المادية والانشغال الذهني بـ مثلًا الغلاء والتضخم والازدحام المروري والهواء الملوث و...، ولأن الفرد لا يستطيع تغييرها أو مراقبتها، يصاب بشعور مثل فقدان السيطرة ويرتفع قلقه، مما يترك في النهاية تأثيرات سلبية على جسد الفرد وروحه. يعتقد هراير دانيليان: «القلق هو عرض، إذا تجاهلناه ولم نجد أسبابه، أو كان العامل المولّد له شديدًا جدًا، حينها يتحول القلق إلى اضطراب، ويبطئ كفاءة حياة الفرد ويؤثر على أدائه الاجتماعي اليومي، ويُقال إن الفرد أصيب باضطراب القلق. وهو أمر شائع تمامًا اليوم ويُلاحظ بوضوح في المجتمع.» وفي معرض رده على سؤال ما إذا كان الأفراد في مجتمعنا يعانون أكثر من اضطرابات القلق أم الاكتئاب، يقول: «هذان الاضطرابان متقاربان جدًا ولا يمكن الفصل بينهما تمامًا بحدود واضحة. القلق هو نتاج قرن الحروب، والاكتئاب هو نتاج القرن الحالي، وأعراض كليهما متقاربة. عندما يراجعنا شخص ويقول إنه يعاني من القلق، نبحث فيه أيضًا عن أنماط من الاكتئاب؛ لأن أعراض القلق والاكتئاب متشابهة جدًا، وبالتالي فإن التشخيص الدقيق صعب جدًا».
القلق الناتج عن العيش في طهران فاقدة الهوية
نظراً إلى أن 40% من سكان طهران يعانون من اضطرابات القلق وفقاً لبعض الإحصائيات، يقول هذا المستشار في هذا الصدد: «من أكبر معضلات طهران أنها قد تختزل إيران كلها فيها بعد فترة. استقطاب المهاجرين، والازدحام، والتكدس، وحركة المرور، والشعور بانعدام الأمن، هي من بين المظاهر البارزة في طهران. طهران مدينة تفتقر إلى هوية حضرية حقيقية، وبسبب انعدام الهوية، ستواجهون فيها أي نوع من السلوكيات من الأفراد. في بعض المدن الأخرى، ثمة عرف وتقاليد، ويتصرف أفرادها وفقاً للعرف، أما في طهران، بسبب انعدام هويتها وافتقارها إلى العرف، تُشاهد كل أنواع السلوكيات. من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن طهران هي المركز السياسي والاقتصادي لإيران، ومعظم التغييرات تحدث أولاً في هذه المدينة الكبرى. قد لا يكون لانتشار خبر في مدينة صغيرة أهمية تذكر، لكنه في طهران، لكونها نقطة الثقل، يكتسب أهمية بالغة. التغيرات الاقتصادية غير المستقرة في إيران، وما يتبعها من تغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية، تؤثر بشكل أكبر في طهران، وتؤدي إلى تغير سلوك الأفراد في علاقتهم بأنفسهم وفي علاقتهم بالآخرين. فعلى سبيل المثال، عندما تتغير أسعار السلع بشكل غير محسوب، فإن هذا الأمر يؤثر على الفرد وقد يسبب له العدوانية والغضب وسوء الظن؛ لأن قدرة الفرد على التنبؤ بالمستقبل ومستوى أمله فيه تتضاءل، ويرتفع مستوى القلق لديه.» يقول هذا المستشار بشأن المؤسسات والجهات المسؤولة عن العوامل المؤثرة في هذا الاضطراب: «برأيي، لقد خرج زمام السيطرة على هذه العوامل من أيديهم، وينبغي البحث عن أسباب ذلك في تعقيد أسبابها. بالطبع، تم اتخاذ بعض الإجراءات؛ على سبيل المثال، تقليص يوم دراسي من المدارس كان من بين الحلول التي نفذها المسؤولون لكي يكون أفراد المجتمع أقل عرضة للاضطراب في الأيام الأخيرة من الأسبوع، أي أقل تورطاً في مشكلة المرور والتكاليف وما إلى ذلك.»
من النقاشات الساخنة هذه الأيام أن النساء يعانين من الاضطرابات أكثر من الرجال. يوضح هراير دانيليان في هذا الشأن: «يأتي العديد من المراجعين يومياً إلى عيادات الاستشارة بسبب القلق أو الاكتئاب، وعدد المراجعات من النساء أكبر. هذا لا يعني أن النساء أكثر معاناة من القلق أو الاضطرابات الأخرى. المسألة هي أن النساء يراجعن أكثر لكونهن أكثر طلباً للمساعدة وتفاعلية ويظهرن حالتهن، في حين أن الرجال ليسوا كذلك، وبسبب افتقارهم لهذه الروح، تكون مراجعتهم أقل. لذا لا يمكن وصف وصفة واحدة في هذا الشأن.» ويقول إن اضطراب القلق يبدأ من العقد الثالث من العمر، وإذا لم يُعالج وأصبح الاضطراب مزمناً، فإنه يترك آثاراً سيئة للغاية. ورداً على سؤال متى يجب على الشخص المصاب باضطراب القلق أن يطلب المساعدة من مستشار، قال: «إذا أدى القلق إلى اختلال في وظائف الفرد، فيجب عليه حتماً طلب المساعدة من أخصائي نفسي، وإذا كانت شدته عالية، يصبح العلاج الدوائي ضرورياً. من الأفضل تجنب الدواء قدر الإمكان؛ لأن العلاج الدوائي لا يزيل سبب القلق ولا يغير التفكير، بل يخفف فقط من أعراض القلق ويلعب دور المرهم والمسكن أكثر.»
المرونة والقدرة على التكيفيعتقد هذا الخبير أن قدرة الأفراد على التكيف والمرونة يمكن أن تجعل الشخص أقل عرضة للقلق وأن يتأقلم مع ظروفه وبيئته، بدلاً من الدخول في صراع معها. يقدم هذا الأخصائي النفسي عدة حلول يمكن للفرد من خلالها تجنب التورط في القلق:
1- يجب النظر إلى القلق كعلامة على وجود خلل وظيفي وليس كمشكلة. وجود القلق يخبرنا بوجود مشكلة ما، لذا يجب أن نبحث عن سببها، وعندما نجد السبب، نقلل من تأثيراته في حياتنا.
2- أن نعيش حياة صحية، بعيدة عن المخدرات والكحول، وعن التدخين قدر الإمكان. 3- ألا ننسى الراحة بالقدر اللازم، وأن تكون لدينا علاقات اجتماعية جيدة وبناءة وتغذية مناسبة. 4- على الرغم من أن ممارسة الرياضة ليست علاجاً للقلق، إلا أنها تعتبر جزءاً من الوقاية. 5- أحياناً تؤدي أساليب التفكير غير الملائمة إلى القلق. فعلى سبيل المثال، اعتاد ذهن الكثير من الإيرانيين على التهويل وصنع الكوارث، فيصنعون من أصغر مشكلة كارثة، ولهذا يصابون بالقلق.
حوار هراير دانليان؛ الأخصائي النفسي الأول مع فرزانه نيك روح متين
علم النفس
علم النفس
علم النفس
علم النفس
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.