اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
رواية «عيار ناتمام» من تأليف هادي معصومدوست وخسرو شكوريفر، حكايةٌ عن السياسة والتاريخ المعاصر؛ من شريعتي وثورة السابعة والخمسين إلى جبهات الحرب وسنة الثامنة والثمانين المُرّة. صدرت عن دار نيلوفر للنشر؛ وفاءٌ لجيلٍ لم تُثمر أحلامُه.

كان يسمع صوت التلفزيون من داخل الحمام. إحدى القنوات الفضائية كانت تعرض مظاهرات الأمس وهتافات الناس. كان الدم ينغسل عن جسده وينساب نحو البالوعة. كان قد رأى هذا المشهد في الكثير من الأفلام. فكّر أن العالم لم يعد لديه ما يقوله من جديد.
لفّ المنشفة حول جسده، وما إن خرج من الحمام حتى رأى على شاشة التلفزيون وجه فتاة مضرج بالدماء يحتضن رأسها رجل. سمع صوت شخص مصدوم يردد: وا ويلي، وا ويلي.
حوّل القناة إلى بي بي سي. كان التشويش يعبث بالصور. ظهر وجه الفتاة نفسها مجدداً وصوت مراسل يعرّفها بأنها ندا آغا سلطان. الفتاة التي قُتلت اليوم برصاصة في شارع أمير آباد. مذيعة بي بي سي التي كانت قد غصّت بالبكاء لرؤية صورة الفتاة، تابعت الأخبار بصوت مرتجف. كان علي لا يزال يحدق في التلفزيون بعينين مغرورقتين، بينما لم تعد الشاشة تظهر شيئاً سوى التشويش.
تناول محسن من على الطاولة قداحة وعلبة سجائر وخرج إلى الشرفة. وضع السيجارة في زاوية شفته المتألمة وأشعلها. كان لا يزال يحس بطعم الدم في فمه. ابتلع الدخان. اختلط طعم الدم بالدخان. انفجرت غصته بالبكاء. أسند ظهره إلى جدار الشرفة. كان ظهره يؤلمه من مواضع الضربات. أجهش بالبكاء. عادت شفته لتنزف واستقر طعم الدم في حلقه.”
هذا مقطع من رواية العيار الناقص من تأليف هادي معصوم دوست وخسرو شكوري فر، والتي صدرت قبل أيام عن دار نشر نيلوفر. رواية تقوم على خلفية من السياسة وتاريخنا في الأمس واليوم. تبدأ العيار الناقص من زمن المحاضرات الحماسية للدكتور علي شريعتي. تجرّ شخصيات القصة، من ماركسيي حقبة الستينيات إلى ثوريي حقبة السبعينيات، إلى ذروة أحداث ثورة 57، وفي أجزاء مطولة تمزق خيوط حياتهم في جبهات الحرب ومعسكرات الأسرى الإيرانيين في العراق، لتصل إلى العام المر والتاريخي 88 ومواجهة قائد في الحرس الثوري من قدامى المحاربين مع شباب من جيل تتجه كل أنظارهم إلى الانتخابات.
يقول هادي معصوم دوست نفسه: «رواية العيار الناقص هي بالنسبة لي وفاء بدين لنفسي ولجيلنا الذي تألم كثيراً في عام 88، وللأحلام التي لم تثمر، وللعشق الذي ضاع منا، ولنا نحن الذين انقضى جزء من أفضل سنوات حياتنا في العتمة واليأس المطلق.»
بدلاً من الخوض في قصة العيار الناقص التي لم تقرأوها بعد، دعوني أحكِ لكم قصتي أنا مع هذا الكتاب. قبل ما يقارب 10 سنوات، كان نشر القصص غير المحررة في مجلة خوابگرد محاولة بمقدار حبة الدخن لتسجيل روايات حية وجارية عن العام المر 88. في تلك الأيام كنت أتضرع إلى الله لعل كاتباً أو كتاباً يستطيعون أن يبتلعوا كل هذه المرارة ويدونوا رواية عن ذلك العام في قلب رواية، لتحيا وتخلد حكاية لا مكان لها للأسف في الروايات الرسمية. مرت السنوات حتى مطلع عام 95 حين وصلتني النسخة الأولى من رواية العيار الناقص.
كمحرر للقصة، حالفني الحظ، على الأقل في السنوات الأخيرة، ألا أمسك أي كتاب بدافع الواجب الوظيفي لأحرره. كان الخيار بيدي. العيار الناقص كان أيضاً اختياري. أنا أيضاً، مثل مؤلفي العيار الناقص، شعرت أنه ينبغي أن تتحمل كاهلي الجراح من جديد عساني أؤدي نصيباً أكبر من حبة الدخن هذه المرة. وبالطبع، فإن الحبكة المحكمة وخصوصاً سعي الكاتبين إلى جعل هذه الرواية السياسية التاريخية متعددة الأصوات ضاعفا من حماستي.
قبل بضع ليال، حين أرسل لي هادي معصوم دوست صورة غلاف العيار الناقص على حين غرة، شعرت بالسعادة. سعادة من تخيل عدد لا يحصى من الناس المتخلفين والمخذولين والتائهين الذين تسللوا في العقد الأخير إلى ألف زاوية في طهران وإيران والعالم، وها هم الآن جميعاً في ركن من ليلة باردة ومظلمة يتواصلون من جديد بفضل رواية العيار الناقص؛ مع قبس من نور وقليل من الدفء وربما ذرة من الأمل لنا جميعاً نحن الذين كأننا “ورثة طرق آبائنا الناقصة.”
أما الحديث المستفيض عن محاسن رواية «العيار الناقص» ومساوئها، وجوانبها الأدبية، ولا سيما بنيتها الأسطورية، «وأد الأبناء في محضر التهمينات المتألمات اليوم»، فليكن مؤجلاً. وربما تكتبون أنتم لاحقاً عن محاسنها ومساوئها لنقرأها نحن وأنتم. أما الآن فأقول فحسب: اقرأوا «العيار الناقص». ولا تلتفتوا إلى اسمي الذي على الغلاف، فحتى وقت قريب كنت غافلاً حتى عن إمكانية نشرها، ناهيكم عن تفاصيله. رضا شكراللهي
أنقل فيما يلي مقطعاً آخر من الفصل السابع عشر من رواية «العيار الناقص» لتتعرفوا أكثر على أجوائها ونثرها ولغتها:
“كانت حمرة ضوء الشمس منسكبة على التراب. كانت الشمس تغرب. غاصت في الأرض حتى الركبة. وقف بضعة أشخاص آخرين ممن كانوا يساعدونه دائماً قرب الكشك، يتفرجون على أمير الذي لم يكن في حالته الطبيعية اليوم. كان يكف عن العمل دوماً قبل أن يحل الظلام، أما اليوم فلم يكن يقلع عنه.
حين أزاح التراب اشتعل بدنه. برز من قلب التراب ثوب بلون التراب. خارت ركبتاه. جلس في الحفرة في الحال. كان يلهث. انسابت دموعه بلا إرادة على وجنتيه المعفرتين بالتراب. رمى المجرفة خارج الحفرة. استغرق الأمر بعض الوقت حتى تسترد يداه ورجلاه الواهنتان قوتهما. صرخ باتجاه الشبان القاعدين قرب الكشك أن هلموا. ركضوا نحوه. أنزل شخص آخر نفسه في الحفرة التي تشبه القبر، وشرع مع أمير في إزاحة التراب. ثوب ممزق مهلهل مع بضع قطع من العظام وجمجمة عليها أثر رصاصة. كان الجميع يذرفون الدموع. أما الواقفون عند القبر فكانوا يرددون «لا إله إلا الله» بلا انقطاع. انخرط أمير في نشيج، تماماً كطفل. رفع جمجمة إبراهيم، حملها مقابل وجهه، نظر إليها، قربها من وجهه، أغمض عينيه، شمها، وقبل موضع الرصاصة بهدوء.
تعالت صيحات الصفير والهتاف من الجمع. كان الشبان في شارع انقلاب قد أغلقوا الشارع كله بالأعلام الخضراء. علقت سيارة بين الجمع. كانوا يفسحون لها الطريق رويداً رويداً. مسح مسعود دموعه بظهر يده. التفت إلى أمير الذي ابيضت شفتاه وجفتا. اشترى من كشك بيع الجرائد ماءً معدنياً، فتحه وناوله لأمير. كانت حنجرة أمير تحترق من العطش، تماماً كتلك اللحظة التي كان فيها في الحفرة، يحمل رأس إبراهيم بين يديه ويقبله.”
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.