اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى ملكيان أن نجاحاته مدينة لمعطيات الوجود، وأن اهتمامه بالمعاناة نابع من طبيعة شخصيته. لا يقبل الصوت الواحد، ويعتبر التنوع ضامناً للثقافة وخيراً وبركة.

علي باقريان- لقد قلتُم إنكم قلقون على البشر الذين يعانون، ورأيتم أن مهمة الفيلسوف والفنان هي التصدي لهذه المعاناة ومحاولة التخفيف منها. إلى أي مدى أثرت حساسيتكم الشديدة في حياتكم الشخصية على هذا الأمر؟
أعتقد أنها أثرت كثيرًا. النمط النفسي أو النمط الشخصي لكل فرد يؤثر في الكثير من آرائه وأفكاره. وفي حالتي، أعتقد أن نمطي الشخصي والنفسي كان مؤثرًا جدًا. أظن أنه بسبب كوني شديد العاطفة، فإن اهتمامي بمسألة المعاناة يفوق اهتمام بعض زملائي. نعم، لا شك لدي في ذلك.
في مجال الشعر، يتحدث أخوان عن «شعاع وعي النبوة»، وعن الإلهام وما شابه ذلك. وبطبيعة الحال، في مجال الفلسفة والفكر أيضًا، لا يمكننا التركيز فقط على جهد الفرد والقول إنه وصل إلى هنا بالجهد وحسب. أوضحوا لنا قليلًا حول هذا الأمر.
أنا أؤمن بمعطيات الطبيعة، بمعطيات الله، بمعطيات الوجود، أكثر بكثير مما ذكرتم؛ سموها ما شئتم. أنا أؤكد، حتى أكثر مما تفضلتم به، على أن جزءًا من نجاحاتنا هو حصيلة ما واتانا من حظوظ في الحياة؛ سواء أردتم تسميتها حظًا، أم بختًا، أم أقدارًا إلهية أم...؛ أياً كانت التسمية التي تختارونها. ما أُعطينا إياه هو أكثر بكثير مما يبدو للوهلة الأولى. نحن لم نحصل على أي من القيم الثلاث الأساسية لأجسادنا، أي الصحة الجسدية والقوة الجسدية والجمال الجسدي، بجهدنا الخاص. منذ أن ولدتنا أمهاتنا، ونحن نملك درجة من الجمال، ودرجة من القوة، ودرجة من الصحة. وعندما ننتقل إلى الذهن، نجد الأمر سيان: القدرة على التعلم، والقدرة على الحفظ، والقدرة على الاستذكار، وحاصل الذكاء، وسرعة الانتقال، والقدرة على التفكير، وعمق الفهم، والقدرة على الاستدلال، والقدرة على التعليم ونقل ما في الضمير إلى الآخرين، كلها قدرات ذهنية لم نمنح أنفسنا أيًا منها. لو كنت أنا من منح نفسي حاصل الذكاء، لما منحتها حاصل ذكاء 70؛ بل كنت سأمنحها 700! لو كنت أنا من منح نفسي قوة الذاكرة، لما كانت قوة ذاكرتي على ما هي عليه. وبعد الجسم والذهن، ننتقل إلى النفس فنجد الأمر كذلك أيضًا. ترى أناسًا يجيبون بطلاقة بالفطرة، وآخرين ظرفاء بالفطرة؛ وهناك شخص يحتاج إلى شهر ليفكر في نكتة قد تخطر بباله أو لا تخطر. لهذا، أنا أتقبل كلامكم أكثر بكثير مما تؤكدون عليه أنتم، وأرى أننا نخضع لحظوظ الحياة الإيجابية، سواء سميتموها أقدارًا إلهية، أم مواهب طبيعية، أم معطيات ربانية، سموها ما شئتم، ولهذا السبب أيضًا أعتقد أنه لا ينبغي أن يصيبنا العُجب. لو أن هذه المعطيات التي أُعطيتموها أُعطيت لأي شخص آخر، لوصل إلى نفس ما وصلتم إليه أنتم. من هذا المنطلق، لا ينبغي لنا مطلقًا أن نشعر بالعُجب والغرور قائلين: «هذا أنا الذي فعل كذا». في الواقع، عندما يقول أحدهم: «هذا أنا الذي فعل كذا»، فكأنه يقول: «أنا ذاك الذي أخذ رستم العالم». شخص آخر هو من أخذ العالم؛ لسنا نحن من يأخذ العالم، سواء كان عالم المادة، أم عالم الفكر والعلم، أم عالم الأخلاق والروحانية. أنا أقدر دور المعطيات المجانية والموهوبة من الوجود في حياة البشر بأكثر من هذا بكثير.
هل بسبب هذا القلق على البشر ومعاناتهم تكتبون أكثر في مجال فلسفة الأخلاق وفلسفة الدين؟ لأنكم ربما تستطيعون في فلسفة الأخلاق وفلسفة الدين التصدي للمشكلات التي يعاني منها البشر بشكل أكبر؟ ألا يمكن، مثلًا، القيام بذلك في فلسفة الذهن؟
يمكن ذلك، ولكن لكل إنسان قدرات محدودة. لا أستطيع العمل في جميع المجالات. أعتقد أن خمسة مجالات من مجالات المعرفة البشرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة المعاناة، أحدها علم النفس، والثاني الأدب العالمي (مثل الروايات العظيمة، والأشعار المهمة)، والثالث الفلسفة (بعض فروع الفلسفة، مثل فلسفة العقل، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة الدين)، والرابع العرفان، والخامس الدين. هذه هي المجالات الخمسة التي تتعامل مع مسألة المعاناة. كانت أمنيتي أن أتمكن من العمل في كل مجال من هذه المجالات الخمسة، ولكن مع القيود التي تحدثت عنها آنفًا، من انخفاض معدل ذكاء المرء، وضعف ذاكرته، ووهن جسده، لم يعد بالإمكان توقع أن يعمل في جميع المجالات. بالطبع أنا ممتن للمواهب التي منحها الله، لكنني أتمتع بها بقدر متوسط. لكن الحق معكم: ينبغي العمل في مجالات أخرى لم أعمل فيها مطلقًا، ومنها المجال الذي أشرتم إليه، أي فلسفة العقل.
سؤال هامشي: لقد شاركتم في ترجمة العديد من كتب فلسفة الأخلاق، سواء كانت من الدرجة الأولى أو من الدرجة الثانية أو ما يُصطلح عليه بـ«المداخل»، سواء كمترجم أو كمحرر أو كمقترح. وفي الوقت نفسه، كنتم دائمًا ناقدين لأحادية الصوت. ألا تروج هذه الكتب جميعًا لنوع معين من الرؤية الأخلاقية، كالإيمان بـ«القاعدة الذهبية» مثلًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يتنافى هذا مع رفض أحادية الصوت؟
كلا؛ «القاعدة الذهبية» هي من الأحكام والقواعد المشتركة بين جميع المذاهب الأخلاقية والأنساق الأخلاقية والنظريات الأخلاقية. أنتم تعلمون أفضل مني أن لدينا ما يُسمى بـ«الأخلاق العالمية» أو «الأخلاق المشتركة» التي تمثل القاسم المشترك والحد المشترك بين جميع المذاهب الأخلاقية والأنساق الأخلاقية والنظريات الأخلاقية. أحد أحكام وقواعد تلك الأخلاق العالمية هي القاعدة الذهبية؛ وبالتالي فالقاعدة الذهبية ليس لها مخالف أصلًا. جميع المذاهب الأخلاقية، وجميع الأنساق الأخلاقية، وجميع النظريات الأخلاقية تقول بالقاعدة الذهبية؛ غير أن بعضها يقول بوجهيها معًا، الوجه الإيجابي والوجه السلبي، وبعضها يقول بوجهها السلبي فقط: فبعضهم يقول: «عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك، ولا تعامل الآخرين كما لا تحب أن يعاملوك»؛ وبعضهم يقبل فقط الجزء الثاني منها وهو «لا تعامل الآخرين كما لا تحب أن يعاملوك». إذن، فكون جميع الكتب التي تُرجمت بتوصية مني أو بيدي قد ذُكرت فيها القاعدة الذهبية عادةً، لا يعني أن جميع تلك الكتب تنتمي إلى مذهب أخلاقي واحد، أو إلى نسق أخلاقي واحد، أو إلى نظرية أخلاقية واحدة. كلا؛ القاعدة الذهبية مشتركة بين جميع المذاهب والأنساق والنظريات. وتأييدًا لهذا الكلام، أود أن أقول إنني مثلًا حررت كتاب «مبادئ الأخلاق» لجورج إدوارد مور، لكنني حررت أيضًا كتبًا أخرى لا تتفق مطلقًا مع كتاب مور. أنا شخصيًا لست ممن يمكنهم قبول أحادية الصوت بأي حال من الأحوال. أعتقد أنه إذا أصبحت ثقافتنا أكثر تعددًا في الأصوات، فسيؤدي ذلك إلى خيرنا وبركتنا جميعًا. أحادية الصوت لم توصل فردًا إنسانيًا إلى مكان قط، ولا مجتمعًا إنسانيًا. بقاء النظام البيئي للنباتات مرهون بأن يكون على أكبر قدر ممكن من التنوع. إذا قضينا يومًا على جميع نباتات الأرض وزرعنا في كل أرجائها نباتًا واحدًا فقط، فستجف الأرض كلها بسرعة كبيرة. النظام البيئي، أي البيئة الطبيعية للنباتات والحيوانات والبشر، يضمن بقاءه بتعدده. لو كان جميع أفراد مجتمع ما متشابهين تمامًا كحبات الأسبرين، لما بقي المجتمع. كلما كان المجتمع أكثر تنوعًا في ناحية الآراء والأنظار، وفي ناحية المشاعر والعواطف، وفي ناحية الرغبات، وفي ناحية الأقوال، وفي ناحية الأفعال، كان أكثر ديناميكية. يظن البعض أن مثل هذا المجتمع سيتفكك، وأنه لكي لا يتفكك ويُحافظ على التماسك الاجتماعي، يجب أن نجعل الجميع متحدي الشكل. أن يتحد شكل مجتمع ما هو عين فنائه، كما رأينا في ثورة أكتوبر 1917 في الاتحاد السوفيتي. كم حاولوا أن يجعلوا نصف سكان العالم الذين كانوا تحت راية الحكومات الشيوعية متطابقين تمامًا، لكنهم لم يفلحوا. صحيح أنني لم تسنح لي الفرصة لترجمة أو التوصية بكتب في جميع مجالات فلسفة الأخلاق، لكنني آسف حقًا لهذا؛ وأقول ليت هذا كان قد حدث. أنا لا أعتقد أن أي مذهب، حتى لو وُجد أكمل مذهب – على فرض المحال – ينبغي أن يكون صاحب الكلمة الوحيدة وأن تتنحى بقية المذاهب لصالحه، كلا وأبدًا.
يبدو أن مفكرينا لا يولون هذه المسألة، أي ألم الإنسان ومعاناته، اهتمامًا كبيرًا، بل إنهم ينشغلون بقضايا لا تمتّ إلينا بصلة؛ فمثلًا يؤلفون كتبًا عن التصنيع وما بعد الحداثة وأشياء من هذا القبيل، وهي في رأيي على الأقل ليست من أولوياتنا، في حين أنه في أوروبا، بعد زلزال لشبونة، نُشرت عشرات الكتب التي يُعد بعضها من الدرجة الأولى في الفلسفة، مثل «كانديد»، ولكن يبدو أننا لا نملك شيئًا كهذا في فلسفتنا. فمثلًا، ماذا فعل مفكرونا بعد زلزال بَم أو زلزال كرمانشاه الأخير؟ بالطبع لدينا أمثلة في الأدب؛ مثلًا «نفثة المصدور» التي تُعد من نثرنا الفني، والتي حققها أستاذكم أمير حسن يزدگردي، وهي مكرسة بالكامل وبشكل مباشر لمعاناة الإنسان. ما سبب هذا الأمر؟
أرى أن اعتراضكم هذا في محله، وهو أن على الإنسان أن يتعامل مع المسائل الحقيقية، لا مع شبه المسائل والأمور التي تبدو مسائل، والمسائل التي هي مسائلنا ظاهريًا فقط وليست كذلك في الواقع. أصل كلامكم صحيح تمامًا، لكنني أود أن أذكر نقطة، وهي أن فولتير حين كتب «كانديد» التي تشير إلى أحداث لشبونة، كان يعيش في بيئة يمكن أن تؤتي فيها هذه الآراء ثمارها، أما مثقفكم، إذا ألف كتابًا عن قضية اجتماعية – أيًا كانت هذه القضية – فهو يكاد يكون يائسًا من أن يصبح هذا الكتاب منشأ أثر. يمكنه أن يأمل أن يقرأ كتابه بضعة قراء، لكن أن يتحسن الوضع العملي ولو بمقدار رأس الإبرة بفضل هذا الكتاب، فهذا أمر غير ممكن في بلد مثل بلدنا. ينبغي أن يُتوقع الحديث عن كل قضية نظرية ومشكلة عملية في بلد لا يكون فيه المتحدثون كمن يصرخ في صحراء، بل يُصغي إليهم أحدهم ويقول: «إذا كان الأمر كما تقولون، إذن ينبغي أن نفعل هذا، لا ذاك». في بلد مثل بلدنا، الرجال العمليون لا يفكرون أصلًا؛ ورجال الفكر لا يجدون مجالًا للعمل. هذه المسألة تقلل من الدافع بعض الشيء. إذا كتبتُ أنا، كنموذج عام، أربعة كتب ومقالتين، ثم رأيت أنه لم يُرتب عليها أي أثر عملي، فإن دافعي لكتابة كتاب جديد أو مقال جديد سيقل على الأقل. لا أريد أن أقول إنني أعتذر وأدافع عن المثقفين؛ بل على العكس، أنا أوافقكم الرأي تمامًا: على المثقف في كل الأحوال أن يتصدى للمسألة، لكنه حين يتصدى لها ويرى أن الوضع العملي لم يتغير شيئًا، فإن هذا الأمر يقلل من دافعه بطبيعة الحال. حين يكتب فولتير رسالة إلى ملك فرنسا أو حاكم هولندا مثلًا، فإن رسالته تؤتي أثرها.
حسنًا، عندما لا يُلتفت إلى هذه الآثار، هل يُلتفت مثلًا إلى آثار ما بعد الحداثة؟! إذا كان رجال العمل لا يلتفتون إلى مثل هذه الكتب، فهل يمكننا ويحق لنا، بتبرير أن آثارنا لا تصبح منشأ أثر، أن نتجه نحو شبه المسائل؟!
لا؛ أنا أعتقد أنه رغم ذلك، لا يزال يتعين علينا مواجهة هذا الفتور في الدوافع لدينا، والتصدي للمشكلات الحقيقية للمجتمع. أردت فقط أن أوضح لماذا يصاب المثقف بالفتور، وإلا فأنا أعتقد أن على المثقف أن يقاوم هذا الفتور في دوافعه ويبادر إلى فعل شيء. لقد قلت إن ألم البشر ومعاناتهم مهمان بالنسبة لي. عندما يكون ألم المجتمع البشري ومعاناته بهذه الشدة والقوة بشكل عام، فإنني أعتبر الانشغال بشبه المشكلات خيانة تقريبًا. هذا أشبه بأن يكون طفلي مصابًا بالسرطان، وأقوم أنا بالبحث عن أنواع أشجار الصنوبر! سيقول الجميع: "إذا كان قلبك يحترق على طفلك، فعليك أن تفعل شيئًا لعلاج سرطانه". مجتمعنا من كل النواحي مجتمع سرطاني؛ فهل أعكف على البحث عن أنواع أشجار الصنوبر؟! عندما تكون هذه هي مشكلات مجتمعي، هل آتي أنا لأقول مثلاً: هل أخطأ دولوز في تفسيره الذي قدمه عن كانط أم لا؟! لا يعني ذلك أنه لا وقت لهذا العمل مطلقًا؛ بل إن الوقت الحالي ليس وقته. إذا أصبح مجتمعكم يومًا ما مثل مجتمع الدول الإسكندنافية، حينها ينبغي الانشغال بمسألة ما إذا كان تفسير دولوز لكانط صحيحًا أم لا، وإلا فلنفترض الآن أنني انشغلت بهذه المسألة وعرفت ما إذا كان تفسير دولوز لكانط صحيحًا أم خاطئًا؛ ما علاقتي بذلك؟! "يقولون إن في سقسين شخصًا [في الأصل: تركي] له قوسان/ فإن ضاع منه [في الأصل: فإن ضاع من هذين] أحدهما، فأي ضرر يلحق بنا؟!" يقولون إن في سقسين، التي لم نسمع باسمها أصلاً، شخص له قوسان، والآن وصل خبر أنه أضاع واحدًا منهما؛ ما علاقتي بذلك؟! لقد ألقيت على الأقل محاضرة مفصلة تحت عنوان "حكمة ’ما شأني؟‘" قلت فيها إنه لا ينبغي لنا أن نسعى لتعلم أشياء، حتى عندما نتعلمها، لا يكون لها أي تأثير في حياتنا العملية. أنا أعتبر جزءًا من سجل مثقفينا وأكاديميينا انشغالاً بشبه المشكلات. هذه ليست مشكلات شعبنا؛ علينا أن نرى لماذا نحن بؤساء، لماذا حالنا هكذا، لماذا أصبح العنف هو الأصل بيننا، لماذا لا نثق ببعضنا البعض، لماذا نمضي نحو التشاؤم، لماذا نمضي نحو اليأس، لماذا أصبح الشعور بالوحدة قاتلاً إلى هذا الحد، لماذا لا يوجد أمن اجتماعي، لماذا هناك إدمان، لماذا هناك دعارة، لماذا لا يوجد عمل، لماذا لا يمكن تدبير أمور الحياة بـ 6 أو 8 ساعات عمل شريف في اليوم. هذه هي مشكلاتنا. كل من يتحدث عن هذه الأمور وما شابهها، فهو يتحدث عن مشكلاتنا. في مجتمع لا يستطيع فيه أي إنسان تقريبًا أن يدير حياته بـ 8 ساعات عمل شريف، وعليه إما أن يزيد كَمِّيَّة عمله من 8 ساعات إلى 12 و14 ساعة، أو أن يتخلى عن شرف العمل، في مجتمع كهذا، فإن القول ما إذا كان تفسير دولوز لكانط تفسيرًا صحيحًا أم لا أمر مضحك بالنسبة لي. "ماذا يفعل رستم بباقة من الزهر والريحان [في الأصل: النسرين] في صف الحرب؟" ففي النهاية، أن يمسك رستم بباقة زهر ويذهب إلى ساحة الحرب أمر مضحك. يقولون: "يا سيد! ألا تنتبه أين أنت ذاهب! أنت رستم! أنت ذاهب إلى ساحة الحرب! وتمسك بباقة زهر؟!" أنا أرى الكثير من الأعمال الشبيهة بهذا، وكل ذلك يعود إلى أننا غفلنا عن ألم ومعاناة البشر من لحم ودم وعظم؛ ننشغل بمسائل حتى عندما تتضح إجاباتها لا يحدث أي فرق؛ تبقى حياتنا كما هي. من هذا المنظور أقول إن تحديد المشكلة والتمييز بين المشكلة وشبه المشكلة هو الواجب الأول للمثقف، أن أفهم أولاً ما هي مشكلات مجتمعي وأن أنشغل بها. لهذا فأنا شخصيًا، بالطبع بقدر ما وسعه عقلي، لم أدخل هذه المباحث أبدًا، أبدًا. أياً ما يقوله المؤيدون والمعارضون، لا أناصر هؤلاء ولا أولئك، لا لاعتقادي أن أحدًا منهم لا يقول الحق، بل لأن كلام أي منهم، سواء قال الحق أم الباطل، لا يعنينا بشيء. إذا قلت لكم الآن إنه يوجد أكسجين في مجرة تبعد عنا 45 مليار سنة ضوئية، فقد أكون صادقًا، لكن هذا لا علاقة له بحياتي وحياتكم. ليس كل صدق يرتبط بحياتي وحياتك. لهذا فأنا لا أعتبر أكبر خطأ في سجل المثقفين هو الأخطاء التي ذكرها الآخرون؛ بل أعتبره أنهم ينشغلون بشبه المشكلات بدلاً من المشكلات، وينشغلون بالمشكلات الزائفة بدلاً من المشكلات الحقيقية، ويخلطون بين المشكلة وشبه المشكلة. لدينا من المشكلات الكثير بحيث لا يأتي الدور على شبه المشكلات. بالطبع عندما يتطور المجتمع تظهر له احتياجات جديدة، لأن احتياجاته السابقة قد أُشبعت.
آنوقت در آن جامعه بعضی چیزها که الآن شبهمسئلهاند واقعا میشوند مسئله و باید به آنها پرداخت. دراینزمینه فرقی هم میان روشنفکران نیست؛ روشنفکران دینی، روشنفکران سکیولار، روشنفکران لاییک، چپها، راستها، سوسیالیستها، لیبرالها، همه، همینطورند. من، اگر روشنفکر جامعه خودم هستم، باید سرک بکشم ببینم آنچه مردم جامعه من دارند از آن رنج میبرند چه چیزی است؛ ببینم برای اینها میتوانم کاری بکنم یا نه. اگر میتوانم، بکنم؛ اگر نمیتوانم، لااقل بگویم در اینجا کاری از من ساخته نیست؛ از من توقع نداشته باشید. اما من دارم از تمام مواهب یک جامعه استفاده میکنم، ولی تنها چیزی که به آن نمیاندیشم مشکلات همین جامعهای است که دارد مرا تغذیه میکند، به من حیثیت اجتماعی داده، من در آن شهرت پیدا کردهام، در آن بالیدهام. بهنظر من اینها درست نیست.هل الألم، أو بالأحرى المعاناة، هي الشرّ بعينه؟ إذا قلنا إن المعاناة ليست فعلاً، بل هي أن نكون في موضع انفعال، فهل يمكن القول إن الشرّ هو هذا الكون في مقام الانفعال؟
النقطة الأولى، وهي أن كل معاناة هي شرّ، لا أستطيع قبولها. المعاناة غير ذات المعنى هي شرّ، وكذلك المعاناة التي لا تؤدي إلى لذّات أكبر منها. لدينا نوعان من المعاناة يُعتبران شرّاً: الأول هو المعاناة غير ذات المعنى، والثاني هو المعاناة التي لا تجعلني أصل إلى لذة أكبر منها. إذا عانيتُ سنة كاملة، ولكن بفضلها تم قبولي في امتحان دخول، فإن اللذة المتحققة من قبولي في ذلك الامتحان أكبر من معاناة سنة، وهذه المعاناة ليست شرّاً. المعاناة غير ذات المعنى شرّ، والمعاناة التي لا توصلنا إلى لذة أكبر منها شرّ. إذن، بعض المعاناة التي نعانيها في الحياة ليست شرّاً، لأنها توصلنا إلى لذة أكبر منها أو لأنها ذات معنى. لذلك لا أستطيع قبول هذه المعادلة. وهكذا نصل إلى نتيجة أن بعض الآلام شرّ وبعضها ليس شرّاً. ومن هنا يتضح أننا، في الوقت الذي لا ينبغي لنا أن نستقبل المعاناة (أنا أعارض الذين يعتقدون أن علينا أساساً أن نستقبل المعاناة)، يجب أن نعرف أيضاً أن بوسعنا أن نجني فوائد كثيرة من هذا الألم؛ أي أنه لا يوجد ألم يغلق الطريق أمامنا للاستفادة منه. يمكن أن نعاني ونحصل من ذلك على شيء. إذن، لا استقبال للألم، ولكن لا هروب من كل ألم أيضاً. هناك آلام ذات معنى بالنسبة لك؛ وهناك آلام توصلك إلى لذة أكبر منها. لا بأس في قبول هذه الآلام، لكن هذه الاستدلالات القائلة إنه يمكن التعلم من الآلام، وإن الألم يُنضج الإنسان، ولذلك يجب استقبال الألم، تبدو لي ضرباً من البطولات الزائفة التي لا مبرر لها، أن تلقي بنفسك في بحر الآلام، وتغرق في أمواجها، وأن الألم يفعل كذا وكذا... كلا. ما لم يتضح جواب سؤال: «لماذا أعاني؟» تكون المعاناة بلا فائدة. كلما عانيت أكثر من آلام غير ذات معنى وازددت غرقاً فيها، صرت أكثر بؤساً. إذا عانيت آلاماً لا توصلك إلى لذة أكبر، فكلما ازددت غرقاً فيها صرت أكثر تعاسة. هذه بطولات أسطورية زائفة لا أدافع عنها. لذلك أقول لا ينبغي استقبال الألم، ولكن في أوقات الآلام التي تعرض للحياة على أية حال، يمكننا تحقيق أغراضنا بإضفاء معنى على تلك الآلام أو بجعلها وسيلة للوصول إلى لذة أكبر.
إذن، إذا لم نأخذ بالحتمية القصوى، يمكن القول إن الألم ذا المعنى هو شيء مثل العمل الذي نختاره بأنفسنا، والألم غير ذي المعنى هو أن نعمل أكثر من اللازم، لكي نصل إلى أشياء لا نحتاجها أصلاً، وهذا الثاني هو بالضبط الكون في مقام الانفعال، لأنه، كما يقول شوبنهاور، الأشياء التي هي كماليات تُسقط الإنسان عن الحياة، والنزعة الكمالية طريق لا متناهٍ يمكنك أن تمضي فيه دوماً. إذن من هذا المنظور، الألم هو الكون في مقام الانفعال؟
نعم. يمكنني قبول كلامكم.
في النهاية، يبدو أنه يمكن الدفاع عن المعاناة بثلاث طرق، المعاناة عديمة المعنى التي هي برأيكم مرادفة للشر. الأولى هي تقرير الأشاعرة، القائل بأنه لا وجود للمعاناة والشر أساسًا، لأن الله مالك الوجود وله أن يتصرف في ملكه كيفما شاء؛ ولهذا لا وجود للشر أصلًا. الثانية هي توجيه النقد الموجَّه إلى النفعيين، وبعبارة أدق العواقبيين، في هذا الشأن أيضًا. وكأن العواقبيين يفترضون لأنفسهم قدرة على التنبؤ. هناك تقرير حد أدنى للنفعية هو: نحسب ما إذا كانت منفعة هذا الفعل أكثر أم منفعة ذاك، ونختار ما منفعته أكثر. هنا يمكن للناقد أن يقول: «إلى أي مدى سيكون لهذا التنبؤ وهذا الاختيار معنى؟ قد تخلصون غدًا أو بعد غدٍ إلى أنكم أخطأتم في اختياركم». ألا يمكن قول هذا عن الشر أيضًا؟ الثالثة هي القول بأن أصل هذا الشر هو خير، بمعنى أن معاناة الإنسان، حتى المعاناة عديمة المعنى، هي عين الخير؛ فمثلًا، لدينا ألم في الأسنان قد يكون ناتجًا عن تقصيرنا وأخطائنا، لكن هذا الألم بذاته سبب وموجب للخير، إذ يمكننا أن نصل عبره إلى الخير وندرك مثلًا قيمة الصحة. كيف يمكن الرد على هذه الدفاعات الثلاث؟
أنا لا أقبل أيًا من هذه الدفاعات الثلاث. دفاع الأشاعرة لا أقبله مطلقًا، لأن الأشاعرة يقولون إن كل ما سوى الله مخلوق لله وبالتالي هو مملوك له، والله يستطيع أن يفعل في ملكه ما يشاء. أنا أقول إن قاعدة «المالك يحق له أن يفعل في ملكه ما يشاء» هذه بذاتها مخالفة للأخلاق. افترضوا في حياتكم العادية أنكم تملكون جهاز التسجيل هذا. أنا أخلاقيًا لا أستطيع أن أقبل أن مالك جهاز التسجيل هذا يمكنه أن يرميه أرضًا ويحطمه ويفتته.
وماذا لو أخذنا «المالك» بمعنى آخر؟
أوضح لكم. إذن، إن كان قصدكم من المالك أن تقولوا إن الله، لأنه خلقنا، هو مالكنا، والمالك يحق له أن ينزل أي بلاء بمملوكه، فأنا أقول إن هذا خطأ. ولكن، إن لم يكن قصدكم من المالك هو المالك الاعتباري، كمِلكيتي لجهاز التسجيل هذا، وقلتم إن الله مالكنا، أي مسيطر على أحوالنا ونحن لا مهرب لنا ولا مناص من قدرته، فأقول إن الوضع يصبح أسوأ، لأنه حينئذٍ يمكن القول إن الكائن الذي لا مهرب له ولا مناص من قدرة مالكه، يتوقع من هذا المالك ألا يسيء معاملة هذا الكائن الذي لا يستطيع الفرار منه.
هل يتناقض هذا مع كون الله خيرًا مطلقًا؟
نعم؛ إنه غير منسجم. أما بخصوص العواقبية أو النتيجةية في الأخلاق، فقد قلت مرارًا إني في القانون، أي في التشريع، عواقبي تمامًا. أعتقد أن القانون الصحيح هو القانون الذي يحقق أفضل العواقب أو أعظم تغليب للعواقب الحسنة على السيئة؛ ولذلك فأنا في القانون عواقبي تمامًا. لكني في الأخلاق أعارض العواقبية تمامًا. إحدى الإشكاليات على العواقبية في الأخلاق هي بالضبط ما أشرتم إليه، وهي أننا وكأننا نستطيع أن نتنبأ إلى أبد الآبدين، في كل الأمكنة وكل الأزمنة وكل الظروف والأحوال، بالعواقب التي ستترتب على فعلنا هذا لنعرف ما إذا كان خيره أكثر من شره أم شره أكثر من خيره. البشر لا يملكون هذه القدرة مطلقًا وأبدًا. من أكبر الإشكاليات التي تُوجَّه إلى العواقبية هي بالضبط ما أشرتم إليه، وبرأيي لهذا السبب لا يمكن الدفاع عن العواقبية الأخلاقية مطلقًا، بتاتًا.
كيف يمكن أن نكون عواقبيين في القانون ولا نكون كذلك في الأخلاق؟
لأن القانون لا يدّعي أنه يأخذ جميع العواقب في الاعتبار إلى أبد الآبدين؛ فالقانون يقول إننا نريد قياس العواقب في هذا النطاق الزماني-المكاني المحدد، لا إلى أبد الآبدين، ولكن في العواقبية الأخلاقية يوجد هذا الادعاء [ينقطع سياق الكلام ويوافق ملكيان على هذا النقد، لكنه لا يرفض تبرير الشر بهذه الطريقة]. أما بخصوص الدفاع الثالث القائل إنه لو وُجدت الشرور لعرفنا قدر الخيرات، ولو وُجدت القبائح لعرفنا قدر الجمالات: فهناك ثلاثة إشكالات عليه: أولاً، ألم يكن بالإمكان أن يُصنع عالم، أن يصنع الله عالماً لا يلزم فيه، لمعرفة قدر الخير، الابتلاء بالشر؟ أنا وأنت نقف أمام عالم مصنوع، أمام عمل منجز، أما الله فلا يقف أمام عمل منجز. ألم يكن بمقدور الله أن يصنع عالماً لا يحتاج فيه البشر، لكي يعرفوا قدر الخير، إلى ابتلاء سابق بالشر، وأن يعرف الناس قدر الخير دون أن يُبتلوا بالشر؟ ثانياً، أحياناً يكون الشر بحيث لا تتاح بعده فرصة للخير كي نعرف قدره.
حتى بافتراض وجود عالم آخر؟
نعم. لقد تصور هؤلاء أن كل شر يقع يتيح لك فرصة وإمكانية لمواجهة خير لاحق، حتى تعرف، بفعل مواجهة هذا الشر، قدر الخير اللاحق. وفي أحيان كثيرة تضيع الفرصة بالكلية.
ألا يتيح العالم الآخر فرصة؟
لا. افترض أنهم فصلوني عن ولدي وأعدموني. مرارة الفراق عن الولد هي مرارة فُرضت عليّ وفيها ألم ومعاناة شديدان. والآن أفترض أن هناك حياة بعد الموت؛ في تلك الحياة بعد الموت لن ألتقي بولدي بعد ذلك. لقد فرضتم عليّ ألماً لا يمكنكم جبرانه البتة. ثالثاً، لو كان الشر شرطاً لفهم خير أكبر منه، لكان الأمر مقبولاً بعض الشيء، لكن في أحيان كثيرة يكون الشر شرطاً لمعرفة قدر خير حجمه أقل من حجم هذا الشر. لا توجد ضمانة. إذا قالوا: "سنعطيك شراً بدرجة 80 لتعرف بعده قدر خير بدرجة 5"، أقول لا أريد أن أعرف قدر ذلك الخير بدرجة 5، لأنني حتى عندما أعرف قدره أكون قد أدركت خيراً بدرجة 5 فحسب؛ ومع ذلك أبقى دائناً لكم بـ 75! لا أستطيع قبول هذه الأمور. أنا أقول إن هذا كله سببه أننا نريد إنقاذ الأيديولوجيا، نريد إنقاذ مذهبنا من الانتقادات الموجهة إليه. لو كنا طلاب حقيقة، وقلنا بعبارة غاندي الرفيعة: "ديني هو الحقيقة، لا شيء سواها"، لما جئنا لنخون الحقيقة من أجل إنقاذ ديننا أو إنقاذ أيديولوجيتنا. الحقيقة هي ما عرضته عليكم.
.
.
.
.
.
.
علم النفس
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.