اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى ألفرد ج. آير في «اللغة والحقيقة والمنطق» أن الأحكام الأخلاقية ليست صحيحة ولا خاطئة، لأنه يعتبرها تعبيرًا عن المشاعر لا معتقدات معرفية. فالقضايا ذات المعنى هي التجريبية أو التحليلية فحسب، والأخلاق خاوية من المعنى من الناحية الإبستمولوجية.

يؤكد ألفرد ج. آير في كتابه «اللغة والحقيقة والمنطق» أن الأحكام الأخلاقية مثل «السرقة سيئة» ليست صحيحة ولا خاطئة، وذلك لأن الأحكام الأخلاقية حالات ذهنية غير معرفية. عندما يقول شخص ما «السرقة سيئة» فهو في الواقع يخبرنا أن السرقة لا تروق له، ولا يمكن تقييم قوله هذا بالخطأ أو الصواب. تقف وجهة نظره في مقابل وجهات النظر التي تؤمن بالمعتقدات الأخلاقية. الحالات الذهنية غير المعرفية كالرغبات لا يمكن أن تكون خاطئة أو صحيحة، ولذا فإن استطاع آير أن يُظهر أن الأحكام الأخلاقية ليست سوى حالات ذهنية غير معرفية فإنه يبلغ هدفه. المعتقدات هي حالات ذهنية معرفية ويمكن أن تكون خاطئة أو صحيحة. من معتقداتي أن «السرقة سيئة»، وهذا المعتقد يمكن أن يكون خاطئًا أو صحيحًا. يعتقد بعض الناس في المملكة العربية السعودية أن «قيادة المرأة للسيارة خطأ»، وهذا معتقد لديهم، وهو من وجهة نظري معتقد خاطئ. والآن إذا عارض آير هذا الحكم الأخلاقي الشائع في السعودية، فإنه يقول إن السعوديين يعبرون عن مشاعرهم ورغباتهم، وأنا أيضًا أعبر عن مشاعري ورغباتي. وليس أي من هذه التعبيرات خاطئًا أو صحيحًا. ينبغي الانتباه إلى أن وجهة نظر آير تختلف عن وجهة نظر الذاتويين في الأخلاق. يقول الذاتوي
«السرقة سيئة» صحيحة من وجهة نظري
لكن آير يقول
«السرقة سيئة» لا يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة أصلًا.
من وجهة نظر آير، إذا قلت «السرقة سيئة» فكلامي عديم المعنى، لكن عندما أقول «أنا أعتبر السرقة سيئة» فأنا أتحدث عن الواقع، فإذا كنت أعتبر السرقة سيئة فهذه القضية صحيحة، وإن لم أكن كذلك فهي خاطئة. بالنسبة لآير، فإن النطق بعبارات مثل «السرقة سيئة» أو «الشتيمة خطأ» يشبه في الواقع أن نقوم، عند مواجهة السرقة، بإعطاء السارق إشارة الإصبع الوسطى أو أن نصدر صوت «تس تس». في حين أن الذاتوي عندما يقول «السرقة سيئة» فإنه يعني «السرقة سيئة من وجهة نظري» ويمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة. لماذا يتبنى آير وجهة النظر العبثية هذه في الأخلاق؟
من وجهة نظر آير، القضايا الوحيدة ذات المعنى هي تلك التي يمكن إثباتها بالتجربة الحسية أو التي تكون حقائق تحصيلية (توتولوجية). أي قضية لا يمكن فحصها بالتجربة الحسية أو لا تكون توتولوجيا فهي عديمة المعنى. حكم مثل «السرقة سيئة» لا يمكن إثباته بالتجربة الحسية ولا هو حقيقة توتولوجية، ولذا فإن هذا الحكم عديم المعنى من وجهة نظر آير. إذا كانت عبارة ما عديمة المعنى، فلا يمكن أن تكون لها قيمة صدق (والعكس بالعكس!).
قد يقول قائل إن جميع البشر في العالم يعتقدون أن السرقة سيئة، وأن هذه الحقيقة مستمدة من التجربة الحسية (بالمشاهدة أو المقابلة مثلاً). لكن حتى لو صحت هذه الملاحظة، فهي مجرد حقيقة وصفية تُظهر ما يعتقده جميع البشر، ولا تُظهر أن السرقة سيئة. ثمة طريقة واحدة يمكن لآير بها أن يحافظ على معنوية الأحكام الأخلاقية. عليه أن يُظهر أن المفاهيم الأخلاقية (مثل «الخير» و«الواجب») يمكن وصفها بمفاهيم غير أخلاقية وتجريبية. إذا حدث هذا، فسيمكنه إدراج المفاهيم والعبارات الأخلاقية تحت طائفة القضايا القابلة للإثبات بالتجربة الحسية. فالنفعيون مثلاً يقولون إن الفعل إذا أدى إلى زيادة رضا الأفراد فهو فعل صائب. في هذه الحال، يكون صواب الفعل الأخلاقي وخطؤه مربوطاً بواقعة وقابلاً للقياس. فيمكننا مثلاً أن نفحص إن كان كذب شخص ما سيؤدي إلى زيادة الرضا العام أم لا. حسناً، لقد أعطانا النفعيون تعريفاً، وارتبطت المفاهيم الأخلاقية بأمور تجريبية قابلة للقياس. يبدو أن آير يستطيع قبول تعريف النفعيين لـ«الصواب» الأخلاقي. لكنه لا يقبله! فمن وجهة نظره، إذا قبلنا تعريف النفعيين، فلن نستطيع أن نقول «السرقة خاطئة لكنها تؤدي إلى زيادة الرضا العام» لأن هذا القول متناقض. يخلص آير في النهاية إلى أن التعريفات الموجودة للأخلاق لا يمكن تحويلها إلى تعريفات واقعية، وبالتالي فإن الإمكانية الوحيدة لحفظ قيمة الصدق للأحكام الأخلاقية تنتفي في منظوره. يستند آير إلى حجة ج. إ. مور في كتاب «أصول الأخلاق» التي تقول إن المفاهيم الأخلاقية لا يمكن اختزالها إلى مفاهيم أخرى، ويُقر بأنه لا يمكن فعل ذلك. كان ج. إ. مور نفسه يعتقد أن الأخلاق يمكن فهمها بالحدس العقلي، تماماً كما نفهم أن 2+2 تساوي 4، وكما ندرك هذا بالحدس العقلي، فإننا ندرك الصواب والخطأ كذلك. لكن آير يستنتج من كتاب ج. إ. مور أن المفاهيم الأخلاقية عديمة المعنى ولا يمكن تعريفها.
نحن البشر نصدر أحكاماً أخلاقية كل يوم، ندين البعض ونؤيد البعض الآخر من الناحية الأخلاقية. هل يريد آير حقاً أن يقول إن كل حكم أخلاقي يُصدر هو عديم المعنى تماماً وغير قابل للفهم أصلاً؟ كلا! المعنوية عند آير تنتمي إلى القضايا التي تنتهي إلى معرفة أو علم. معياره للمعنوية (القابلية للإثبات بالتجربة أو كونها تحصيل حاصل) هو معيار لإمكان المعرفة. ما يُستقى من التجربة الحسية يمكن أن يكون خاطئاً أو صحيحاً، فإن كان صحيحاً وقابلاً للإثبات بنظر آير، فإنه يُعطي معرفة. والتحصيلات الحاصلة هي أيضاً مولّدة للمعرفة دائماً. أما الأحكام والتقييمات الأخلاقية فلا تُستقى من التجربة الحسية ولا هي تحصيل حاصل، وبالتالي فلا وجود لمعرفة أخلاقية. أي لا يمكن القول إني أعرف أن السرقة سيئة، أو إنني أعتقد أن السرقة خاطئة، فإذا قلت إن السرقة سيئة فأنت فقط تعبر عن مشاعرك أو ميولك. إذن، الأخلاق معنوية بهذا القدر الذي تكون فيه تعبيراً عن المشاعر، أما إذا حصرنا المعنوية في الاعتقادات التي لها قيمة صدق وتُنتج معرفة، فالأخلاق ليست معنوية. في الواقع، إذا استطعنا القول إن «المعنوية» تُستخدم بمعنيين، أولهما المعنى العامي وثانيهما المعنى القضوي، فإن آير يعتقد أن الأخلاق «معنوية» بالمعنى العامي، لكنها من حيث المعنى القضوي عديمة المعنى، لأن مضمونها لا ينظر إلى الواقع ولا يمكن أن تكون له قيمة صدق أو كذب. عندما أقول «التمييز ضد النساء في السعودية خطأ»، فأنا أقول شيئين بنظر آير. أقول «يوجد تمييز ضد النساء في السعودية» وهذه قضية تحيل إلى أمر واقع وهي صحيحة، وأقول أيضاً إن هذا التمييز خطأ من الناحية الأخلاقية. قولي إن هذا الواقع خطأ لا علاقة له بالواقع نفسه، وهو مجرد تعبير عن مشاعري تجاه هذا الواقع.
إذا كان الأمر كذلك، فهل ينبغي لنا أن نترك الأخلاق وشأنها؟ يقول آير إنه لا يزال بوسعنا القيام بعدة أمور مع الأخلاق. يمكننا تحليل المفاهيم الأخلاقية، كأن نحلل كلمة «خير» أو «واجب» مثلاً. ويُسند آير هذه المسؤولية إلى الفلاسفة. ويمكننا فحص القضايا التي تصف المعتقدات الأخلاقية لأفراد وجماعات مختلفة. فعلى سبيل المثال، حين يُقال إن البعض في المملكة العربية السعودية يعتقدون أن النساء لا يحق لهن القيادة أو التصويت، يمكننا أن نبحث في أسباب تشكل هذا الاعتقاد في تلك البلاد. وهذا العمل، من وجهة نظر آير، يقع على عاتق علماء النفس وعلماء الاجتماع.
أحد أهم أبعاد الأخلاق هو الخلافات الأخلاقية. إذا كانت العبارات الأخلاقية مثل «السرقة سيئة» لا يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، وكانت أشبه بإشارة بذيئة أو صوت استهجان، فكيف لنا أن نفهم الخلافات الأخلاقية ونحلها؟ من وجهة نظر آير، الخلاف حول عبارة «السرقة سيئة» (أي أن يقول شخص «السرقة سيئة» ويقول آخر «السرقة ليست سيئة») لا يؤدي إلى تناقض، لأن هذه العبارة ليست ذات معنى، ولا ترتبط بأمر واقع، وليس لها قيمة صدق. وبالتالي، فإن ما يسمى بالخلاف الأخلاقي ليس ذا معنى بالنسبة له أصلاً. قد يكون ما يبدو خلافاً أخلاقياً هو في الواقع خلاف بين الأفراد حول أمور واقعية، وإذا كان الأمر كذلك، فيمكنهم حل ذلك الجزء. مثلاً، يقول شخص «التمييز ضد المرأة في السعودية خطأ»، وقد يقول آخر إنه لا يوجد تمييز ضد المرأة في السعودية. يمكن بحث هذا الجزء من الخلاف عبر دراسة مفهوم التمييز ووقائع المجتمع السعودي. لكن لنفترض أن شخصاً قال إن التمييز ضد المرأة ليس سيئاً فحسب، بل هو أمر جيد. هذا الخلاف، في منظور آير، لا يمكن حله. فمن وجهة نظره، إذا اتفقنا مع شخص ما على جميع الوقائع ثم لم نتمكن من الاتفاق معه على القيمة الأخلاقية للأفعال، فعلينا أن «نكف عن محاولة إقناعه عن طريق الاستدلال» (ص 111).
يُقر آير بـ«السؤال المفتوح» الذي طرحه ج. إ. مور، أي أنه يُسلّم بأن المفاهيم الأخلاقية لا يمكن اختزالها إلى مفاهيم طبيعية. وبينما يستنتج ج. إ. مور من هذه الفكرة أن مفاهيمنا وأحكامنا الأخلاقية تتم بواسطة الحدس العقلي، يخلص آير إلى أن الأحكام الأخلاقية لا معنى لها. إذن، حجة آير تعتمد على صحة حجة السؤال المفتوح لج. إ. مور، وعليه في الخطوة التالية أن ينفي الحدس العقلي كمعيار في الأخلاق. لا يقدم آير حجة جديرة بالاعتبار لنفي إمكانية الحدس العقلي في المفاهيم الأخلاقية.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.