اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
البحث عن الحقيقة ومواجهة الإنسان لها يظل متأثراً بالتاريخ دوماً. ومن هنا فإن الأسفار الأربعة لملّا صدرا ليست أثراً عقلياً فحسب، بل هي أيضاً سرد لتاريخ أدب الإنسان الإيراني الشيعي؛ بحث في علاقة الإنسان بالحقيقة في سياق الزمن.

1- قام هايدغر، في الفصل 82 من كتاب «الكينونة والزمان»، بشرح ثم نقد كلام هيغل حول الزمان. وهو يعتقد أن هيغل ظل هنا وفياً لنفس التصور الأرسطي للزمان، حيث صوّر الزمان بوصفه استمراراً متجانساً لـ«الآن» (= الحاضر). وقد أورد هيغل في أحد هوامشه على الموسوعة ما يلي: «من الناحية الإيجابية، الزمان ليس سوى الحاضر، و«القبل والبعد» مفقودان. وفي الوقت نفسه، الحاضر هو انضمامي؛ إنه ابن الماضي والحامل بالمستقبل.» إن جوهر نقد هايدغر يتوجه تحديداً إلى هذا الجزء الأخير الذي أوردناه عن هيغل؛ فهيغل لا يعتبر الروح والواقع أمراً زمانياً، ويأبى تحققه في الزمان؛ إن «كون الروح في داخل الزمان» لا يُرضي هيغل.
يُلفت هايدغر الانتباه إلى أن هيغل قد أدرج الزمان في علم الطبيعة، وبالتالي غفل عن «زمان التجربة الإنسانية». إن المعضلة التي يشخصها هايدغر هنا -وفي شرحه لفكر هيغل- هي: أن التاريخ (الذي هو أساساً تاريخ الروح) يجري في رحم الزمان، وبالتالي فإن التاريخ ينبسط في الزمان. لكن من جهة أخرى، لا يقبل هيغل كون الروح في داخل الزمان. ومن هنا، يشرح هايدغر، في نقاش مستوفٍ نسبياً، وجهة نظر هيغل، ويعتبرها أرضيةً لفهم رأيه الخاص حول الزمان. لأنه من منظور هايدغر، لم ينتبه هيغل إلى الزمان بوصفه نمط وجود الإنسان. وعلى عكس هايدغر، يتمسك كوجيف وكويريه بكلام هيغل القائل: إن الزمان هو «وجود الصورة المعقولة ذاتها»، ويدّعيان: أن الصورة المعقولة إذن مرتبطة بالذات الإنسانية، وبالتالي يذهبان لاستقبال هايدغر في أن الزمان هو زمان الاختيار والفعل، وأن «المستقبل» له أسبقية على «الماضي والحاضر».
2- إن النقاش حول الإنسان والحقيقة هو سؤال عصرنا. إنه سؤال عصرنا لأن الحقيقة، وبسبب الغموض الذي نشأ في ماهية الإنسان وهويته، قد تحولت هي ذاتها إلى سؤال. لقد تحولت الحقيقة إلى سؤال؛ وكأنها ليست أكثر من عبث. دعنا لا نقل إن الشك في الحقيقة ليس حدثاً جديداً! فمنذ العصر الهلنستي وصولاً إلى عصر النهضة ومقالات مونتيني، وبعده بقليل أو كثير في أعمال هيوم، تعرضت الحقيقة لهجوم المفكرين. لكن إذا كان مونتيني يتساءل: «ماذا أعرف؟» فلم يكن يقصد كشف زيف الحقيقة، وإذا كان مثالِيّو ألمانيا يرون أن أصالة العقل (= العقلانية) في العصر الحديث قد وقعت مع هيوم في مهاوي الشكوكية، فلم يكن ذلك يعني أن الحقيقة قد ضاعت بالنسبة لهيوم. لم يكن مونتيني يعتبر الحقيقة مجعولة، ولم يسعَ هيوم إلى الذهاب في هذا الاتجاه. ناهيك عن أن العصر الحديث قد نما وترعرع على أساس هذه الآراء والمقاربات ذاتها -وخصوصاً فكر هيوم- وأصبح يدّعي أن الحقيقة مجعولة. هذان النقاشان منفصلان عن بعضهما ولا يحتاجان إلى توضيح. إن السؤال عن الحقيقة وأساسها -في زماننا هذا- يضمر في ذهنه هوى تجاوز الحقيقة. إن وجهة هذا السؤال ليست نابعة من قلق الإنسان المعاصر وانشغاله لفهم الحقيقة. وكأن الحقيقة قد انتهت. على أي حال، سواء كانت الحقيقة نتاج الإبستيمية السائدة، أم نتاج التقليد، أم ذات وجود في نفس الأمر، فإنها تظهر في علاقة ونسبة مع الإنسان.
إذا قيل في الميتافيزيقا عن الذاتية (subjectivity) وعن كون الحقيقة محايثة (immanent)، وإذا قيل عن لا أساسية الحق والحقيقة أو كونهما أساساً وأصلاً؛ فلا شك أن كل هذه المكشوفات إنسانية وتحكي عن نسبة الإنسان إلى الحقيقة (سواء أكانت الحقيقة مجعولة أم مكشوفة). وعلى أساس هذه النسبة بين الإنسان والحقيقة تحديداً نقول إنه إذا جرى الحديث عن اللامعنى وعن لا أساسية الحقيقة وكذلك عن التكثر والنسبية والعبثية، فقد جرى الحديث، بالوزن والمقدار نفسه، عن وجوه خاصة لوجود الإنسان ولا أساسيته ولامعناه. ومن هنا، نواجه سؤالاً أكثر أهمية: هل يمكن للإنسان أن يقطع نسبته بالحقيقة؟ ألا يعني تجاوز الحقيقة، في ذاته، تحقق حقيقة جديدة؟ لا شك أن الافتراض المسبق لهذا السؤال هو أصالة النسبة بين الإنسان والحقيقة. في أي وضع يمكن للإنسان أن يحكم بتجاوز الحقيقة والعبور منها؟ يمكن الإجابة بكلمة واحدة: «اللامعنى». ولكن ما هي النسبة القائمة بين المعنى والحقيقة؟ إذا قلنا إن المعنى هو الحقيقة نفسها أو إن الحقيقة هي المعنى نفسه، فإن الإجابة بـ«اللامعنى» تبدو جزافية، لأنها مصادرة على المطلوب. لذلك لا مناص من العودة مرة أخرى إلى السؤال أعلاه. لكننا نعرف هذه المرة أن المعنى والحقيقة لا يمكن اعتبارهما متطابقين بهذه البساطة. لنقل بدقة أكبر: قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن تتكشف النسبة بين المعنى والحقيقة. هنا، وباختصار، نقول إن الحقيقة هي إمكان ظهور المعنى. فالمعنى، في كل حقبة من التاريخ، في قالب معرفة نسبية وبصورة «ليس بعدُ»، يأتي بإمكان من إمكانات الحقيقة إلى المرأى والمنظر. ومن البديهي أنه ما لم نقدم معنى واضحاً للإنسان والحقيقة، لا يمكننا أن نقدم كلاماً محصلاً بشأن النسبة بينهما. ومن المناسب أن نطرح السؤال: ما المقصود بالإنسان والحقيقة والنسبة بينهما في هذا المقام؟ ومع ذلك، وفي جميع هذه الحالات، فإن الكرة المتشابكة لهذا النوع من المباحثات تضرب بجذورها في عدم الالتفات إلى الإنسان الذي تتشكل بناءً عليه فكرة الفيلسوف. لسنا نقول إن أساس فكرة الفيلسوف وتفكيره هو الإنسان. الفيلسوف ابن زمانه، لكن لا يمكن حصر تفكيره في حقبة معينة. حتى في فكر هيغل، ينبغي ألا نعتقد خطأً أن التاريخ يتعلق بالماضي فحسب. فلو كان الأمر كذلك، فأي جدوى لدراسة التاريخ والتدقيق في سير العقل في التاريخ؟ لا يمكن للإنسان أن ينفصل عن الثقافة والبيئة التي ينشأ ويترعرع فيها، والفيلسوف ليس بمنأى عن هذا الوضع. لكن لا يمكن تقييد الفكر بزمان ومكان معينين بسهولة، ويظهر لنا التاريخ ودراسته، على الأقل، أن ما صار تاريخياً وانقضت حقبته ليس معدوماً. ومع ذلك، فالفلسفة معرفة بشرية، ولا شك لدينا في أنها تتشكل في سياق خاص.
3- سواء أجزناه أم عددناه أمراً مكروهاً وغير جائز، فإن التاريخ والثقافة يؤثران في فكرنا وفعلنا. أن نعرف التاريخ، أو نناقش حوله، أو نجد الأفكار التاريخية معادلاً للنسبوية، وندرس كامل تاريخ ثقافة ما دراسة قائمة على الإشكالية، لا يختلف في ماهية الأمر وحقيقته. الدراسة التاريخية ليست مجرد نظرة أو منهج. سواء تحدث الفلاسفة عن التاريخ وسيره أم لم يثيروا فيه بحثاً، فالإنسان يتشكل وينشأ في سياق التاريخ والزمان. لنضف هنا أن كل هذا لا يعني أن التفكر أمر تاريخي محض وله حقبة. هناك فرق بين أن يظهر التفكر في التاريخ وتتجلى تجلياته في الزمان، وبين أن يكون التفكر أمراً زمانياً. فالتفكر لا يظل محصوراً في حصار الزمان، ولو ظل كذلك لكان ينبغي أن يكون تجلي التفكر حقبياً ومرحلياً فقط، وتبقى سائر الأحقاب خالية منه.
مما سبق، يمكن استنباط ملاحظتين في دراسة التاريخ: (1) يمكننا النظر إلى التاريخ من حيث علاقته بالزمن وفي مسار توسعه، أو الحديث عن حقيقة متعالية عن التاريخ، بحيث لا تُظهر أطوار ظهورها وتجليها أي توسع وامتداد، بل يبقى كل طور كأنه قدرٌ ومآلٌ، مستوراً ومختفياً، و(2) يمكننا اعتبار التاريخ بوصفه تاريخ أدب2 (بأوسع معانيه). الشق الأول من الملاحظة الأولى لم يجد له مكاناً بين فلاسفتنا ومفكرينا، فمثل هذه النظرة لا سابقة لها ولا خلفية. أما الجزء الثاني من الملاحظة الأولى، فله على ما يبدو نماذج في المقاربة العرفانية لدى عرفاء الإسلام، إذا ما استطعنا مثلاً اعتبار فصوص الحكم لابن عربي بمنزلة تاريخ تجلي الأسماء الإلهية. وبالطبع فإن وجه تميز هذه النظرة عما ورد في الشق الأول واضح. ففي فكر ابن عربي، للأسماء ظهور دفعي وتكاملي في بعض الأحيان، وإن لم يكن لها في بستر الزمن توسع وامتداد تطوري. وعلى أية حال، يبدو أن عرفان خراسان أكثر انسجاماً وقرباً مع الجزء الثاني من الملاحظة الأولى؛ وإن لم يُلاحظ بين هؤلاء المفكرين أي بحث يشير إلى نظرة تاريخية (الظهور التاريخي للأسماء). أما بالنسبة للشق الثاني، فإن أفضل مثال عليه هو الحكمة المتعالية لملاصدرا.
الحكمة المتعالية، من حيث إنها تتولى دراسة تاريخ الوجود، وهذا التاريخ لا ينفصل عن سفر الإنسان -بوصفه مظهراً ومُظهراً للوجود-، استطاعت بالتمسك بالشهود العقلي للوجود أن ترسم تاريخ توسعه وتحققّه. لكن هذا الإمكان كان مفقوداً قبل ظهور الحكمة المتعالية. الأسفار الأربعة هي تاريخ تأديب الإنسان الإيراني الشيعي بكل تجلياته. الرأي الباطل الذي يعتبر فلسفة ملاصدرا تلفيقاً من العرفان وعلم الكلام والفلسفة المشائية والإشراقية، ليس فقط لا صلة له بالفلسفة ولا يعلم أن الفلسفة تنفصل حقيقةً عن التلفيق، بل إنه يغفل أيضاً عن هذا الأدب. الأسفار الأربعة هي تاريخ ظهور الإنسان وكيفية أدبه الخاص. الأدب العرفاني والكلامي والفلسفي على بستر الحكمة المتعالية، يصور مراحل الأدب الإنساني التي ظهرت في تاريخ الثقافة الإيرانية الإسلامية. ولا عجب أن تكون الحكمة المتعالية جامعة لإنسان العرفان والكلام والفلسفة. الأدب الخاص العرفاني والكلامي والفلسفي قد انكشف في الحكمة المتعالية وعلى أرضية واحدة. ومن ثم، فإن الحكمة المتعالية قد ضمنت إنسان ابن عربي فيها كما أنها تتمتع بأدب الإنسان السينوي. لكننا نؤكد مرة أخرى أن هذا كله قد تشكل على بستر واحد، وهذه هي الحكمة المتعالية وحدها التي تتيح إمكان دراسة أدب هذه الثقافة والعثور عليه. والمقصود بالبستر الواحد أنه ليس العرفان باستعماله المتداول ولا الفلسفة والكلام كما هو معهود قد اجتمعوا في الحكمة المتعالية، وفي الوقت نفسه حافظ كل منها على أدب خاص لإنسان الثقافة الإيرانية الإسلامية على أساسها. الحكمة المتعالية تُظهر إمكان العثور على الأدب وتطبيقه في الإنسان الذي يتمتع بهذا الأدب بالقوة. ولهذا السبب، فإن الأسفار ليست مجرد موسوعة للمسائل الفلسفية؛ بل هي تاريخ أدب إنساني نما وترعرع في بستر ثقافي خاص. الحكمة المتعالية، خلال الأسفار الأربعة، ترسم فعلية وتحقق أدب يحمله إنسان الثقافة الإيرانية الإسلامية بالقوة في ذاته؛ أدب تجلى في فلسفة ابن سينا، وشيخ الإشراق، وعرفان ابن عربي، والكلام الشيعي، من منظورات مختلفة. كل إنسان في هذه الثقافة له مثل هذا التاريخ، وهذه الحكمة المتعالية هي التي تُظهر مخطط تطبيقه.
.
.
1- دكتوراه في الفلسفة الغربية من جمعية الحكمة والفلسفة في إيران
2- البحث في الأدب هو بحث في جميع العناصر والمكونات التي تغطي إنسانية الإنسان في ثقافة ما. المعادل الألماني (Bildung) وفي بعض الحالات مرادف ومتطابق في المعنى مع (παιδεια) اليونانية.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.