اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
النقد هو انكشاف العقل وقراره الذي يظهر التفكير على إيقاعه؛ إنها نسبة قدرية لا إرادية. وبشجاعة القبول وإزالة العوائق كالمناخ الكلامي والتحقير في ديارنا، يستطيع الإنسان أن يمهّد للأمل والتفكر.

يفهم التصور الشائع للنقد بوصفه تفكيراً، النقدَ على أساس الفكر النقدي، وقد يمكن تصور نسب مختلفة بين النقد والتفكير وفقاً لأنواع التفكير؛ ولكن إذا تأملنا في النسبة بين النقد والتفكير بالنظر إلى التفكير نفسه، فإن مكانة الإنسان في نقد التفكير ستكون مثيرة للإشكال. إن التأمل التالي، إذ يعد نقد التفكير تقديراً ويبين شأن الإنسان في هذا السياق، قد أشار إلى وضع النقد في ديارنا ومسائله.عندما يجتمع النقد والتفكير جنباً إلى جنب هذه الأيام، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن أهل الفلسفة والعلوم الإنسانية هو النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت وأدورنو. كان أدورنو يرى أن الظلم والعدمية هما ابنا الحداثة، وكان يعتقد أن هذين يولدانه من الطابع التجريدي لعقلانية التنوير. ولهذا، صرح بأن نقد التنوير وعقله الأداتي يجب أن يحل محل نقد الاقتصاد السياسي. يعلم الملمون بتعاليم مدرسة فرانكفورت أن المراد بالنقد هو نقد العقل وانكشاف حقيقته؛ ذلك العقل الذي صار في العصر الحديث ذاتياً وأداتياً، وفقد على خلاف العقل اليوناني سماته الأصيلة. وقد يخطر بالبال أيضاً من النسبة بين النقد والتفكير، التفكير النقدي (الذي ينشغل بشكل رئيسي بفحص أنواع المغالطات ويسعى إلى كشف الافتراضات المسبقة للادعاءات والاستدلالات). إن اجتماع النقد والتفكير جنباً إلى جنب يمكنه بلا شك أن يظهر أنواعاً أخرى من النسبة. ولكننا في هذا المجال الضيق، نسعى إلى أن نأخذ التفكير بعين الاعتبار، لا أنواعه، بل التفكير بمعناه المقسمي، ونلحظ نسبته مع النقد دون أن ننظر إلى مدرسة محددة في هذا الباب (النقد). النقد، بمعنى الظهور والكشف (2) والانجلاء. (أبرز الشيء وأظهره، ومن الباب: نقد الدرهم وذلك أن يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك./ معجم مقاييس اللغة؛ مادة ن ق د) فعلى سبيل المثال، عندما يعرض أمر على عيار النقد، ينفصل جيده عن رديئه، وينكشف ما هو جدير. إذن فالنقد ليس بمعنى فصل الصحيح عن السقيم أو الجيد عن الرديء، بل هو الكشف والانكشاف. لقد سمى كانط في صدر التنوير الألماني (بعد فولف ولايبنتس) فلسفته بالفلسفة النقدية، ونبه في مقدمة النقد الأول إلى أن النقد هو قرار (3). وهوسرل أيضاً تبعاً لكانط، سمى النقد قراراً. كلام كانط واضح؛ المراد بالنقد هو قرار العقل. قرار العقل هو انكشافه. إن العقل الذي كان حتى الآن يرى ويجد نفسه تحت كفالة الغير، مصمم على أن يعيان حقيقته. ولهذا، فإن نقد العقل هو عين قرار العقل كي ينبذ ما نسب إليه بغير حق، ويكشف بتعيين حدوده، حدود العالم والإنسان. من جهة أخرى، فإن التفكير في فضاء الميتافيزيقا وساحتها ليس شيئاً منفصلاً عن ظهور العقل. إذن فبداية التفلسف وبروز التفكير الميتافيزيقي الذي لا يتصور تفكير غيره في إقليم الميتافيزيقا (4)، هو القرار أو النقد. لنقل بدقة؛ الوسط والنهاية أيضاً نقد. التفكير من هذا المنطلق، يظهر على وتيرة وميزان نقد العقل أو قراره. إذن فالتفكير ليس شيئاً سوى نقد العقل، أي قرار العقل على الانكشاف. وفي الفلسفة الإسلامية أيضاً كانت القصة ذاتها. الحقيقة للباطن والملكوت وعلم الحق، والظاهر في النهاية رقيقة من الحقيقة ولمحة من الباطن. النقد، هو اتضاح العقل وانكشافه بوصفه حقيقة محسوسة، هو معقولية الطبيعة. لنلخص: رؤية المحسوس في بطن المعقول والعقل؛ لأن العقل هو حقيقة الخيال وباطنه، والخيال هو باطن الطبيعة. فالطبيعة تجد حقيقتها حين تظهر في قالب حقيقتها. لذلك ففي فضاء الميتافيزيقا، يرتبط النقد والتفكير ببعضهما ويمثلان، أكثر من أي شيء آخر، حركة من الباطن إلى الظاهر. ولكن هل يبقى التفكير في قيد الميتافيزيقا وينحصر في هذا الإقليم؟ يبدو أن التفكير لا يأبى مثل هذا الانحصار. لا شك أن إقليم التفكير المفهومي/ المقولاتي يصادر التفكير لصالحه ولا يترك له ساحة أخرى. الميتافيزيقا هي أحد أنواع التفكير. كما يعتقد البعض أنه في تاريخ الميتافيزيقا تم إهمال الظاهر، ولا يمكن التحرر من المحتوى الذي فرض نفسه دوماً على الظاهر أو الصورة إلا بالنقد. النقد في هذا المقام يعود أيضاً إلى معنى الانكشاف؛ إنه تحذير بشأن محتوى محتوم وهروب من تصرفه كي يسمح للظاهر بالظهور. التحرر من سيطرة الباطن والمحتوى، يعادل انكشاف أمر هو منكشف منذ البداية ولم يعلقه سوى غبار المحتوى. يُلاحظ أنه على أي حال، للنقد معنى واحد. والآن، بصرف النظر عن أنواع التفكير، ما هي نسبة النقد بالتفكير بما هو هو؟ هل يمكن للإنسان أن يسأل كلما أراد وتعلقت إرادته بهذا السؤال؟
دعنا ننتبه، التفكير ليس موضوع سؤالنا، بل التفكير هو الذي يقود السؤال. من هنا، لا يمكننا إلا أن نتحدث عن قدر التفكير؛ لأن طرح سؤال معين في أفق زمن محدد، هو قدر يقوده التفكير. هذا القدر هو تنزل إلى مقدار مقدر، ونحن لا نواجه التفكير إلا بهذا المقدار. ولنضف فوراً أن التنزل ليس بالضرورة حركة من الباطن إلى الظاهر. التفكير ليس مستتراً حتى ينكشف، بل هو نفسه معيار كل وضوح ولكن بالقدر. النقد بمعنى انكشاف التفكير واتضاحه هو بالقدر، والقدر خارج عن تصرف الإنسان وكل إرادة له. قدر التفكير، كهوة وغور في التفكير يسمح للتفكير بالظهور. من هنا، لا يمكن للتفكير أن يكون أساساً لما يتضح به التفكير. نقد التفكير ليس ملكاً لإرادة الإنسان ورغبته، ولا يذعن حتى لإرادة التفكير. النقد هو قدر التفكير على نسق التفكير. ما هو ممكن للإنسان في هذا السياق هو الاستعداد للتفكير. ولكن أليس هذا الاستعداد نفسه مرسوماً من جانب التفكير وقدره؟ نقول إن المقصود بالاستعداد في هذا المقام هو شجاعة تقبل نقد التفكير. الشجاعة هي انتظار (
) حضور (
) هدية (
) سبق وأن أشير إليها في موضع آخر (5) بالأمل، الأمل بمعنى الاستعداد للوجود، شجاعة قول نعم لقدر التفكير، وللحياة. ومع ذلك، لا يمكن الادعاء بأن الأمل بمعنى الاستعداد ليس مرسوماً من جانب التفكير. فما شأن الإنسان إذن في هذا السياق؟ نقول على سبيل الاحتمال ولعل وعسى؛ إن الإنسان لا يستطيع إلا أن يمنع موانع الأمل ونقد التفكير لكي يتهيأ للتفكير بهذا النحو. من جملة موانع تحقق التفكير ونقده، الفضاء الكلامي. في الفضاء الكلامي، الجميع متكلمون، ولا توجد أذن صاغية. الفضاء الكلامي هو ساحة حقد وخصومة؛ ومصادرة للحقيقة وهيمنة عليها؛ وجدل وحراسة للمكتسبات والمنسوجات. وإذا دققنا جيداً، نجد أن انعدام حرية التعبير متجذر في هذا الفضاء أيضاً؛ لأنه في مملكة الكلام، لا ينشأ حوار. والآن، للأسف، يبدو أن ما تبقى من الفلسفة (6) في ديارنا له شأن ومكانة كلامية، وأن جماً غفيراً من الفضلاء والمتنورين المعروفين بأنهم أهل فلسفة، غارقون في حقل الكلام. لنلخص، في حقل الكلام، لا يبقى مكان للأمل (7). مانع آخر هو التحقير. التحقير هو تثبيت للحال وفي مقابل الأمل. الإنسان المحتقر لا ينتظر شيئاً ولا أمل له، ولا يفكر إلا في تثبيت حاله. دعنا من هذا. يمكن تقديم موانع أخرى، لكن كاتب هذه السطور يعتقد أن التحقير، وفي المرتبة التالية الفضاء الكلامي، هما أكبر موانع نقد التفكير. هذا كله موجود، ونحن نعلم جيداً أن إزالة أذيال الموانع، حتى لو كانت ممكنة، ليست جواباً لسؤالنا. الأمل ليس سوى تهيؤ للتفكير. لكن مجرد التهيؤ ليس نقداً للتفكير. نقد التفكير هو قدر التفكير، وقدر التفكير هو نقده..
.
.
.
1- دكتوراه في الفلسفة الغربية من جمعية الحكمة والفلسفة الإيرانية. 2- يُستعمل النقد بمعنييه اللازم والمتعدي. 3- أشرقت الشمس وساق الراعي الأغنام نحوها. فكّر؛ هؤلاء لا يحتاجون أبداً إلى قرار. ربما لهذا يبقون معي دائماً. (الخيميائي، باولو كويلو، ترجمة أرش حجازي). 4- في فضاء الميتافيزيقا، هناك اعتقاد جازم بأنه لا يمكن تصور أي تفكير خارج الميتافيزيقا، وأن كل فلسفة تؤمن بأنها تتحدث عن الحقيقة في كليتها. 5- مجلة سورة انديشه، العدد 85-84، ص 141. 6- لا أقول الميتافيزيقا عمداً حتى لا يثار شائبة حصر التفكير في الميتافيزيقا. 7- لا حاجة للقول بأن المقصود بالكلام هنا ليس علم الكلام، ولهذا تحدثنا عن فضاء الكلام ومملكته. إن علم الكلام في موضعه يمكنه وقد استطاع أن يحمل ثماراً ميمونة ومباركة لثقافتنا وأدبنا.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.