اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول كتاب «تأمل في حافظ» لمحمد علي إسلامي ندوشن سبعاً وسبعين غزلاً، دارساً إياها من حيث تلاحم الشكل والمعنى. يغوص المؤلف في ثيمات العشق والاستنارة والصفاء، ويكشف، عبر ربطها بالتاريخ الإيراني، عن المفاهيم الجوهرية الكامنة في الديوان.

«تأمّل في حافظ» يدرس سبعاً وسبعين غزلاً من الديوان، وقد سعى لأن يظل ارتباط الغزليات بالتاريخ والثقافة الإيرانية قائماً. كانت طريقة العمل على هذا النحو: يُنظر أولاً في الوجه الصوري لكل غزل، أي الزخرفة اللفظية، بما تشمل الحرف والصوت والكلمة والتركيب، ثم يُنتقل إلى الوجه المعنوي، حيث يستُخلص المفهوم منه. ومن البديهي أن هذين الوجهين، أي الصورة والمعنى، لا ينفصلان عن بعضهما، وكأنهما تلَفّا حول بعضهما على هيئة «نبتة المحبة». إن نظرة على جزئيات التركيب الشعري تُنبّهنا إلى أيّ مدى كانت مشغل ذهن حافظ دقيقة ورياضية الطابع. يمكن تشخيص ثلاث سلالات فكرية رئيسية لدى شاعر شيراز: الأولى الحب، والثانية الاستبصار، والثالثة الصفاء. يُقصد بالحب غاية الحياة والخلاص البشري. الحب هو باعث الوجود، بمنزلة الوقود الذي يُحرّك محرك الحياة. أما الاستبصار فهو الميل الذاتي للإنسان إلى معرفة نفسه، لكي يستطيع أن يرى طريق الحياة أوضح، ويعلم من هو وما هو وإلامَ سيكون مصيره.
حافظ شديد الرغبة في ألا يظل رهين الأوهام، ولو على حساب تحمّل مرارات.
المسألة الثالثة هي ذو الوجهين (الرياء) التي يُتحدث عنها مراراً وتكراراً، تارة بالتصريح وتارة بالكناية. قلّما تخلو غزلية من حديث عن الرياء والتزوير والنفاق. إنها من وجهة نظر حافظ أعظم بلية اجتماعية، تُركَّب في ظلها وبذريعتها الرغبات النفسانية البشرية على سدّة الحكم. أولئك الذين يُوضعون موضع الملامة بصفتهم مسؤولين هم، في الدرجة الأولى، علماء الدنيا والمتصوفة. ويأتي من بعدهم العوام (العامّة) الذين هم سندهم وذراعهم التنفيذية. إن معاصرة الأمير مبارز الدين في شيراز لبضع سنين، وقد جمع بين الشريعة والحكم في شخصه، أتاحت لحافظ أن يكتسب خبرة مباشرة عن هذا الأسلوب في العمل، وثلة من أفضل غزلياته هي حصيلة تجربة هذه الحقبة. ومع أن الرياء كان موضع اعتراض المتكلمين طوال عمر اللغة الفارسية الدرية، فلم يتناوله أحد أفضل من حافظ. يقول بنبرة حنق: دنس الخرقة خراب العالم..... أو: عجب إن لم تشتعل نار هذا النفاق في الدفتر...
إن التعمّق في غزليات حافظ - التي لم تفارق حضرتي قط، على الأقل منذ أربعين سنة خلت - كان في الدرجة الأولى لأتعرف من خلال حافظ على زوايا التاريخ الإيراني. أهمية حافظ ليست في بُعده الشاعري وجمال كلامه فحسب، بل تكمن أيضاً في أنه يُعرّفنا بأنفسنا على نحو أفضل. إنه يُخرج كل لاوعينا من الأعماق إلى السطح ويُخبرنا بما كان الأسلاف رهائن له من مغامرات.
في هذه المجموعة اكتفيت بسبع وسبعين غزلاً، لأن جميع مفاهيم حافظ الرئيسية كانت تتسع لها هذه المختارات. لقد أحب حافظ أن يكرر موضوعاته الأساسية التي تشغله، يقولها ويعيد قولها. هذا التكرار، بفضل لطف بيانه، غير محسوس في الغزليات نفسها، لكنه حين يُصاغ نثراً وشرحاً، قد يثير الملامة. هناك من يحبون أشعار حافظ في غلالتها الشفيفة ذاتها، على نحو غامض ومنزلق. قد لا يروق لهؤلاء أن يُرفع عنها بعض الحجاب، لأن الخفاء نفسه قد يكون أحياناً مما يزيد الجمال، ولكن ما العمل؟ لا بد من إعطاء الفضول البشري، الذي يحب في الوقت نفسه رفع الحجاب، نصيبه، وكان هذا عذري عما قمت به في هذا الكتاب. (منشورات يزدان وآثار)
مقدمة الحب الاستبصار الصفاء متن الكتاب دراسة سبع وسبعين غزلاً
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.