اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتحدث الدكتور محمد علي إسلامي ندوشن عن طفولته في ندوشن، وعن العادات العريقة التي تعود إلى ما قبل الإسلام، وعن الدافع الذي حمله على الكتابة. وهو الذي كان يحلم بتأليف كتابٍ فذّ، يرى الحياة لغزاً، ويرى الكتابة سبيلاً لمشاركة الآخرين وحدته.

الدكتور محمد علي إسلامي ندوشن (من مواليد عام 1304) مترجم وكاتب إيراني شهير، أبدع آثاراً قيمة مثل: «لن ننسى إيران»، «قصة القصص»، «حياة الأبطال وموتهم في الشاهنامه»، «إيران وعزلتها»، «تحذير الزمان»، «ما الذي تريد إيران أن تقوله؟»، «الطريق والطريق المسدود»، «لنصغِ إلى الكلمات»... وإذا أمكننا أن نقول عنه كلاماً يكون قصيراً وكاملاً في آنٍ واحد، ويُعرّف به حق المعرفة، فلن نجد كلاماً أجدر من كلام الدكتور أصغر دادبه، حين دعاه لإلقاء كلمة في المؤتمر العالمي «من بلخ إلى قونية»، فقال: «في التعريف بالأستاذ يكفي أنه إن كان قد نسي نفسه في هذه السنوات، فإنه لم ينسَ إيران ولو للحظة»... في هذا الحوار الذي بين أيديكم، تناولت حياة الدكتور إسلامي ندوشن. وهو بالطبع قد تناول مراحل حياته المختلفة في كتابه «الأيام» الذي صدرت منه ثلاثة أجزاء (والجزء الرابع منه ظل عالقاً في وزارة الإرشاد لزمن طويل)، ومن هنا، فقد أجريت هذا الحوار بعد إعادة قراءة «الأيام» لأقلل من التكرار قدر الإمكان.
.
.
إذا كنتم توافقون، فلنبدأ الحوار من مرحلة طفولتكم. كنت قد قرأت في الجزء الأول من «الأيام» أن تاريخ ميلادكم لم يُدوَّن خلف كتاب لكي لا تلقوا مصير الأطفال السابقين في العائلة، وأن كل ما فعلوه بشأنهم لم يفعلوه بشأنكم، ومن ثمَّ أُسلمتم إلى مرضعة، وقد أشرتم إلى أنكم حين كبرتم أدركتم أكثر مزاياها الطيبة.
لقد رويت قصة طفولتي في «الأيام» (الجزء الأول). كنت قد سمعتها من الكبار. اثنان من إخوتي لم يعيشا في طفولتهما، وكان والداي يخشيان أن أكون مثلهما، لذا لجآ إلى هذا الاحتياط... كنت آخر أبناء العائلة، وكانت أختي هي الابنة الأخرى الوحيدة، وكانت البكر. أما البقية، وهم عدة صبيان، فقد ماتوا منذ الرضاعة بسبب الجدري أو أمراض الطفولة الأخرى. ولهذا السبب لم يستبشروا خيراً بتدوين تاريخ ميلادي خلف كتاب، لأن تدوين تاريخ ميلاد الآخرين لم يُبقِهم على قيد الحياة، فأرادوا ألا يفعلوا بي ما فُعل بهم. حتى إنهم منعوني من رضاعة أمي، ظناً منهم أن هذا الحليب يحمل نحساً ولا يُربي الأطفال (وكان هذا بلا أساس)، وأسلموني منذ البداية إلى مرضعة أرضعتني حتى النهاية، وكانت امرأة شريفة وفصيحة تقرأ القرآن بقراءة صحيحة جداً... طفولتي طافت عائمة بين النوافذ الملونة والضوء والشمس التي كانت تسطع من خلفها... كنا ستة أشخاص في البيت: والداي وأختي وأنا؛ وكذلك معصومة وسيد أبو الحسن، وكانا خادمي البيت. كان عمل سيد أبو الحسن إيصال الرسائل وجلبها والأعمال المتفرقة في الزقاق... أما معصومة فكانت لها قصة أخرى. لقد وُلدت في بيتنا وكبرت فيه، ومع أنها تزوجت لم تذهب إلى بيت زوجها قط ولم تنجب ولداً، ثم بقيت في بيتنا حتى نهاية عمرها الذي بلغ السبعين عاماً وماتت فيه. وكانت أمها جوهر على الحال نفسها في بيت جدي. لقد أمضت حياتها كلها هناك. هاتان الأم وابنتها ارتبطتا بحياتنا ارتباطاً لا ينفصم. كنت آنس بمعصومة بقدر أنسي بأمي.
كيف كان مكان كبوده؟ وما هو وضعه الآن؟
ندوشن، وهو الاسم المستعار الذي اخترته، قرية نائية تقع بين ثلاث مناطق: يزد وأصفهان وفارس. قديمة جداً. تبعد مئة كيلومتر عن يزد، وكان أهلها قبل الإسلام يدينون بدين آخر، لا نعرف ما هو، إذ تظهر فيها آثار قبور لا تتجه نحو القبلة. ومؤخراً، اكتُشفت في الكهوف القريبة منها نقوش حجرية عمرها آلاف السنين، تدل على استيطان بشري يعود إلى ما قبل التاريخ. ندوشن، التي يشي اسمها نفسه بقدمها، كانت لا تزال في زمن طفولتي تمارس عادات وطقوساً قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام، ومنها تقديس النار التي رويت قصتها في كتاب «روزها» (الأيام). اشتهر في طفولتي أن فيها أربعمئة أسرة، أي نحو ألفي نسمة. أما الآن، فرغم أن شبابها تفرقوا بحثاً عن العمل، فإن الزيادة السكانية والتغيير قد تسللا إليها أيضاً. وفي التقسيمات الجديدة، صارت تُعرف كمدينة، مع أنها لم تشم رائحة «المدنية». لكنها اتسعت وتغيرت، حتى أنني لو دخلتها الآن لما عرفت موضع دارنا القديمة.
عدا الأدب القديم، والكتب التي عرّفكما بها خالكما وخالتكما (أعمال مولوي وسعدي)، ماذا كنتم تقرؤون؟
كان هناك كتاب قديم مهترئ، يحوي معجزات الأئمة، يسرد معجزة كل واحد منهم بتفصيل وإسهاب. كنت أقرؤه وأنا مأخوذ بالدهشة. طبعاً، كنت أحب أيضاً أمير أرسلان وحسين الكرد الشّبستري. لم تكن القراءة شائعة في قريتنا. ولهذا كانت أمي تقلق من قراءتي وتعتبرها اهتماماً غير عادي لفتى يافع.
ثمة نقطة لافتة في «روزها»، وهي الأمنية التي كنتم تحملونها. الأطفال في أحلام يقظتهم يتمنون دائماً ماذا سيفعلون حين يكبرون، لكن ما كان يجول في ذهنكم كان مختلفاً: «لم يكن النموذج الإنساني الأمثل الذي أراه أمامي أميراً ولا وزيراً؛ لم يكن للسلطة والثروة والأبهة مكان، بل كانت أمنيتي أن أستطيع يوماً أن أكتب كتاباً يكون سيّد الكتب». ولهذا فإن السيد الخطيب الذي رأيتموه في مكتبة سوق «مير» وقد ألف كتاباً، كان يلفت نظركم أكثر من التاجر والحاكم وغيرهما. بعبارة أخرى، كنتم تريدون أن تقدموا إجابة عن أسئلة إنسانية نابعة من هواجسكم الوجودية. والآن، بعد أن مرت سنوات على تلك الأمنية والمخيلة النبيلة، كيف تفكرون؟
ما زلت كما كنت في الماضي، في «بحث» دائم. الحياة بسيطة وطبيعية، وفي الوقت نفسه مفعمة بالألغاز. ولهذا فإن كل الكتب التي أُلفت في العالم تدور حول هذا الموضوع: ما الحياة وما مصيرها؟ أينما تجلت في الكون، ترى السماء باللون نفسه. سكان الأرض كلهم سواء. لا يختلفون في الجوهر، ومع ذلك لا يشبه اثنان بعضهما. هذا هو عجب الحياة. الإنسان بين الموجودات هو الأكثر ضعة والأعظم شأناً. إنه يعلم أن هذا العمر سينتهي يوماً، ورغم كل الأوهام التي يحملها عن الحياة في العالم الآخر، فإنه في أعماق ذاته لا يريد أن يتخلى عن هذه الحياة الأرضية، إلا إذا جعله ألم عظيم – جسدي أو روحي – يتوق إلى ذلك. أنا بالطبع، ومنذ سن المراهقة، ربطت مصيري بالقلم. وجدت أعظم سعادتي وتوفيقي في الكتابة. لعل السبب هو أن البشر يجدون أنفسهم في الحياة وحيدين بلا ملاذ، فيتوهمون من خلال الكلام والكتابة أنهم ينتشرون في الآخرين، ويشاركونهم وحدتهم، فيتشبث كل منهم بغصن. هذا عزاء للنفس. كنت أتوقع هذا من الكتابة. أظن أن كل من مارس الكتابة كان أسير هذا التوقع، صغيراً كان أم كبيراً. لماذا يقول الفردوسي: لن أمت بعد الآن فإني حي! ويقول حافظ: في صدور الناس العارفين مقامنا! وفي العهد الجديد أيضاً: في البدء كانت الكلمة... (إنجيل يوحنا) أي أن الحياة تبدأ بالقول. ما زلت الآن على هذا المنوال. أعتقد أن حياتي كانت ستمضي عبثاً ومرارة لو لم تكن الريشة في يدي. مع ما في حياة كل إنسان من مصاعب، لا بد للمرء من سند كي لا يشعر بالعبث في الحياة. قال مسعود سعد:
لولا أن صار نظمي باعثاً للحياة في عمري / لكان الكون قد غرق في الألم والوجع
ليس المهم أن يكون ما يكتبه المرء قيماً أم لا، ففي المقام الأول يريد أن يقنع نفسه هو.
في ميدان الكتابة والتنوير، أنت من الذين يتجنبون التعقيد والغموض ويؤكدون على البساطة في الأسلوب (لا تبسيط المسائل والمفاهيم)، ولهذا السبب أفكر أحيانًا في مدى شبهك بأستاذ الكلام، سعدي... لعل إحدى الفقرات الجميلة في حياتك خلال فترة الطفولة والصبا، هي تلك اللحظات التي كنت تجلس فيها إلى جانب خالتك التي قنعت بحياة صغيرة رغم تمتعها بالمال والثروة، وتصغي إلى أشعار سعدي التعليمية والحكمية، برأيك كم كان ذلك التعارف الأول (مع سعدي) مؤثرًا فيما بعد، حين أقبلت على الكتابة، في الأساليب التي اخترتها؟
أستطيع القول إنني تعرفت على الكلام من خلال سعدي، وقد رويت قصته. إن سلاسة لغة سعدي وعذوبتها تجعلها تستوعب الجميع من الطفل إلى الشيخ. يثير دهشتي لماذا لا يبدي الناشئة اليوم اهتمامًا بسعدي. لأن الزمان تبدل ودخلت الحياة تسليات ومباهج جديدة. ربما بعد ثلاثين عامًا، لن يكون لقراءة الكتب شأن كبير لدى الأبناء. كل شيء يؤدي معناه بالإنترنت والكلمة. أظن أننا كنا آخر جيل لم ينقطع إلى هذا الحد عن الرصيد المعنوي للماضي. كنا ننهل من شعر مسعود سعد بقدر ما كان ينهل معاصرو مسعود سعد، وكانت لغة الأقدمين مفهومة لدينا. لكن على الجيل التالي أن يأخذ رضاه من منابع أخرى. كأفلام الضرب والعراك مثلاً، أو مشاهدة كرة القدم.
حدث مرارًا أننا حين تحدثنا مع صديقنا المشترك –الأستاذ فريدون مجلسي– عن آثاركم، أشار إلى «روزها» (الأيام) وإلى حيث تتناولون حياة «نعيم» المليئة بالأسى، فنغرق معًا في اللذة لأنكم أبدعتم صورة فنية رائعة للانفراد وآلام نعيم التي لا هوادة فيها: «بعد وفاة والدي، عزمت والدتي على أن نمتلك نحن أيضًا عددًا من الأغنام. فاشترينا حوالي مئة معزاة واستُؤجر راعٍ. بعد عامين أدركت والدتي أننا لا نستطيع النهوض بهذا الأمر فباعتها من جديد. وبطبيعة الحال أصبح الراعي واسمه نعيم بلا عمل. كان أحد أولئك الرجال قليلي الموهبة الذين لا صنعة لهم سوى رعي الأغنام على صورته البدائية. غير أن له هو الآخر زوجة وأطفالاً وكان عليه أن يؤمن معاشهم. كان رجلاً في نحو الخمسين، على خلاف الرعاة الآخرين، يميل قليلاً إلى السمنة، له عينان ضيقتان فاترتان ووجه منتفخ محروق بالشمس. كان قليل الكلام. وكأن تشغيل دماغه وأداء العدد الضروري نفسه من الكلمات كان يشكل صعوبة له. في اليوم الذي كان علينا أن نصرفه فيه، جاء ووقف في فناء الدار. ارتدت والدتي الشادر وراجعت حسابه السابق فبلغ مجموع طلبه بضعًا وعشرين تومانًا. عدت عددًا من الأوراق النقدية الحمراء من فئة التومانين ووضعتها في يده. لفها بين أصابعه الغليظة ثم وضعها في جيب قفطانه، وربط جرابه على ظهره، وتناول عصا رعيه وودعنا وانطلق في طريقه. كان من سكان إحدى المزارع المجاورة التي تبعد عن قريتنا أربعة فراسخ. توجه صوب البوابة. جئت إلى باب الدار ورأيته من الخلف وهو ذاهب. كان له ظهر عريض يستقر عليه الكول، وكان يخطو بثقل. كان جرابًا من الانفراد، من الانغلاق، ومن الحيرة. لم أكن أعرف في تلك اللحظة ما الذي يجري في دماغه الغائم، لكني كنت أفكر في نفسي، بعد أن ينفد هذا المبلغ من المال، وهو ما لن يطول لأكثر من شهرين أو ثلاثة، ماذا سيفعل... كانت الأمثلة من هذا القبيل كثيرة، مع أن تولستوي يقول إن كل عائلة تعيسة هي تعيسة بأسلوبها الخاص» أريد أن أعرف مع وجود مثل هذه الحساسيات، كيف أنك بعد أن توجهت إلى طهران (شهريور 1323) لمتابعة الدراسة في المدرسة الداخلية، وفي جو ذلك الزمان وبعد رحيل رضا شاه (وانفتاح الفضاء الاجتماعي والسياسي) حيث كان للميل نحو الجماعات والأحزاب التي كانت تتغنى بالمساواة والاشتراكية بروز خاص بين أهل الثقافة والفن أيضًا، لم تمل نحو ذلك الاتجاه؟ أرى بحثًا متواصلاً في حياتك، لعل هذا النهج نفسه كان رادعًا، أردت أن تشرح أنت بنفسك.
يبدو أن قصدكم هو لماذا لم أنخرط في أحد التيارات السياسية اليسارية وتكتلاتها. لطالما تحاشيت الانضمام إلى الجماعات والأحزاب، لأنني لم أرها متوافقة مع طبعي. لم يكن الوضع الاجتماعي على نحو يسمح للمرء بأن يتخذ موقفاً باتجاه معين باطمئنان. وقد أظهرت التيارات اللاحقة أنني لو كنت قد اتجهت نحو أحدها، لكان ذلك مدعاة للندم. إجمالاً، لم ألوث نفسي بالسياسة. كان من الممكن أن أتقبل جزءاً من أي مذهب سياسي، لكنني لم أكن أقبل مجموعه. بطبيعة الحال، لم أكن خالياً من الانشغال السياسي، لكنني كنت أتابعه من خلال الثقافة التي كنت أراها أساس العمل. كان العصر الذي عشت فيه حافلاً بالإغراءات المتلألئة المتنوعة، لكنني الآن سعيد لأنني بقيت غير مكترث بها، وبالجملة لم أخطُ خطوة أندم عليها الآن.
عندما تأتي إلى طهران، في الأيام الأولى، تزور مهدي آذر يزدي (في المطبعة العلمية). حدثنا عن ذلك اللقاء، أعتقد أنك كنت تبحث عن الكتب الجديدة أيضاً.
بدأت معرفتنا من الكتاب، حيث كان يملك مكتبة في يزد، ثم واصل هذا الاهتمام المشترك بالكتب صداقتنا حتى اللحظة الأخيرة. حالة آذر يزدي هي إحدى النماذج المؤسفة. فطالما كان حياً لم يكترث به أحد، وبعد أن رحل رفعوه على الأيدي. كان آذر هو هو دائماً، رجلاً بسيط العيش مشرداً، لم يضف الموت إليه شيئاً، ولأنه لم يكن له زوجة ولا أولاد، توجه إلى أطفال الآخرين وكتب لهم القصص.
في الفترة التي كنت تدرس فيها في ثانوية البرز، كان شخصيات مثل ذبيح الله صفا، ويحيى مهدوي، وبرويز ناتل خانلري و... يدرّسون هناك، وكذلك مهدي حميدي شيرازي الذي تعرض للهجوم الشديد في الصراع بين القديم والجديد من قبل أحمد شاملو في قصيدة باسم «الشعر الذي هو حياة»: «مرةً أيضاً حميدي الشاعر/ في بضع سنواتٍ خلتْ/ على مشنقة شعره/ علقتُه...» كيف وجدت حميدي شيرازي؟
في خضم الصدام بين القديم والجديد في الشعر، وقع حميدي ضحية للظلم، وكان ذلك لأنه كان يعلي من شأن نفسه أكثر من غيره. لقد أصبح تيار الشعر الحديث والتقليدي، إلى حد ما، ممثلاً لسياسة اليسار واليمين، وهو نقاش مطول، لأن الخوض فيه يتطلب تحليل المجتمع والسياسة في ذلك الزمان، وليس هنا مجاله.
في تلك الأيام كنت تقرأ المجلات بدقة أيضاً. مجلة «يادگار» لا تحظى بشهرة مجلة «سخن»، لأي سبب تعتبر «يادگار» من أفضل المجلات الناطقة بالفارسية؟
كانت «يادگار» مجلة معقولة ومدروسة، وكانت تعنى أكثر بالثقافة والتاريخ الماضيين. أما «سخن» فكانت تتجه نحو التجديد وإلى حد ما نحو الثقافة الغربية. كان لكل منهما مكانتها وقراؤها الخاصون. أما سخن، فكان الشباب والمفكرون الجدد هم الأكثر طلباً لها بالطبع، لكن للأسف، ورغم عمرها الطويل، سارت سخن في منحدر إلى حد ما. كانت فترة «يادگار» قصيرة وبقيت على عهدها حتى النهاية.
بعد اجتياز الامتحان النهائي في ثانوية حكيم نظامي، حين تعود إلى القرية، تبدأ الزيارات، ومن المثير أن النقاشات السياسية والأحاديث حول حزب توده كانت دائرة هناك أيضاً، وذلك في كبوده التي لم تكن على ارتباط كبير بالمحافل السياسية التي كانت تجري بشكل رئيسي في طهران والمدن الكبرى، كيف كانت تصل تلك النقاشات إلى كبوده؟
كانت إيران قد تسيست بشدة في حقبة ما بعد شهريور 1320، وكانت السياسة قد وجدت طريقها إلى القرى النائية. وبشكل خاص، كان حزب توده يقوم بدعاية واسعة، ويمكن القول إن البلاد كانت قد انقسمت إلى فئتين: توده وأضداد توده. وكان لندوشن من هذه الناحية خصوصية إضافية، وهي أن أحد القادة المعتبرين لحزب توده، أي الدكتور مرتضى يزدي، كان قد انحدر من ندوشن، وكان أقرباؤه لا يزالون في القرية، ولم يكونوا بلا تأثير في جذب الانتباه إلى توده، رغم أنه بعد أن مر بتقلبات كثيرة، صار من «التوابين». كان حزب توده، بدعايته الواسعة، قد جعل التطرف اليساري رائجاً، وكان ذلك يُعرف كعلامة على التنوير واليقظة.
قصيدتكم الأولى تنشر في خرداد 1325 وفي «سخن»، ومن الواضح أنها كانت مجلة صعبة الإرضاء، كما أن افتتاحية المجلة بعنوان «براعم الشعر الحديث» تتناول تلك القصيدة بالذات. لماذا لم تواصلوا قول الشعر؟
شعرت أن النثر أكثر استجابة لي.
بما أن الحديث تحول إلى أشعاركم، أتذكر أننا كنا نتحدث قبل فترة أثناء سيرنا على الأقدام عن رباعياتكم «ربيع في الخريف» وكنتم تقولون إنها كانت ثمرة المشي في حديقة قيطريه، أود لو تتفضلون ببعض التوضيح حول هذا الأمر.
«ربيع في الخريف» وهي مجموعة من سبع وسبعين رباعية لا تعني في الواقع أنني عدت إلى قول الشعر. إنها نوع من الشرارات الآنية التي لا أدري كيف انفصلت عني. إذا قلت إنها برزت إلى حد ما بشكل تلقائي ولا واعٍ، فلن يكون ذلك بعيداً عن الواقع. أثناء جولاتي اليومية في حديقة «قيطريه»، لا أقول دون تفكير بل على نحو باغت. أستطيع القول إن هذا العدد القليل من الرباعيات يحمل في طياته عصارة حياتي ونظرتي إلى العالم. إنها ثمار شجرة الحياة، كل واحدة منها تعبر عن مقاربة للحياة، ولهذا، وعلى عكس قول الرباعيات في اللغة الفارسية، لا تكرار فيها، فالسبع والسبعون رباعية تعبر عن سبعة وسبعين موضوعاً. وفي النهاية، يسعدني أنها طُبعت بأبهى حلة، بخط الأستاذ أميرخاني الجميل.
لقد كتبتم قصصاً أيضاً، وأشرتم إلى أنكم عرضتموها على صادق هدايت قبل النشر، فما كان رأيه؟
في كتابة القصة قمت ببعض التجارب، لكن الثقل الأساسي لعملي القلمي كان في المقالة. نُشرت لي قصتان باسمي «المستقبل» و«الحياة» في مجلة «بيام نو» التي كان يرأس تحريرها بزرك علوي، وتُرجمت إحداهما فوراً إلى الروسية. عرضتها قبل الطبع على صادق هدايت. قرأها لكنه لم يقل شيئاً. لم تكن له عادة أن يثني على شيء.
مع كل هذا الذوق الأدبي، لماذا اخترتم كلية الحقوق؟
لم أكن أرغب في أن أصبح أديباً محترفاً. لقد استحوذ الأدب عليّ، لكن الحقوق علمتني أشياء أيضاً. هذان الاثنان عندي بمنزلة أختين غير شقيقتين.
تكتبون عن هدايت: «لقد أيقظني هدايت على أن أنظر بعين اللامبالاة أو الازدراء إلى خفة العصر، والتعينات المقامية، وبعض التعاليات الأدبية والمتعالمة، وخلاصة كل ما تفوح منه رائحة الكذب والتزوير...» يبدو أن صادق جوهرين هو من عرّفكم بهدايت لأول مرة في مقهى الفردوسي. وفي ليلة دعوتموه إلى الحيّ الجامعي، وآخر لقاء كان في مترو باريس حيث رأيتموه فاتر العزم. إن لم أكن مخطئاً، كان ذلك آخر لقاء لكم به، ثم قرأتم خبر انتحاره في لوموند وقد نُشر خطأً (شاعر إيراني شهير ينهي حياته بالغاز)... لكن قبل ذلك، حين اجتزتم امتحانات كلية الحقوق في جامعة طهران وقررتم العودة إلى ديار الأجداد، ذهبتم إليه لتوديعه، ماذا تذكرون عنه؟
بخصوص التعرف على هدايت واللقاءات المتعددة، تحدثت عنها في موضع آخر. كان هدايت مترجماً في كلية الفنون الجميلة، ولهذا كان يظهر أحياناً في حرم جامعة طهران ويجلس لساعة في كلية الفنون الجميلة لينجز أعمال الترجمة. وكان يحدث أن أذهب إلى غرفته لرؤيته وأستفيد من صحبته لبضع دقائق. كان صادق هدايت لطيفاً معي، وكنت أكنّ له احتراماً كبيراً، لأنه أدار ظهره لابتذالات العصر وعُرف ككاتب حر.
بعد إنهاء الدراسة أُرسلتم للعمل في محكمة مدينة شيراز. بتعبيركم أنفسكم في مدينة العشق وفي خدمة جهاز بعيد عن العشق...
لم تطل إقامتي في شيراز أكثر من ستة أشهر. كان قلبي يهفو إلى السفر إلى الخارج. ولهذا كنت في حكم شخص «في الجمع وقلبه في مكان آخر».
لماذا اخترتم فرنسا لمواصلة الدراسة؟
كنت أكثر أنساً بالأدب الفرنسي. كانت الثقافة الفرنسية تبدو لنا نحن الإيرانيين أكثر ألفة. في ذلك الزمان كانوا يسمون إيران «فرنسا» آسيا، أي أنهم كانوا يرون وجوه شبه بين الاثنتين.
ما هو أول كتاب نُشر لكم (تأليفاً أو ترجمة)؟ والآن وبعد مرور السنين، ما هو شعوركم تجاهه؟
كان أول كتاب لي هو ترجمة «انتصار الديمقراطية في المستقبل» بقلم «توماس مان» الكاتب الألماني الشهير الحائز على جائزة نوبل. طُبع هذا الكتاب مرتين، لكن الطبعة الثالثة ظلت «في انتظار الترخيص». نشرته مع مقدمة مفصلة (منشورات أمير كبير) وكانت صدفة حسنة، لكنني سعيد لأنني بدأت كتابتي الأولى بموضوع «الديمقراطية». تيمّنتُ به فاتحة خير لعملي. وفي تلك المقدمة ذاتها، رُسم خطي الفكري الذي استمر لاحقاً.
أنتم، سيدي، على دراية بالثقافة والحضارة الإيرانية العريقة، كما أنكم على دراية بالثقافة والحضارة البشرية الحديثة. بعض الذين تمكنوا، مثلكم وفي تلك الحقبة، من الذهاب إلى أوروبا للدراسة، اتجهوا بعد عودتهم إلى البلاد، وبسبب مواجهتهم للثقافة والحضارة العالمية الجديدة (الغرب) ورغبتهم في ترسيخ القيم المنبثقة عن الأفكار الجديدة، إلى العمل السياسي أيضاً، غير أننا لا نجد مثل هذا الميل في حياتكم. أنتم تعشقون الوطن، حتى إنكم بعد تقديم أطروحتكم لا تترددون في قول: «ليس في هذه المدينة نارٌ تصنع شيئاً / لعل شمعة أناملك تدبّر لي حيلة فرار / لقد أطلنا المكث في هذا البيت المليء بالدخان / لعل تلك الريح حاملة الرسالة الطاهرة / تهبط من خيمة البرز...» أنتم بالطبع حسّاسون تجاه ما يجري في إيران والعالم، وتتطرقون إليه أحياناً في مقالاتكم، لكن يبدو أن لديكم هواجس أخرى. ما يلفت النظر أكثر في مسيرة حياتكم (وكتبكم) هو الاهتمام بعملية إصلاح الثقافة. هل يمكن القول على هذا الأساس إنكم ترون أن علة العلل لكثير من مشكلاتنا تكمن جذورها في الثقافة؟
بعد أن أنهيت عملي في باريس، عدت إلى إيران فوراً. لم أرغب قط في العيش خارج إيران في بلد آخر «على هذه الأرض وُلدت وعليها سأرحل!». أما الثقافة، التي طالما تحدثت عنها طوال هذه السنوات الخمسين، فأهميتها تكمن في أن أي بلد يجب أن يُدار بشعبه، والشعب يجب أن يُدار بثقافته. إن تعثر أحدهما تعثر الآخر، وعندها، كما يقول سعدي:
طريقٌ إلى العاقبة الحسنة يهدي / وطريقٌ إلى سوء العاقبة، فاختر الآن
يقول السيد فريدون مجلسي إنه عندما كان ضابطاً في الخدمة العسكرية (شتاء 1346) وكان يحضر دروسكم، كنتم تبدون اهتماماً بقضايا مهمة، منها: موضوع السجناء السياسيين وضرورة معاملتهم بشكل مختلف ومحترم، مع توضيح أنه، بغض النظر عن كل شيء، يجب ألا ننسى أن كثيراً منهم سيكونون قادة سياسيين لمجتمعاتهم في المستقبل. ومنها مفهوم الديمقراطية ودور الانتخابات في الحكم الديمقراطي وحكم الأغلبية، مع توضيح أن الديمقراطية حكم يقوم على تأييد الأغلبية، لكنها مع قليل من الانزلاق يمكن أن تؤدي إلى نوع من ديكتاتورية الأغلبية... لكنكم حين تطرحون هذه الآراء، لا أثر للديمقراطية ولا هاجس لها، وأولئك الذين يقبعون في السجون همّهم الأكبر هو العدالة وأمور أخرى. ما الداعي لطرح هذه الآراء في ذلك الوقت؟
يذكر السيد فريدون مجلسي درس «القانون الدستوري» الذي كنت أدرّسه قبل سنوات في الجامعة الوطنية (جامعة الشهيد بهشتي حالياً). كان معروفاً في ذلك الوقت أن السجناء السياسيين لا يُعاملون معاملة لائقة. لذا، أثناء الدرس، فتحت نقاشاً حول الفرق بين السجين السياسي والسجين العادي، وقلت إنه بما أن الافتراض هو أن السجين السياسي لديه دافع المصلحة العامة، بينما السجين العادي لديه دافع شخصي، فيجب أن تكون معاملتهما مختلفة. لا يعني ذلك ألا تكون معاملة السجين العادي إنسانية. أما بخصوص الديمقراطية وتصويت الأغلبية، فقد أظهرت تجربة هذه السنوات أن ليس كل ما يلمع ذهباً. تُظهر هذه التجربة إلى أي مدى يمكن إساءة استخدام هذا الموضوع. صدام حسين، عندما كان في السلطة، حصل في أحد الاستفتاءات على 95% من الأصوات، ثم أسقط الشعب نفسه تمثاله لاحقاً. التصويت يكون جديراً بالاحترام عندما يتم دون تشويه، وألا يكون نتاج دعايات خادعة وسذاجة العامة. في أمريكا الديمقراطية نفسها، إذا أعلن مرشح للانتخابات أنه سيخفّض الضرائب، فستنهال عليه الأصوات، بغض النظر عن ماهيته، وهنا تكمن ألف نكتة أدق من الشعرة...
عندما اختير الدكتور غلام حسين صديقي من قبل الشاه لتولي منصب رئاسة الوزراء، يبدو أنه دعاكم أيضاً للمشاركة في الحكومة. ماذا كان ردكم؟
إشارتكم تعود إلى أحداث شتاء عام 1357 حين كُلِّف المرحوم الدكتور غلام حسين صديقي، أستاذ جامعة طهران، بتشكيل الحكومة في وضع طارئ. صديقي، الذي كان رجلاً وطنياً، لو أنّه قَبِلَ في البداية فذلك لأن البلاد كانت تمر بظرف بالغ الحساسية. كانت كردستان في حالة شبه حرب، وفوق كل شيء، كان هناك خوف من انقلاب عسكري وإراقة دماء في البلاد. لذلك، وفي مثل هذه الظروف، كان قبول المسؤولية يتطلب تضحية ضرورية. المرحوم الدكتور صديقي، وبحكم حسن ظنه بي، دعاني للمشاركة في الحكومة، لكنني اعتذرت لأن الأمر بدا مستحيلاً في الظروف القائمة، ولحسن الحظ أنه توصل هو أيضاً إلى النتيجة ذاتها وصرف النظر.
أود في هذا الحوار أن أتناول السمات العلمية والشخصية لصديقكم الراحل الدكتور مصطفى رحيمي، الذي كان مثقفاً بكل ما في الكلمة من معنى، وربما يمكن القول إنه لم يُلتفت إليه وإلى آثاره القيّمة بالقدر الذي يستحقه؟
ربما يعود ذلك إلى أنه كان يحمل همّ "الحرية" وهمّ "العدالة" معاً. ذروة تألقه برأيي كانت حين تناول موضوع ربيع براغ والاشتراكية الإنسانية التي طرحها ألكسندر دوبتشيك، حيث يغوص في عمق الحدث ويقدم تحليلاته بشكل يجعلني أستطيع القول بجرأة إنه يواجه هذه القضية بقامة مثقف عالمي... ولهذا السبب بالذات لم يُدرَج ضمن التصنيفات السياسية والفكرية (خاصة في العقدين الحساسين الأربعينيات والخمسينيات)، ثم إنه برأيي كان يفكر ويكتب متجاوزاً الأطر الإيديولوجية السائدة في زمانه. كانت تربطني بالمرحوم مصطفى رحيمي معرفة طويلة الأمد، منذ أيام الدراسة في ثانوية إيرانشهر بيزد، لكنه كان يكبرني بعام دراسي واحد. ثم استمرت هذه المعرفة، رغم أن طهران لم تكن تسمح بلقاءات منتظمة، فكانت اللقاءات متقطعة. الدكتور رحيمي كان كاتباً إنسانياً ورزيناً، وأما قولكم إن قيمته لم تُدرَك كما ينبغي، فإن كان الأمر كذلك، فلا عجب. فمن لا يدخل في التصنيفات والمقايضات القلمية، لا ينبغي له أن يتوقع أكثر من هذا، لكن الأمة الإيرانية على المدى الطويل تملك ميزاناً لا يميل كثيراً مع الهوى، والزمن حَكَمٌ لا يرحم.
كسؤال أخير، ما الذي تعملون عليه الآن؟
أعمل على الشاهنامه، حيث تُنشر على شكل عشر قصص منفصلة، بخط اليد، وبصورة فاخرة جداً عن منشورات كلهر، وأنا أتولى مقدمتها وترتيبها. صدرت منها قصتان حتى الآن: رستم وسهراب، وبيجن ومنيجه، وستُنشر البقية تباعاً. إنها تقديم جديد للشاهنامه يجمع بين فنون الخط والرسم وفخامة الطباعة. يُتوقع أن يتمكن من إقامة تواصل أيسر بين القراء، وخاصة الشباب، والشاهنامه.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الأدب
الأدب
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.