اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول مقال «التفكير ضد الذات: تأملات في تشوران» مكانة إميل تشوران في تقليد التفلسف الذي نشأ بعد انهيار الأنظمة الفلسفية الكبرى؛ وهو تقليد لا يكون فيه الفكر بناءً لنظام، بل مواجهة شخصية وخطرة وأحيانًا مدمرة مع الذات. يوضح المقال كيف حوّل تشوران، متأثرًا بنيتشه وكيركغارد وفيتغنشتاين، الفلسفة إلى تجربة من الوعي المفرط والشك والبحث عن الحقيقة عند حدود قدرة الإنسان على الاحتمال.

من كتاب أساليب الإرادة الراديكالية. نيويورك: فارار، شتراوس وجيرو، ۱۹۶۹.
«ما جدوى الانتقال من موقف يستحيل الدفاع عنه إلى موقف آخر، والسعي دائماً إلى التبرير في المستوى نفسه؟»
صمويل بيكيت
«من الممكن، بين حين وآخر، ألا يكون للمرء أي شيء على الإطلاق؛ إمكان العدم.»
جون كيج
زماننا زمان تستوعب فيه قبضة الوعي الافتراسية كل حدث فكري أو فني أو أخلاقي: أي تؤرخه. يمكن تقييم أي قول أو فعل بوصفه «تطوراً» عابراً بالضرورة، أو الحط من شأنه، في مرتبة أدنى، بوصفه مجرد «موضة» عابرة. لقد امتلك العقل البشري الآن، كأنها طبيعة ثانية، منظاراً إلى إنجازاته هو يقوض على نحو قاتل قيمتها ودعواها إلى الحقيقة. ومنذ أكثر من قرن، يحتل هذا المنظور التاريخاني صميم قدرتنا على فهم أي شيء. وما كان ربما في وقت من الأوقات عرة هامشية في الوعي، غدا اليوم حركة هائلة لا يمكن ضبطها؛ الحركة التي يتفضل الإنسان بواسطتها على نفسه بلا كلل.
نفهم الشيء بوضعه في متصل زمني تحدده عوامل متعددة. فالوجود ليس سوى بلوغ هش للصلة بالمعنى وسط تدفق شديد الحركة من الماضي والحاضر والمستقبل. لكن حتى أكثر الأحداث صلة بالموضوع تحمل في داخلها صورة تقادمها. وهكذا يصبح العمل المنفرد، في نهاية المطاف، إسهاماً في مجموعة أعمال؛ وتشكل تفاصيل حياة ما جزءاً من تاريخ تلك الحياة؛ ويبدو تاريخ حياة فردية غير قابل للفهم بمعزل عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛ وتكون حياة المجتمع محصلة «الشروط السابقة». يغرق المعنى في تيار الصيرورة: في إيقاع الظهور والاستبدال عديم المعنى والمفرط في التوثيق. صيرورة الإنسان هي تاريخ استنفاد إمكاناته.
ومع ذلك لا سبيل إلى تطويق شيطان الوعي التاريخي بتوجيه عين التاريخانية الآكلة إليه هو نفسه. وللأسف، فإن ذلك التعاقب من الإمكانات المستنفدة، التي كشف الفكر والتاريخ ذاته عن قناعها وجرّداها من الاعتبار، والتي يضع الإنسان نفسه الآن بينها، يبدو أكثر من مجرد «موقف» ذهني يمكن إبطاله بإعادة توجيه الذهن. إن أرفع التأملات الفكرية والإبداعية التي جرت في الغرب خلال المئة والخمسين عاماً الماضية هي، بلا ريب، الأكثر حيوية وكثافة ودقة وإثارة وصدقاً في عمر البشر كله. ومع ذلك، فإن النتيجة التي لا تقل عنها في بداهتها لهذا القدر من العبقرية هي إحساسنا بأننا نقف وسط أنقاض الفكر وعلى عتبة خراب التاريخ والإنسان نفسه. (أنا أفكر، إذن انفجار.) ويغدو أمهر المفكرين والفنانين، أكثر فأكثر، علماء آثار مبكرين لهذه الأنقاض التي تتكون الآن، ومشخصين غاضبين أو رواقيين للهزيمة، ومصممي رقصات غامضين للحركات الروحية المعقدة النافعة لبقاء الفرد في عصر نهاية العالم الدائمة. ولعل زمن الرؤى الجماعية الجديدة قد انتهى: فقد سُجلت إلى اليوم أبهى هذه الرؤى وأشدها قتامة، وأشدها حماقة وأعظمها حكمة. لكن الحاجة إلى إرشاد روحي فردي لم تبد قط بهذا القدر من الإلحاح. فلينجُ من يستطيع.
إن صعود الوعي التاريخي مرتبط، بالطبع، بانهيار مشروع بناء الأنساق الفلسفية العريق في أوائل القرن التاسع عشر. فمنذ عهد اليونان، كانت الفلسفة—سواء امتزجت بالدين أم فُهمت بوصفها حكمة علمانية بديلة عنه—في معظم الحالات رؤية جماعية أو فوق فردية. كانت الفلسفة تدعي أنها تقدم وصفاً لـ«ما هو كائن» في طبقاته المعرفية والأنطولوجية المختلفة؛ لكنها كانت توحي، على مستوى ثان، بمعيار ضمني ومستقبلي لما «ينبغي أن يكون» عليه الأمر، تحت رعاية مفاهيم مثل النظام والانسجام والوضوح والقابلية للفهم والاتساق. غير أن بقاء هذه الرؤى الجماعية وغير الشخصية كان مشروطاً بصياغة الأقوال الفلسفية على نحو يسمح بتفسيرات وتطبيقات متعددة، فلا تفضحها أحداث غير متوقعة. وحين تخلت الفلسفة عن مزايا الأسطورة—التي كانت قد طورت أسلوباً سردياً شديد التعقيد لتفسير التغير والمفارقة المفهومية—أكثرت من نمط بلاغي جديد: التجريد. ولطالما استندت سلطة الفلسفة إلى هذا الخطاب المجرد واللاتاريخي، الذي يدعي القدرة على وصف «الكليات» غير المحسوسة أو الصور الثابتة التي تقوم عليها أركان العالم المتغير. وبوجه أعم، فإن إمكان الرؤى الموضوعية والمصوغة التي اقترحتها الفلسفة التقليدية عن الوجود والمعرفة الإنسانية، يتوقف على علاقة مخصوصة بين البنى الدائمة والتغير في التجربة البشرية؛ علاقة تكون فيها «الطبيعة» هي الموضوع الغالب والتغير أمراً ثانوياً. لكن هذه العلاقة اختلت—إلى الأبد؟—في العصر الذي بلغت فيه الثورة الفرنسية ذروتها، حين لحق «التاريخ» أخيراً بـ«الطبيعة» ثم سبقها. وحين اغتصب التاريخ مكان الطبيعة بوصفه الإطار الحاسم للتجربة الإنسانية، بدأ الإنسان يفكر تاريخياً في تجربته، وفرغت مقولات الفلسفة التقليدية واللاتاريخية من داخلها. وكان هيغل المفكر الوحيد الذي واجه هذا التحدي الهائل وجهاً لوجه. فقد ظن أنه يستطيع إنقاذ المشروع الفلسفي من هذا التحول الجذري في الوعي الإنساني بتقديم الفلسفة على أنها، في الواقع، ليست أكثر ولا أقل من تاريخ الفلسفة. لكن هيغل لم يكن يستطيع، بسبب إدماجه المنظور التاريخي في نسقه، إلا أن يقدم نسقه هو بوصفه حقيقة، أي بوصفه متجاوزاً للتاريخ. وهكذا، بقدر ما كان نسق هيغل حقيقياً، كان نهاية الفلسفة. فآخر نسق فلسفي وحده هو الفلسفة بالمعنى الصحيح. وبهذا يعود «الأبدي» إلى التحقق مرة أخرى، ويبلغ التاريخ نهايته—أو كان ينبغي له أن يبلغها. لكن التاريخ لم يتوقف. فقد أثبت مرور الزمن وحده إفلاس الهيغلية بوصفها نسقاً، وإن لم يثبت إفلاسها بوصفها منهجاً. فالهيغلية، في مقام المنهج، رسخت الوعي التاريخي عبر انتشارها في جميع علوم الإنسان، وقدمت أعظم دافع فكري منفرد لتوطيده.
بعد جهد هيغل، انكشف هذا السعي إلى الأبدي—الذي كان يوماً حركة من الوعي بهذا القدر من البهاء والحتمية—بوصفه جذر التفكير الفلسفي، بكل ما فيه من شجن طفولي ومثير للشفقة. وتقلصت الفلسفة إلى خيال ذهني متقادم، وجزء من محلية الروح وطفولة الإنسان. ومهما تماسك القول الفلسفي في صورة حجة متينة، لم يعد يبدو ثمة سبيل إلى إزالة السؤال الجذري الجديد الذي نشأ حول «قيمة» المصطلحات المكونة لتلك الأقوال، ولا إلى تعويض الخسارة الهائلة للثقة في الرصيد اللغوي الذي كانت تتم به مبادلات الحجج الفلسفية. وكانت الفلسفة حائرة أمام صعود جديد لإرادة بشرية تزداد علمنة وتغدو، على نحو لافت، أقدر وأكثر كفاءة، وتعتزم السيطرة على «الطبيعة» والتلاعب بها وتغييرها. أما محاولاتها لتقديم وصفات أخلاقية وسياسية ملموسة، فقد تخلفت كثيراً عن التحول التاريخي المتسارع في المشهد الإنساني—وهو تحول ينبغي أن يعد ضمن مكوناته التراكم الهائل للمعرفة التجريبية المحددة المخزونة في الكتب والوثائق المطبوعة. ونتيجة لذلك بدت ألفاظ الفلسفة المحورية محددة أكثر مما ينبغي؛ أو، وهو ما يؤدي إلى المعنى نفسه، بدت هزيلة ومفرغة من المعنى. ولم تعد الإجراءات الفلسفية التقليدية «المجردة والمتأنية»، تحت ضغط تآكل التغير بهذا المقياس غير المسبوق، تبدو متجهة إلى أي شيء؛ كما أن التجربة المعاشة للناس الأذكياء لم تعد تؤيدها. ولم تعد الفلسفة تثير ثقة كبيرة بقدرتها على تحقيق طموحها التقليدي: تقديم نماذج صورية لفهم أي شيء؛ لا حين كانت وصفاً للوجود، أي للواقع والعالم والكون، ولا في التصور البديل الذي مثل أول تراجع كبير للمشروع الفلسفي، فاعتبر الوجود والواقع والعالم والكون ما يقع «خارج» الذهن، وجعل الفلسفة وصفاً للذهن وحده. وكان يبدو ضرورياً، في الحد الأدنى، نوع آخر من التراجع أو نقل مجال الخطاب.
كان أحد الردود على انهيار بناء الأنساق الفلسفية في القرن التاسع عشر هو صعود الأيديولوجيات: أنساق فكرية معادية للفلسفة على نحو صريح، ظهرت في هيئة ضروب من علوم الإنسان «الوضعية» أو الوصفية. وسرعان ما تخطر بالبال أسماء كونت وماركس وفرويد، والشخصيات الرائدة في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع واللسانيات.
وكان رد آخر على هذا الإخفاق نوعاً جديداً من التفلسف: شخصياً، بل سيرياً ذاتياً، وحكمياً، وغنائياً، ومناهضاً للنسق. وأبرز ممثليه كيركغور ونيتشه وفيتغنشتاين. وسيوران هو أبرز شخصية معاصرة في هذا التقليد.
إن نقطة البدء في هذا التقليد الحديث وما بعد الفلسفي للتفلسف هي الوعي بأن الأشكال التقليدية للخطاب الفلسفي قد تحطمت. وأهم الإمكانات الباقية إما خطاب مشوه وغير مكتمل—الحكمة المأثورة، الملاحظة أو التدوين العابر—وإما خطاب قبل مجازفة التحول إلى أشكال أخرى: المثل، والشعر، والحكاية الفلسفية، أو التفسير النقدي.
يبدو أن سيوران اختار شكل المقالة. فقد صدرت له بين عامي ۱۹۴۹ و۱۹۶۴ خمس مجموعات: موجز التفكك (۱۹۴۹)، قياسات المرارة (۱۹۵۲)، إغراء الوجود (۱۹۵۶)، التاريخ واليوتوبيا (۱۹۶۰)، والسقوط في الزمن (۱۹۶۴). لكن هذه المقالات، بمعايير المألوف، أعمال غريبة: تأملية، متقطعة في حجاجها، وحكمية في أسلوبها في جوهرها. وفي هذا الكاتب الروماني المولد—الذي درس الفلسفة في جامعة بوخارست، ويعيش في باريس منذ ۱۹۳۷ ويكتب بالفرنسية—يمكن تمييز الأسلوب المتوتر المميز للفكر النيوفلسفي الألماني، وشعاره: الحكمة المأثورة أو الأبدية. ومن أمثلته: الحكم الفلسفية لليشتنبرغ ونوفاليس؛ ونيتشه بالطبع؛ ومقاطع من مراثي دوينو لريلكه؛ وتأملات في الحب والخطيئة والأمل والموت والطريق لكافكا.
إن طريقة سيوران في الحجاج المتكسر ليست هي الكتابة الحكمية الموضوعية عند لاروشفوكو أو غراسيان، التي تعكس حركتها المتقطعة وجوه الانفصال في «العالم»، بل تشهد على مأزق العقل النظري الذي يتحرك إلى الخارج فلا يلبث أن توقفه وتعطل امتداده تعقيدات موقفه هو. فالأسلوب الحكمي عند سيوران أقل كونه مبدأً للواقع منه مبدأً للمعرفة: ذلك أن مصير كل فكرة عميقة أن تمات سريعاً بفكرة أخرى تكون هي نفسها قد ولدتها ضمناً.
والفلسفة، إذ لا تزال تأمل أن تستعيد شيئاً يشبه مكانتها السابقة، تتعهد الآن بأن تقدم باستمرار دليلاً على حسن نيتها. ولئن لم يعد نطاق الأدوات المفهومية المتاح للفلسفة يشعر المرء بأنه يحمل المعنى في ذاته، فبوسعه أن يكتسب شهادة جديدة: عبر شغف المفكر.
تغدو الفلسفة مهمة شخصية للمفكر. تتحول «الفكرة» إلى «التفكير»، ويعاد تعريف التفكير—بعد إدارة أخرى للمسمار—بوصفه عديم القيمة ما لم يكن فعلاً متطرفاً ونوعاً من المجازفة. ويغدو التفكير اعترافياً وطردياً: جرداً لأشد تفاقمات الفكر خصوصية.
ينبغي التنبه إلى أن القفزة الديكارتية ما زالت محفوظة بوصفها الحركة الأولى. فالوجود لا يزال يعرف بأنه التفكير. غير أن الفارق هو أن الأمر لا يتعلق بأي نوع من التفكر، بل بنوع مخصوص من التفكير العسير. فالفكر والوجود ليسا وقائع صماء ولا معطيات منطقية، بل حالتان متناقضتان وغير مستقرتين. ومن هنا يصبح ممكناً تصور المقالة التي تمنح عنوانها لأحد كتب سيوران ولأول مجموعة إنكليزية من أعماله: إغراء الوجود. يقول سيوران في تلك المقالة: «الوجود عادة لا أيأس من اكتسابها.»
موضوع سيوران هو أن يكون المرء ذهناً؛ وعياً مشدوداً إلى أعلى درجات الرهافة. ولعل التبرير الأخير لكتاباته، إن جاز لنا أن نخمنه، قريب من تلك الأطروحة التي وجدت صورتها الكلاسيكية في «عن مسرح العرائس» لكلايست. يقول كلايست في تلك المقالة إننا، مهما اشتقنا إلى إصلاح الاضطرابات التي أحدثها الوعي في الانسجام الطبيعي للإنسان، لا نستطيع فعل ذلك بالتخلي عن الوعي. فلا عودة إلى الوراء، ولا رجوع إلى البراءة. وليس أمامنا إلا أن نمضي بالفكر إلى نهايته، حيث قد نستعيد، في وعي ذاتي كامل، النعمة والبراءة.
لذلك يكون الذهن في كتابات سيوران متلصصاً.
لكنه ليس متلصصاً على «العالم»، بل على نفسه. وسيوران، على نحو يذكر ببيكيت، مشغول بسلامة الفكر المطلقة؛ أي باختزال الفكر أو حصره في التفكير في التفكير. يقول سيوران: «الذهن الحر الوحيد هو الذهن الذي، وقد تطهر من كل ألفة مع الموجودات أو الأشياء، ينصرف إلى فراغه الخاص.»
ومع ذلك، فإن فعل شق الأحشاء الذهني هذا يحتفظ في كل أعماله بشغف «فاوستي» أو «غربي». ولا يقبل سيوران إمكان أن يبلغ مولود في هذه الثقافة، سبيلاً للخروج من الفخ، إنكاراً «شرقياً» للذهن. قارنوا حنين سيوران الواعي بعبثه إلى الشرق بحنين ليفي-شتراوس الإيجابي إلى «وعي العصر الحجري الحديث».
تصير الفلسفة تفكيراً معذباً؛ تفكيراً يلتهم نفسه، ومع ذلك يظل سليماً بل يزدهر رغم أفعال الافتراس الذاتي المتكررة هذه—أو ربما بسببها. في مسرح آلام الفكر، يؤدي المفكر دوري البطل وخصمه معاً. فهو بروميثيوس المعذب، وهو أيضاً النسر القاسي الذي يمزق كبده المتجدد على الدوام.
حالات الوجود المستحيلة والأفكار التي يتعذر التفكير فيها هي مادة تأملات سيوران: التفكير ضد الذات وما إلى ذلك. لكنه يأتي بعد نيتشه، الذي كان قد صاغ قبل قرن تقريباً موقف سيوران كله. وهنا يبرز سؤال طريف: لماذا يرضى ذهن رقيق وقوي بأن يقول ما قيل، في معظم الأحيان، من قبل؟ ألكي يجعل تلك الأفكار ملكه حقاً؟ أم لأنها، وإن كانت صحيحة حين صيغت أول مرة، أصبحت منذ ذلك الحين أصح؟
مهما يكن الجواب، فإن «واقعة» نيتشه تترتب عليها نتائج لا يمكن إنكارها بالنسبة إلى سيوران. فعليه أن يشد البراغي أكثر، وأن يجعل الحجة أكثف؛ أكثر إيلاماً، وأكثر بلاغة.
يبدأ سيوران، كما هي عادته، مقالته من الموضع الذي ينتهي عنده كاتب آخر. يبدأ بالنتيجة ثم يمضي منها.
إن كتابته موجهة إلى قراء يعرفون، بمعنى ما، ما يقوله سلفاً؛ قراء اجتازوا بأنفسهم هذه الأفكار المذهلة. ولا يبذل سيوران، بسلاسله الغريبة والغنائية من الأفكار، وتهكمه القاسي، وتلميحاته الأنيقة إلى ما لا يقل عن الفكر الأوروبي كله منذ عهد اليونان، أياً من الجهود المعتادة في «الإقناع». فالحجة ينبغي أن «تتعرف» إليها، ومن دون عون كبير. ويقتضي الذوق السليم أن يقدم المفكر لمحات موجزة ومكثفة من العذاب الفكري والروحي لا غير. ومن هنا نبرة سيوران: شديدة الوقار، عنيدة، مرحة أحياناً، ومتغطرسة في كثير من الأحيان. لكن، رغم كل ما قد يبدو كبرياءً، لا شيء من الرضا الواثق في سيوران، إلا ربما إحساسه ذاته بالعبث وموقفه النخبوي غير المساوم من حياة العقل.
وكما أراد نيتشه أن يريد عزلته الأخلاقية، يريد سيوران أن يريد الصعب. وليس المقصود أن مقالاته عسيرة القراءة، بل إن غايتها الأخلاقية، إن صح التعبير، هي الكشف الذي لا ينتهي عن الصعوبة. ويمكن وصف حجة مقالة نموذجية لسيوران بأنها شبكة من مقترحات للتفكير، تهدم في الوقت ذاته مسوغات الاستمرار في التمسك بهذه الأفكار، ناهيك عن مسوغات «العمل» على أساسها. وبصوغها الفكري المركب لمآزق الفكر، يبني سيوران عالماً مغلقاً—عالم الصعب—وهو موضوع غنائيته.
سيوران واحد من أرهف العقول القوية حقاً في عصرنا. فالدقة والتهكم والتهذيب هي جوهر تفكيره. ومع ذلك يعلن في مقالة «عن حضارة لاهثة»: «عقول البشر تحتاج إلى حقيقة بسيطة، وإلى جواب يحررها من أسئلتها، وإلى إنجيل، وإلى قبر. إن لحظات التهذيب تخفي مبدأ موت: لا شيء أشد هشاشة من الرهافة.»
أهو تناقض؟ ليس تماماً. إنه فقط ذلك المعيار المزدوج المألوف للفلسفة بعد إخفاقها: معيار للثقافة العامة—الصحة—ومعيار آخر للفيلسوف المنعزل—الطموح الروحي. يطلب المعيار الأول ما سماه نيتشه التضحية بالعقل. أما المعيار الثاني فيتطلب التضحية بالصحة والسعادة الدنيوية، وكثيراً ما بالتشارك في الحياة العائلية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، وربما حتى بالعقل نفسه. إن استعداد الفيلسوف للشهادة يكاد يكون جزءاً من حسن سلوكه في هذا التقليد من التفلسف منذ كيركغور ونيتشه. ومن أكثر دلائل حسن ذوقه شيوعاً بوصفه فيلسوفاً احتقاره المعلن للفلسفة. من هذا القبيل رأي فيتغنشتاين بأن الفلسفة تشبه المرض، وأن مهمة الفيلسوف هي دراسة الفلسفة كما يدرس الطبيب الملاريا: لا لينقلها، بل ليعالج الناس منها.
لكن سواء شخّص هذا السلوك بأنه كراهية الفيلسوف لذاته أو مجرد نوع من المغازلة مع الخواء، فلا بد من الإقرار هنا بشيء أكثر من عدم الاتساق. ففي حالة سيوران، لا تكون تنصلاته من الذهن أقل أصالة لأنها تصدر عن شخص يستخدم الذهن استخداماً مهنياً مضنياً إلى هذا الحد. انظروا إلى نصائحه المتحمسة في مقالته عام ۱۹۵۲، «بعض الطرق المسدودة: رسالة». يضع سيوران—وهو كاتب كانت أعماله تنشر بانتظام في فرنسا—نفسه في الموقع الغريب الذي يلوم فيه صديقاً أوشك أن يصبح ذلك «الوحش»، أي مؤلفاً، وأن ينتهك «تجرده وازدراءه وصمته» الجديرة بالإعجاب بوصفها في كتاب. لا يعرض سيوران مجرد ازدواجية سهلة تجاه مهنته، بل يعبر عن التجربة المؤلمة والمتناقضة حقاً التي قد يعيشها العقل الحر تجاه نفسه حين يلتزم بالكتابة ويكتسب جمهوراً. فاختيار الشهادة والمساومة للذات شيء، ونصح صديق بفعل ذلك شيء آخر. ولأن استخدام الذهن شهادة عند سيوران، فإن استخدامه علناً—وبصورة أدق، كون المرء كاتباً—يغدو فعلاً إشكالياً ومخجلاً جزئياً؛ فعلاً مشبوهاً دائماً، وفي التحليل الأخير، فاحشاً اجتماعياً وفردياً معاً.
سيوران مجند آخر في الموكب الكئيب للمثقفين الأوروبيين الثائرين على العقل—تمرد المثالية على «المثالية»—وأكبر شخصياته نيتشه وماركس. ولا يختلف جانب مهم من حجته في هذا الموضوع كثيراً عما قاله عدد لا يحصى من الشعراء والفلاسفة في القرن الماضي وهذا القرن؛ فضلاً عن التضخيم المشؤوم والصادم لهذه الاتهامات ضد العقل في خطاب الفاشية وممارستها. لكن كون حجة مهمة ليست جديدة لا يعفينا من أخذها بجدية. وما الذي يمكن أن يكون أشد صلة من الأطروحة التي يعيد سيوران صياغتها: أن الاستخدام الحر للعقل في النهاية مضاد للمجتمع ومضر بصحة الجماعة؟
يقف سيوران، في عدد من المقالات، ولكن بأوضح صورة في «عن حضارة لاهثة» و«نظرية صغيرة في القدر»، إلى جانب نقاد التنوير بحزم. يكتب: «منذ عصر التنوير، لم تكف أوروبا عن تقويض أصنامها باسم التسامح.» لكن هذه الأصنام أو «الأحكام المسبقة—الخيالات العضوية لحضارة ما—تضمن دوامها وتحفظ ملامحها. وعلى الحضارة أن تحترمها.» ويقول في موضع آخر من أولى المقالتين المذكورتين: «إن قدراً أدنى من اللاوعي ضروري إذا أراد المرء البقاء داخل التاريخ.» وأهم «الأمراض التي تقوض حضارة من الداخل» هو تضخم الفكر نفسه، وهو ما يؤدي إلى اختفاء القدرة على «الحماقة الملهمة... والابتهاج المثمر الذي لا يفسده أبداً وعي مشدود وممزق إلى أربعة أجزاء». ذلك أن كل حضارة «تتزعزع ما إن تكشف الأخطاء التي أتاحت نموها وبهاءها، وما إن تضع حقائقها موضع السؤال». ثم يرثي سيوران، بنبرة مألوفة أكثر مما ينبغي، قمع البربري وغير المفكر في أوروبا. ويقول عن الإنكليزي: «إن لياقته تخنق جميع غرائزه.» والأوروبي العادي، الذي حُمي من المحن وأوهَنه «الحنين وذلك الملل المعمم»، بات الآن مستحوذاً عليه ومهووساً بـ«مفهوم العيش الحسن—ذلك الهوس الخاص بعصور الانحطاط». وقد دخلت أوروبا من الآن في «مصير محلي». وسادة العالم الجدد هم شعوب أمريكا وروسيا الأقل تحضراً، وفي كواليس التاريخ تنتظر حشود ملايين العنيفين من «ضواحي العالم» التي هي أقل تحضراً أيضاً؛ فالمستقبل في أيديهم.
يخرج قسم كبير من هذه الحجة القديمة من يد سيوران من غير أي تغيير. فالبطولية القديمة وإدانة العقل بالعقل يعرضان من جديد باسم الثنائيات المألوفة: القلب في مقابل الرأس، والغريزة في مقابل العقل. إن «الإفراط في الوضوح» يفضي إلى فقدان التوازن. وهذه إحدى الحجج الكامنة وراء عدم ثقة سيوران الصريحة، في «الطرق المسدودة» و«الأسلوب بوصفه مخاطرة»، بالكتاب والتواصل اللغوي والأدب نفسه—في العصر الحاضر على الأقل. لكن واحدة على الأقل من الثنائيات المألوفة، أي الفكر في مقابل الفعل، تكتسب في أعماله مزيداً من الدقة. ففي «عن حضارة لاهثة» يتبنى سيوران الرأي الشائع لدى رومانسيي القرن التاسع عشر، وينشغل أساساً بالثمن الذي يستوفيه تشغيل الذهن من القدرة على الفعل: «الفعل شيء، ومعرفة أنك تفعل شيء آخر. حين يستثمر الوضوح الفعل ويتسلل إليه، ينحل الفعل، ومعه الحكم المسبق الذي تتمثل وظيفته، على وجه الدقة، في إخضاع الوعي واستعباده للفعل.» لكن مقابلة الفكر بالفعل تصاغ في «التفكير ضد الذات» على نحو أدق وأكثر جدة. فالفكر ليس مجرد ما يعوق الإنجاز المباشر والقوي للفعل. وسيوران هنا معني أكثر بالأذى الذي يلحقه الفعل بالفكر. وهو، إذ يشير إلى أن «مجال الوعي يضيق في أثناء الفعل»، يدافع عن «التحرر» من الفعل بوصفه الصورة الوحيدة الحقيقية للحرية الإنسانية.
حتى في الحجة البسيطة نسبياً في «عن حضارة لاهثة»، حين يستدعي سيوران تلك الشخصية الأوروبية النموذجية، أي «المثقف المتعب»، لا يقتصر مقصوده على مهاجمة مهنة المثقف؛ بل يحاول العثور على الفرق الدقيق بين حالتين تستحقان حقاً التمييز: التحضر، وذلك التشويه للشخص الطبيعي الذي يسمى أحياناً، بتحيز، «التحضر المفرط». يمكن المجادلة في هذا المصطلح، لكن هذه الحال موجودة وشائعة—تنتشر بين المثقفين المحترفين، وإن لم تقتصر عليهم بأي حال. وكما يذكر سيوران بحق، فإن أحد أخطار التحضر المفرط الرئيسية هو أن المرء، من فرط الإنهاك والحاجة غير المشبعة إلى «التحفيز»، يرتد بسهولة بالغة إلى بربرية مبتذلة وسلبية. ومن ثم فإن «الإنسان الذي يفضح أساطيره» عبر طلبه غير المميز لذلك الوضوح الذي تروج له الثقافة الليبرالية الحديثة، «يتخلى عن موارده الخاصة، وعن نفسه، بمعنى من المعاني. ونتيجة لذلك سيقبل أساطير أخرى تنكره، لأنها لم تنبع من أعماقه هو.» ولذلك يخلص سيوران إلى أن «لا ينبغي لأي إنسان يعنيه توازنه أن يتجاوز درجة معينة من الوضوح والتحليل.»
ومع ذلك، فإن هذه النصيحة بالاعتدال لا تحد في النهاية مشروع سيوران نفسه. فهذا المفكر الأوروبي النموذجي مشبع إلى حد يبدو معه متحرراً من المسؤولية عن صحته وصحة مجتمعه، بإحساس الانحدار المعلن عنه على نطاق واسع، والذي يعتقد أنه لا رجعة فيه، للحضارة الأوروبية. وسيوران، على الرغم من كل احتقاره لوهن الحضارة التي ينتمي إليها ولمصيرها المحلي، هو أيضاً مرثي موهوب لتلك الحضارة. ولعله من آخر مرثيي أفول «أوروبا»: المعاناة الأوروبية، والشجاعة الفكرية الأوروبية، والقوة الأوروبية، والتعقيد الأوروبي المفرط. وهو مصمم بنفسه على متابعة هذه المغامرة إلى نهايتها.
طموحه الوحيد: «أن يواكب ما لا شفاء منه.»
إنها عقيدة في المشقة الروحية. «لأن كل شكل من أشكال الحياة يخون الحياة ويفسدها، فإن الإنسان الحي حقاً يتحمل أقصى حد من التنافرات، ويعمل بلا هوادة في اللذة والألم على السواء...» أنقل هذه العبارة من إغراء الوجود. ولا شك في أن هذا الوضع الأكثر طموحاً من أوضاع الوعي، مع بقائه في الوقت ذاته أوفى للحياة بمعناها العام وللمدى الكامل للإمكانات البشرية، يدفع ثمنه غالياً على مستوى الوجود اليومي في فكر سيوران. وفي مجال الفعل، يعني ذلك قبول العبث. ولا ينبغي أن يرى العبث إخفاقاً للآمال والطموحات، بل موضعاً ثميناً ومصوناً لقفزة بطولية من الوعي إلى تعقيده الخاص. ومن هذه الحال المرغوبة يتحدث سيوران حين يقول: «العبث أصعب شيء في العالم.» وهي تقتضي أن «نقطع جذورنا وأن نصير غرباء ميتافيزيقياً.»
إن تصور سيوران لهذه المهمة بوصفها جسيمة وعسيرة إلى هذا الحد يشهد ربما على ما بقي لديه من صحة لا تنطفئ. ولعله يفسر أيضاً لماذا تبدو لي مقالة «شعب المنعزلين» واحدة من الأعمال القليلة التي كتبها سيوران وتقع دون مستواه المعتاد من اللمعان والنباهة بكثير. ففي كتابته عن اليهود—الذين يمثلون، بالنسبة إليه كما بالنسبة إلى هيغل وكثير من الكتاب بينهما، «الحالة النموذجية للاغتراب»—يبدي سيوران افتقاراً أخلاقياً مدهشاً إلى الحساسية تجاه الجوانب المعاصرة من موضوعه. وحتى من دون استحضار معالجة سارتر شبه الحاسمة للموضوع نفسه في تأملات في المسألة اليهودية، يكاد المرء لا يستطيع إلا أن يجد مقالة سيوران شديدة الاختصار والتعالي على نحو مفاجئ.
ثمة ديالكتيك غريب في سيوران: عناصر مألوفة صهرت في خليط معقد. فمن جهة، الاحتقار الرومانسي والحيوي التقليدي لـ«العقلانية» ولتضخم الذهن على حساب الجسد والعواطف والقدرة على الفعل؛ ومن جهة أخرى، تمجيد حياة الذهن على حساب الجسد والعواطف والقدرة على الفعل، بشدة لا يمكن تصور ما هو أكثر راديكالية وأمراً منها.
إن أقرب نموذج لهذا الموقف المتناقض من الوعي هو التقليد العرفاني الغنوصي الذي ينحدر، في المسيحية الغربية، من ديونيسيوس المنحول ومن مؤلف سحابة عدم المعرفة.
وما يقوله سيوران عن العارف ينطبق تماماً على فكره هو: «العارف، في أكثر الحالات، يخترع خصومه... إن فكره يثبت وجود الآخرين بالحساب والتصنع؛ وهي استراتيجية لا أثر لها. وفكره ينتهي، في التحليل الأخير، إلى جدل مع نفسه: يسعى إلى أن يكون، فيصير حشداً، ولو لم يفعل ذلك إلا بأن يضع على نفسه قناعاً جديداً تلو آخر، ويضاعف وجوهه؛ وفي هذا يشبه خالقه الذي يواصل تمثيليته.»
وعلى الرغم من السخرية الكامنة في هذه العبارة، فإن حسد سيوران للعارفين، الذين يشبه عملهم عمله إلى هذا الحد—«العثور على ما يفلت من تفكك تجاربه أو يبقى بعده: بقايا اللاتزمان تحت اهتزازات الأنا»—صريح لا لبس فيه. ومع ذلك، يظل سيوران، مثل أستاذه نيتشه، مصلوباً على صليب روحانية إلحادية. والأفضل أن تقرأ مقالاته بوصفها دليلاً لهذه الروحانية الإلحادية. تبدأ الفقرة الأخيرة من مقالة «التعامل مع العارفين» بالجملة الآتية: «ما إن نكف عن وصل حياتنا السرية بالله، نستطيع أن نصعد إلى نشوات فعالة بقدر نشوات العارفين وأن نغزو هذا العالم من غير اللجوء إلى العالم الآخر.»
سياسياً، ينبغي وصف سيوران بأنه محافظ. فالإنسانوية الليبرالية ليست بالنسبة إليه خياراً مقبولاً أو مثيراً للاهتمام أصلاً، وهو يرى أن الأمل في ثورة راديكالية شيء ينبغي للعقل الناضج أن يتجاوزه. فمثلاً، يقول في «نظرية صغيرة في القدر» متحدثاً عن روسيا: «إن التطلع إلى “إنقاذ” العالم ظاهرة مرضية من شباب شعب ما.»
ولعله ليس من غير الصلة أن نتذكر أن سيوران ولد عام ۱۹۱۱ في رومانيا؛ وهي بلد كان جميع مثقفيه المهاجرين البارزين تقريباً إما غير سياسيين وإما رجعيين صراحة. وإلى جانب مجموعات المقالات الخمس المذكورة، فإن كتابه الآخر الوحيد هو مختارات من كتابات جوزيف دو ميستر، صدرت عام ۱۹۵۷، كتب سيوران مقدمتها واختار نصوصها.
ومع أن سيوران لا يطور قط لاهوتاً صريحاً للثورة المضادة على طريقة دو ميستر، فإن تلك الحجج تبدو قريبة من موقفه الضمني. وسيوران، مثل دو ميستر ودونوسو كورتيس وإريك فوغلين في عصر أقرب، يملك ما يمكن أن يسمى—من زاوية ما—حساسية «كاثوليكية» يمينية. إن العادة الحديثة المتمثلة في إشعال الثورات ضد النظام الاجتماعي القائم باسم العدالة والمساواة ترفض بوصفها نوعاً من التعصب الطفولي؛ كما قد ينظر كاردينال مسن إلى نشاطات فرقة ألفية خشنة. وفي الإطار نفسه يمكن وضع وصف سيوران للماركسية بأنها خطيئة التفاؤل، وموقفه ضد مثالي التنوير، أي «التسامح» وحرية الفكر. ولعل من الجدير بالذكر أيضاً أن سيوران ابن كاهن أرثوذكسي يوناني.
ومع أن سيوران يعكس موقفاً سياسياً يمكن تمييزه—وإن كان حاضراً ضمنياً فقط في معظم مقالاته—فإن مقاربته لا تقوم، في النهاية، على التزام ديني. ومهما اشتركت تعاطفاته السياسية والأخلاقية مع الحساسية الكاثوليكية اليمينية، فإن سيوران نفسه، كما قلت سابقاً، ملتزم بمفارقات لاهوت إلحادي. وهو يجادل بأن الإيمان وحده لا يحل شيئاً. ولعل ما يمنع سيوران من الالتزام، حتى في صورة علمانية، بشيء مثل لاهوت النظام الكاثوليكي، هو أنه يفهم جيداً جداً ويشاطر كثيراً من الافتراضات الروحية للحركة الرومانسية. قد يكون سيوران ناقداً للثورة اليسارية ومحللاً متعالياً بعض الشيء لواقع أن «التمرد يتمتع بيننا بامتياز غير مستحق»، لكنه لا يستطيع إنكار الدرس القائل إن «تقريباً جميع اكتشافاتنا مدينة لعنفنا ولتفاقم عدم استقرارنا.» ولذلك ينبغي، إلى جانب الدلالات المحافظة لبعض المقالات ومعالجتها المحتقرة لفينومينولوجيا الاقتلاع من الجذور، وضع موقفه الساخر والإيجابي في آن من التمرد، المعبر عنه في «التفكير ضد الذات»؛ وهي مقالة تنتهي بهذا التنبيه: «لأن المطلق يقابل معنى لم نستطع أن ننميه في أنفسنا، فلنستسلم لجميع التمردات: فسوف تنقلب في النهاية على نفسها، وعلينا...»
من الواضح أن سيوران لا يستطيع أن يحجب إعجابه بكل ما هو مسرف وإرادي ومتطرف. ومن أمثلة ذلك رياضة الزهد المسرفة والمقصودة لدى كبار عارفي الغرب. ومثال آخر هو مخزون التطرف المختزن في تجربة كبار المجانين. يكتب في «إغراء الوجود»: «نستمد حيويتنا من مخزون جنوننا.» لكنه يتحدث، في مقالته عن العارفين، عن «قدرتنا على إلقاء أنفسنا في جنون ليس مقدساً. نستطيع في المجهول أن نذهب إلى المدى الذي يبلغه القديسون، من غير أن نستعمل وسائلهم. يكفينا أن نكره العقل على صمت طويل.»
إن ما يجعل موقف سيوران غير محافظ حقاً بالمعنى الحديث للكلمة هو أنه، قبل كل شيء، موقف أرستقراطي.
ولرؤية مثال واحد فقط على موارد هذا الموقف، انظروا إلى مقالة «ما وراء الرواية»؛ حيث تدان الرواية، على نحو بليغ ومقنع، بسبب ابتذالها الروحي—أي بسبب ولائها لما يسميه سيوران «القدر بالحرف الصغير».
إن ما يطرح في جميع كتابات سيوران هو مسألة الذوق الروحي الرفيع. فتجنب الابتذال وتمييع الذات شرط للمهمة العسيرة المزدوجة: حفظ ذات سليمة يستطيع المرء أن يؤكدها تأكيداً كاملاً، وأن يتجاوزها في الوقت نفسه. بل إن سيوران يستطيع الدفاع عن عاطفة الشفقة على الذات؛ لأن الشخص الذي لم يعد يستطيع الشكوى أو النواح قد كف، بإنكاره بؤسه ودفعه إياه إلى «خارج طبيعته وخارج صوته... عن التواصل مع حياته التي يحولها إلى موضوع.» وقد يبدو دفاع سيوران المتكرر عن مقاومة الإغراء المبتذل بالسعادة، وحديثه عن «مأزق السعادة»، منفراً. لكن إذا قبلنا مشروعه المستحيل، فإن مثل هذه الأحكام لا تعود ضرباً من التظاهر القاسي بانعدام الشعور: «أن تكون في لا مكان، حين لا يضطرك أي شرط خارجي إلى ذلك... أن تنتزع نفسك من العالم—يا له من جهد هائل للفناء!»
ولعل أفضل ما يمكن أن نأمله، بواقعية أكبر، هو سلسلة من المواقف، أو حياة، أو محيط، تترك جزءاً من الوعي المغامر حراً لأعماله. ويمكن تذكر وصف سيوران لإسبانيا في «نظرية صغيرة في القدر»: «إنهم يعيشون في نوع من الخشونة الموسيقية، وفي لاجدية تراجيدية، تنقذهم من الابتذال والسعادة والنجاح.»
ولا شك أن كتابات سيوران تشير إلى أن دور الكاتب لن يوفر على الأرجح مثل هذه الرافعة الروحية. فهو يشرح في «مزايا المنفى» وكتابته القصيرة «الخالق اللفظي» كيف تخلق مهنة الأدب، وبخاصة مهنة الشاعر، شروطاً لا يمكن تجاوزها من انعدام الأصالة. قد يتألم المرء، لكن حين يودع ألمه في الأدب تكون النتيجة «تراكماً من الالتباسات، وتضخماً من الأهوال والارتعاشات التي تبلى. لا يمكن للمرء أن يجدد الجحيم على الدوام؛ فالرتابة هي طبيعته عينها...»
ولا يكاد يمكن البرهنة على أن مهنة الفيلسوف أقل مساومة وتشويهاً من ذلك. يقول سيوران في «الأسلوب بوصفه مخاطرة» إن العقل يموت في الفلسفة والفن كليهما. لكني أتصور أنه يشعر بأن الفلسفة، في الحد الأدنى، تحافظ على معايير أعلى قليلاً من الأدب والوقار. فالفيلسوف، إذ لا تغويه الشهرة نفسها أو المكافآت العاطفية التي قد تهبط على الشاعر، يستطيع ربما أن يفهم على نحو أفضل ويصون تواضع ما لا يمكن التعبير عنه.
حين يصف سيوران فلسفة نيتشه بأنها «مجموعة من المواقف»—وقد فتش الباحثون فيها خطأ عن الثوابت التي رفضها الفيلسوف نفسه—يتضح أنه يتخذ المعيار النيتشوي، بما فيه من نقد «الحقيقة» بوصفها نسقاً واتساقاً، معياراً له.
يتحدث سيوران في «الطرق المسدودة» عن «الحماقات الكامنة في عبادة الحقيقة». والدلالة هنا وفي مواضع أخرى هي أن ما يقوله الفيلسوف الحقيقي ليس شيئاً «صحيحاً»، بل شيئاً ضرورياً أو محرراً؛ لأن «الحقيقة» تقرن بنزع الشخصانية.
ومرة أخرى، لا يمكن المبالغة في التشديد على الخط الواصل من نيتشه إلى سيوران. فنقد «الحقيقة» عند الكاتبين متصل اتصالاً وثيقاً بموقفهما من «التاريخ».
لذلك لا يمكن فهم سؤال نيتشه عن قيمة الحقيقة بوجه عام، وعن فائدة الحقيقة التاريخية بوجه خاص، إلا بإدراك الصلة بين هذين المفهومين. لا يرفض نيتشه التفكير التاريخي لأنه كاذب. بل على العكس، ينبغي رفضه لأنه حقيقي—حقيقة موهنة يجب الإطاحة بها كي يصبح اتجاه أوسع للوعي الإنساني ممكناً.
وكما يقول سيوران في «إغراء الوجود»: «التاريخ مجرد نمط غير جوهري من الوجود؛ وهو أكثر صور خيانتنا لأنفسنا فاعلية، إنه امتناع ميتافيزيقي.» ويشير في «التفكير ضد الذات» إلى «التاريخ، عدوان الإنسان على نفسه.»
إذا سلمنا بأن ختم نيتشه ظاهر في صورة تفكير سيوران وفي مواقفه الأساسية معاً، وجب القول إن أكبر شبه بينه وبين نيتشه يكمن في مزاجه. فهذا المزاج، أو الأسلوب الشخصي المشترك مع نيتشه، هو الذي يفسر الروابط في عمل سيوران بين مواد متباعدة مثل: التشديد على مشقة حياة روحية طموحة؛ مشروع التمكن من الذات عبر «التفكير ضد الذات»؛ الموضوعات النيتشوية المتكررة للقوة في مقابل الضعف والصحة في مقابل المرض؛ الاستخدام الوحشي، والصارخ أحياناً، للتهكم—المختلف تماماً عن التفاعل شبه النسقي والديالكتيكي بين التهكم والجدية في كتابات كيركغور؛ الانشغال بمقاومة التفاهة والملل؛ الموقف الملتبس من مهنة الشاعر؛ إغواء الوعي الديني الذي يقاوم دائماً في النهاية؛ وبالطبع العداء للتاريخ ولأكثر وجوه الحياة «الحديثة».
ما يغيب عن أعمال سيوران هو أي شيء يقارن بمحاولة نيتشه البطولية لتجاوز العدمية: مذهب العود الأبدي.
وأكبر اختلاف بين سيوران ونيتشه هو أن سيوران لا يتبع نقد نيتشه للأفلاطونية. فنيتشه، على الرغم من احتقاره للتاريخ ومن أن الزمن والموت كانا يطاردانه في الوقت نفسه، رفض كل ما يذكر بالبلاغة التي أسسها أفلاطون لتجاوز الزمن والموت. وقد بذل جهداً كبيراً لكشف الخداع الجوهري وسوء النية اللذين كان يعتقد أنهما ينطويان عليهما في التعالي الفكري الأفلاطوني. ويبدو أن حجج نيتشه لم تقنع سيوران. فجميع الثنائيات الأفلاطونية العريقة تعود إلى الظهور في كتابات سيوران، وتصير حلقات ضرورية في حجته، من دون أكثر من إشارة عرضية إلى احتراز تهكمي في استعمالها. نجد الزمان في مقابل الأبدية، والذهن في مقابل الجسد، والروح في مقابل المادة؛ ونجد كذلك الثنائيات الأحدث: الحياة في مقابل «الحياة»، والكينونة في مقابل الوجود. ومن العسير تقرير مدى الجدية المقصودة من هذه الثنائيات.
هل يمكن عد الآلية الأفلاطونية في فكر سيوران نوعاً من الشفرة الجمالية؟ أو، على نحو آخر، ضرباً من العلاج الأخلاقي؟ حتى في هذه الحال، يظل نقد نيتشه للأفلاطونية منطبقاً ومن دون جواب.
الشخص الوحيد في عالم الآداب الإنكليزية الأميركية الذي يتابع مشروعاً نظرياً ذا قوة فكرية ومدى يقاربان مشروع سيوران هو جون كيج.
كيج أيضاً مفكر في التقليد ما بعد الفلسفي والمناهض للفلسفة للخطاب المتكسر والحكمي. وهو يشترك مع سيوران في النفور من «علم النفس» و«التاريخ» والالتزام بإعادة تقويم راديكالية للقيم. لكن فكر كيج، على الرغم من قابليته للمقارنة بفكر سيوران في المدى والجاذبية والطاقة، يقدم في جوهره النقيض الأكثر راديكالية له. وبسبب اختلاف ينبغي اعتباره أعمق اختلاف في المزاج، يتصور كيج عالماً لا توجد فيه معظم مشكلات سيوران ومهامه من الأساس. فعالم خطاب سيوران مشغول بموضوعات المرض—الفردي والاجتماعي—والمأزق والمعاناة والموت. وما تقدمه مقالاته هو تشخيص للمرض، وإن لم يكن علاجاً مباشراً، فعلى الأقل دليل للذوق الروحي قد يعين المرء على الحيلولة دون تحويل حياته إلى موضوع وشيء جامد. أما عالم خطاب كيج—وهو لا يقل بحال عن عالم سيوران راديكالية أو طموحاً روحياً—فيرفض قبول هذه الموضوعات.
في مقابل نخبوية سيوران التي لا تلين، يتصور كيج عالماً روحياً ديمقراطياً بالكامل؛ عالم «النشاط الطبيعي» الذي «يفهم فيه أن كل شيء نظيف: لا قذارة». وفي مقابل معايير سيوران الباروكية للذوق الجيد والرديء في المسائل الفكرية والأخلاقية، يرى كيج أنه لا وجود لشيء اسمه ذوق جيد أو رديء. وفي مقابل رؤية سيوران للخطأ والانحدار والافتداء المحتمل لأفعال الإنسان، يقترح كيج الإمكان الدائم لسلوك بلا خطأ، إذا سمحنا فقط بأن يكون كذلك: «الخطأ خيال، ولا حقيقة له في الواقع. تكتب الموسيقى الخالية من الخطأ حين لا يفكر المرء في العلة والمعلول. وكل نوع آخر من الموسيقى ينطوي دائماً على أخطاء. وبعبارة أخرى، لا انقسام بين الروح والمادة.» ويسأل في موضع آخر من الكتاب نفسه الذي أخذت منه هذه الاقتباسات، أي الصمت: «كيف يمكن أن نتحدث عن الخطأ حين نفهم أن “لا علم نفس بعد اليوم”؟» وفي مقابل هدف سيوران المتمثل في قابلية تكيف لا نهائية ورشاقة فكرية—أي العثور على وجهة النظر الصحيحة والموضع الملائم للوقوف في عالم غادر—يقترح كيج لتجربتنا عالماً لا تكون فيه قط أفضلية لفعل غير ما نفعله أو لكوننا في غير المكان الذي نحن فيه. يقول: «إن التفكير في أنك تود أن تكون في مكان آخر ليس سوى مصدر إزعاج. نحن هنا الآن.»
ما يتضح في سياق هذه المقارنة هو مدى تعلق سيوران بالإرادة وبقدرتها على تحويل العالم. قارنوا ذلك بقول كيج: «اتخذ فقط موقف عدم فعل شيء، وسوف تتحول الأشياء من تلقاء نفسها.» ويمكن رؤية اختلاف الآفاق التي قد تتبع الرفض الراديكالي للتاريخ بالتفكير أولاً في سيوران ثم في كيج الذي يكتب: «أن تكون وأن تكون الحاضر؛ أسيكون ذلك تكراراً؟ فقط إذا ظننا أننا نملكه، لكننا لا نملكه، ولذلك هو حر ونحن أحرار أيضاً.»
عند قراءة كيج ندرك إلى أي حد يظل سيوران محصوراً في مقدمات الوعي التاريخاني، وكيف يكرر تلك الحركات على نحو لا مفر منه، بقدر ما يتوق إلى تجاوزها. ومن ثم يقع فكر سيوران، بالضرورة، في منتصف الطريق بين إعادة مؤلمة لتلك الحركات وإعادة تقويم حقيقية لها. ولعل الوصول إلى إعادة تقويم موحدة يقتضي الالتفات إلى مفكرين مثل كيج، ممن يستطيعون—سواء كان ذلك عن قوة روحية أم عن عدم حساسية روحية، فهذه مسألة ثانوية—طرح قدر أكبر بكثير من الألم والتعقيد الموروثين لهذه الحضارة. إن تأملات سيوران الحادة والمحكمة الحجاج تلخص ببراعة إلحاحات الفكر الغربي الآخذة في الاضمحلال، لكنها لا تقدم لنا منها راحة تتجاوز الرضا الكبير الذي يمنحه الفهم. والراحة، بالطبع، ليست مقصد سيوران. فهدفه هو التشخيص. ولعل الوصول إلى الراحة يقتضي التخلي عن كبرياء معرفة هذا القدر والإحساس به—كبرياء محلية كلفت الجميع ثمناً مروعاً حتى الآن.
كتب نوڤاليس: «الفلسفة، إذا فُهِمت على نحو صحيح، هي حنين إلى الوطن؛ إنها الرغبة في أن نكون في وطننا في كل مكان.» إذا كان بوسع العقل الإنساني أن يكون في وطنه في كل مكان، فعليه في النهاية أن يتخلى عن غروره المحلي و«الأوروبي»، وأن يسمح لشيء آخر—شيء سيبدو على نحو غريب بلا إحساس ومبسّطًا فكريًا—أن يدخل. يقول كيج بسخريته المدمّرة الخاصة به: «كل ما نحتاج إليه هو فضاء فارغ من الزمن، وأن ندعه يعمل بطريقته المغناطيسية الخاصة.»
(1967)
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.