اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُوضّح مصطفى ملكيان، ردّاً على فخر الدين عظيمي، إمكانية 'العطاء المجاني' والفصل بين الغاية والنتيجة في الأفعال الأخلاقية. كما يرى أن دور المثقف هو فهم أسباب المعتقدات وتفهيمها، لا تغيير البُنى الذي هو مهمة السياسيين.

في العدد 117 من الفصلية المرموقة «نكه نو»، كتب الدكتور فخر الدين عظيمي نقدًا بعنوان سلطنة العلم في مملكة الوجدان: بحث في التنوير، الأيديولوجيا، الناس، وتصورات ملكيان، على مقالة لي بعنوان عيب وفن التنوير، في العدد 116 من الفصلية نفسها. يسعدني أن مقالتي كانت سببًا في أن يبادر الدكتور عظيمي إلى كتابة نصٍّ عالمٍ ومفيد. لقد أخذ في ذلك النص على عشر من دعاويّ عيوبًا وأخطاءً، وسأتناولها في ردي. وثمة مطالب أخرى وردت في ذلك النص، ولما كانت لا صلة لها بدعاويّ، فلن أتناولها نفيًا أو إثباتًا. وفي الوقت نفسه، لن أعير اهتمامًا لتعابيره التلميحية، مثل «التفيهق والتخيلات المجانية الباذخة». سأورد في كل فقرة، أولاً، دعواي في قالب جملة واحدة؛ ثم سأذكر نقد عظيمي، بنص عبارته، بين علامتي اقتباس؛ وبعدها سأشرع في الرد.
النقد: «التعلق بثواب أخروي أو بالشهرة وذيوع الصيت في هذا العالم هو من الدوافع الرئيسية للأفعال التي تُعتبر خيّرة أو مجانية. ربح هذه الأفعال أو ثوابها رمزي؛ يريح الضمير، ويولّد شعورًا بالرضا. الرضا الداخلي الناجم عن الخطوات الخيّرة ليس ثوابًا زهيدًا. يمكن، بشكل مدلل، اعتبار طلب المثوبة والتعلق بالاسم والشهرة، وزيادة عدد المريدين والقراء، من الدوافع المهمة للمتنورين. الاهتمام والإطراء الذي يثيره عمل المتنور هو ثوابه. الثواب ليس دائمًا ملموسًا وماديًا. الثواب الرئيسي للمتنور غالبًا ما يكون رمزيًا، إنه الشعور
البهيج الذي يمكّنه من إيصال كلامه إلى مسامع الآخرين وتصوير ما يقوله على أنه جدير بالاهتمام. الانخراط في زمرة المشاهير و«الوجوه الخالدة» والقادة الثقافيين للمجتمع، هو ثواب له عواقب ملموسة. بلوغ هذه المكانة هو حصيلة أناس يظنون أنهم قد أفنوا أنفسهم في خدمة الثقافة بإيثار ومجانية.» (صص. 100-101)
الرد: لقد انقسم علماء النفس الأخلاقي وفلاسفة الأخلاق، منذ أزمنة سحيقة، إزاء هذه المسألة إلى فريقين: فريق رأى أن الإنسان إنما يقوم بجميع أفعاله الإرادية، بلا استثناء وفقط فحسب، لإشباع رغباته و/أو حاجاته، وبالتالي فإن جميع أفعاله أنانية. وفريق آخر آمن بأن بعض أفعال الإنسان الإرادية أنانية، أي أنها تُنجز لإشباع رغبات الفاعل أو حاجاته هو، وبعضها الآخر إيثارية؛ أي أنها تُنجز لإشباع رغبات الآخرين أو حاجاتهم، لا رغبات الفاعل نفسه. يصر الفريق الأول على أن الأفعال التي نعدّها «إيثارية» ليست كذلك إلا ظاهريًا وبنظرة سطحية، أما باطنيًا وبنظرة متعمقة وتدقيقية، فإن نفعها، بوساطة واحدة أو اثنتين أو عدة وسائط، يعود إلى جيب الفاعل نفسه، وبالتالي فهي أنانية. ما ينبغي الانتباه إليه في هذا السياق هو أن كلا الفريقين يختلفان حول أهداف الأفعال الإرادية للإنسان، لا حول نتائج تلك الأفعال. فالنقاش ليس حول ما إذا كانت نتيجة الفعل تعود دائمًا إلى جيب الفاعل أم تعود أحيانًا إلى جيوب الآخرين؛ النقاش هو حول ما إذا كان هدف الفاعل من إنجاز الفعل هو دائمًا إفادة نفسه أم إفادة الآخرين أحيانًا. من الممكن – وهذه الإمكانية تتحقق في كثير من الحالات – أن يكون هدف الفاعل إيثاريًا لكن نتيجة فعله تعود، أيضًا، بالنفع عليه هو، كأن تأخذ مثلاً شكل شعور بالرضا أو لذة السرور أو الطمأنينة. الناقد المحترم ينتمي بوجدانه إلى الفريق الأول الذي يعد جميع أفعال الإنسان أنانية؛ لكنه، لإثبات دعواه، بدلاً من أن يبين أن أهداف كل إنسان هي جميعًا أنانية، يتجه صوب نتائج أفعال البشر؛ وهذا هو الخلط بين الهدف والنتيجة.
علاوة على ذلك، ينتقد الناقد من جانب قائلاً: «ملكيان يسعى أكثر نحو نموذج معياري للمثقف» (ص. 99)، أي أنه لا يقوم بوصف المثقفين، بل بتقديم توصيات لهم؛ لا يقول إن المثقفين هكذا، بل يقول إنهم يجب أن يكونوا هكذا. من جانب آخر، لدحض مزعمي بشأن المجانية، أي ذاتها التبديل، يحيل إلى الوضع الراهن للمثقفين ويقول إن المثقفين يحصلون على فوائد أو مكافآت معينة. إذا كان يعتبر كلامي معياريًا (normative) أو موصيًا (prescriptive)، فكيف يرده بقضايا وصفية (descriptive)؟
النقد: «الدور الذي يرسمه [= ملكيان] للمثقف لا يمتزج بعصيان وخطر كبير. إنه يمزج دور المثقف بدور نبوي [...]. المثقف، في رأي ملكيان، "يتصدى لذلك الجزء من الاضطراب والقلق لدى الناس الذي هم أنفسهم مسؤولون ومتسببون فيه؛ أي معتقداتهم وأحاسيسهم وعواطفهم ورغباتهم" أهي معتقدات الناس وأحاسيسهم وعواطفهم ورغباتهم مرادفة "للاضطرابات والقلق" [لديهم]؟ كيف ينبغي تقييم دور الشروط والمشاكل والنواقص البنيوية التي تقع خارج إرادة ومقدرة الفعل الإنساني؟ كيف ينبغي قياس تأثير تلك الشروط على ثقافة الناس وعلى معتقداتهم وأحاسيسهم وعواطفهم ورغباتهم؟ ربما يقال إن هذا ليس من عمل المثقف، لكن إذا لم يستشف المثقف الجذور والأسباب بشكل صحيح، فكيف سيتمكن من إيجاد حلول فعالة؟ لماذا يجب اعتبار الاهتمام بالسياسة والاقتصاد والثقافة، وبتحويل البنى التي تعوق تحقق القدرات الإنسانية، والسعي والفعل لتخفيف العبء على كاهل الناس غير متوافق مع التنوير المرغوب فيه؟ لماذا يجب أن يقتصر دور المثقف على تحويل الناس من الداخل وعلى التعليم والتربية فحسب؟» (ص. 99)
الجواب: أولاً: الناقد يعتقد أن التنوير المرغوب فيه من وجهة نظري "لا يمتزج بعصيان وخطر كبير". أنا سعيد بأنه يعيش في مكان يكون فيه الأمر هكذا؛ لكن التعميم من حالة واحدة خطأ و"أنى لهم أن يعلموا حالنا خفة الأمطار على شواطئنا؟" وفوق ذلك، هل نزلت آية تقول إن صحة عمل ما تقتضي امتزاجها بعصيان وخطر وافر؟ أي برهان أُقيم على أن صحة العمل تتناسب طردياً مع امتزاجها بالعصيان والخطر.
ثانياً: أنا، في أي موضع من كتاباتي قلت إن المثقف يجب أن يتعامل فقط مع معتقدات الناس وأحاسيسهم وعواطفهم ورغباتهم وأن لا يولي اهتماماً للجذور والأسباب الخارجية؟ كما قال الناقد بصواب، معرفة شيء تستلزم معرفة علله وأسبابه أيضاً، وبالتالي فإن معرفة علل وأسباب المعتقدات الكاذبة والأحاسيس والعواطف غير المناسبة والرغبات غير المعقولة لازمة لعمل المثقف. لكن معرفة علل وأسباب شيء شيء، وتغييرها شيء آخر. أنا أقول إن المعرفة وتبيين علل وأسباب هو عمل المثقف؛ لكن تغييرها هو عمل السياسيين والنشطاء السياسيين. المثقف يقتصر دوره على تفهيم الناس بأنهم يملكون معتقدات كاذبة وأحاسيس وعواطف غير مناسبة ورغبات غير معقولة وأن الأسباب الداخلية والخارجية لهذه المعتقدات والأحاسيس والعواطف والرغبات ما هي. تغيير الأسباب الخارجية، بطبيعة الحال، ليس من مسؤولية المثقف بوصفه مثقفاً؛ وإن كان المثقف قادراً على أن يكون، في الوقت ذاته، سياسياً وناشطاً سياسياً وأن يتحمل مسؤولية تغيير الأسباب الخارجية. (انظر البند 5-1 من كتابي)
ثالثاً، أن تظل وظيفة المثقف محصورة في تحويل الناس من الداخل وفي التعليم والتربية أمر حتمي بسبب تقسيم العمل الاجتماعي والتخصص، وهو أمر يوافق عليه الناقد نفسه. الناقد، من جهة، يعتبر العمل الذي اعتبرته من مهام المثقف عملاً مرهقاً وعسيراً، بل مستحيلاً ولا يمكن إنجازه، ومن جهة أخرى، يحمّل المثقفين أعمالاً أخرى أيضاً. استمع: «كيف في عصر التخصص واتساع نطاق العلوم والمعارف، يعلّم المثقف كل هذه العلوم والمعارف بمستوى فعال ويهضم إنجازاتها؟» (ص. 99) وأيضاً: «مجتمعنا يحتاج إلى إصلاحيين ومربيين للفضيلة والسلوك الأخلاقي - أولئك الذين يسعون إلى تحويل الساحة الداخلية للناس؛ لكنه يحتاج أيضاً إلى أولئك الذين يفكرون في تحويل الهياكل السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرون في هذا، وفي نفي الأسس الهيكلية لاستمرار الظلم والجور والاستغلال، سبيل تحقيق الرفاهية الجماعية» (ص.106). نعم، المجتمع يحتاج إلى أشياء كثيرة، لكن طبقة واحدة أو فئة أو مجموعة اجتماعية لا يمكنها أن تلبي كل احتياجاته.
النقد: «"بهذا القدر" و"بالقدر الضروري والكافي" كم هو هذا القدر؟ ما الأساس المطلوب لهذا العمل؟ كيف في عصر التخصص واتساع نطاق العلوم والمعارف، يعلّم المثقف كل هذه العلوم والمعارف بمستوى فعال ويهضم إنجازاتها؟» (ص.99)
الجواب: أولاً: المثقف يتعلم هذه العلوم والمعارف بنفس الطريقة التي يتعلم بها الطبيب الفيزياء الحيوية والكيمياء الحيوية وعلم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وعلم التشريح، والتي لا يمكن أن يكون متخصصاً وصاحب خبرة في أي واحدة منها.
ثانياً: لا يمكن توقع أن أحدد، في نص يفترض به ألا يتجاوز عشرين وضعاً صفحة، القدر الضروري والكافي، تماماً كما لا يمكن توقع من شخص يؤكد على أن طلاب الطب يجب أن ينتفعوا من المعارف النظرية الأساسية بالقدر الضروري والكافي، أي بحدود ما هو لازم وكاف لفن الطب لديهم، أن يحدد بالتفصيل وجزئياً القدر الضروري والكافي في حينه.
النقد: «إنه [= المثقف] ليس حكماً مختاراً من قبل الناس، بل عيّن نفسه بنفسه؛ لكن إذا لم ينتبه الناس إليه فكيف يمكنه أن يؤثر فيهم؟ إذا كان حكمه مختلفاً عن حكم الناس على أنفسهم ماذا يجب أن نفعل؟» (ص.101)
الجواب: يجب أن نسأل: هل الخباز أو الأستاذ الجامعي عيّن نفسه بنفسه للخبازة أو للتدريس الجامعي أم أن الناس اختاروه لهذا العمل؟ الحقيقة هي أن الخباز نفسه أو الأستاذ الجامعي هو من أراد أن ينخرط في هذه المهنة والحرفة؛ لكن ما إذا كان الناس سيقبلونه في هذه المهنة والحرفة أم لا، يتوقف على حكم الناس على معرفة وقدرة هذا الشخص في المهنة والحرفة التي اختارها. إذاً، من جهة، هو عيّن نفسه بنفسه ومن جهة أخرى، عينه الناس. إذا لم ينتبه الناس إلى المثقف فعليه أن يدرك أنهم لم يروا فيه المعرفة والقدرة اللازمة. تماماً كما الطبيب الذي لم ينتبه الناس إليه. عليه، مثل ذلك الطبيب، أن يسعى قدر الإمكان إلى زيادة معرفته وقدرته، وإذا لم يحظ، رغم ذلك، بقبول الناس وإقبالهم واستحسانهم فإنه يمضي في طريقه والناس يمضون في طريقهم.
النقد: «ما الذي يجعلنا قادرين على فهم احتياجات أو مصالح الآخرين أفضل مما يفهمونها بأنفسهم؟ ما الخصائص التي تميز ادعاءاتنا عن ادعاءات الآخرين الأبوية؟ بأي سند يحق لمثقف يعتبر نفسه محررًا من الأيديولوجيا أن يدعي أنه «تشخص» مصلحة الشعب، أو أن يقول إننا لا يجب أن نضحي بـ «احتياجات الشعب ومصالحه» من أجل «رغباته وتطلعاته»؟ ألا يعني هذا القول أن الشعب عاجز تماماً عن فهم مصلحته الخاصة، وأن «نحن» المثقفين يجب أن نتحمل عبء هذه المسؤولية؟ فإن كان لدى الشعب رأي مختلف بشأن مصلحته، وإن لم يقبل حكم المثقف، ودعاويه الإصلاحية والتنويرية، فماذا ينبغي أن نفعل؟ (ص.101) «وبصرف النظر عن ذلك، بأي دعم يستطيع المثقف أن يعتبر نفسه متفوقاً من جميع الجوانب على المشاكل التي يعرفها «الشعب»؟» (ص.۱۰۲)
الجواب: أسأل: «ما الذي يجعل علماء النفس، والمعالجين النفسيين، وعلماء الاجتماع، والاقتصاديين، والقانونيين والمحامين، والمهندسين، والأطباء، والمتخصصين في التربية والتعليم قادرين على تقديم المشورة والتوصية لمستشاريهم والعملاء الذين يراجعونهم بأن: «توقف عن هذه الرغبة، لأنها لا تتفق مع مصلحتك»، أو مثلاً: «لا تأكل هذا الطعام رغم أنك تحبه وتريده، وتناول هذا الدواء رغم أنك لا تحبه ولا تريده»؟ من الواضح أن معرفتهم الأعمق تخولهم هذا الحق، وأحياناً تفرض عليهم هذا الواجب، وهو التضحية برغبات الشعب وتطلعاته من أجل احتياجاته ومصالحه. وينطبق نفس القول على المثقفين أيضاً.
تختلف ادعاءات المثقفين عن ادعاءات ما أسماه الناقد بالأبوية الأخرى اختلافاً جوهرياً، لأنها، كما ذكرت في كتابي (الفقرات 21-1)، قد توصلت إليها بطريقة موضوعية أو عالمية، وتقبل التحقق بنفس الطريقة. بعبارة أخرى، ادعاءات المثقفين هي في الواقع أحدث إنجازات الإنسانية في مجال العلوم الإنسانية، على النقيض من الادعاءات الأبوية الأخرى التي ليس لها سند أو دليل سوى انتماء مدعيها إلى مدرسة أو فكر أو نحلة أو مذهب أو دين أو أيديولوجيا.
إن وجود متخصصين وخبراء في العلوم الإنسانية، الذين يستشيرهم جميع العقلاء في إدارة شؤون حياتهم، يدل بالطبع على أن الإنسان عاجز في كثير من الحالات عن فهم احتياجاته أو مصلحته، وأنه لذلك يلجأ إلى المستشارين. من الغريب أن يقبل الإنسان اللجوء إلى الأطباء لتشخيص احتياجات ومصالح جسده، لكنه لا يقبل الأمر نفسه فيما يتعلق بتشخيص احتياجات ومصالح عقله وروحه وعلاقاته الاجتماعية.
أما فيما يتعلق بما يجب أن نفعله إذا كان للشعب رأي مختلف عن مصلحته، ولم يقبل حكم المثقف، فيجب أن نقول إننا يجب أن نفعل ما يفعله الطبيب عندما يمزق المريض وصفته ويرميها في سلة القمامة. الطبيب الحقيقي، الذي لا يعتبر نفسه أبويًا أو متعطشًا للسلطة أو قاضياً أو سجاناً أو حاكماً مستبداً، يسخر كل علمه وفهمه وحكمته وخبرته لتشخيص احتياجات ومصالح جسد المريض، وبكتابة الوصفة يقترح ويوصي بطرق تلبية تلك الاحتياجات والمصالح. فإن أهمل المريض وصفته بأي طريقة، فلا يسع الطبيب إلا أن يتأسف.
يقول الناقد: «بأي سند يحق لمثقف يعتبر نفسه محررًا من الأيديولوجيا أن يدعي أنه «تشخص» مصلحة الشعب»، كأنما يقول إن المرتبطين بالأيديولوجيا وحدهم لهم الحق في ادعاء تشخيص مصالح الشعب! بينما الحقيقة على عكس تماماً: فالمرتبطون بالأيديولوجيا لا حق لهم البتة في ادعاء تشخيص مصالح الإنسانية.
النقد: «تحذيرات ملكيان بشأن الأيديولوجيا ليست في غير محلها، لكن الأيديولوجيا تتمتع بطيف دلالي أوسع مما قدمه. وبصرف النظر عن ذلك، لا يستطيع المثقف بمجرد معارضته للنظرة الأيديولوجية أن يتجاهل ظاهرة الأيديولوجيا ووظائفها الاجتماعية والسياسية. [...] كلمة أيديولوجيا، منذ اختراعها في أواخر القرن الثامن عشر إلى اليوم، تحولت إلى مفهوم يحمل دلالات متعددة، وكانت لها استخدامات وصفية وتحليلية وتقييمية.» (صص.۱۰۷-۱۰۸)
الجواب: أولاً: فيما يتعلق بالكلمات التي تكون مشتركة لفظية (equivocal or homonym)، أي كلمة واحدة من حيث اللفظ وكثيرة من حيث المعنى، أو بعبارة أخرى، كلمة واحدة لكنها تحمل أكثر من معنى واحد، مثل كلمة «الأسد» في اللغة الفارسية، التي تعني الحيوان المفترس وتعني أيضاً السائل الصالح للشرب، وتعني أيضاً الأداة التي ينساب منها الماء، يجب أن نعرف أنه لا ينبغي توقع المتحدث أو الكاتب أن يعبّر عن رأيه في جميع المعاني عندما يتحدث أو يكتب عن أحد معاني مثل هذه الكلمات؛ بل يكفي أن نطلب منه أن يوضح، صراحة أو بالقرائن والأمارات، أي معنى من معاني هذه الكلمات التي يتحدث عنها. إذا قلت عن الحيوان المفترس الذي يسمى «الأسد» إن «الأسد أصبح نادراً» وأثبتُّ ادّعائي هذا وربما شرحت سبب ندرته، أي لماذا أصبحت الأسود نادرة، فلا يمكنك أن تتوقع مني أن أعبّر عن رأيي أيضاً في ندرة السائل الصالح للشرب أو الأداة التي ينساب منها الماء. ما دخل ذلك بي؟ كان يجب أن تتوقع مني أن أوضح، بطريقة ما، ضرورة أن أبين أي من هذه المعاني الثلاثة أقصده من ندرة «الأسد». وعلى هذا القياس، العبارة المركبة «الفكر الأيديولوجي» لها أكثر من معنى واحد وطبعاً كل واحد من هذه المعاني له مقدماته وملزوماته وآثاره وأحكامه.
لقد تحدثت عن أحد معانيها الذي وضحته صراحة، أي عن قبول مرجعية وولاية فكرية لشخص ما (انظر 4-2) والقول بأن الحقيقة تُكتشف وتُعلن من خلاله (انظر 5-2) واعتبار كلامه لا يقبل التعليل (انظر 5-4) (بالمناسبة، على عكس ما يقول الناقد (ص. 107)، لم أعتبرها أبداً بمعنى الوعي الكاذب، الذي أعتبره تركيباً متناقضاً). فلماذا يجب أن نتوقع مني أن أبين موقفي أيضاً من المعاني الأخرى لكلمة «الفكر الأيديولوجي» أو «الأيديولوجيا»؟
ثانياً: بالفعل، كما أورده الناقد، «لا يستطيع المفكر أن يتجاهل ظاهرة الأيديولوجيا ووظائفها الاجتماعية والسياسية بمجرد معارضته للنظر الأيديولوجي»؛ لكن هل تجاهلتُها أنا أم نصحت بتجاهلها؟ الكلام نفسه الذي أوردته في ثلاث فقرات (4-2، 5-2، و5-4) عن الأيديولوجيا يدل على عدم تجاهلي لها.
النقد: «كيف يستطيع من يعتقد أن الحقيقة غير متجلية أن يقيس الكذب والخطأ واللامعقولية، وكيف يستطيع أن يحكم بقطع أن شيئاً ما كاذب وشيء آخر صادق؟ على أي أساس يعدد المواصفات المميزة للمفكر "الحقيقي" في مقابل الكاذب، وعلى أي أساس تستند يجب ولا يجب عليه؟ كيف توصل إلى هذه الحقيقة أن المفكر "بالمطلق" لا يجب عليه أن يفعل كذا وكذا؟ كيف يستطيع أن يقول إن لأناس حق أو لا حق أن يفعلوا كذا وكذا؟ كيف يعرف أن ناساً ضالون وأن بعض الهدايات بصيرة؟ هل الحقيقة في الأمور الإنسانية والاجتماعية وفي مجال الأخلاق مخفية أم في جميع المجالات؟ إذا لم تكن الحقيقة متجلية فلماذا يجب أن نعتبر نظرية عدم تجليها حقيقة متجلية؟ ألا يمكن جعل الحقيقة أكثر وضوحاً بأبحاث منظمة؟ إذا لم نعتبر الكثير من الحقائق متجلية، ألا يعني هذا أن إمكانية الحوار والفهم المتبادل ستكون ضئيلة جداً؟» (ص. 99-100)
الجواب: انتقاد الناقد يتضمن نقطتين: الأولى أن السبب في أنني، القائل بنظرية عدم تجلي الحقيقة، قد أقررت بمجموعة من الحقائق المتجلية وأدليت بدعاويات بقطع؟ والثانية أن نظرية عدم تجلي الحقيقة هي في الأساس نظرية غير صحيحة، لأن لها تتابعات فاسدة، أي آثار ونتائج غير مقبولة، وقد أشار إلى بعضها.
لم ينتبه الناقد إلى أن الفلاسفة وعلماء المعرفة القائلين بنظرية عدم ظهور الحقيقة لا يريدون أن يقولوا إنه لم يُكتشف حتى الآن أي حقيقة أو أن الإنسان لم يقترب حتى الآن من أي حقيقة؛ بل يريدون أن يقولوا: أولاً، بخلاف رأي الأساسيين (foundationalists)، لم تكن أي حقيقة واضحة منذ اليوم الأول لأي شخص، وثانياً، بخلاف رأي المفكرين الإيديولوجيين، فإن الحقيقة التي يدّعيها الإيديولوجيون ليست واضحة كما يظن أتباعهم والمتعلقون بهم والمريدون لهم. اكتشاف الحقيقة أو الاقتراب من الحقيقة لا يكون أبداً عمل فرد واحد، ولن يكون؛ بل هو عمل جماعي وبطيء وصعب جداً وشاق جداً. يعتقد المفكرون الإيديولوجيون بأن: «أ) الحقيقة واضحة إلى حد أن فقط الخصوم والحقودين والمعاندين والنجسين يقدمون على إنكارها؛ و ب) هذه الحقيقة الواضحة تماماً اكتشفها مؤسس المدرسة أو المذهب أو التوجه أو الهدف أو الدين أو الملة، باختصار، مؤسس إيديولوجيتنا.» إن لازمة نظرية عدم ظهور الحقيقة هي نفي هذين الادعاءين معاً، وليست نفي أن الإنسان اكتشف حتى الآن حقيقة ما أو اقترب من حقيقة ما.
كيف يسأل الناقد بعد قراءة جملتي الواضحة والصريحة والخالية من الغموض: «بطي عملية صعبة جداً وبطيئة وجماعية ومع صرف أوقات وقوى وملكات وفرص لا تُحصى، يستطيع جيش عظيم من العلماء والباحثين والمفكرين أن يقتربوا خطوة بخطوة من الحقيقة»، ثم يسألني: «ألا يمكن كشف الحقيقة بصورة أوضح من خلال بحوث منهجية معينة؟»؟!
النقد: «يريد ملكيان من 'المثقف الحقيقي' أن يكتب بطريقة مبسطة حول المسائل المعقدة أيضاً، وأن تكون أفكاره في مستوى 'فهم' الناس، لأنه 'بحاجة عظيمة إلى ثقة الناس'. [...] ينبغي ألا يكون هناك تعقيد مقصود في الكتابة، لكن هناك نقاشات، وحقائق معقدة يجب أن تعكسها بدقة قدر الإمكان. لا يمكن تقديمها بطريقة مبسطة وسهلة. يجب ألا تُستخف بالمسائل الأساسية ولا تُختزل إلى نقاشات صحفية وبرلمانية وتلفزيونية.]....[من مهام المثقفين الجادين فهم وتحليل الشؤون الاجتماعية المعقدة على أساس عمل عميق منهجي يستند إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة. لا ينبغي تسويق هذا العمل.» (ص 103)
الردّ: أولاً: خلط الناقد بين عمليتين: عملية اكتساب المعرفة وعملية نقل المعرفة. في عملية اكتساب المعرفة، يريد الشخص أن يحصل بنفسه على معرفة حقيقة ما أو أن يفهم واقعة ما. وفي عملية نقل المعرفة، يريد أن يعلّم الآخرين حقيقة توصل إليها أو أن يفهّمهم واقعة فهمها. لا شك أنه في عملية اكتساب المعرفة يجب أن تكون هناك تعمق وتمحيص بقدر الإمكان للتجنب، قدر الإمكان، من الوقوع في الخطأ والغلط والوهم. لكن حديثي يتعلق بعملية نقل المعرفة التي يريد فيها الشخص، بوسيلة الكلام و/أو الكتابة، أن يعلّم أو يفهّم شيئاً ما؛ وادعائي هو أن في هذا الموضع، كي لا يتعرض المخاطب لعناء غير ضروري، يجب على المتكلم أو الكاتب أن «ينطق بحيث يفهم مخاطبوه، وهم عموم مواطني المجتمع، كلامه» (الفقرة 2-9). لا أعرف أي تناقض توجد بين البساطة في نقل المعرفة والتعمق في اكتساب المعرفة.
ثانياً: كيف يثبت الناقد المعادلة «الكلام البسيط = الكلام غير الدقيق»؟ أفبمجرد تبسيط الكلام يصبح خالياً من الدقة؟ ألم أقل أنا نفسي: «الكلام، مع الحفاظ على أصالته وبقدر ما يسمح هذا الحفاظ على الأصالة، يجب أن يكون واضحاً ومباشراً وسهل الفهم» (الفقرة 2-9)؟ ألا يدل قولي «مع الحفاظ على أصالته وبقدر ما يسمح هذا الحفاظ على الأصالة» على أنه لا ينبغي التضحية بالدقة إذا تعارضت مع الوضوح والمباشرة وسهولة الفهم؟ ألم أقل أنا نفسي: «كما يقول أينشتاين، 'كن بسيطاً قدر الإمكان، لكن لا تكن أبسط من ذلك'» (الفقرة 2-9)؟ فما معنى 'لكن لا تكن أبسط من ذلك'؟ أليس معناه أننا لا نملك الحق في تبسيط الموضوع إلى حد يفقده أصالته؟
هل قلت في أي موضع من كتابتي إنه يجب على "المنور الحقيقي" أن يكتب عن المسائل المعقدة بأسلوب مبسط وأن يكون خطابه في مستوى "فهم" الناس لأنه "بحاجة عظيمة إلى ثقة الناس"؟ ما العلاقة بين ثقة الناس بالمنور وبين الكتابة المبسطة والخطاب في مستوى فهم الناس؟ نعم، في البند 4-4، قلت إن المنور يجب أن "يعترف بخطئه إن أخطأ. عدم الاعتراف بالخطأ ]...[ يسلب ثقة الآخرين من الشخص؛ ومن الواضح بلا حاجة إلى بيان أن المنور [...] بحاجة عظيمة إلى ثقة الناس."
النقد: "لا يمكن الخلط بين عدم الاهتمام برد فعل الناس وبين التوقع من أن يكون لخطابنا تأثير فيهم. [...] كيف يمكن التوفيق بين عدم الاهتمام برد فعل الناس وبين ضرورة كسب ثقتهم؟" (ص.103). "التوفيق بين الثناء على الاستقلالية الفكرية والسعي لحث الآخرين على اتباع المنورين ليس سهلاً." (ص.112)
الرد: كلامي كان أن المنور، أولاً، يجب أن يبذل جهداً بليغاً لكي يفهم الناس خطابه وللوصول إلى هذا المقصد يجب عليه، قدر الإمكان، أن يحرر خطابه من الغموض واللبس والإبهام؛ ثانياً، بعد أن يفهم الناس خطابه، لا يكون متوقعاً ولا منتظراً قبولهم، لأن قبول خطابه أو عدم قبوله يتوقف بشكل كامل على الخصائص الشخصية والطبع الفردي لكل من يستقبل خطابه، ومن ثم لا يمكن إجبار الناس أو استرجاء إذعانهم لقبول خطابه بالعنف أو الالتماس. كيف يمكن للمنور أن يقلق بشأن شيء (قبول الناس) يكون تحقيقه خارج عن إرادته واختياره؟ ثالثاً، بما أن ثقة الناس به ليست بدون تأثير في قبولهم لخطابه، فيجب عليه أن يتجنب كل ما يسبب نقص هذه الثقة، مثلاً عدم الاعتراف بجهله و/أو خطئه، وهو ما يهز الثقة؛ أن يتجنبه. ما الذي لا يتسق في هذه المزاعم الثلاثة مع بعضها البعض؟
بالطبع، لقد مدحت الاستقلالية الفكرية للمنور عن الآراء العامة والأفكار والنظرات السائدة والمتعارفة؛ لكنني لم أقل قط بـ"السعي لحث الآخرين على أن يتبعوا المنورين فكرياً" حتى تثور مسألة التوافق أو عدم التوافق بين الاثنين.
النقد: "الاستبدادية الفكرية قد ظهرت أيضاً بصيغ "تنوير الأفكار"، "ثورة ثقافية"، "مواعظ إرشادية"، "تلقينات دعائية"، وما شابه ذلك." (ص.112)
الرد: الناقد يعلم جيداً أن تشابه شيئين من وجه أو وجهين أو عدة أوجه لا يثبت تطابقهما وحدتهما، وإلا لكانت جميع موجودات الكون شيئاً واحداً، لأنه لا يوجد موجودان في العالم لا يتشابهان من أي وجه من الوجوه. على هذا الأساس، حتى لو افترضنا أن المنورية التي أريدها تتشابه مع الاستبدادية الفكرية من وجه أو عدة أوجه، فإن هذا التشابه لا يستتبع أن المنورية التي أريدها هي الاستبدادية الفكرية ذاتها.
في النهاية، أرى من الضروري الإشارة إلى ثلاث نقاط. النقطة الأولى أنني، على الرغم من أنني أظهرت طوال كتابي بشكل ضمني وفي الحاشية رقم 3 ("يرى الكاتب المشكلة الكبرى للمجتمع في ثقافة كل مواطن على حدة") بشكل صريح أنني أؤمن بأصالة الثقافة، فإن الناقد، وهو يرفع رأيي، ذكر: "خلافاً لأولئك الذين يؤمنون بـ"أصالة" السياسة والاقتصاد والثقافة ويرون السبب الرئيسي للمشاكل في المسائل السياسية والاقتصادية والثقافية، يرى المنور "أن جزءاً كبيراً من مشاكل ومصائب حياة الناس يكون سببها ما بداخل أنفسهم" (ص.97) وفي معرض نقد رأيي يقول: "لماذا يجب اعتبار الاهتمام بالسياسة والاقتصاد والثقافة ]...[ غير متسق مع المنورية المرغوبة؟" (ص.99) (التأكيدات من عندي.)
النقطة الثانية أن الناقد قال: «إن من أبرز جوانب كتابات ملكيان انطباعه عن «الشعب» الذي لا يسهل تمييزه أحياناً عن «العامة».» (ص. 101) وقد سأل بحق: «ما المقصود من «الشعب» و«العامة»، وفيم تكمن الفروقات التحليلية بين مقولتي «العامة» والشعب الكادح؟» (المصدر نفسه) أما مقصدي من «الشعب»، وأعني به مخاطبي من المثقفين، فهو مجموعة من الأشخاص وحدتهم ثقافة واحدة أو تقليد واحد أو شعور مشترك بالانتماء، حتى إذا لم يكونوا موحدين برابطة دم أو صلات عرقية أو سياسية. وعادة ما يشترك هؤلاء الأشخاص في لغة واحدة ومؤسسات وعقائد مشتركة. أما مقصدي من «العامة»، في تعابير من قبيل «إضلال العامة» أو «المصابون بداء العامة»، فهو فقط أولئك الذين يفتقرون أخلاقياً إلى النضج أو التطور أو الإصلاح.
والنقطة الثالثة أن الناقد أورد في طول مقالته المفيدة أن رأي ملكيان يخالف رأي هذا أو ذاك من المفكرين أو الفلاسفة أو علماء السياسة أو علماء الاجتماع السياسيين أو المثقفين، واستخدم هذا الخلاف لتضعيف رأيي. وهو أمر واضح من نفسه أن مجرد الاختلاف في الرأي وتقديم آراء مخالفة للآخرين لا يدل على الخطأ وعدم الصواب. فإذا كان رأيي يخالف رأي شخص آخر، فيترتب عليه منطقياً أن رأيه أيضاً يخالف رأيي. فلماذا لا تستخدمون مخالفتي له لتضعيف رأيه؟
وآخر قولي ليس سوى شكر وتقدير واعتراف بالجميل للدكتور فخر الدين عظيمي الذي رأى مقالتي جديرة بالاهتمام والنقد.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام، مثل همیشه متقن و جامع الاطراف و بدور از ابهام، ایهام و غموض. خداوند ایشان را جهت روشنگریهای مداوم و اصلاح گریهای فکری مستمر برای قاطبه جامعه حفظ بفرماید!