اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التنوير الذي وُلد دفاعًا عن الحق في قضية دريفوس، تبدّل اليوم. هنا أيضًا حلّت الإثارة محل النقد العالِم؛ مقالة في تصوّرات مصطفى ملكيان للتنوير وإعادة التفكير في الفكر والأخلاق.

آه من هؤلاء الظرفاء العديمي الرسم، ما أقسى قلوبهم! يبذرون بذور الجفاء في أرض الغدر. لقد بذل هؤلاء الساعون بالسوء رياضاتٍ ومجاهداتٍ جمة، وأكلوا دخان السراج سنين، طمعًا في نيل تقدم المشايخ، وأن يصيروا مثلهم مشهورين معروفين بالكرامات؛ وما كان مأمولهم إلا الرعونة.
روزبهان البقلي، شرح الشطحيات
فتنة كل محفل، وهيجان هند زماننا إن كنا في الظاهر كالخمرة العتيقة صامتين
صائب التبريزي
تهمة التجسس والخيانة التي ألصقت ظلمًا أدت إلى ولادة "المثقف"؛ وهي الكلمة التي ترجمناها بـ"روشنفكر" (المتنور). كلمة وظاهرة المثقف من إبداعات السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر في فرنسا. ألفرد دريفوس، الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي، الذي اتهم ببيع أسرار البلاد العسكرية لألمانيا، حوكم وسجن (1894). كانت فرنسا لا تزال تصارع ذكرى الهزيمة المرة والمهينة التي منيت بها أمام ألمانيا (بروسيا) (1870-1871). سعى الجيش والكنيسة الكاثوليكية واليمينيون إلى لوم ومعاقبة من كانوا يعتبرونهم أعداء القيم والهوية القومية-الدينية الفرنسية، من ماسونيين وبروتستانت ويهود أو ذوي نزعات زندقة. دخل الكتّاب والأكاديميون والباحثون والفنانون الميدان مناصرين لحق دريفوس وكرامته، نشروا رسائل مفتوحة وبيانات، وأخذوا بتعبئة الرأي العام، وطالبوا بإعادة النظر في ملف دريفوس. شخصيات مثل إميل زولا، وأناتول فرانس، وجان جوريس، وشارل بيغي، ومارسيل بروست، وجورج سوريل، وإميل دوركايم، وكلود مونيه، وغيرهم كثير، جعلوا من أسمائهم ومكانتهم الاجتماعية رهانًا لمناصرة الحرية والكرامة الفردية، والدفاع عن شخص كانوا يرونه ضحية الدسائس والافتراءات. ثبتت براءة دريفوس أخيرًا وأنقذ من أن ينهي حياته في أحد أفظع سجون فرنسا. لقد توانى الجيش الفرنسي في الاعتراف العلني ببراءته قرنًا كاملًا - حتى 1995! لم تخبُ أصداء الاهتمام بمصير دريفوس؛ فمنذ ذلك الحين، صار أولئك المشاهير الثقافيون الذين سخروا رأس مالهم الرمزي للدفاع عن الحرية، والكرامات المنتهكة، والحقوق المداسة، والاحتجاج على جور ذوي السلطان، والذين لم يرضوا بالصمت والتهرب من المسؤولية في هذه القضايا، يُعرفون بـ"المثقفين".
اليوم، يشمل مفهوم المثقف طيفًا أوسع من مشاهير الساحة الثقافية، لكن أهمية توظيف المكانة الأخلاقية للتأثير في الحياة الاجتماعية والسياسية لم تخبُ. لا يزال عدد من الذين يسمون مثقفين لا يدخرون وسعًا في مساندة أفراد أو جماعات كانوا هدفًا للجور وجُعلت حقوقهم وكرامتهم ألعوبة بيد ذوي السلطان. من وجهة نظر هؤلاء، ينبغي للمثقف أن يكون مناصرًا للمثل والقيم التحررية والعدالة، ممثلًا للضمير الأخلاقي لعصره، وناطقًا باسم المنسيين والمحرومين. الاحتجاج على هضم حقوق الضحايا، والتمييز، والاتهام، والاستغلال، والأذى، والازدراء، وخاصة التأكيد على حق الذين لا يملكون إمكانية الدفاع الفعال عن أنفسهم، واجب جسيم لا ينبغي الغفلة عنه. لقد كانت المثقفية، أو أحد أهم تصوراتها، سعيًا للنقد الجذري وتغيير الظروف التي أرغمت الناس على الاستسلام وقبول المصائر المرة، أو الرضا بنزر يسير من خيرات الحياة في مجتمعهم. لقد اعتُبر المثقف وجهًا ثقافيًا ذا نزعات يسارية أو نقدية، يمتلك الشجاعة لنقد البنى السياسية والاجتماعية والثقافية الظالمة، وتنبيه أصحاب السلطة إلى الحقائق المرة غالبًا، ومناصرة الحق والضمير والعدالة، ومساندة الناس المتضررين أو المعرضين للضرر، ويعتبر شأنه أسمى من أن يرضى بالخنوع أمام أرباب الزمان.
في المجتمعات الأوروبية، ظل المثقف لفترة طويلة يتمتع بنوع من السلطة الأخلاقية وكان يُعتبر رائدًا وقائدًا للنضالات المطالبة بالحق. أما اليوم فقد تحول هذا المفهوم. لم يعد للمثقفين البارزين في الماضي أثر. لقد ولى عصر برتراند راسل وجان بول سارتر. إن نعوم تشومسكي المسن هو آخر بقايا التقليد الفكري في بلد لم يكن على وفاق كبير مع المثقفين. منذ ستينيات القرن العشرين، تراجعت المثالية والنزعات العدالة. أدى صعود النيوليبرالية وانهيار الاتحاد السوفيتي إلى اعتبار الرأسمالية الجامحة، والترتيبات السياسية المتوافقة معها، قدرًا للبشرية. اكتفت الجامعات بتعليم حد أدنى من الحرفية والمهارة من أجل التوظيف؛ وجعلت "مراكز الفكر" الفكر خادمًا للسلطة؛ وتعلقت العيون كلها بالعروض والتنافرات الزائفة؛ وصار الجميع في طلب الأجر والشهرة والتسلية؛ وتزين وسائل الإعلام الجماهيري و"الاجتماعي" كل كلام فارغ وتافه بالنشر؛ وإن وجد سؤال أو نقد أو محاسبة، فإنها تنصب كلها على قضايا هامشية أو جزئية. إن الإجماع على شرعية هياكل السلطة والهيمنة والثروة لا يثير الكثير من الظن أو الشك.
في المجتمع الإيراني أيضًا، منذ عصر المشروطة وحتى الآن، أدى "المتنورون"، ثم المثقفون، أدوارًا متنوعة. بعد أغسطس ۱۹۵۳، كان الدور الاحتجاجي لأولئك الذين اعتُبروا مثقفين أكثر بروزًا. لكن يبدو أن معنى المثقف قد تحول الآن. لقد تضاءل الاهتمام بالصدق والنزاهة، والإيمان بضرورة الابتعاد عن أركان السلطة السياسية، وأهمية الانشغالات المدنية الاحتجاجية. أولئك الذين يحضرون باستمرار في المجال العام، وخاصة في وسائل الإعلام، ويظهرون أنفسهم ويثيرون جدلاً، يُعتبرون مثقفين. إيران أرض سحر متعلموها بـ"الفضل" و"الفكر" والمكانة والألقاب والخطابات التي ظنوها عميقة؛ لا يزال المثقف، على الأقل بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يعتبرون أنفسهم مثقفين، فاتنًا ومطروحًا. لقد كان للوضع المزري للجامعات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية أثر ملموس على المقولات الفكرية والحوارات في المجال العام. على الرغم من تنوع المجلات، ووفرة الترجمات، فإن مستوى المباحث النظرية الجادة منخفض. لقد أصبح الوعظ، وإثارة الجلبة، وطلب المريدين، أكثر من ذي قبل، الوجه الغالب للخطابات والمقاربات المثقفة. والنقد أيضًا، بدلاً من أن يُعتبر الأداة الرئيسية لتقدم الفكر والمعرفة، لا يُعتبر سوى خصام ونفي وينزلق بسهولة إلى مستنقع العدوانية. لقد ضيقت المشاكسة الأنانية وتربية المريدين ومنح الألقاب، مجال البحث عن الحقيقة وإمكانية الحكم المنصف، وأوقعت في ضيق روح العزلة وتجنب الجلبة التي هي من لوازم العلمية والحكمة المتواضعة. لقد ذبلت الروح العلمية وثقافة الحوارات العلمية، والنقد القائم على المعرفة والضمير والأخلاق الإنسانية - المهنية، في معظم الحالات.
* وجهة نظر ملكيان
مع ذلك، كانت هناك جهود جديرة بالاهتمام في مجال التأليف والترجمة والتفكير، والبحث عن حلول ومواساة الناس في هذه الأرض، خاصة خارج الجامعة. أحد أولئك الذين، بالاعتماد على بحث دؤوب، ومعرفة اكتسبها من المعارف والروحانيات الإيرانية، وإلمام بنظريات المفكرين الغربيين، شدوا الرحال لإعادة التفكير في المقولات الفكرية - الأخلاقية، والنقد الثقافي، وظاهرة المثقف وكيفها وكمها، هو مصطفى ملكيان.
من الجوانب البارزة في أبحاث السيد ملكيان، الإيمان بضرورة وثقافة الحوار، والصراحة الممزوجة بالحميمية، ونفي الادعاءات غير القابلة للتساؤل باكتشاف الحقيقة، وقبول أهمية التقييم والنقد. هذه الخصائص هي التي دفعتني إلى مشاركة تأملاتي حول المثقف، وحول كتابته في العدد السابق من "نگاه نو" (۱۱۶، صص. ۲۱-۴۱)، معه ومع قراء "نگاه نو". يمتلك ملكيان أيضًا في العدد نفسه، كتابة عن الجانب المثقف في مسيرة داريوش شايغان، لكنه يكتب أنه بما أن "اهتمامه" منصب فقط على "التعلم" فإنه لا يشير إلى "نقاط الضعف والملاحظات السلبية في آراء وأنظار" شايغان. ليس من الواضح لماذا تجاهل ملكيان هذه النقطة القائلة بأنه يمكن التعلم أيضًا من فحص أوجه القصور. يحتاج فحص تقييم ملكيان لمثقف شايغان إلى فرصة أخرى؛ هنا أكتفي بكتابة ملكيان المذكورة حول "عیب و هنر روشنفکری".
التنوير من وجهة نظر ملكيان ليس وظيفة أو مهنة، ولا هو «تعلّق مصلحي» لإشباع «رغبات أو حاجات الشخص نفسه». التنوير نوع من «فن التعليم والتربية» وله أخلاقه وآدابه وآفاته. المتنور هو «حَكَم وناقد ثقافة الناس». عمله «نوع من البذل المجاني والعيش الأخلاقي، ذلك النوع الذي يعنى بإصلاح الساحة الباطنية، أي بإصلاح ثقافة أفراد المجتمع واحدًا واحدًا». الافتراض المسبق للتنوير هو أن «جزءًا كبيرًا نسبيًا على الأقل من الألم والعناء والأذى والضرر الذي يتحمله البشر ناجم عن ثقافتهم هم أنفسهم، أي ناشئ عن معتقداتهم الكاذبة أو مشاعرهم وعواطفهم غير المناسبة أو رغباتهم غير المعقولة». ولإزالة «الشقاء والنحس الذي يطوّق حياة البشر، ينبغي إصلاح محيطهم الخارجي وساحتهم الباطنية معًا»، لكن المتنور «يتولى إصلاح الساحة الباطنية». وخلافًا لأولئك الذين يؤمنون «بأصالة» السياسة والاقتصاد والثقافة ويرون السبب الرئيسي للمشكلات في القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية، فإن المتنور «يرى قسطًا وافرًا من مشكلات الناس ومصائبهم معلولاً لدواخلهم هم» ويرى أن البشر قد وقعوا في كثير من آلامهم وإخفاقاتهم بسبب كذب بعض معتقداتهم، أو عدم مناسبة بعض مشاعرهم وعواطفهم، أو عدم معقولية بعض رغباتهم، وعليه، ينبغي السعي في إصلاح معتقداتهم ومشاعرهم وعواطفهم ورغباتهم.
يرى ملكيان أن المتنور يدرك صدق المعتقدات أو كذبها، ومناسبة المشاعر والعواطف أو عدم مناسبتها، ومعقولية الرغبات أو عدم معقوليتها وسبل إصلاحها، «بالاستعانة بآخر منجزات العلوم والمعارف البشرية»، ويُسخّر هذه المنجزات لخدمة تخفيف آلام ومعاناة أبناء مجتمعه. والفرق بين المتنورين والأطباء والمهندسين والمدراء هو فقط أن هؤلاء «يحسّنون المحيط الخارجي للناس، والمتنورون يحسّنون ساحتهم الباطنية». ولا ضرورة لأن يكون المتنور صاحب رأي متخصص في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويكفيه أن يستفيد من منجزاتها «بالقدر اللازم والكافي». ويعرب ملكيان عن أسفه لسلوك وأقوال المتنورين الإيرانيين، منذ أكثر من مئة عام حتى الآن؛ لأنهم مدحوا الإيرانيين جملةً، واعتبروهم، من سوء حظهم، واقعين تحت «نير ظلم وجور الحكام ورجال الدولة سيئي النية، الجهلة، الفاسدين، وعديمي الكفاءة»، واعتقدوا أن واجبهم هو «تمثيل هؤلاء المظلومين الأبرياء والنطق باسمهم». ومن وجهة نظره، فإن «ظلم وجور الحكام إلى حد ما» لا يمكن إنكاره، لكن «التملّق» للناس يؤدي أيضًا إلى ألا يهتدوا إلى مكمن أحد أكبر أعدائهم، ألا وهو دواخلهم. ومن وجهة نظره، ما دامت «المعتقدات الكاذبة، الخاطئة، الوهمية، والخرافية» هي السائدة «فلا يمكن توقع أو انتظار أن يتجه كل شيء في هذا المجتمع نحو الخير والصلاح بمجرد تغيير النظام السياسي الفاسد أو نسق من العلاقات الاقتصادية غير السليمة».
يندد ملكيان «بالديماغوجية» وفهمه لهذه الظاهرة هو: «الديماغوجية أساسًا ليست شيئًا سوى أن نضحي بحاجات الناس ومصالحهم في سبيل رغباتهم وما يستحسنونه، وأن نؤيد ونقرّ ما يستحسنه الناس ونقدمه لهم، دون فحص لمدى توافقه أو عدم توافقه مع مصلحتهم، وألا نشغل بالنا بأن مصلحتهم، أي نفعهم البعيد المدى والنهائي، قد تضيع. المتنور الحقيقي ليس ديماغوجيًا أبدًا». ومن وجهة نظره، فإن المتنور «ليس واقعًا تحت تأثير العوام أبدًا» أيضًا، أي أنه لا يأبه بأحكام القيمة التي يصدرها الناس؛ ويتجنب الانسياق وراء الجماعة؛ ويظهر ثباتًا ورسوخًا ما دام يرى نفسه على حق؛ ولا «يُسلّم قلبه وخاطره وعقله وذهنه لأي أيديولوجيا» ويرى أن «التفكير الأيديولوجي» مظهر من مظاهر أن «الشخص ليس مستقلاً عقلاً». يؤمن ملكيان «بخفاء الحقيقة» ويكتب أن التفكير الأيديولوجي «ليس شيئًا سوى نفي مبدأ خفاء الحقيقة والقول بأن الحقيقة ليست خفية فحسب، بل قد اكتشفها وأعلنها منذ زمن بعيد مؤسس الأيديولوجيا الفلانية».
من وجهة نظر ملكيان، ينبغي للمثقف أن يسعى إلى أن «يفهم» الناس كلامه، لكن «لا ينبغي له مطلقاً أن يسعى إلى أن تحظى آراؤه ونظرياته بقبول الناس وإقبالهم واستحسانهم. فإذا ما أصبح رفض الناس وقبولهم ذا قيمة وأهمية لديه، فإنه يهبط ويسقط من مقام التحكيم الثقافي وتعليم الناس وتربيتهم ثقافياً إلى مقام النيابة عنهم والنطق باسمهم، ثم، رويداً رويداً، إلى حد التسطيح وخداع الجماهير». ومع ذلك، فمن وجهة نظره، على المثقف، رغم عدم اكتراثه بـ «رفض وقبول» الناس، أن يتجنب ما استطاع «الكلام المبهم والملتبس والغامض». كما أن العلماء «لا يحق لهم استخدام الإيهام والإبهام». والمثقف الذي تكون كلماته «مليئة بالإبهام والإيهام والتعقيد ليس مثقفاً حقيقياً». وللعمل الثقافي، فضلاً عن الأخلاق، آداب هي «أحكام وقواعد» تضمن نجاح المثقف أو تيسره؛ ومن جملتها: تجنب التبسيط المفرط والتسرع، والمثابرة والاجتهاد، وعدم التوسل بسلاح غير العقلانية والاستدلال، وتقوية روح الشك والنقد الذاتي. ويقول ملكيان مؤكداً: «المثقف الحقيقي ليس سوى معلم ومربٍ ومرشد للناس، لا شيء غير ذلك؛ وهو يعد النشاط السياسي من «آفات العمل الثقافي».
يبدو أن ملكيان يسعى في الغالب إلى نموذج معياري للمثقف. فالدور الذي يرسمه للمثقف لا يمتزج بقدر كبير من التمرد والخطر. إنه يمزج دور المثقف بدور نَبَوي؛ فالمثقف يشد العزم دون أي توقع على إصلاح «الساحة الباطنية» للبشر، لكنه، لحرمانه من الوحي، يعتمد على المعارف الحديثة. فالمثقف، بزعم ملكيان، «يتناول ذلك الجزء من اضطرابات الناس وتشتتهم الذي هم أنفسهم المذنبون فيه والمتسببون به؛ أي معتقداتهم ومشاعرهم وعواطفهم ورغباتهم». هل المعتقدات والمشاعر والعواطف والرغبات مرادفة لـ «الاضطرابات والتشتت»؟ كيف ينبغي تقييم دور الظروف والمشكلات والنواقص البنيوية الخارجة عن إرادة البشر وقدرتهم الفاعلة؟ وكيف ينبغي قياس تأثير تلك الظروف على ثقافة الناس وعلى معتقداتهم ومشاعرهم ورغباتهم؟ قد يُقال إن هذه ليست مهمة المثقف، لكن إذا لم يدرك المثقف الجذور والأسباب على نحو صحيح، فكيف سيفكر في حلول فعالة؟ لماذا ينبغي اعتبار الاهتمام بالسياسة والاقتصاد والثقافة، وتغيير البنى التي تحول دون تحقيق القابليات الإنسانية، والسعي والفاعلية للتخفيف من العبء الواقع على كاهل الناس، منافياً للعمل الثقافي المنشود؟ لماذا ينبغي أن يظل دور المثقف محدوداً بتغيير باطن الناس وتعليمهم وتربيتهم؟ إن اختزال العمل الثقافي إلى مجرد فن، أو اعتباره شبيهاً بالهندسة والطب (هندسة الروح وطبها)، يتجاهل تماماً البُعد الثقافي والنقدي، وفي رأي كاتب هذه السطور، الطبيعة المدنية - السياسية لمفهوم المثقف.
يرى ملكيان أن عمل المثقف في إعادة تمييز المعتقدات «الصادقة»، والمشاعر والعواطف «المناسبة»، والرغبات «المعقولة» ممكن في ظل الاستفادة من أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية. فالمثقف «يكفيه أن يأخذ من المتخصصين وأصحاب الرأي القدر الكافي من هذه المجالات الذي يلزم لتغيير باطن البشر وإصلاحه، وأن يستخدمه بالقدر اللازم والكافي في سبيل تغيير الناس وإصلاحهم ثقافياً». لكن ما هو «ذلك القدر» و«القدر اللازم والكافي»؟ وما هي الأرضية اللازمة لهذا العمل؟ كيف، في عصر التخصص واتساع نطاق المعارف، يتعلم المثقف كل هذه العلوم والمعارف بمستوى فاعل ويستوعب منجزاتها؟ من يرى الحقيقة غير جلية، كيف يقيس الكذب وعدم المناسبة واللامعقولية، وكيف يعد شيئاً كذباً وشيئاً صدقاً على نحو جازم؟ وعلى أي أساس يعدد الوجوه المميزة للمثقف «الحقيقي» في مقابل الزائف، وعلى أي شيء تستند واجباته ومحظوراته؟ كيف توصل إلى هذه الحقيقة بأنه «مطلقاً» لا ينبغي للمثقف أن يفعل كذا وكذا؟ كيف يمكنه أن يقول إن أناساً يحق لهم أو لا يحق لهم أن يفعلوا كذا أو كذا؟ كيف يعرف أن أناساً ضالون، وأن ثمة استبصارات هي من قبيل الاهتداء إلى الطريق الصحيح؟
هل الحقيقة في الشؤون الإنسانية والاجتماعية، وفي مجال الأخلاق، مستترة، أم أنها مستترة في جميع المجالات؟ إذا لم تكن الحقيقة جلية، فلماذا ينبغي اعتبار نظرية عدم جلوّها حقيقة جلية؟ ألا يمكن جعل الحقيقة أكثر وضوحاً عبر بحوث منهجية؟ إذا لم نعتبر كثيراً من الحقائق جلية، أفلا يصبح إمكان الحوار والفهم المتبادل ضئيلاً؟ يمكن تقييم الادعاءات المتعلقة بالأحقية. بعض النظريات، أو الأنساق الفكرية، تستند إلى معطيات علمية وتجريبية. وبعضها يمكن تقييمه بسهولة أكبر بالمقاييس العقلية. ثمة طرق لمعرفة المعتقدات المبررة وغير المبررة. ليست جميع ادعاءات الأحقية متساوية في القيمة والاعتبار، ولا تستند إلى القدر نفسه من الصدق والدقة. هدف كل من يجعل من البحث العلمي، بمعناه الواسع، والفهم مهنته، هو أن يسعى، مستنداً إلى ضمير باحث عن الحقيقة، ونظريات تفسيرية، وجهد منهجي، إلى فحص الوقائع والمعطيات، وأن يدرك كنه الأمور على نحو أدق وأكمل ما أمكن. وهذا يقتضي أن يكون في عمله العلمي بصيراً ومتمرساً، وأن يتمتع أيضاً بحصانة سياسية.
من وجهة نظر ملكيان، «إحدى سمات المثقف» هي البذل المجاني. لقد جاء المثقف ليعطي الناس ما لديه (من قبيل العلم، والفهم، والتجربة، والحكمة)، لا ليأخذ منهم ما ليس لديه (من ثروة، وسلطة، وشهرة، واحترام، وجاه، ومحبوبية، وأشياء من هذا القبيل). لا يمكن تجاهل الدوافع الإيثارية، لكن ينبغي تقييم مقولات مثل الإحسان و«البذل المجاني». إن تعبير «البذل المجاني» هو إضفاء للمشروعية دون تمحيص على ادعاءات أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أسمى من أي دافع سوى الكرم والنوايا الحسنة. هذا التعبير يجسد تصوراً سخياً لطيب القلب، وسخاء اليد، وإيثار الحكماء الذين يرون أنفسهم، دون أي توقع أو أجر أو مِنّة، مواسين للتائهين، ويعتبرون ساحتهم المطهرة وآفاق حياتهم التقية الأثيرية بمنأى تام عن الإغراءات التي تعتري الحياة اليومية لأبناء الأرض في الأسواق والأزقة. إن تعبير البذل المجاني لا ينسجم مع المقولات التحليلية للعلوم الاجتماعية.
إن التعلق بثواب أخروي أو بالاعتراف والشهرة في هذا العالم هو من الدوافع الرئيسية للأفعال التي تُعتبر إحساناً أو بذلاً مجانياً. إن ربح هذه الأفعال أو ثوابها رمزي؛ إنه يريح الضمير، ويخلق شعوراً بالرضا. والرضا الداخلي الناجم عن الخطوات الخيّرة ليس ثواباً زهيداً. يمكن، بشكل مدلل، اعتبار طلب الجاه والتعلق بالاسم والشهرة، وزيادة عدد الأتباع والقراء، من الدوافع المهمة للمثقفين. إن الاهتمام والإطراء اللذين يثيرهما عمل المثقف هما ثوابه. الثواب ليس دائماً ملموساً ومادياً. الثواب الرئيسي للمثقف غالباً ما يكون رمزياً؛ إنه شعور بالارتياح يمكنه من إيصال كلامه إلى مسامع الآخرين وإظهار ما يقوله على أنه جدير بالاهتمام. إن الانخراط في عداد المشاهير و«الوجوه الخالدة» والقادة الثقافيين للمجتمع هو ثواب له نتائج ملموسة. بلوغ هذه المكانة هو حصيلة أولئك الذين يظنون أنهم قضوا حياتهم بإيثار ومجاناً في خدمة الثقافة. إن طلب العلم وممارسة الفكر مقترنان بالعناء والمشقة، لكن ثمرتهما بهجة ورفعة شأن أيضاً. الباحثون الناجحون يلقون قدرهم في عالم الروحانية وعند أهل التمييز. وبعد الموت أيضاً، يبقى الاسم والآثار، كثيرها أو بعضها. حسن السمعة بعد الموت ليس دافعاً زهيداً. قلّما يوجد محسن لا يفكر في حسن السمعة بعد الموت، وفي الإفلات من النسيان.
أحد الجوانب المثيرة للانتباه في كتابات ملكيان هو تصوره لـ«الناس» الذي يصعب أحياناً تمييزه عن «العوام». على المثقف، من وجهة نظر ملكيان، أن يصون نفسه فوق ردود أفعال الناس، وألا يكون «مبتلى بالعوام» أو «مخادعاً لهم». ينبغي له «ألا يتوقع من الناس قبولاً ولا أن يعلق بهم أملاً، وأن يخفض فتيل أي توقع أو أمل في الناس قدر استطاعته. فالمثقف الحقيقي، في الوقت الذي يبذل فيه، بدافع الشفقة والحب للبشر، كل ما هو حقيقة و
طبق مصلحت آنان می داند به فهم پذیرترین بیان بر آنان عرضه می کند، چشم انتظار قبول و اقبال و استقبال شان نیست و از این رو، از حقیقت به کذب و خطا، و از مصالح انسانها به خوشایندهایشان نمی گراید.» از مقوله «حقیقت» بگذریم؛ پرسش اساسی در این جا این است: چه چیزی ما را قادر می کند نیاز یا مصلحت دیگران را بهتر از خود آنان دریابیم؟ چه ویژگی هایی ادعاهای ما را از ادعاهای پدرسالارانه دیگران متمایز می کند؟ روشنفکری که خود را رها از ایدئولوژی می پندارد با چه دستاویزی به خود حق می دهد مدعی شود «مصلحت» مردم را تشخیص داده است، یا بگوید توجه به «نیازها و مصالح مردم» را نباید فدای خواسته ها و خوشایندهایشان کنیم؟ آیا معنای این سخن این نیست که مردم خود از درک مصلحت خود یکسره ناتوانند و «ما» روشنفکران باید بار این وظیفه را به دوش بگیریم؟ اگر مردم درباره مصلحت خود نظری دیگر داشتند، و اگر داوری روشنفکر، و داعیه های اصلاحی و بیدار کننده او را نپذیرفتند چه باید کرد؟ از دید ملکیان روشنفکر «داور مردم» نه «نماینده و سخنگوی» مردم است؛ او در مقام داور برگزیده مردم نیست، خود خود را برگماشته است؛ اما اگر مردم به او توجه نکردند او چگونه می تواند بر آنان اثر گذارد؟ اگر داوری او با داوری مردم درباره خودشان ناسازگار بود چه باید کرد؟
مراد از «مردم» و «عوام»، و تفاوتهای تحلیلی دو مقوله عوام و مردم فرودست، در چیست؟ مقوله «عوام» شاید در مواردی کارایی جامعه شناختی داشته باشد ولی باید مراد از آن را روشن کرد یا درباره کاربردهای تحلیلی آن بیشتر اندیشید، هستند کسانی که، اغلب ریاکارانه یا غرض ورزانه، می کوشند خود را نماینده لایه های فرودست مردم، یا دلبسته منافع و پسندهای آنان وانمود کنند. با این همه در کاربرد تعبیرهایی مانند «عوام»، «عوام فریب»، و«عوامزده» به درنگ وتأمل بیشتری نیاز داریم. آیا منظور از «عوام» توده های شهری و فرودستان کوچه و بازار است یا روستاییان و کوچ نشینان را هم در بر می گیرد؟ تفاوت های جنسی، نسلی، و شغلی چه تأثیری بر این مقوله دارند؟ آیا مراد توده بی شکل یا کسانی است که نتوانسته اند به مدرسه یا دانشگاه بروند؟ آیا منظور کسانی است که آسیب پذیرترند، زودتر به ریاکاری و دروغ پردازی تن در می دهند و آسان تر برانگیخته یا دست آموز می شوند؟ آیا مراد کسانی است که آسان تر به خشم و کین دل می سپارند یا می خواهند با دستاویز برخی باورها یا شعارها زندگی خود را بهتر کنند؟ شاید سرهای خالی از اندیشه آسان تر انباشته از کین شوند، اما هر دل پر کینی خالی از نگرانی ها، اندیشه ها و امیدهای موجه نیست. در بررسی رفتارهای ناروا مسئولیت فردی را نمی توان نادیده گرفت اما نباید از شرایطی که فریبکاری و مسئولیت گریزی را ممکن یا رایج می کنند، غافل ماند. ایرانیان روزگار مشروطه با مردم ایران امروز چه وجوه مشترکی دارند؟ آیا دشواری ها و خواست های همانند دارند و می توان آنها را نیازمند رهنمودهای یکسان دانست؟ گذشته از این، روشنفکر با چه پشتوانه ای می تواند خود را از هر جهت فراتر از مسائلی بپندارد که «مردم» را گرفتار آنها می داند؟
همه کارورزان گستره فرهنگ، فرصت ها و زمینه زیست فرهنگی خود را وامدار تلاش و رنج مردم فرودست در کشتزار و کارخانه و کارگاه و جاده و بیابان هستند؛ کسانی که از سهم ناچیزی از موهبت های سرزمین خود برخوردار بوده اند. کسانی که بخت و فرصت و امکانات آن را داشته اند که درسی بیاموزند و دانشی بیندوزند نباید آنهایی را که چنین بخت و امکاناتی نداشته اند به دیده خوار داشت بنگرند. نباید کسانی که خود را روشنفکر یا دانشور می دانند تجربه ها و دانش عملی مردم فرودست، و آگاهی آنها بر امور زندگی خود، و توان کنشگرانه آنها را نادیده بگیرند، مدعی سروری بر آنها باشند، و خود را در تشخیص و تعيين مصلحت آنها محق بدانند. شایسته تر آن است که روشنفکر، به پشتوانه جایگاهی که در جامعه دارد، به دفاع از آن چه را حق و عدالت می داند بپردازد و ادعای نجات گمراهان و ارشاد ناآگاهان را به دیگران واگذارد. نباید از این نکته غافل بود که خودکامگان «روشن نگر» تاریخ، و دیگر مدعیان سروری رهبرانه و سرپرستی خیرخواهانه مردم نیز جز ادعاهای مصلحت اندیشانه و رستگاری جویانه دستاویزی نداشته اند. طنین این سخن که مردم توان تشخیص منافع و مصالح خود، و قابلیت نمایندگی خود، را ندارند ناخوشایند است.
اعتبارُ الذاتِ حزينةً خيّرةً ناصحةً للشعب، دون اكتراثٍ برغباتهم وآرائهم وتصوراتهم هم أنفسهم عن خيرهم ومصلحتهم، يتعارض مع الأسس الفكرية الحديثة ومفهوم المواطنة. إن ادعاءاتٍ من هذا القبيل تتجاهل مبدأ المساواة في الكرامة بين البشر. الإيمان بأن البشر يتمتعون بكرامةٍ متساويةٍ جذورُه في أفكار جان جاك روسو وإيمانويل كانط. هذا الإيمان، الذي يتضمن مبدأ المساواة الأخلاقية والحقوق المتساوية للبشر، هو جوهر مفهوم المواطنة، وأساس الفكر الديمقراطي. لا ريب أن ذمّ «الشعب» ومدحه تجريدياً كلاهما في غير محله. وعلينا، شأن مونتسكيو، أن نحذر من اعتبار المواطنين الأحرار فاضلين من كل وجه. غير أن الديمقراطية الراسخة والمؤسسية تنسجم، أكثر من أي نظام سياسي آخر، مع نمو الفضائل المدنية وتضاؤل أرضية الترويض والسلوكيات «العامّية». في غياب الحرية سيجد الجميع أنفسهم تافهين تائهين، وسيكونون أميل إلى التستّر والمجاملة والتزوير. لا يمكن الجمع بين عدم الاكتراث بردود فعل الناس وتوقّع أن يؤثر كلامنا فيهم. فعلى الرغم من توصيته بعدم الاكتراث بردود فعل الناس، يريد ملكيان من «المثقف الحق» أن يكتب ببساطة حتى في المسائل المعقدة، وأن يكون كلامه في مستوى «فهم» الناس، لأنه «في حاجة ماسة إلى ثقة الناس». كيف يمكن التوفيق بين عدم الاكتراث بردود فعل الناس وضرورة كسب ثقتهم؟ لا ينبغي تعمّد التعقيد في الكتابة، لكن ثمة نقاشات، وثمة حقائق معقدة ينبغي أن تُعكس بأكبر قدر ممكن من الدقة. لا يمكن تبسيطها وجعلها سهلة المنال. لا ينبغي ابتذال المباحث الأساسية واختزالها إلى نقاشات صحفية ومجلسية وتلفزيونية. هذا الاختزال هو مهمة وسائل الإعلام الجماهيري و«الاجتماعي»؛ فبفضل هذه الوسائل صار الجميع اليوم قادرين على إيصال رسالتهم إلى الآذان، وصاروا يكتبون ويتكلمون أكثر بكثير مما يقرؤون ويفكرون. الجهل بكثير من الموضوعات خير من معرفتها معرفةً ناقصةً خاطئة. ومن مهام المثقفين الجادين فهمُ الأمور الاجتماعية المعقدة وتحليلها استناداً إلى تعمّق منهجي قائم على العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة. وهذا العمل لا ينبغي تسليعه.
يبدأ نص ملكيان بذكر مصطفى رحيمي، «المثقف الذي جلس معوجّاً وقال صواباً»، غير أن الدور الذي رسمه ملكيان للمثقف لا ينسجم مع ما ميّز مثقفية رحيمي. إن الذين حالفهم الحظ، ومنهم كاتب هذه السطور، بمعرفة رحيمي عن قرب، وكل من قرأ كتابات رحيمي، يعلمون أن عمله كان أسمى من التعليم والتربية الأخلاقية الفردية. ما أبرز قدر رحيمي وجرأته كمثقف في تاريخ إيران الحديث ينبع من منحاه الاجتماعي وارتباطاته الفكرية الحديثة. لم تثره لا صيحات العشاق ودعاة التقاليد المحلية و«الروحانية» الآسيوية، ولا نواح المنادين بغربة الغرب الغريبي. كان رحيمي مثقفاً واشتراكياً ومتعلقاً بمُثُل الحركة الوطنية، وناقداً شرساً للاستبداد السياسي والإمبريالية. ظل ثابتاً في مناصرته للعدالة الاجتماعية؛ كان يخجل من «امتلاك سيارة في مقابل أناس لا يملكون شيئاً، وأيضاً في مقابل صفوف ركاب الحافلات»؛ أراد أن يعالج هذا «الخجل»، ورأى العلاج في «خدمة الناس كثيراً». كان كلامه بعيداً عن شائبة التعالي والتخيلات «المجانية». كان أهم هاجس فكري عند رحيمي هو علاقة المثقفين بالشعب وربطهم ببعضهم البعض. كان أمله أن يجد المثقف «مكاناً له في أحضان أمته». من وجهة نظره، ذهاب المثقف نحو الشعب «ليس إجراءً نابعاً من كرامة ونبل، بل هو نابع في الأغلب من حاجة أصيلة: لقد استشرى الفساد والكذب والخيانة والانحطاط والعفونة في الطبقات العليا حتى لم يعد ثمة فسحة للتنفس». مُثُل المثقفية لا تجد بيئة للنمو والإثمار إلا بين الشعب. كانت وصية رحيمي: «أيها المثقفون الصامتون، المثقفون الهاربون من الرسالة، المثقفون المستغرقون في صنع المنمنمات، المثقفون العابثون بالسلسلة، المثقفون العاجزون عن إدراك قوة الأمة، إن كنتم لا تستطيعون إدراك قوة الأمة، فلا تهينوا أمتكم على الأقل».
* الثقافة، الديمقراطية، والمثقفية
يرى ملكيان أن «مشكلة» المجتمع هي «ثقافة كل فرد من أفراده». لكن الثقافات، بما فيها الثقافات نفسها، ظواهر جمعية. فالمنهج الذي يعتمد على الفردانية المنهجية لا يقدم فهماً ثقافياً يُعتد به. الثقافة مزيج من إرث الأسلاف ومكتسبات الحاضر التي تُتعلم وتُستبطن في البيت والمدرسة والشارع والزقاق وفي ظل أدوات الدعاية ووسائل الإعلام؛ للروابط الأسرية والطبقية والإثنية، ولمقتضيات الغنى والفقر، وللمكانة الاجتماعية أثر حاسم فيها. ينبغي النظر إلى الثقافة من منظور مباحث الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع ومن زاوية تاريخية. علاوة على ذلك، لا ينبغي اعتبار الثقافات (كما فعل يوهان غوتفريد هردر، ويوهان غوتليب فيشته) حصوناً منيعة وأقاليم مغلقة وفريدة بحدود واضحة وثابتة. لقد تشكلت الثقافات عبر التماس بعضها ببعض. كما أن الحاجات البشرية، رغم الفروق الثقافية، صارت تتشابه يوماً بعد يوم. وكما تقول مارثا نوسباوم، المنظّرة الأمريكية، لكي يتمكن الناس من تخصيب مواهبهم وتحقيق قابلياتهم الإنسانية، لا بد من توفر لوازم وتمهيدات ذات معايير كونية لا ترتبط بثقافة أو أرض بعينها.
كان روسو، في تمييزه بين «الإنسان المتوحش» و«المتحضر»، يقول إن الإنسان المتوحش يعيش كلياً داخل ذاته، أما الإنسان المتحضر أو الاجتماعي فيعيش دوماً خارجها. معيار عيشه هو رأي الآخرين واعتقادهم. شعوره إزاء وجوده وأهميته متجذر في حكم الآخرين عليه. في المجتمعات المعاصرة لا يمكن الفصل بين الداخل والخارج. الداخل انعكاس للخارج. العيش الثقافي الثري يتناسب طرداً مع الزينة الداخلية، غير أن العيش المدني رهين بالحرية والإمكانات البنيوية المعززة للقدرة في الخارج. ولعل هذا هو السبب في أن الاضطرار إلى العيش الداخلي، من وجهة نظر شفيعي كدكني، ليس سوى تعذيب.
إن تغير حاضر هذه البلاد ومستقبلها مرهون بهؤلاء الناس أنفسهم، بما فيهم من خصال حسنة وسيئة وقدرات وعجز. فكل بناء له جذوره في مائه وتربته، ويُشيَّد بالحجر والطين الموجودين. ثم إن «دعاة المجانية» الخيرين وحدهم ليسوا من يفكر، بوصفهم مصلحين ومنورين، في هندسة باطن الناس أو «إصلاحه». فهناك قوى أخرى كثيرة منهمكة في هذا العمل، أو متدخلة فيه، وتتكئ على التقاليد والعادات والمعتقدات، أو تبتدعها. فلا يمكن تجاهل الدعايات الحكومية وغير الحكومية، ولا الدعايات المحلية والعابرة للحدود، ولا مقتضيات الموضة والمكانة والذوق والمعايير الناشئة عن العولمة. بأي رصيد يريد المثقف المتحرر أن ينافس الأدوات والإمكانات الدعائية الهائلة التي بحوزة أصحاب السلطة السياسية والمادية، ووسائل الإعلام المعاصرة؟ إن تصور عالم مثالي يتيح مجالاً للتربية العقلانية غير المشوشة للناس في ظروف مثالية هو ضرب من الخيال. وباستلهام من برتولت بريشت، ينبغي القول إن الناس الذين لا نرضاهم لا يمكننا أن نطيح بهم ونختار غيرهم. لا يمكننا أن نعتبرهم عديمي القيمة. لا يمكن أن نطلب من جموع العاطلين والبائسين، وأعداد الناقمين، أن يصبروا حتى تثمر شتلة تهذيب ثقافة الناس وتنقية أخلاقهم المباركة.
تهذيب النفس وتهذيب الأخلاق وتزكية الذات والآخرين، مهمة جديرة بالثناء ومحمودة، وهي من الأعمال التنويرية النافعة، لكن حصر التنوير «الحقيقي» في هذا وحده ليس مقبولاً ولا يمكن تبريره. في المفهوم السائد اليوم، يُقصد بالمثقف ذلك الشخص الذي يُعنى بإعلاء شأن الفضائل المدنية وتحسين ظروف الحياة الجمعية للناس ويسعى في هذا السبيل. وهو يرى أن تحسن أحوال الناس الباطنية ناتج عن تحسن جودة حياتهم، وتمتعهم بالحقوق والقدرات التي تحقق إمكانياتهم، وعيشهم حياة كريمة، في ظل مؤسسات سياسية واجتماعية وثقافية قائمة على المعايير الإنسانية الحديثة ومقتضيات ثقافة المواطنة. إن التمتع بالفضائل المدنية، وما يلزم للحياة المدنية، ليس نتاج نصائح الزهاد، أو اتباع إرشادات المحسنين؛ بل ينبغي تعلمها بالمثابرة والاختبار المتواصل. لا يمكن انتظار تحول الباطن الإنساني لتأسيس نظام ديمقراطي. فالأمر يتطلب قبل كل شيء تجربة النضال من أجل الديمقراطية، والعيش في فضاء الحرية، والتحرر من سطوة الخوف والاستبداد والتطويع. إن التغلب على المهانة الروحية والذل الناجم عن التبعية ممكن عندما لا يكون الخضوع لأرباب السلطة، والتقرب إليهم، والتملق والتسول، وسيلة للبقاء أو التقدم. إن استنشاق هواء الحرية والأمن المؤسسي الناجم عن نظام ديمقراطي راسخ لفترة من الزمن، يمكنه أن يصقل الروح، ويزيل الخسة، وينمي روح الحرية، أكثر مما تفعله سنوات من التثقيف على يد الوعاظ. إن تهذيب النفس والتعايش السلمي لا يتحققان بالرضوخ للمهانة والعبودية. وكما أشار بحق باروخ سبينوزا، الفيلسوف الهولندي في القرن السابع عشر، فإن نتيجة الاستبداد السياسي هي عبودية الناس، لا السلام والطمأنينة. فالسلام والطمأنينة هما توافق الناس وتضامنهم، لا مجرد غياب الحرب وسفك الدماء. إن الديمقراطية، وثقافتها السياسية، تجعل الناس قادرين على الشعور بالاستقلالية والمسؤولية، وأن يأخذوا حقهم في الحكم والاختيار على محمل الجد؛ وأن يختاروا بثقة بالنفس من بين الخيارات والمرشحين والمتطوعين المختلفين، النُهج والأشخاص الأكفاء لتمثيلهم وإدارة شؤون البلاد؛ وأن يصححوا أخطاءهم السياسية دون اضطراب وعنف. هذه القدرة والوعي والمشاعر المرتبطة بهما، لا تتحقق إلا من خلال الديمقراطية نفسها.
إذا كانت نظرية المثقف المعترض قد خبت، فإن نظرية المثقف بوصفه ناقداً للسلطة، ومستقلاً عن أركانها ووكلائها، لا تزال قائمة. إن مجتمعنا بحاجة إلى المصلحين ومعلمي الفضيلة والسلوك الأخلاقي - أولئك الذين يسعون إلى تغيير باطن الناس؛ لكنه بحاجة أيضاً إلى أولئك الذين يفكرون في تغيير البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرون أن طريق تحقيق الرفاه الجمعي يكمن في ذلك، وفي نفي الأسس البنيوية لاستمرار الظلم والجور والاستغلال. إن السؤال عن أي الفريقين أشد حاجة ليس سؤالاً ينبغي لأشخاص مثل كاتب هذه السطور أو السيد ملكيان أن يجيبوا عليه أو يحتكروه لأنفسهم. يجب أن يُقدم الجواب في رحاب المجال العام. في المجتمع الحديث، ساحة تشخيص وتحديد الخير والمصلحة العامة هي المجتمع المدني وحوارات المواطنين الذين أتيحت لهم الفرصة ليُلمّوا بما يرتبط بمصيرهم الجمعي. ومن مهام المثقفين المساعدة في جعل الحوارات في هذا المجال أكثر خصوبة. إن دراسة حياة البشر تختلف اختلافاً جوهرياً عن دراسة حياة الطيور والزواحف. فالبشر أنفسهم لديهم آراء حول معانيهم وغاياتهم ومصالحهم ومنافعهم ورغباتهم ودوافعهم. ولا يمكننا في دراستهم وفهمهم أن نتجاهل تصوراتهم وتفسيراتهم هم لحياتهم.
ينبغي التمييز بين المثقف بوصفه شخصًا ودوره الاجتماعي. فدوره يتشكل في ارتباط محدد بظروف اجتماعية معينة. أحيانًا تطغى مقتضيات الدور الاجتماعي على السمات الشخصية. المثقف الملتزم بمسؤوليته الاجتماعية ومقتضيات دوره، قلق على مصير مجتمعه. لا يُقدم على خطوة من شأنها أن تعرض مكانته الشخصية، والأهم من ذلك، دوره ومكانته الاجتماعية وفاعليته للضرر. المثقف، بوصفه من أتيحت له فرصة التفكير النظري المنظم والاستقصاء أكثر من غيره، يستطيع في ظل ما يحظى به من اعتبار أخلاقي ومكانة، أن يجعل رأيه وكلامه جديرين بالاهتمام. ولهذا السبب تثير ملاحظاته وهواجسه مزيدًا من التأمل. ينبغي له في هذا الموقع أن يكون ناقدًا للنخبوية الثقافية، وأن يتغلب هو نفسه على إغراءات الانسياق وراءها. كما ينبغي له أن يتصدى للنزعات الشعبوية المعادية للمثقفين. إن النخبوية الثقافية، كما بيّن بيير بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي (1930-2002)، تعرض قيم الديمقراطية وأسسها للخطر. كما أن النزعات التي تستهدف المقاربات والقيم والمعايير الفكرية (على نحو ما شهدناه في الحركات الشعبوية في أمريكا)، وكما نشهد في عصر ترامب، لها آثار مدمرة على الأسس والقيم الديمقراطية.
يندد ملكيان بـ«الأيديولوجيا» و«التفكير الأيديولوجي» تنديدًا تامًا، ويعتبرهما منافيين للاستقلال العقلي وحب الحقيقة، ومرادفين لـ«الوعي الزائف» و«اعتبار بعض الآراء غير قابلة للنقاش». تحذيرات ملكيان بشأن الأيديولوجيا ليست في غير محلها؛ غير أن للأيديولوجيا طيفًا دلاليًا أوسع مما قدمه. علاوة على ذلك، لا يستطيع المثقف لمجرد معارضته للنظرة الأيديولوجية أن يتجاهل ظاهرة الأيديولوجيا ووظائفها الاجتماعية - السياسية. «الأيديولوجيا» من أكثر مفاهيم العلوم الاجتماعية اليوم تعقيدًا وإثارة للجدل، وينبغي الانتباه إلى هذه التعقيدات عند استخدامها. لقد تحولت كلمة أيديولوجيا، منذ ابتكارها في أواخر القرن الثامن عشر وحتى الآن، إلى مفهوم ذي حمولة معنوية متعددة، واتخذت استخدامات وصفية وتحليلية - تفسيرية وتقبيحية. في بعض الحالات كانت مرادفة للاتجاه الفكري أو النظرة إلى العالم؛ وفي حالات أخرى قُصد بها معنى إيجابي: مذهب يزيد من تضامن الجماعات أو الطبقات ويدفعها إلى شد الأحزمة سعيًا لتحقيق أهدافها السياسية المنشودة. اعتبر البعض كل المعتقدات أو الأفكار السياسية أيديولوجيا. وفي حالات كثيرة وصف أشخاص المقاربة الفكرية لخصومهم بأنها أيديولوجية، لكنهم اعتبروا أنفسهم بمنأى عن مثل هذه الشوائب. لم يكن اليمينيون في الغالب يقصدون بالأيديولوجيا شيئًا سوى النزعات اليسارية.
يرتبط مفهوم الأيديولوجيا في بعض الحالات بالسياقات التبريرية لنظام استبدادي. وهو يتضمن أحيانًا أن الناس قد أُجبروا على النظر إلى العالم من منظور حكامهم وعلى شاكلتهم. ويشير أحيانًا إلى أن أفكارًا صحيحة قد سُخرت لأعمال باطلة. اعتُبرت الأيديولوجيا في حالات مرادفة للأوهام التي لا أساس لها والمضللة والضارة، وتتضمن معتقدات تقلل من القدرة على التقييم والنظر النقدي، وتمنع معتنقيها من الفهم الصحيح للوقائع، وتفرض عليهم تصورات خيالية. الأساس المعرفي لجميع الأيديولوجيات ليس بنفس الدرجة من الاهتزاز أو الخلل. كما أن توافقها أو عدم توافقها مع مقتضيات العقل السليم متفاوت.
الأيديولوجيا من وجهة نظر كارل ماركس هي مزيج من المعتقدات والتصورات التي شكّلتها ظروف الحياة المادية، والتي يدرك الناس عالمهم من خلالها. المعتقدات السائدة في كل عصر هي معتقدات الطبقة الحاكمة، وأي طبقة تملك الهيمنة المادية والاقتصادية والسياسية على المجتمع تملك أيضاً الهيمنة الأيديولوجية. لقد استخدم أتباع ماركس، والمتأثرون به، الأيديولوجيا، التي تُعد إحدى مقولاتهم الوصفية-التحليلية الرئيسية، بطرق متنوعة. يرى ستيوارت هول (1932-2014)، المنظّر الجامايكي-الإنجليزي وأحد مؤسسي مجلة نيو ليفت، أن الأيديولوجيا تعادل الأطر الذهنية التي تستخدمها الطبقات والمجموعات الاجتماعية المختلفة لفهم المجتمع وتعريفه وتفسير كنهه. من وجهة نظره، يساعدنا مفهوم الأيديولوجيا ونظريتها على إدراك كيف تسيطر أفكار معينة على ذهنية مجموعات محددة، وكيف تربطها ببعضها وتمكّنها من إدامة هيمنتها على المجتمع، وتدفع جماهير الناس إلى الرضا بخضوعهم. في الوقت نفسه، يساعد مفهوم الأيديولوجيا على فهم العملية التي تتشكل من خلالها تمظهرات جديدة للوعي، وفهم مختلف للعالم، مما يدفع الجماهير إلى التحرك ضد النظام الاجتماعي القائم. يمكن للأيديولوجيا أن تكون ذريعة لتبرير الهيمنة والقمع، كما يمكن أن تكون مادة للعمل من أجل التحرر من الظروف الاجتماعية-السياسية المزرية.
مفهوم آخر يرتبط بالأيديولوجيا هو «الوعي الزائف». لا نجد هذا التعبير في كتابات ماركس؛ أشار إليه إنجلز إشارات عابرة، لكن جورج لوكاتش، المنظّر المجري (1885-1971)، هو من حوّله إلى أحد المفاهيم التحليلية في الرؤية الماركسية. كان لوكاتش يرى أنه يمكن تمييز المعتقدات المتناسبة مع ظروف الحياة الموضوعية للعمال. «الوعي الطبقي» هو الأفكار والمشاعر والنزعات التي ينبغي أن تكون لدى العمال بحكم موقعهم الطبقي. إذا كان العمال أسرى لمعتقدات لا تتناسب مع موقعهم الطبقي، فإنهم يعانون من «الوعي الزائف». يُفهم «الوعي الزائف» اليوم على أنه يتضمن معتقدات تُستخدم للحفاظ على الهيمنة وتبريرها، لكن أولئك الذين يتعلقون بها يجهلون هذه الحقيقة. وظيفة هذه المعتقدات أو منشؤها أو دوافع استخدامها زائفة. «الوعي الزائف» لدى الخاضعين هو نتيجة لحيل وتدابير نابعة من سلطة المهيمنين، تجعل الخاضعين يرضون بوضع لا يتوافق مع مصالحهم الحقيقية، لكنهم لا يملكون إمكانية تمييز هذه المصالح، وبذلك يكونون راضين عن مصيرهم ونصيبهم من خيرات الحياة الاجتماعية أو لا يشكون منه. يمكن القول، بشكل معقول، إن تأييد العمال للأحزاب التي ترعى مصالحهم هو أكثر نفعاً لهم من دعم الأحزاب اليمينية. إذا أيد العمال الأحزاب اليمينية، فيمكن اعتبارهم واقعين تحت وطأة الوعي الزائف. لكن تشخيص هذا الأمر ليس كافياً. يجب تفسيره ومعرفة أسبابه؛ وهذه الأسباب لا يمكن اختزالها إلى سمات الخلق الفردي لديهم.
كارل مانهايم، منظّر مجري آخر (1893-1947)، متأثر بلوكاتش، خطا خطوة في تطوير دراسة الأيديولوجيا، وتأثير الظروف الاجتماعية على المعايير والمعرفة، من خلال طرحه لنظرية «علم اجتماع المعرفة». كان هدفه دراسة كيف أن المعايير التي كانت نتاجاً لظروف اجتماعية معينة تصبح، إثر تغير هذه الظروف، غير متوافقة معها، وكيف تتغير المعرفة والنظرة التاريخية المرتبطة بها. من وجهة نظر مانهايم، نحن لا ندرك العالم ونفسره إلا من خلال منظور ثقافتنا وموقعنا الاجتماعي ومصالحنا وأيديولوجياتنا؛ لا يمكننا أن نسعى وراء الحقيقة المطلقة، بل نسعى لفهم الحقائق والمعايير والأساليب المعرفية التي شكلها التاريخ. من وجهة نظر مانهايم، يمكن اعتبار المعرفة مشوهة ومختلطة بالأيديولوجيا إذا كانت تتجاهل المعطيات والوقائع الجديدة أو تحاول التغطية عليها. أكد مانهايم على وظيفة الأيديولوجيا في التغطية على الوقائع الاجتماعية وتبرير النظام الاجتماعي القائم وتثبيته. لقد استخدم هذا المفهوم في مقابل «اليوطوبيا» التي هي، في اعتقاده، تخيلات حالمة تؤجج فعل المعارضين للوضع القائم وتطالب بتغيير النظام الاجتماعي القائم.
أما المنظّرون الذين ارتضوا النظام الاقتصادي-السياسي القائم في المجتمعات الغربية، فقد اعتبروا أن الأفكار المؤيدة للتغيير وحدها هي الإيديولوجية، وصوّروا مصطلح الإيديولوجيا مرادفًا للتوجهات المناصرة للعدالة الاجتماعية. دانييل بل (1919-2011)، عالم الاجتماع الأمريكي، الذي كان يعتبر نفسه اشتراكيًا في المجال الاقتصادي، طرح نظرية «نهاية الإيديولوجيا» وكتب أن الناس العقلاء لم يعودوا يكترثون بالإيديولوجيا السياسية؛ كان هو وسيمور مارتن ليبست (1922-2006)، عالم الاجتماع الأمريكي، يقولان إن مشكلات إدارة المجتمعات الصناعية المتقدمة قد حُلّت؛ وإن الوضع الراهن قد بلغ الاستقرار المنشود؛ وإن المجتمع المتطور الجيد ليس شيئًا يتجاوز ما بلغناه؛ وإن زمن الإيديولوجيا، أي التعليق على خيارات اجتماعية-سياسية أخرى غير الرأسمالية والنظام السياسي القائم عليها، قد ولى إلى غير رجعة. كما طرح الباحث السياسي الأمريكي، فرانسيس فوكوياما (و. 1952)، في أعقاب انهيار الشيوعية السوفيتية، نظرية مشابهة هي «نهاية التاريخ»: فالبشرية لا تملك خيارًا آخر غير الرأسمالية والديمقراطية المعتمدة عليها؛ وهذا يمثل المرحلة الأخيرة من التطور الاجتماعي-السياسي، والمصير المحتوم للبشرية. والجوانب الإيديولوجية لهذه النظريات واضحة.
كان سبينوزا يرى أنه حتى في أكثر الظروف حرية، ستستمر هيمنة الأوهام. ومن وجهة نظره، فإن الاعتقاد بإمكانية حث الناس على العيش في ظل العقل وحسب ليس سوى خيال ساذج. وكان لوي ألتوسير (1918-1990)، المنظر الماركسي الفرنسي، يرى، متبعًا سبينوزا، أنه حتى في المجتمع الشيوعي، سيظل الناس أسرى للأوهام الإيديولوجية. ومن وجهة نظره، فإن كل المجتمعات البشرية تحتاج، لكي تحيا وتتنفس تاريخيًا، إلى «إفراز» الإيديولوجيا. كان ألتوسير يعتبر الإيديولوجيا انعكاسًا أسطوريًا أو خياليًا للوقائع في مملكة اللاوعي. وكان يرى أن وظيفتها الاجتماعية هي ربط البشر بعضهم ببعض في المجتمع، وكان يعتقد أن الإيديولوجيا في كل عصر من تاريخ البشر عامل ضروري للتضامن الاجتماعي. كما اهتم ألتوسير بالصلة أو العلاقة بين الإيديولوجيا و«الخطاب»: كيف تُستبطَن الأفكار، وكيف نفكر، دون أن ندري، ضمن إطار مقولات تجبرنا على التفكير في حدودها.
في فرنسا، ثمة تقليد فكري عريق، منذ روسو فصاعدًا، يرى أن التماسك الاجتماعي ناتج عن الاعتقاد لا عن العقل والإرادة. كان روسو يتحدث عن «الدين المدني». وأوجد أوغست كونت (1798-1857)، المنظر الاجتماعي ومؤسس الوضعية، الطقس العلماني «دين الإنسانية». وكان ألكسي دو توكفيل (1805-1859)، المؤرخ وعالم الاجتماع، يعتبر المعتقدات الجازمة ضرورة للنظام الاجتماعي. أما إميل دوركايم (1858-1917)، أحد رواد علم الاجتماع، فقد أولى اهتمامًا خاصًا لصلة الدين بالحياة والتضامن الاجتماعي. كان تأكيده على دور الدين في التماسك والضبط الاجتماعي وإضفاء المعنى على الحياة من خلال حرم مقدس، ومؤسسات، وقيم، وطقوس، تضرب جذورها في نهاية المطاف في المجتمع نفسه. كان يرى أن نشأة الدين وشرعيته نتاج لحظات ثوران الحماس الجمعي، وكان يعتبر الدين نزوع المجتمع إلى عبادة ذاته، وبهذا المعنى، كان يراه جزءًا دائمًا من الحياة الاجتماعية. من وجهة نظر مفكري هذا التقليد، وفي مقابل النفعية (Utilitarianism) السائدة في إنجلترا، لا يمكن للمجتمع أبدًا أن يكون نتيجة لحسابات عقلية ونزعات منفعية للأفراد. حتى المنظر الاشتراكي مثل ريجيس دوبريه (و. 1940) يرى أن تضامن وهوية أي جماعة بشرية يستلزمان سندًا اعتقاديًا. ويعتبر دوبريه الماركسية، في مجال النظرة السياسية، تعاني من قصور جوهري. ومن وجهة نظره، فإن أحد أوجه هذا القصور هو عدم الاكتراث بالقومية. فالقومية، بسبب ارتكازها على رموز وأساطير الماضي الملهمة، وخلود الأمة ومجدها، وقيمة من ضحوا بأرواحهم في سبيلها، كانت قوة تاريخية أشد فاعلية من الاشتراكية التي ترتكز على نزعات عقلية. إن القوميين، من وجهة نظر دوبريه، يمزجون مفاهيم مثل «المقدس» بالماء والتراب أو الحدود والأرض، ويُظهرون أنفسهم أكثر وعيًا من غيرهم بأهمية وضرورة الروابط العاطفية، والحاجة إلى الانتماء الوجداني لمجتمع وثقافة محددين. من وجهة نظر دوبريه، يولي العقل السياسي، في مقابل العقل المحض، اهتمامًا خاصًا بالمعتقدات. فالمعتقد يرتبط بالروح الجمعية، وبالتالي بالوجود السياسي. قد يكون النظر دون عمل ممكنًا، لكن العمل دون نظر ومعتقد غير ممكن؛ فالإيديولوجيا أو الأسطورة وحدها هي التي يمكن أن تؤدي إلى التضامن الجمعي وتكون دافعًا للعمل.
يجدر بنا أن نستذكر كلمة أوسكار وايلد (1854-1900)، الشاعر والساخر والكاتب الأيرلندي-الإنجليزي، الجديرة بالتأمل، حين كان يقول إن كل ما يتخذ هيئة الاعتقاد الديني يصبح أكثر قابلية للتصديق. فالفكرة التي تُقبل وتُذكي اعتقاداً، تُغطي على نقاط ضعفها بسهولة أكبر وتلبس ثوب الحقيقة المستعار؛ ويصبح إنكار حقيقتها ودحضها أكثر صعوبة. كما أن بعض النزعات العلمانية كثيراً ما اختلطت بطقوس وشعائر وألفاظ حماسية؛ ولكي تزيد من قوتها الإقناعية وجاذبيتها العاطفية، اتخذت هيئة دينية؛ وجعلت مصير معتنقيها الذين يخرجون من دائرة إخوتها ببعض الجلبة، كمصير المرتدين المنبوذين. لقد تزينت هذه المعتقدات بتعبيرات ووعود خلاصية؛ وادعت اكتشاف الحقيقة؛ وتذرعت بحركة التاريخ «التطورية» أو «منطق» التقدم الحتمي. وقد زادت هذه الادعاءات من جاذبيتها وقابليتها للقبول، وجعلتها في ظروف تاريخية معينة أكثر قابلية للتصديق وأكثر تأثيراً. ولعل هذا هو السبب في أن نظرية كارل شميت (1888-1985)، المفكر الألماني، حول اللاهوت السياسي قد أثارت اهتماماً كبيراً. كان شميت يرى أن المفاهيم الرئيسية للنظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم لاهوتية تم علمنتها.
كل مفكر في القضايا الاجتماعية يستخدم مفهوم الأيديولوجيا، ينبغي له أن يضع تعقيداتها في الحسبان وأن يفهم سوسيولوجيا تشكلها وفاعليتها. السؤال الأساسي حول الأيديولوجيات، بغض النظر عن معارضتها أو تأييدها، هو لماذا تتجذر في الأذهان وتجذب الجماهير. إن البحث في وظائف الأيديولوجيات لا يمنع من تقييم محتواها. فهذا البحث لا يجعلنا نعتبر ادعاءات الأيديولوجيات المختلفة في اكتشاف الحقيقة أو تعلقها بها عديمة الأساس بالقدر نفسه. الفاشية والاشتراكية والليبرالية، كلها أيديولوجيات، لكن بينها فروقاً نوعية وتستند إلى تصورات معرفية وأنطولوجية مختلفة حول الإنسان. فالاشتراكية والليبرالية تستندان إلى الإرث الفكري لعصر التنوير، بينما تستند الفاشية إلى معتقدات مناهضة للتنوير؛ والفاشية أكثر من الأيديولوجيات الأخرى تجذراً في الأساطير.
إن التنوير، بسبب صلته بالنقد والمساءلة، ينفي الاستبداد، لكن دعاوى التنوير لا تخلو من السعي إلى نوع من السلطة الفكرية. فالتوفيق بين تمجيد الاستقلال الفكري، ومحاولة حث الآخرين على اتباع المتنورين فكرياً، ليس بالأمر اليسير. في ميدان السياسة والمجتمع، استندت النزعات الاستبدادية إلى الاعتقاد بأن جوهر البشر ممتزج بالشر. فلا بد من لجم الإنسان، الضال والشرير بطبعه، وكبح غرائزه. كانت رموز الاستبداد السياسي هي النير والسوط؛ سواء بشكل واقعي وملموس أو في هيئة استعارية. أما الاستبداد الفكري فقد تجلى في أشكال مثل «تلقين الأفكار»، و«الثورة الثقافية»، والوعظ «الإرشادي»، والتلقينات، والدعاية، وما شابه ذلك. هذا النوع من الاستبداد يمكن أن يكون أداة للعنف الرمزي أو تجسيداً له. بعض وظائف الأيديولوجيا ترتبط بدور العنف الرمزي، كما انعكس في فكر بورديو. العنف الرمزي هو فرض مقولات فكرية معينة على الناس التابعين، والتأثير على ذهنيتهم وقابلياتهم المعرفية بحيث يرون النظام الاجتماعي القائم عادلاً. من بعض الوجوه، يكون أثر العنف الرمزي، بسبب تأثيره على المقولات الذهنية والمعرفية للأفراد، أشد من تأثير العنف الملموس والعاري. الذريعة التبريرية للاستبداد هي أنه ينبغي حماية الناس من أنفسهم ومن أبناء جلدتهم؛ ويجب لجم إفراطهم وغضبهم وعنفهم وأهوائهم وجلبتهم؛ ويجب هدايتهم إلى الطريق الصحيح. والوجه الآخر لهذه العملة هو السعي لترويض الناس، وإبقائهم جاهلين، وتسليتهم، وتدجينهم. الوظيفة الأساسية للأجهزة الدعائية الحديثة ليست سوى هذا. فالدولة الحديثة، في هيمنتها ومراقبتها للناس، وتدخلها في كل شؤون الحياة وخصوصاً كبح أفكارهم، تمتلك إمكانيات لم تتوفر في أي عصر من تاريخ البشر. الدول الناجحة هي الدول التي تمتلك القدرة على إنتاج الرضا، وتستطيع أن تجعل الناس يتصالحون مع محرومياتهم، وتُظهر هيمنتها كأمر طبيعي ونتاج لإرادة الناس ورضاهم، وتقنعهم بأن الأمر كذلك.
كان فولتير يقول إن الخرافة تحرق العالم، والفلسفة تطفئ هذه النار. نعرف ما كان يعنيه فولتير بالخرافة، لكن في أيامنا هذه، صار تحديد ما هو خرافة وما ليس كذلك أمرًا مثيرًا للجدل. لقد أجّج امتزاج الخرافة بالسلطة والتكنولوجيا تحديات جديدة. كثير من الواقعين في أسر الخرافة يطلقون أسماء محببة على معتقداتهم. كما أن دعاة التسامح أو التعددية الثقافية يتحاشون إيذاء هذا أو ذاك بسبب معتقداتهم. من الصعوبات المعاصرة أن نفي المعتقدات يُعتبر مرادفًا لازدراء من يتمسكون بها. وهذا ما يصعّب مهمة النقد الثقافي والاجتماعي.
ينبغي التدقيق بقسوة أكبر في سجل أولئك المدعين بحراسة الحقيقة الذين هم في خدمة السلطة ويعملون كوكلاء لأساطيرها التبريرية، لكن لا يمكن توقع أن يكترثوا هم أنفسهم بتقبل افتقارهم للحقيقة. النقد الثقافي والاجتماعي مستحيل دون تصور واضح إلى حد ما للمعتقدات التي تستند إلى الخرافة والأسطورة والأوهام الشبيهة بها. من جهة أخرى، لا ينبغي إغفال حقيقة أنه ما دامت الأوهام والأساطير تحرك حشودًا من الناس، وما دامت هذه الظواهر فاعلة، فإن النظرات العقلانية لا يمكن أن تحل محلها أو تواجهها بفعالية. شيوع المعتقدات الخرافية والوهمية والمولدة للأوهام في أي مجتمع هو تجلٍ لقوى ومصالح سعت إلى ترويجها، وناتج عن ظروف أجّجت الحاجة إلى هذه المعتقدات وجعلتها مقبولة. الآفاق الذهنية لكل قوم تشكلها الظروف التاريخية والمقتضيات الاجتماعية-السياسية للعصر والأرض التي يعيشون فيها. التغيير الجذري لتلك الآفاق مرهون قبل كل شيء بتحول الظروف التي جعلتها فاعلة.
في منظور أوسع، لا يمكن تجاهل حقيقة أن البشر، من أجل البقاء والتكيف مع محيطهم ومواجهة الأزمات والمآسي والحاجات العاطفية الفردية أو الجماعية، قد لجأوا إلى تعلقات لا تنسجم مع حسابات العقل الأداتي المألوفة. هذه الحقيقة بالذات هي ما جعل الرومانسية، التي تشكلت كرد فعل على أفكار عصر التنوير، تتمتع بجاذبية كبيرة. استمرار التعلق بالأسطورة ناتج عن أن العقلانية لا تستطيع تلبية الحاجات الإنسانية في كل الأحوال. لا ينبغي إغفال مكانة الوله والهيام، والحدس والعاطفة والإخلاص، خاصة في حرمة الخلوة، ومجال الروابط الشخصية، وحيز الحاجة إلى إضفاء معنى على الحياة، ولا ينبغي لشغف المعرفة العقلانية أن يبقى بمعزل عن إدراك الشوق والوله.
مع ذلك كله، ينبغي للمثقف، دون أن يغرق في وهم إمكانية العيش في عالم خالٍ من الأوهام، أن يظل متعلقًا بأفكار وقيم عصر التنوير وبفهمها الصحيح. ينبغي له في الحيز العام من الحياة أن يناصر معتقدات تضرب بجذورها في العقلانية والاختبارات العقلية للإنسان. معتقدات لا يؤدي التعلق بها إلى أذى الآخرين أو ازدرائهم أو إقصائهم. هذه المعتقدات لا يمكن تقييمها بمقياس العقل المحض وحده؛ بل ينبغي قياسها بالمعايير المدنية اللائقة بكرامة البشرية وشرفها، والأهم من ذلك، بمقياس الضمير. الضمير هو أكثر تجليات الإنسانية المعيارية غموضًا وأروع مؤشراتها. ما يرشد إليه الضمير هو تجنب فعل ما لا يمكن الاعتراف به علنًا أو الافتخار به. كان مارك توين، الكاتب والساخر الأمريكي (1835-1910)، يقول: «راحة الضمير علامة أكيدة على ضعف الذاكرة». من الأفضل أن نتمتع بذاكرة قوية، وأن نحظى بضمير هادئ بيقظة؛ أن نعامل الآخرين كما نتوقع منهم أن يعاملونا؛ وألا نطلب من الآخرين التمسك بما لم نتمسك به نحن أنفسنا.
كانت المجتمعات القديمة تلجأ إلى الأساطير لتبرير نظامها الاجتماعي ومؤسساتها وقيمها أو إضفاء الشرعية عليها. ومجتمعات اليوم ليست بمنأى عن أساطير تؤدي وظائف مماثلة. كان من بين الأسئلة التي طرحها برنارد ويليامز (1929-2003)، الفيلسوف الإنجليزي الشهير: هل يمكننا أن نأمل في أننا متعلقون بمثل أعلى لتأسيس مجتمع يليق بالعيش فيه لا يقوم على الأسطورة؟ إن التفكير في هذا السؤال هو من المهام الجسيمة لمثقفي كل مجتمع. إذا ما وزنّا حال العالم اليوم بميزان العقل، فلن نفضي إلى شيء سوى التشاؤم والحيرة. لا يمكن إلا في ظل الإرادة أن نركن إلى التفاؤل. لكن الأفضل ألا نركن إلى تشاؤم مرير الفكر ولا إلى تفاؤل ساذج. التفكير مسعى مهم، لكن ينبغي التفكير أيضاً في سياقات ولوازم إثمار العقلانية، وكذلك في أهمية الصمود الصبور والثبات الجسور.
إن بقاء أي ثقافة متجذر في ديناميكيتها وخصوبتها وتناميها، وفي رحابة المجال الذي توفره لإعادة التفكير والتساؤل والتقييم والنقد. النقد لا صلة له بالتمجيد والخنوع، لكنه إذا ما انزلق في دوامة العدوانية والفضائح الشخصية، فلن يتضرر هذا وذاك فحسب، بل ستصاب أخلاقيات الفكر والثقافة المدنية بالمرض والوهن. ينبغي لقلب الناقد الواعي أن يكون هو نفسه في مأمن من التلفيقات والوصمات والثرثرات وأذى العقارب الصامتة. إن ركيزة إثمار كل المساعي هي التعلق بالحرية ومستلزماتها. الفهم المحدود الشائع للحرية، الذي لا يتجاوز إزالة العوائق، ليس كافياً، لكنه ضرورة أساسية. ينبغي أن يكون المرء قادراً على قول كلمته بلا خوف، مستنداً إلى الصدق والضمير، سواء رُئي ذلك جائزاً أم لا، وسواء سُمِع أم بقي غير مسموع.
في رحاب تاريخ هذه الأرض، كان المفكرون دوماً قلقين: قلقين من غضب السادة، وحنق الغزاة، وتطاول قصيري الباع، وضجيج سريعي التصديق أو المأجورين. كم من صدر اشتعل بنيران غارات جافّي العقول؛ وكم من تراب ذُرّ على عين الحقيقة؛ وكم من عالم اضطر عند أعتاب السلطة أن يحني رأسه على عتبة العبودية أو الاستسلام. يروي نظامي عروضي السمرقندي أن السلطان محمود، غازي غزنة، قال لأبي الريحان البيروني: «تحدث بما يوافق مرادي، لا بما تمليه سلطنة علمك». ما دام صدى هذا الأمر يتردد في دهاليز تاريخ هذه الأرض المظلمة، فإن كل مفكر يحمل عبئاً ثقيلاً على كاهله: أن يُثمر هذه الحرية في أن يتحدث بسلطنة علمه وضميره، لا بما يوافق مراد الآمرين.
.
.
.
.
التنوير: التحرر والشفقة؛ رد مصطفى ملكيان على فخر الدين عظيمي
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.