اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن العطاء المجاني هو أساس العيش الأخلاقي، وأن العدالة شأن قانوني؛ غير أن العيش العادل هو أهم مكوناته، والعطاء المجاني هو المرحلة الأخيرة من العيش الأخلاقي.

يقول مصطفى ملكيان إن البذل المجاني هو بداية طريق العيش الأخلاقي وأساسه، وإن العيش الأخلاقي يعني تقليص اللامساواة في الوجود؛ وعليه، فليس للعدالة صلة بالعيش الأخلاقي، بل تتعلق فحسب بمجال «الحقوق» وكون المرء مواطنًا صالحًا. وما يعنيه بمراعاة العدالة هو ألا يدوس الفرد على حق أحد، وألا يسمح لأحد بأن يدوس على حقه. ومن ثم، فإن «مساعدة الفقير فعل أخلاقي؛ أما أداء الدَّين فليس فعلًا أخلاقيًا». يستعرض هذا المقال أقوال هذا المفكر القيّم في زماننا، ويعرض بعض الشكوك التي يمكن إثارتها، ويقترح ثلاثة فروض جديدة لمزيد من البحث.
يقول مصطفى ملكيان إن البذل المجاني هو بداية طريق العيش الأخلاقي وأساسه، وإن العيش الأخلاقي يعني تقليص اللامساواة في الوجود؛ وعليه، فليس للعدالة صلة بالعيش الأخلاقي، بل تتعلق فحسب بمجال «الحقوق» وكون المرء مواطنًا صالحًا. وما يعنيه بمراعاة العدالة هو ألا يدوس الفرد على حق أحد، وألا يسمح لأحد بأن يدوس على حقه. ومن ثم، فإن «مساعدة الفقير فعل أخلاقي؛ أما أداء الدَّين فليس فعلًا أخلاقيًا». يستعرض هذا المقال أقوال هذا المفكر القيّم في زماننا، ويعرض بعض الشكوك التي يمكن إثارتها، ويقترح ثلاثة فروض جديدة لمزيد من البحث:
1. إن العيش بالعدل، أو بعبارة أخرى عدم الظلم، ليس جزءًا من الأخلاق فحسب، بل هو أهم جزء في العيش الأخلاقي؛
2. إذا كان المقصود مستوى أعلى من العيش الأخلاقي، فإن أساسه هو «الاهتمام بالبشر»، وليس البذل المجاني؛
3. إن البذل المجاني، بوصفه عملًا سهلًا ممتنعًا، هو المرحلة الأخيرة من العيش الأخلاقي وجزء من المستحبات الأخلاقية.
1_ الوجوبات والمحظورات
لكي نعرف منذ البداية ما هي «الأخلاق»، وكيف يمكن مناقشة قول الأستاذ ملكيان بأن البذل المجاني، لا العدالة، هو أساس العيش الأخلاقي، ينبغي أن نرجع إلى تعريف الأخلاق نفسها. الأخلاق، وفقًا للتعريف، هي مجموعة من الوجوبات والمحظورات للتعامل الصحيح مع الآخرين (بالمِر، 1385: 19). وجوبات مثل إغاثة الملهوفين والبِشر في وجوه المحيطين بنا، ومحظورات مثل عدم الكذب وعدم الظلم. في اللغة الدينية، يُعبَّر عن الوجوبات بالواجبات (وكذلك المستحبات)، وعن المحظورات بالمحرمات (وكذلك المكروهات). ما ينبغي التأكيد عليه في البداية، كمقدمة ضرورية قلما يُصرح بها، هو الفرق بين الوجوبات والمحظورات. هل الوجوبات والمحظورات شيئان بالضرورة؟ ألا يمكن رد الوجوبات إلى المحظورات والعكس؟ إذا كانا شيئين منفصلين، فأيهما أهم وأولى؟ دعونا نفحص الأمر بدقة أكبر.
قد يقول قائل إن «الوجوبات» في الأخلاق هي الوجه الإيجابي لـ«المحظورات» نفسها، والفرق بينهما ليس سوى تلاعب لفظي؛ أي إننا إذا قلنا «يجب أن تكونوا صادقين»، فمعناه «لا يجب أن تكونوا كاذبين»؛ وإذا قلنا «يجب أن تكونوا محسنين»، فالمقصود هو «لا يجب أن تكونوا ظالمين». وكذلك إذا قيل «الزنا حرام»، فمعنى ذلك أن «ترك الزنا واجب». إذن، فكل القضايا التي يُعبر عنها بـ«يجب» أو «واجب»، يمكن التعبير عنها أيضًا بـ«لا يجب» أو «حرام».
غير أن التدقيق يُظهر أن الأمر ليس كذلك، بل إن كثيرًا من المشكلات الأخلاقية ناتج تحديدًا عن إهمال هذا التمييز الحقيقي غير اللفظي، وعن عدم الالتفات إلى لوازم هذا التمييز الحقيقي ونتائجه في الوقت ذاته. فالواجبات الأخلاقية أمور إيجابية؛ أي أننا حين نقول إنه ينبغي فعل شيء، فإنما نعني أن ثمة فعلًا واقعيًا واجب الأداء، إما فيزيقيًا (بأعضاء الجسم وبصورة مرئية ومسموعة)، وإما بالقوى الذهنية والباطنية؛ وهذا يعني أن التحقق الخارجي لأي «ينبغي» مشروط بالقيام بعمل معين. أما «لا ينبغي» فمعناه أن ثمة عملًا معينًا، قد يكون فيزيقيًا أو ذهنيًا، واجب الترك؛ أي أن تحقق أي «لا ينبغي» أخلاقي رهن بأن لا يُؤتى عمل معين. وعليه، فإن الفرق بين «ينبغي» و«لا ينبغي»، من حيث متعلَّقهما، هو فرق بين الموجود والمعدوم؛ فـ«ينبغي» يكون قد رُوعي حين يتحقق متعلَّقه في سلوك الشخص الظاهري أو الباطني؛ أما «لا ينبغي» فيكون قد رُوعي حين لا يبلغ سلوك ما ساحة الوجود.[2] ومن الواضح أن الفرق بين الموجود والمعدوم هو أقصى درجات التمايز، أي «التناقض»؛ فكما أن الوجود يناقض العدم ولا يجتمع وجود مع عدم، فكذلك لا يجتمع أي «ينبغي» مع أي «لا ينبغي»، بل إن ثمة غاية التمايز والتقابل بين «الواجبات» و«المحظورات».
فلنعد الآن إلى الأمثلة. من لا يكذب ليس بالضرورة صادقًا؛ إذ قد يكون من لا يكذب أخرس، أو قد يلتزم الصمت عمدًا دائمًا فلا ينطق بشيء؛ لكن لا يمكن وصف مثل هذا الشخص بأنه صادق، لأنه لا يقول شيئًا أصلًا حتى يكون صادقًا! كذلك من لا يظلم ليس بالضرورة محسنًا؛ فالمحسن هو من يُحسن إلى الآخرين، أما غير الظالم فهو من لا يظلم فحسب. ولهذا السبب بالذات يمكننا أن نقول إن شجرة ما ليست ظالمة، لكن لا يمكننا أبدًا أن نقول إن هذه الشجرة محسنة؛ لأن الإحسان، بوصفه صفة إيجابية وأخلاقية، يتطلب أولًا القيام بعمل، وثانيًا أن يكون هذا العمل إراديًا. الشجرة بالطبع تقوم بأعمال وتجلب منافع، لكن لا شيء من ذلك إرادي. إذن، الإحسان ليس هو نفسه ترك الظلم.[3]
2_ الأولوية الأخلاقية للمحظورات على الواجبات
بعد أن اتضح أن الواجبات تختلف كليًا عن المحظورات، قد يكون من الضروري أن ندقق أيضًا في أحكام الأمر والنهي الأخلاقي ومصاديقهما، لنرى إن كان الأمر والنهي، من الناحية الأخلاقية، في مستوى واحد أم أن أحدهما أولى من الآخر. في تتمة هذا المقال، سنُظهر بأربعة أدلة أن مراعاة المحظورات أهم بكثير من مراعاة الواجبات. هذه الأدلة الأربعة هي: 1. قوة القاعدة الفضية مقارنة بالقاعدة الذهبية؛ 2. أولوية المحظورات في الحالة الطبيعية؛ 3. المقارنة المصداقية؛ 4. كون الواجبات مشروطة.
1-2_ قوة القاعدة الفضية مقارنة بالقاعدة الذهبية
الطريقة الأولى هي بحث هذا الأمر في القاعدة الذهبية. القاعدة الذهبية، من حيث الرغبة فيها والشعبية، تحتل الصدارة بين جميع القواعد، سواء في الأديان المختلفة أم في المذاهب الأخلاقية المتنوعة. ومن المهم أن لهذه القاعدة صياغتين مختلفتين، تتعلق إحداهما بالواجبات والأخرى بالمحظورات. الصياغة الأشهر، المتعلقة بالواجبات، هي كالتالي:
«عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك في الظروف المماثلة» (وبتعبير أنسب لهذا المقال: «ينبغي أن تعامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك في الظروف المماثلة»).
والصياغة الأخرى:
«لا تعامل الآخرين بما لا ترضى أن يعاملوك به» («لا ينبغي أن تعامل الآخرين بما لا ترضى أن يعاملوك به»).
من الآن فصاعداً، وفي هذه المقالة، كلما قلنا القاعدة الذهبية، فإنما نعني الصياغة الأولى للقاعدة، وكلما قلنا القاعدة الفضية، فإنما نعني الصياغة الثانية. للوهلة الأولى، ومن حيث التطبيق ومدى قابلية التعميم والنفوذ، تبدو كلتا القاعدتين فعالتين وصحيحتين بالقدر نفسه؛ ولكن بمزيد من التدقيق، يتضح أن القاعدة الأولى ذات تطبيق أضيق وقابلية أقل للتعميم، وقد أشير في المدارس الأخلاقية أيضاً إلى ضعف القاعدة الذهبية مقارنة بالقاعدة الفضية (إسلامي، 1386: 25). ومن قبيل المصادفة، يقر الأستاذ ملكيان أيضاً بأن الوجه السلبي لهذه القاعدة هو ما يحظى بإجماع أقصى، وهو نفسه يؤكد على هذا الوجه منها (ملكيان، 1393: 10).
أحد أسباب ضعف القاعدة الذهبية هو أن الإنسان يرغب أحياناً في أن يعامله الآخرون بسلوكيات خاصة، لا تقبل التعميم العكسي. على سبيل المثال، قد لا تكون لدى شخص رغبة في الحياة، ويبحث عن شخص يتمكن من خلاله من قتل نفسه (مسألة القتل الرحيم المستجدة). فإذا قام مثل هذا الشخص بقياس قتل الآخرين بالقاعدة الذهبية، فسيحصل بسهولة على ترخيص لقتل الآخرين؛ لأنه يقول لنفسه: أنا أرتضي أن يقتلني الآخر دون أن أستحق الموت؛ وبالتالي لا مانع من أن أقتل الآخر دون أن يكون مستحقاً للموت. كما قد يكون شخص قد اعتاد منذ طفولته أن يتحدث إليه الآخرون بغلظة وبذاءة ولا يجد في ذلك مشكلة. هذا الشخص أيضاً، بتطبيقه للقاعدة الذهبية، سيحصل على ترخيص لشتم الآخرين.
مثل هذا الوضع، إذا ما اعتبرناه في أسوأ حالاته بالنسبة للقاعدة الفضية، فسيكون على النحو التالي: أنا لا أرتضي أن يساعدني أحد، لذا لا أساعد أحداً. أنا لا أرتضي أن يرحمني أحد، لذا لا أرحم الآخرين، ومن الواضح أن أياً من هذه الأمور لا يستلزم ظلماً للآخرين.
بالطبع، قد يُقال إنه توجد، في بعض الحالات، نقوض ومخالفات أخلاقية للقاعدة السلبية أيضاً. على سبيل المثال، قد يُقال: أنا لا أرتضي أن يصدقني أحد القول، لذا فأنا لا أصدق القول لأحد. في هذه الحالة، وبصرف النظر عن أن العثور على مثل هؤلاء الأشخاص صعب حقاً، فإن القاعدة لم توصِ بأمر غير أخلاقي؛ لأن أقصى ما توصي به هذه القاعدة هو عدم الصدق، وليس الكذب؛ أي أن ما توصي به القاعدة هو: لا تصدق الآخرين القول؛ لكنها لا تحدد «ماذا تقول»، وكما قلنا سابقاً، فإن الصمت هو أيضاً «عدم صدق القول»، والصمت ليس أمراً غير أخلاقي.
لكن قد يكون مورد النقض أكثر جدية من هذا؛ أي قد يقول شخص: أنا لا أرتضي أن يفي أحد بعهده معي، لذا لا أفي بعهدي مع الآخرين. ماذا عن هذا؟ هنا لم يعد هناك فرض ثالث بين الوفاء بالعهد ونقضه. الجواب هو أن من يدخل في عهد وميثاق بمثل هذا الارتضاء، فإن تعاهده يكون خاطئاً منذ البداية، وعهده باطلاً؛ لأن الأصل في العهد هو أنني ارتضيت أن يفي الطرف المقابل بعهده معي، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلا أستطيع أساساً أن أعقد عهداً. وبالتالي، في العقود والمعاهدات، لا حاجة للقاعدة الفضية؛ لأن العهد والشرط نفسه يُلزماني أخلاقياً بالوفاء، ولا حاجة لقاعدة أخرى.
مع هذه الأوصاف، إذا كان لا بد من التوصية بإحدى القاعدتين، الذهبية أو الفضية، بشكل مطلق، فمن المؤكد أن القاعدة الفضية ستكون أكثر أهلية، والقاعدة الفضية تتعلق أيضاً بما لا ينبغي. إذن، فإن ما لا ينبغي، من الناحية المنطقية، أكثر إطلاقاً مما ينبغي، وهذا الإطلاق الأكبر يجعله مقدماً على ما ينبغي.
2-2_ أولوية ما لا ينبغي في الوضع الطبيعي
أما السبب الثاني لأولوية ما لا ينبغي على ما ينبغي، فهو ظروف ووضعنا الطبيعي نحن البشر في هذا العالم؛ بحيث إنه في الوضع الطبيعي بعد دخولنا إلى هذا العالم، يكون توقع مراعاة ما لا ينبغي أكثر معقولية بكثير من توقع فعل ما ينبغي. لتوضيح المقصود، انتبهوا إلى هذا المثال الافتراضي:
لنفترض أنني، كإنسان أخلاقي، ودون علم مني، وفي حالة نوم، قد نُقلت بواسطة شخص ما إلى حديقة، والآن وقد أفقتُ في تلك الحديقة، يقول لي: يجب عليك ابتداءً من اليوم أن تسقي أزهار ونباتات هذه الحديقة، وتُقَلِّم الأشجار، وتراقب تغير درجة حرارة الجو بانتظام، وفي وقتها المناسب، تُسمِّد الأشجار وترشها بالمبيدات. لا شك أن أول رد فعل لي سيكون: لماذا ينبغي عليّ أن أفعل ذلك، ومن أين أتى هذا «الوجوب»؟ هل وعدتُ أحداً بأن أعتني بنباتات حديقة ليست ملكي، ولا أعرفها، وقد أُحضرتُ إليها دون علم ورضا مني؟
على أية حال، قد أمتنع في النهاية، بعد تذمر كثير، عن قبول هذه الأوامر، أو قد أقبل طلبه بعد اعتذار ذلك الشخص ووعوده ووعيده لي كي يخرجني من إحراجي، وكذلك بعد أن أشترط عليه شرطاً أو شروطاً. في كلتا الحالتين، لم أرتكب أي عمل غير أخلاقي؛ لأنني لم أكن قد قطعت له أي تعهد بهذه الأعمال. ولكن إذا قمت، بعد سماع طلبات ذلك الشخص، بالإضافة إلى الاعتراض عليه، بالشروع في دهس أزهار الحديقة بالأقدام، والانقضاض على الأشجار بفأس، وضرب اثنين أو ثلاثة من عمال الحديقة، فإني أكون قد ارتكبت يقيناً عملاً غير أخلاقي، وأكون موضعاً للملامة؛ لأنه حتى لو كان أحد يستحق الاعتراض والضرب، فهو فقط وحصرياً ذلك الشخص الذي أحضرني إلى هذه الحديقة، لا النباتات العاجزة عن الكلام، ولا العمال الذين لا تعلم أرواحهم شيئاً عن القصة، أو ربما هم أنفسهم قد وقعوا في هذا المأزق بالطريقة نفسها.
والآن، لنُسقط هذا المثال على الوضع الطبيعي للإنسان. إذا كان افتراضنا أن الإنسان قد أُتي به إلى هذا العالم دون إرادته (وهو ما يبدو كذلك)، ولنفترض أيضاً أن هذا الإنسان، بعد سن البلوغ، لم يعتنق أي دين أو مذهب أو مدرسة، فما الضرورة التي تلزمه بالخضوع لأعمال ليست على هواه (أو على الأقل لا يُلزمه هواه بها)؟ لماذا عليه أن يبذل ماله للآخرين، ويصرف وقته في خدمة الخلق أو العبادة، ويضحي بروحه الحلوة في سبيل الآخرين؟ إذا لم يفعل ذلك، فمن ذا الذي يحق له أن يلومه أخلاقياً؟
نعم، إذا اعتنق أحد الأديان أو المدارس الأخلاقية، وعاهد نفسه أو إلهه أو القائمين على الأديان أو المدارس الأخلاقية على أن يحترم وجوبات ذلك الدين أو المدرسة الأخلاقية، فإنه يكون قد ارتكب عملاً غير أخلاقي بمقدار ما يحيد عن هذه العهود؛ أما في الوضع الطبيعي وبمعزل عن هذه العهود، فليس الأمر كذلك. ومع ذلك، فمن الواضح أنه إذا شرع هذا الفرد نفسه في القتل والنهب والجناية، بحجة أنهم قد أتوا به إلى العالم دون علمه ورضاه، فإن كلامه وسلوكه لا يُقبلان أخلاقياً؛ لأنه حتى لو كان سينتقم، فعليه أن ينتقم من المتسبب في هذا الوضع، لا من أناس هم أنفسهم واقعون في هذا الوضع نفسه، ولم يكن لهم أي تدخل في إيجاد هذا الوضع له ولأنفسهم. وفي الوقت نفسه، فإن مثل هذا الفرد لديه القدرة والإمكانية لظلم الآخرين في سبيل منافعه، وإذا لم يظلم، فهو جدير بالثناء أخلاقياً. إذن، مراعاة «ما لا ينبغي»، في الوقت الذي هي فيه واجب على كل إنسان أخلاقي، هي أيضاً جديرة بالثناء والثواب؛ لأنه قد حارب ميله الطبيعي لتحصيل منافعه بأي ثمن. بعبارة أخرى، صحيح أن مثل هذا الفرد لم يقم ببعض الأفعال فحسب، لكنه لكي لا يقوم بهذه الأفعال، تحمل ضغوطاً كثيرة، وفرض على نفسه رياضات عديدة.
3-2_ مقارنة مصداقية
دليل آخر على أولوية «ما لا ينبغي» على «ما ينبغي»، هو مقارنة شخصين، كل منهما ملتزم فقط وحصراً بإحدى هاتين المجموعتين من القواعد الأخلاقية؛ أي أن لدينا في طرف شخصاً يعتقد أن «ما ينبغي» فقط هو المعتبر، ولتحقيق هذه الوجوبات، لا توجد أي «لا ينبغي»؛ وفي الطرف الثاني، شخص لا يرى نفسه ملزماً بأي «ينبغي»، لكنه في الوقت نفسه، يراعي جميع «ما لا ينبغي».
لتصور أوضح لهذين الشخصين، نسعى إلى بيان مصداقهما بشكل أكثر وضوحاً: الشخص الأول، يسعى طوال عمره لمساعدة الناس، يبذل من ماله للآخرين، ويستخدم وقته لمواساتهم وملاطفتهم، ويهتم بتوسيع نطاق العدالة في العالم، ويخاطر بصحته لإنقاذ حياة الآخرين، ويحذر الناس من أخطار الدنيا والآخرة؛ لكنه في الوقت نفسه، في هذا الطريق، لا يتورع عن الكذب والافتراء، ولا عن إيذاء بعض الأفراد لمساعدة آخرين، ولا عن توجيه التهم والبهتان لمن يظن أنهم يقفون في طريقه، ولا حتى عن القتل والاعتداء على حياة وأعراض من يعارضون آماله. هذا النوع من الأشخاص، بالطبع، ليس بقليل في عالمنا.
أما الشخص الثاني، فهو شخص لا يقدم مساعدة غير مشروطة لأحد، ولا يخصص وقته مجاناً لتعليم الآخرين وتربيتهم، ولا يتحدث ويضحك مع من حوله ويتلطف لهم بالكلام، ولا هو مستعد للتضحية بحياته من أجل مواطنيه، ولا حتى يخطو خطوة واحدة لإقامة العدل في العالم وتنبيه الناس. إنه منعزل غاية العزلة، وأحياناً بأنانية ودون اكتراث بمعاناة الآخرين، يذهب إلى الخلاء، وإن لم تجبره مصالحه وحاجاته، فلن يكون له أي حضور في المجتمع. ومع ذلك، فهو شديد الالتزام بألا يكذب على أحد، وألا يظلم أحداً، حتى الحيوانات والنباتات، وألا يوقع بين الآخرين بكلامه، وباختصار، ألا يتعدى على حقوق أحد.
من الواضح أنه لا يمكن بأي معيار أخلاقي تفضيل الشخص الأول على الثاني؛ لأن من يظلم الآخرين بسهولة، لا يمكنه ادعاء العدالة، وفي الوقت نفسه، فإن خدمته للآخرين هي نوع من الظلم لنفسه وحتى لمن شملتهم خدمته. إنه ظلم للنفس، لأنه خصص كل وقته أو معظمه لخدمة مزعومة للبعض، وظلم للبعض الآخر، وأهمل نفسه واحتياجاته؛ في حين أن الأخلاق تتعلق بالذات في المقام الأول، وينبغي معالجة احتياجات المرء ومشكلاته وقضاياه أولاً ثم التوجه للآخرين. كما أنه ظلم للمخدومين، لأنه جعلهم ذريعة ووسيلة لظلم الآخرين، وجعل المخدومين في أعين المظلومين مكروهين ومحسودين؛ دون أن يكون المخدومون أنفسهم على علم بهذا الوضع أو راضين به. على سبيل المثال، إذا بذل حاكم من ماله بلا حساب لأبنائه وأقاربه ليظهر بمظهر المحسن الكريم أمام عشيرته، فإن الأبناء والأقارب، دون أن يرغبوا في ذلك، وبسبب لطف الحاكم وعطائه بلا سبب، يصبحون مكروهين من قبل الرعية.
هذا في حين أن الشخص الثاني الذي يراعي جميع "ما لا ينبغي" ويهمل "ما ينبغي"، يكون قد خدم شخصاً واحداً على الأقل، وهو نفسه. فإذا قضى شخص عمره كله في جمع العلم لنفسه ولم يخصص حتى ساعة للتدريس والتعليم، فإنه على الرغم من اتهامه بالبخل العلمي، يكون قد أفاد نفسه على الأقل بقدر ما يرغب من العلم، وأسدى اللطف بلا كلام ولا حديث لشخص واحد على الأقل. هذا في حين لا يمكن لأحد أن يتوقع منه أخلاقياً شيئاً؛ لأنه لم يرتكب ظلماً بحق أحد حتى يكون مضطراً للطف والكرم في مقابل ذلك.
والآن بعد أن اتضح التفوق الأخلاقي للشخص الثاني على الأول، ينبغي البحث عن سبب هذا التفوق، وسبب هذا التفوق ليس سوى أولوية وتفضيل "ما لا ينبغي" على "ما ينبغي".
4-2_ شرطية "ما ينبغي"
قلنا إن الـ«ينبغي» تتحقق وتُنفَّذ حين يُقدَم على فعلٍ ما، وكل فعل له بالضرورة عواقب. ومن المتوقَّع بالطبع أن تكون للأفعال الأخلاقية عواقب حميدة؛ لأن النية فيها خير، وفيها خدمة للخلق ورفعٌ لثقلٍ عن كاهل الناس. ومع ذلك، فبما أن هذه الأفعال الأخلاقية تجري عادةً في اتجاه معاكس للمجرى الطبيعي وتستلزم إحداث تغييرات في الوضع القائم، فإنها في أغلب الحالات تُحدث اختلالاً في الوضع الطبيعي، ولا تقتصر على عدم حل المشكلة الأولى، بل تضاف مشكلات جديدة إلى المشكلة الأولى. فعلى سبيل المثال، مساعدة المتسولين في الشوارع، ولو بالقليل، لا تؤدي إلى سد حاجتهم الدائمة فحسب، بل تزيد من عددهم. قد يُقال إن المتسولين ليسوا بحاجة إلى المساعدة أساساً، وإن هذه المساعدة غير جائزة أخلاقياً؛ غير أن غاريت هاردين، أحد أكبر علماء البيئة في زماننا، بيَّن في مقالته «أخلاق قارب النجاة: قضية ضد مساعدة الفقراء» أن إرسال المساعدات الغذائية إلى منكوبي المجاعة في أفريقيا (الذين لا شك في أن حاجتهم إلى المساعدة حقيقية) لا يؤدي إلا إلى أن يصبح عدد منكوبي المجاعة البالغ مليوناً، مليونين في العام التالي، وأن هذا العبث بالطبيعة يضر بمنكوبي المجاعة أنفسهم، كما يضر بسائر كائنات الكرة الأرضية، بل وبالكرة الأرضية نفسها (انظر: Hardin, 1974). والواقع أننا، حين نحسن ونقدم المساعدة وفي جميع الأفعال الأخلاقية الإيجابية، نكون في الغالب، ودون قصد وبصورة حتمية، ذوي نظرة جزئية لا كلية، وربما كان ما هو خير لجزءٍ ما شراً للكل، وما هو نافع في المدى القصير ضاراً في المدى البعيد. فالنظرة الكلية ترى كثيراً من التغييرات التي يراها الإنسان الأخلاقي ضرورية للطبيعة، غير ضرورية بل ومضرة.
ومن هذا المنطلق، تُوضع لكل «ينبغي» أخلاقي شروط، أو بعبارة أخرى «لا ينبغيات». فيُقال مثلاً: إذا أُريد منحُ شخصٍ عطاءً، فلا ينبغي أن تجعله هذه المساعدة اتكالياً؛ ولا ينبغي أن تتخذ طابعاً تنافسياً؛ ولا ينبغي أن تكون على نحوٍ يشعر معه الآخذ بالخجل؛ ولا ينبغي أن يُنتظر مقابلها شيء (راجع: ملكيان، محاضرة أخلاق الإغاثة الاجتماعية). وهذا النقاش منفصل عن القول إنه لا ينبغي أساساً في بعض الحالات تقديم المساعدة وحكّ موضع لا يثير حكة؛ ذلك أن «لا ينبغي» هذه تُلغي «ينبغي» نفسها، ولا تُعد شرطاً وقيداً لذلك الأمر الأخلاقي. وكذلك إذا أُريد قول الصدق، فلا ينبغي أن يؤدي إلى إحداث ألم لا لزوم له؛ ولا ينبغي أن يكون بنبرة غير لائقة، أو بدافع الانتقام أو الحسد، وبالطبع، كما في الحالة السابقة، «ليس كل صادقٍ يُستطاع قوله».
هذا في حين أن أياً من «لا ينبغي» لا يتوقف على «ينبغي» واحدة أو عدة «ينبغيات»؛ لأن تحقق «لا ينبغي» يقوم أساساً على عدم القيام بفعل، والفعل الذي لا يُنجز لا تترتب عليه عواقب حتى يكون جزء من هذه العواقب سلبياً. فحين يُقال مثلاً: لا ينبغي الظلم، فليس الأمر أن يُقال: «لا ينبغي الظلم، وقبل هذا الامتناع عن الظلم، ينبغي أولاً القيام بعدة أفعال أخرى أو التأكد من تحقق عدة شروط». صحيح أننا نضطر في بعض الحالات إلى اختيار السيئ من بين السيئ والأسوأ، وأن نغض الطرف في الواقع عن «لا ينبغي» ما من أجل مراعاة «لا ينبغي» أخرى؛ لكن هذا يحدث في الحالات التي نُجبر فيها على صون إحدى «لا ينبغيين»، وهذا نقاش له موضعه الخاص؛ أي إننا إذا كنا أمام «لا ينبغي» واحدة فقط، ولم تتعارض معها «لا ينبغي» أخرى، فلا ضرورة للأخذ بأي «ينبغي» في الاعتبار؛ في حين أن مراعاة «لا ينبغي» واحدة أو عدة «لا ينبغيات» ضرورية أخلاقياً في كل «ينبغي» مستقلة ومنفردة.
وعليه، يمكن التوصيةُ جميعَ الناس بمراعاة جميع «لا ينبغيات» دون أي قلق، ودون أن يكونوا ملزمين، قبل مراعاتها، بالتفكير أو تقدير الظروف أو إجراء بحث؛ أما لتوصية الناس بأي «ينبغي» أخلاقي، فلا بد من القلق بشأن ظروفها وعواقبها أيضاً، وتوصيتهم بأن ينتبهوا إلى الظروف قبل القيام بأي فعل أخلاقي؛ وإن كان لا يمكن الجزم بأن الفاعل الأخلاقي، حتى مع الانتباه إلى جميع الظروف ومراعاتها، لن يُحدث تغييراً غير مستحب في الوضع الطبيعي المرغوب.
٣_ دراسة نظرية ملكيان
بعد الصورة التي قُدِّمت عن الواجبات والمحظورات، ننتقل إلى ادعاءين لملکیان. فهو يقول أولاً إن عدم التعدي على حقوق الآخرين وعدم السماح للآخرين بالتعدي على حقوق المرء، ليس جزءاً من الأخلاق، بل يتعلق بكون المرء مواطناً صالحاً؛ وثانياً إن الأخلاق تبدأ بالبذل المجاني (ملکیان، 1394). وبتعبير يتناسب مع ما ورد في هذه المقالة، يقول الأستاذ ملکیان إن المحظورات الأخلاقية ليست جزءاً من الأخلاق، بل إن الأخلاق تبدأ بالواجبات الأخلاقية.
يتعارض كلام ملکیان هذا مع تعابيره وآرائه السابقة حول ماهية الأخلاق، ومن الواضح أنه أحد تحولاته في مجال الأخلاق؛ إذ كان قد قال سابقاً إن الأخلاق مجموعة من الواجبات والمحظورات الباطنية (ملکیان، 1380، ص290) وإن الإنسان الأخلاقي هو إنسان تكون دائرة مأذوناته أصغر من دائرة مقدوراته، ولو بمقدار ضئيل (ملکیان، 1387، ص373). وكون معيار الأخلاقية هو أن تكون دائرة المأذونات أصغر من دائرة المقدورات، هو تحديداً تأكيد على مدعى هذه المقالة بأن الأخلاق هي أولاً وبالذات مراعاة المحظورات.
من الواضح بالطبع أن الأستاذ ملکیان في نظريته الجديدة أيضاً يعتبر كون المرء مواطناً صالحاً مقدمة لكونه إنساناً أخلاقياً، ومن هذه الناحية، فهو يؤكد تحديداً أولوية المحظورات على الواجبات، بوصفها مدعى هذه المقالة؛ لكنه من وجه آخر، يسعى إلى الإيحاء بأن الأهمية الأخلاقية للواجبات تفوق بكثير المحظورات؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يدخل حقل الأخلاق بمجرد مراعاة المحظورات، ولكن هذا الشخص نفسه، بمجرد أن يؤدي واجباً أخلاقياً واحداً، يتمثل في البذل المجاني، يصبح إنساناً أخلاقياً بقدر ذلك الواجب الأخلاقي.
في تتمة المقال، سنبحث الادعاءين الرئيسيين لملکیان في ضوء ما سبق.
1-3_ مراعاة العدالة لا علاقة لها بالأخلاق
يقول ملکیان إن مراعاة العدالة، أو بتعبير آخر عدم التعدي على حقوق الآخرين وعدم السماح للآخرين بالتعدي على حقوق الشخص، أو بتعبير ثالث مراعاة المحظورات الأخلاقية، لا علاقة لها بالأخلاق البتة؛ بل تتعلق فقط بأنظمة المواطنة ومجال القانون، حيث أن مجال القانون هو مجال تبادل متكافئ (ملکیان، 1394)؛ أي أن كل من يحترم محظوراً ما، يفعل ذلك فقط من أجل مراعاة أنظمة المواطنة، وإن لم يراعها، فإن الحكومة أو منفذ القانون سيعاقبه؛ وهكذا يبدو أن الشخص الذي يحترم المحظورات، سلوكه نابع فقط من الخوف من العقاب الخارجي وهو بصدد مقايضة؛ أي أنه لا يرتكب جرماً لكي لا يُعاقب. من المسلَّم به أن السلوك القائم على المقايضة والنفعية المحضة، لا يستحق وصف السلوك الأخلاقي، على الأقل في المدرستين الأخلاقيتين الواجبوية والفضيلوية.
لكن هل الأمر كذلك حقاً؟ هل جميع المحظورات وعدم التعديات هكذا؟ هل أن شخصاً يمتنع عن أكل اللحم، رغم لذته ومن أجل عدم ظلم الحيوانات، في الوقت الذي لا حكم فيه للشرع ولا للقانون بمنعه، بل يروّجان لخلافه، يكون سلوكه قائماً على المقايضة؟ ألم يصارع رغبته في اللذة؟ ألا يستحق الوصف الأخلاقي شخص لا يكذب مطلقاً، حتى من أجل مصالحه المؤكدة، أو يمتنع عن الاستحمام في حوض مملوء بالماء وعن غسل سيارته وباب منزله بكميات وفيرة من الماء مراعاةً لسائر المواطنين والأجيال القادمة، ويصارع بذلك إحساسه الطبيعي بطلب اللذة وحب الراحة؟ ما الفرق بين من يتخلى عن ماله للآخرين، ومن يتخلى عن وقته ويؤذي بدنه كي لا يلوث الهواء بسيارته الشخصية ويستخدم أسطول النقل العام أو الدراجة للتنقل؟ أليس مثل هذا الشخص الذي احترم محظوراً مهماً، هو عدم تلويث الهواء، وبذل وقته وهمته لعدم التعدي على حقوق الآخرين، أقل استحقاقاً للإعجاب والثناء من الباذلين المجانيين الذين، بتعبير ملکیان، عادة ما ينبع بذلهم المجاني من منتصف العمر فصاعداً؟
حتى لو كانت جميع حالات عدم التعدي على حقوق الآخرين مجرد صفقات تبادلية، فإن ذلك لا يبرر قول ملكيان إنها ليست أخلاقية وإن البذل المجاني هو الأخلاقي؛ إذ قيل مراراً وثبت من الناحية النفسية أيضاً أن البذل المجاني يعود بالنفع أولاً على الفاعل نفسه ثم على الآخرين؛ بمعنى أنني إن منحت مالاً لفقير، فغالباً ما يكون ذلك لإخماد معاناتي الداخلية أو لسموّي الروحي، لا لسد حاجة ذلك الشخص؛ هذا إن لم نقل إن هذا البذل والعطاء، عن غير قصد أو دراية، نابع من الرياء أو الحفاظ على المظهر، أو من عادة وتربية الطفولة، أو من المجاملة والضغط الاجتماعي. لذا، ينبغي على الأستاذ ملكيان أن يوضح بشكل جليّ ما هو الدليل على أن مراعاة العدالة (أو بتعبير هذه المقالة، صون "لا ينبغي"ات) لا علاقة لها بالأخلاق، بينما البذل المجاني له علاقة بها، بل هو أساساً بداية الأخلاق؟
2-3_ البذل المجاني هو أساس العيش الأخلاقي
حتى لو قبلنا بأن صون "لا ينبغي"ات لا علاقة له بالعيش الأخلاقي، فلا يمكن اعتبار البذل المجاني أساساً للعيش الأخلاقي؛ لأنه حتى لو كانت نظرتنا إنسانية المركز بالكامل، لا متمركزة حول الموجودات، أو متمركزة حول الطبيعة، أو بعبارة أدق، شمولية (وفي هذا الافتراض المسبق إشكالات كثيرة)، فيجب أن يكون معيار العيش الأخلاقي هو "الاهتمام بالبشر" أو بتعبير متسامح، "مساعدة البشر"، لا البذل المجاني. فالاهتمام يختلف يقيناً عن البذل المجاني وهو أعم منه؛ إذ يستلزم أحياناً أخذ شيء من البشر، ويحتاج أحياناً إلى إلحاق ألم بالناس، ويتضمن أحياناً تحذيرهم، وهذه الأمور لا تندرج ضمن المفهوم الشائع للبذل المجاني. فإذا رأيت طفلاً في عامه الأول يلعب بسكين حاد جداً، واعتبرت نفسي ملزماً بـ"ينبغي" أخلاقي، فيجب أن آخذ السكين من يده. وإذا كان رفيقي في طريق تسلق قمة جليدية شديدة البرودة قد نام من شدة الإعياء ويُحتمل موته، فيجب أن أبقيه مستيقظاً بصفعه. وإذا رأيت شخصاً يتجه نحو القمة عبر طريق خطر، فيجب أن أحذره. كل هذه الأمور هي من جملة "ينبغي"ات التي يُعد إدراجها تحت عنوان البذل المجاني أمراً متكلفاً على أقل تقدير. علاوة على ذلك، فإن لكل حالة من الحالات المذكورة آنفاً عواقب غير مقصودة أقل بكثير من البذل المجاني، وهي من هذه الناحية مقدَّمة عليه. لذا، فالبذل المجاني ليس سوى جزء من اهتمامي بالآخرين، وهو الجزء الأخير منه؛ أي إنه لطف يمكنني أن أفعله تجاه الآخرين، وإن لم أفعله فلن أخرج من دائرة البشر الأخلاقيين. كما أنه لطف إذا قمت به دون مراعاة جميع شروطه ومقتضياته، فلن أكون قد قمت بعمل أخلاقي فحسب، بل سأكون قد وقعت في اللا أخلاقية.
بعبارة أخرى، إن اهتمام الإنسان الأخلاقي، قبل أن يكون موجهاً نحو تقليل اللامساواة في الوجود، ينبغي أن يكون حذراً من الوضع القائم وعدم السماح بخلق المزيد من اللامساواة، وقبل ذلك ينبغي أن يكون موجهاً نحو عدم الإضافة إلى اللامساواة. فإذا لم أضف بنفسي إلى لامساواة العالم، فيجب عليّ في المرحلة التالية أن أسعى لمنع الآخرين من الإضافة إلى هذه اللامساواة، وإذا نجحت في ذلك أيضاً، فيجب أن أسعى، مع مراعاة شروط بالغة الصعوبة وبنظرة شمولية إلهية، إلى إزالة لامساواة العالم. بطبيعة الحال، إذا لم أقم بهذا "ينبغي" الأخير، فلن أكون مستحقاً لأي لوم من الناحية الأخلاقية؛ لأن القيام بهذا العمل الشاق يتطلب كفاءة قد يكون عدم تصرفي نابعاً من عدم رؤيتي لهذه الكفاءة في نفسي، وعدم التصرف لهذا السبب هو عين مراعاة الأخلاق.
جمعبندی و نتیجهگیری
في هذه المقالة، تم الحديث أولاً عن المكونين الرئيسيين للأخلاق، أي "يجب" و"لا يجب"، ثم تبين أن "لا يجب" لها الأولوية على "يجب". إن العدالة، وفقاً لتعريف ملكيان، تتجه في الغالب نحو مراعاة "لا يجب"، ومن هذا المنطلق، إذا كان يقول إن العدالة لا علاقة لها بالحياة الأخلاقية، فهو في الواقع يطرد "لا يجب" من دائرة الأخلاق، وهو ما يبدو متعارضاً مع آرائه السابقة، ومع ما يقتضيه الدليل. إن مراعاة "لا يجب"، وفي الواقع عدم التعدي على حقوق الآخرين، هي أولاً أولوية أخلاقية، وثانياً لأنها تقترن بالرياضات النفسية والتغاضي عن المصالح الذاتية لصالح الآخرين، فهي جديرة تماماً بوصف الحياة الأخلاقية. كما أن البذل المجاني بوصفه فعلاً أخلاقياً يستلزم مراعاة العديد من "لا يجب"، ويصبح أحياناً مستحيلاً بسبب كثرة الشروط واللوازم. وأخيراً، تبين أنه حتى لو اعتبرنا الحياة العادلة غير مرتبطة بالحياة الأخلاقية، فلا يمكن القول إن أساس الحياة الأخلاقية هو البذل المجاني، بل إن الحياة الأخلاقية تستلزم أحياناً أعمالاً مغايرة للبذل المجاني، وأحياناً تحتاج إلى القيام بأعمال تتناقض تماماً مع البذل المجاني. لذلك، إذا أردنا فصل الحياة العادلة عن الحياة الأخلاقية وتقديم أخلاق من مرتبة أعلى، فإن اقتراح هذه المقالة هو أن نعتبر "الاهتمام" معياراً وأساساً للحياة الأخلاقية، لا البذل المجاني الذي هو أمر سهل ممتنع.
.
.
قائمة المصادر
إسلامي، حسن (1386)، «القاعدة الذهبية في الحديث والأخلاق»، علوم الحديث، السنة الثانية عشرة، العددان 45 و46.
بالمر، مايكل (1385)، مسائل أخلاقية، ترجمة علي رضا آل بویه، پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي، قم.
ملكيان، مصطفى (1387)، «المجتمع الأخلاقي، الإنسان الأخلاقي»، آيين، العددان 13 و14.
(1380)، «مقاربة وجودية لنهج البلاغة»، علامه، العدد 1.
(1390)، محاضرة أخلاق الإمداد الاجتماعي
(1393)، «الخطأ الأخلاقي والقانوني لمعارضي تعليم اللغة الأم»، صحيفة شرق، العدد 2242، 2 اسفند.
(1394)، «دفاعاً عن أصالة الثقافة ونقداً للتسييس»، في جلسة إزاحة الستار عن كتاب المساواة والتحيز، 6 خرداد 1394.
Hardin, Garrett (September 1974), "Lifeboat Ethics: the Case Against Helping the Poor", Psychology Today, Retrieved July 29, 2006
.
.
[1]. خريج الفلسفة
جدير بالذكر أن هذه المقالة وصلت إلى مرحلة التأليف بعد التشاور وتبادل الرأي مع السادة الدكتور سيد محمد علي طباطبائي، والمهندس سيد حميد طباطبائي، والدكتور حسين أميرخاني، ويعتبر المؤلف نفسه مديناً لدقتهم وملاحظاتهم النقدية.
[2]. من خلال التوضيح الذي قدمناه، يتضح أن عبارات مثل «لا ينبغي السكوت»، أو «لا ينبغي اللامبالاة» أو «لا ينبغي الغفلة»، ليست «لا ينبغي» حقيقية؛ لأن تحققها لا يكون بعدم القيام بفعل معين، بل بالقيام بفعل معين. وعليه، فإن جميع «اللاينبغيات» التي يُمنع فيها فعل سلبي، هي في الواقع «ينبغيات» تم التعبير عنها بصيغة «لا ينبغي»؛ أي أن «لا ينبغي السكوت» هي نفسها «ينبغي قول شيء»، و«لا ينبغي اللامبالاة» هي نفسها «ينبغي الاهتمام». وكذلك «لا ينبغي السماح» أو «لا ينبغي ترك»، إذا تعلق الأمر بالآخرين، فليست «لا ينبغي» أخلاقية حقيقية؛ لأن مجال الأخلاق يتعلق بنطاق ما هو تحت الاختيار، وكون «لا ينبغي أن نسمح للآخرين بالتعدي على حقنا» ليس «لا ينبغي» أصيلاً؛ لأنه أولاً لمنع تعدي الآخرين على حقوقنا، ينبغي القيام بفعل؛ وثانياً في كثير من الحالات، مثل ظلم الطبيعة وظلم الأشخاص ذوي النفوذ الشديد، ليس في وسعنا وتحت اختيارنا ألا نسمح بالتعدي. في الواقع، إن «لا ينبغي» الأخلاقية الأصيلة تتعلق حصراً بسلوكيات الفاعل الأخلاقي نفسه، لا بسلوكيات الآخرين تجاهه. هذه «اللاينبغيات» هي في الواقع جزء من «الينبغيات» وينبغي التعبير عنها على هذا النحو: «ينبغي منع الآخرين من إضاعة حقوقنا».
[3]. قد يُقال إنه في حالات مثل الحالات التالية، تنطبق «الينبغيات» على «اللاينبغيات»:
«كل إنسان أخلاقي، ينبغي أن يكون أميناً»؛ «الإنسان الأخلاقي، لا ينبغي أن يخون الأمانة».
«كل إنسان أخلاقي ينبغي أن يكون حافظاً للسر»؛ «لا ينبغي لأي إنسان أخلاقي أن يفشي سر الآخرين».
الإنسان عندما يقبل أمانة، إما أن يرعاها على نحو صحيح وإما ألا يفعل، ولا يوجد حد وسط. وكذلك عندما يقطع عهداً، فبالنسبة لهذا العهد الخاص، إما أن يكون ناقضاً للعهد وإما أن يكون وافياً به، ولا توجد حدود وسطى أو حالة ثالثة. في هذه الحالة، يصح أن يُقال إن «ينبغي أن يكون أميناً» تساوي «لا ينبغي أن يكون خائناً» أو «ينبغي أن يكون وافياً بالعهد» تعادل «لا ينبغي أن يكون ناقضاً للعهد». هنا، كلام المستشكل صحيح، لكن هذا الإيراد، بالصدفة، يتجه إلى المحمول نفسه، لا إلى «ينبغي» و«لا ينبغي»؛ أي أن هناك علاقة تناقض بين المحمولات هنا، ولذلك إذا تغير سور القضية مع تغير المحمول، فإن العلاقة بين القضيتين تكون تساوياً. وتوضيح ذلك أن «ناقض العهد» بمعنى «غير وافٍ بالعهد»، و«الخائن» تعني بالضبط «غير الأمين». من الواضح أن بحثنا لا يدور حول مثل هذه الحالات التي تكون العلاقة فيها بين المحمولات علاقة تناقض.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
دوستان عزیز! شما به عنوان کسانی که در حوزه اخلاق و ملزومات آن تامل می کنید، چگونه به خود اجازه می دهید- که به خاطر ظن بیدلیل- کسی را متهم کنید و موجب آزار او شوید؟ آیا اخلاقی بودن صرفا در بحث های فلسفی و برای اظهار فضل است و یا برای شناخت زیست صحیح و رعایت حقوق و حرمت دیگران؟ بیاموزیم که اخلاقی زیست کنیم، نه فقط اخلاقی نظر بدهیم.
اتهام کجا بود ؟ شما همش در حال تبلیغاتی تو این سایت. وگرنه آدم که اینقدر بیکار نمیشه.. مگر اینکه کارش تو بخش سایبری باشه.
عجب استدلالی !!!!! افرین به این هوش !!!!!جناب ارمان.
برادر گرامی، آیا شما جزو 'ارتش سایبری' و یا از 'آتش به اختیاران' هستید ؟؟؟
پاسخ به آرمان :بحث ما فرهنگی است، ما را با سیاست چه کار؟!!!!!!
اثار اخلاق نیک فقط به این دنیا محدود نمی شود. علاوه بر این اخلاق فقط در ارتباط با دیگران تعریف نمی شود. انسان نبابد به خودش هم ظلم نماید. نکته سوم این است که در احکام جزیی ومصداق های امور اخلاقی، نظر های ضد ونقیض وجود دارد . نکته چهارم این است که باید سر انجام اشخاص اخلاقی با اشخاص ضد اخلاقی بر خلاف یکدیگر باشد. اینها از جمله موضوعاتی است که نیاز دایمی انسان به خالق خود را واضح می سازد.