اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُظهر مصطفى ملكيان من خلال تمثيل المصباح أن كل جزء هو ثمرة مشاركة الطبيعة بأسرها. لذا لا ينبغي للإنسان أن يتباهى بما لديه، بل عليه أن يتقبل المنّة مما سواه؛ إذ لا شيء يخصه حقًا.

خطر على بالي الليلة مسألة الذات واللاذات في تعاليم العارفين. لذا أتحدث قليلاً عن الذات واللاذات، عن كون الإنسان بذاته أو بغير ذاته. هل انتبهتم يوماً إلى أن كل جزء من أجزاء العالم الطبيعي، بأية صورة وحالة يكون، وأي بنية وفعالية يملك، سواء من حيث البنية أو من حيث الفعالية، هو محصلة الكون الطبيعي كله؟ مثلاً تأملوا مصباحاً مضاءً. إذا تدبرتم ترون أنه لو حادت إبرة الكون الطبيعي عن وضعها الراهن، فإن هذا المصباح إما أنه لم يكن موجوداً أو أنه على الأقل لم يكن مضاءً الآن، أي إما أنه محروم من بنيته أو محروم من فعاليته.
يمكنكم إقناع أنفسكم بهذه النقطة بأمثلة متعددة، لكن ربما يكون مثال المصباح من أفضل الأمثلة. لاحظوا كم من الأشياء والرغبات والأحداث والعمليات والعلاقات والنسب بين أجزاء من أجزاء العالم الطبيعي قد توفرت بحيث أدت إلى وجود مصباح بهذه الصورة والطبيعة، وهيكله هذا الهيكل وعمله هو هذا العمل الذي للمصباح (أن يكون مضيئاً). يكفي في هذا المثال أن تفكروا في الأسلاك المعدنية والزجاج على الحرارة وفي الأعمال التي أنجزها المهندسون والمصممون، والمهندسون والمصممون أنفسهم، واكتشاف قوة الكهرباء من قبل شخص ما، واختراع المصباح على يد إديسون في أواخر القرن التاسع عشر، ثم ستعترفون بأنه لو كان أحد هذه الحلقات مفقوداً، أو لم يقع أحد هذه الأحداث، أو لم تمر أحد هذه العمليات، أو لم يكن أحد هذه الأشياء موجوداً، أو فقدت أحد هذه الأشياء خاصية من خصائصه، أو لم تتحقق أحد هذه النسب والارتباطات، فإن هذا المصباح لا كان سيكون بهذا الهيكل ولا بهذا العمل؛ وحين تنظرون إلى المهندسين والمصممين أنفسهم، ترون أنه لكي يأتي كل واحد من هؤلاء المهندسين إلى الوجود، ثم لكي ينجز عمل كل واحد من هؤلاء المهندسين، وينتهي به إلى أن يكون مهندساً، وعمل هندسته ينتهي به إلى حصة ومشاركة وإسهام (contribution) في ظهور هذا المصباح، وإذا تابعتم هذه السلسلة ترون أي أشياء قد سلمت من يد إلى يد حتى وجد ذلك المهندس، بذكاؤه الخاص، بقدرة ذاكرته، وعمق تفكره، وفهمه القوي، وأحلامه وخيالاته (التي تلعب دوراً جدياً في الإبداع والابتكار) وتداعياته المعنوية الخاصة به. ثم إذا تتبعتم سلسلة المواد المعدنية المكونة لذلك المصباح توصلتم إلى نتيجة مشابهة، تلك الأسلاك والحجارة التي صُنع الزجاج منها والأجزاء الأخرى. بتتبع هذه السلاسل تجدون أنه بمعنى ما كل الكون (العالم الطبيعي) قد سلم من يد إلى يد. حتى الشمس لو كانت أقرب إلى الأرض بعشرة كيلومترات أو أبعد عن الأرض بعشرين كيلومتراً لما ظهر هذا المصباح. والآن أن الشمس لماذا في هذا المكان بالضبط الذي هي فيه، وتتحرك بهذه الطريقة الخاصة، وأن مدارها هو هذا المدار الذي لديها الآن، والمسافة بينها وبين الكرة الأرضية هي هذه المسافة وأسئلة أخرى، ترون أنه بدون أن يكون هناك أي مبالغة على رؤوس الإبر أو تجاوز واغترار، فإن الكون الطبيعي كله قد سلم من يد إلى يد حتى يكون هذا المصباح بهذا الشكل والهيئة وهذا العمل. فلو كانت إحدى تلك الحلقات والجواهر، وخصائص تلك الجواهر، والأحداث المتعلقة بتلك الخصائص أو الجواهر، وإحدى تلك العمليات و... غير موجودة، فإن هذا المصباح لم كان قد يستطيع أن يظهر على الإطلاق. الآن تخيلوا أن هذا المصباح امتلك العلم والإرادة وبالتالي القدرة، وكذلك الخصائص الأخرى اللازمة لكي تتقدم حجتي. ضعوا في الاعتبار أن هذا المصباح مع كل التبعيات المذكورة، كان يمتلك العلم والإرادة والخصائص الأخرى الضرورية، والمصباح هنا بدأ يفتخر أمامنا قائلاً انظروا الآن أنني مضيء، منير، أضأت غرفتكم وربما أدفأتها، أتحت لكم وسائل الدراسة، لو لم أكن موجوداً لما تعرفتم على بعضكم البعض حتى، ولو لم أكن موجوداً كم كانت ستختل حياتكم. في رأيكم ماذا كان يجب أن نقول للمصباح في هذه الظروف؟ كنا نقول له نعم، أنت محق، كل هذا الذي تنسبه لنفسك صحيح، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مصدر فخرك وتعاليك وتباهيك وثرثرتك. أنت يجب أن تكون شاكراً لكل الوجود الذي يقوم بهذا النشر للنور عن طريقك. كان بإمكانه أن يقوم بهذا النشر للنور عن طريق مصباح آخر. لذا هذه الخاصية التي تمتلكها، التي بالطبع لا تقبل الإنكار، فإن نورك جميل وحرارتك مفيدة وتركيبك شرط ضروري لإنجاز الكثير من أعمالنا صحيح، لكن عملك فيه عيب، وهو أنك تفتخر بهذا، تتعالى، وكأنك تحتقرنا لأننا لا نملك نوراً وحرارة وهذه الخاصية التي تصدر عنك. وهذا بالطبع مشكلتك الوحيدة ولا ننكر خصائصك. يجب أن تكون على العكس من ذلك، أي بدلاً من أن تفتخر بما عداك، يجب أن تشعر بالامتنان تجاه ما عداك الذي جعل هذا عليك، كان بإمكانه ألا يجعله عليك.
يمكن تطبيق هذا المثال على كل شيء. الوجود بأكمله متدخل في البنية والوظيفة لكل جزء صغير منه. هذه القصة صادقة بشأني وبشأنك وبشأن كل فرد منا. إذا كان لديك قدرات في منطقة الجسد، وقدرات ومعارف في منطقة العقل والروح، وإمكانيات في منطقة العلاقات الاجتماعية، وقد تربيت في بيئة اجتماعية طيبة، تحت رعاية أب وأم صالحين متعلمين في أسرة ذات أصل ونسب عريق وراسخ، وأنت جميل وفصيح، وتمتلك قدرة عالية على التفكر والفهم و... لا ينبغي إنكار أي من هذا، بل نستفيد من كل ذلك، بل نستمتع حتى برؤية جمال جسدك واستفدنا من كل الخصائص التي تمتلكها في منطقة الجسد، والخصائص التي تمتلكها في منطقة العقل والروح والعلاقات الاجتماعية، والخصائص التي تمتلكها في منطقة المناخ الذي ولدت فيه، من الأسرة إلى المناخ التاريخي والجغرافي و
كل السياق الذي وجدت فيه، لا ريب أننا نستفيد من هذا كله، لكن يجب ألا تبيع لي فخرك بأنك تمتلك الذكاء والذاكرة، وقدرة التفكر والفهم، وسرعة التحصيل والتعلم، وقدرة النفوذ، والشهرة والمحبة التي تملكها، والسمعة الحسنة التي ورثتها من والديك، وجمال أسنانك، وقوة عظام جسدك، وجمال عينيك، والكرم الفطري الذي ورثته من والديك، بينما أنا جاف الأظفار، بخيل ومقتر. كل ما تملكه، بدلاً من أن يكون وسيلة لبيع فخرك بما تملكه بدونك، يجب أن يكون سبب امتنانك لما بدونك. أي أن تقول: كان يمكن للعالم أن يعطي هذه القدرة على التفكر والفكر والجمال والثروة والذكاء العالي و... لموجود آخر. تماماً كما يمكن للنور الذي ينبثق من هذا المصباح أن ينبثق من مصباح آخر، والآن يجب على هذا المصباح أن يكون سعيداً بأن هذا النور ينبثق منه، أنت أيضاً الذي تمتلك هذه الخصائص الإيجابية يجب أن تكون سعيداً بأن الوجود ينشر ممتلكاته ولديه عطاء وإحسان نحو باقي الموجودات، وفي هذه الأثناء أعطاك شيئاً أيضاً، ولا تربط بنفسك أي شيء لأنك تعلم أن إبسيلون من هذه الأشياء ليس ملكاً لك. هل تتذكرون أنه في القرآن نُسب إلى موسى وقارون أنهما كانا معاصرين وكان لهما محاورات، أنا لا علاقة لي بهذا، بعيداً عن ذلك هل تتذكرون أنه بنص القرآن موسى يقول لقارون: أنت أغنى رجل في عصرك، أعط من ثروتك للفقراء وتصدق. قارون في مقابل موسى يقدم استدلالين ويقول إني لن أفعل هذا بناءً على هذين الاستدلالين: 1- أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ: هل يجب أن نطعم من كان الله يطعمه لو شاء؟ إذا كان الله يشفق على هؤلاء وإذا كان يريد لهم أن يكون لهم طعام وملبس ومسكن، فليعطهم بنفسه! لماذا يحتاج إلى وساطتي؟! إذا كان قلب الله يتحرك لهم، فليعطهم الرزق بنفسه، لكن إذا كان قلب الله لا يتحرك لهم ولا يعطيهم، فهل تتوقعون أن يتحرك قلبي من أجلهم؟!
2- إنما أوتيته على علم عندي: لقد حصلت على هذه الثروة بعلمي الخاص، وليس بعلمكم الذي لم أستفد منه! بعلمي الخاص، وبتعبير العبد، الكفاءة التي امتلكتها على قدراتي الذهنية، والإدارة التي امتلكتها لاستخدام الوقت والزمن والشباب الذي كان لدي، والاجتهاد والجدية اللذان كانا لدي والمشاق التي قاسيتها، لقد حصلت على هذه الثروة بكل ذلك. حصلت عليها بعلمي الخاص، وليس بعلمك، فأنت إذن لا تملك نصيباً من ثروتي ولن أعطيك شيئاً منها. الآن إذا قال لقارون أحد: من أين حصلت على هذا العلم الذي لم نملكه نحن الفقراء، وبه وصلت إلى هذه الثروة، وحيث إننا لم نملك هذا العلم فلم نصل إليها؟ لا بد أن قارون يجيب بأن علمي هو بسبب أن ذكائي، وقدرتي على التعلم، وسرعة استيعابي وقوة ذاكرتي كانت عالية. ثم نذهب نحو كل هذه الخصائص التي هي شروط لنيل العلم ونسأله: من أين جئت بهذا الذكاء العالي، وقوة الذاكرة، وقوة الفهم، وعمق التفكير وسائر الخصائص؟ لا بد أنه يجيب بأنها جاءتني وراثياً من والدي ووالدتي. جاءتني من والدي ووالدتي، وهي لم تأت إليك من والديك! ثم نسأل: من الذي أعطى والديك هذه الخصائص حتى تصل إليك عبر الوراثة؟ وهكذا دواليك. إذا تتبعنا هذه السلسلة رأينا أن قارون مدين لكل العالم الطبيعي. الآن حيث أن قارون مدين لكل العالم الطبيعي، وما عليه إلا أن يقبل المنة بأن العالم الطبيعي يوصل هذا المال من يدي إلى الفقراء، كان يمكن لهذا المال أن يتجمع في يد شخص آخر وهو يوزعه على الناس، ويكون له الإطعام والإحسان والعطاء والبذل، فأنا يجب أن أكون سعيداً جداً بأن العالم الطبيعي وضع هذا المال في يدي وأنا أعطيه للآخرين. لذلك قارون ليس فقط أن يكون له هذا العطاء والبذل ويرده إلى الطبيعة، كجزء من مليار جزء مما أعطته الطبيعة له بلا مقابل، بل يجب أن يكون سعيداً أيضاً بأن الطبيعة اختارته من بين مليار مرشح ليعطيه مليار شيء ثم يسترجع منه شيئاً واحداً فقط من تلك المليار. أنا أعتقد أنه إذا تأمل الأصدقاء في هذا الاستدلال وجدوا صحته.
إذاً قارون يجب أن يتجنب أمرين: 1- أن لا يتباهى على من لم يملكوا خصائصه. أولئك الذين لم يملكوا جميع ثروته لأنهم لم يملكوا علمه، ولم يملكوا علمه لأنهم لم يملكوا ذكاءه وقدرة تفكيره وعمق فهمه وسرعة استيعابه، ولم يملكوا هذه لأنهم لم يملكوا والديه ولم يولدوا في الأسرة التي وُلد فيها قارون، ولم يملكوا ذلك لألف وسبب آخر، وفي النهاية ترون أن الوجود كله متورط في هذه القصة. ليس فقط أن لا يتباهى بل يجب أن يقبل المنة بأن الوجود والطبيعة والله (أياً كان التعبير الذي تختارونه) أعطى هذا إلى قارون وقال له: كن مرتفعاً ووسيلة لعطائي وبذلي.
2- يجب على قارون أن يعلم بأنه من بين مليارات المليارات من الأشياء المجانية التي تلقاها من الوجود، ما يعطيه للفقراء والمحتاجين ليس حتى واحداً من تلك المليارات المليارات، وقارون نفسه هو الرابح دائماً.
خذوا هذا بخصوص ذكائكم. إذا كانت كل الوجود قد تعاقب وأصبحتم أستاذًا جامعيًا ناجحًا، مهندسًا ناجحًا، جراح أعصاب ناجحًا، فنانًا ناجحًا وأي دور آخر تقولونه، فلم تأخذوا شيئًا منه إلا من الله والوجود والطبيعة. كل ما لدينا أخذناه من الله أو الوجود أو الطبيعة. «لم نكن ولا طلب منا» ثم إذا كان هناك وقت كنا فيه موجودين، كنا نقول السيد ألف طلب شيئًا من الله ولأنه لم يكسل وطلب من الله شيئًا، أعطاه الله فنًا. في تلك الحالة كنت أقول لنفسي أنا مصطفى المحروم من تلك الفن: لو لم تكسل كنت لديك على الأقل طلب واحد من الله حتى تستفيد مما تريد. لكننا لم نملك مثل تلك حقبة وزمنًا. بدون وجود سابق وطلب، أُعطيت هذه الفن للسيد ألف ولم تُعطَ لي، وبالطبع قد يكون قد أُعطيت لي شيء لم يُعطَ للسيد ألف، وهناك شيء أُعطيت للسيد ب لم يُعطَ لي وللسيد ألف وهكذا. النتيجة الثالثة التي نستخلصها هي أن ما أُعطيت لي لم يكن بسبب استحقاقي وجدارتي وحقي، وما أُعطيت لي ولم يُعطَ لك لم يكن بسبب عدم استحقاقك وافتقارك للحق. لم أُعطَ ما لديّ بحق واستحقاق، ولم يكن بسبب عدم استحقاقك أنك لم تُعطَ. ما أُعطيت لك لم يكن بسبب استحقاقك، ولم يكن فقداني بسبب عدم استحقاقي. الملكات مجانية، والحرمان ليس بسبب ارتكاب جريمة. بعد ذلك نصل إلى النتيجة الرابعة وهي أنني تجاه كل من لا يملك ما أملكه يجب أن أشعر بالعطف لا أن أتفاخر عليه. مهما قدرتم قيمة لعينيكم وسمعكم وذاكرتكم وذكائكم، بقدر ذلك تجدون من لا يملك تلك النعمة والموهبة محرومًا من امتلاكها. فكلما كانت ملكاتكم أغلى لديكم، رأيتم الآخرين الذين لا يملكون ملكاتكم أكثر حرمانًا وشعرتم بعطف أكثر. لذلك بهذا التحليل الرباعي يمكن لجذر الأنانية «أنا طاووس العليين» أن تجف فينا. الأنا والأنانية والنفسانية الخاصة بي يمكن أن تزول مع الانتباه إلى أنني فقط وفقط متلقٍ لمواهب لم تُعطَ لكم، وإذا كنت منصفًا جدًا وأخلاقيًا ومحبًا للإنسانية، فإنني أعيد إلى الوجود مليار جزء واحد من المواهب التي أعطاها الوجود لي. أخذت مليار شيء مجانًا، أعيد واحدًا من ذلك المليار للآخرين.
العارفون والأديان والمذاهب وكثير من المتألهين وجماعة من الفلاسفة والأهم من ذلك كله حكماء التاريخ كانوا يجففون بهذا التحليل جذر الأنانية والنفسانية والتبختر والتفرعن وهذا الأنا وأنتم أين هذا الأنا بينما كنت أنا هناك. الآن انظروا إلى أي يوم وصلنا إننا حتى مع أطفالنا نتفاخر. إلى الآن كنا نقول أنا هذا وأنتم لستم هذا لكن الآن أصبحنا نجلس في مجالسنا ونقول حاصل الذكاء لأطفالي عالي جدًا، معلموهم يصفونهم بطريقة فلانة وهكذا. باختصار نحن باستمرار نوسع نطاق هذا الأنا أكثر فأكثر فأكثر وفي النهاية نصل إلى أشياء رأيتموها في تاريخ العرفان والتصوف والأديان والمذاهب والعلم والفلسفة حيث يظن أفراد أنهم حققوا كل ما يملكونه بمثقال مثقال بأنفسهم وأننا لأننا لا نملك تلك الأشياء كنا كسالى وخاملين وضعفاء ولا يعلمون أنهم تلقوا كل ما يملكونه مجانًا دون أن يملكوا استحقاقًا وأنني كل ما أفتقده أفتقده ليس بسبب عدم استحقاقي.
هنا قد تقول: إن هذين الأخين لهما نفس القدرات العقلية، لكن أحدهما استخدم إرادته القوية والاجتهاد فاستفاد من قدراته وأصبح أستاذًا جامعيًا، بينما الآخر لم يستفد من قدراته وافتقر إلى الاجتهاد فالتقصير من جانبه. لكنني أقول: من أين جاء لهذا الشخص بإرادته القوية واجتهاده؟! إذا نظرت من هذا المنظور، ترى أن كل خير فينا، إن وجد، سواء كان في الجسد أم في العقل والنفس والعلاقات الاجتماعية والمناخ الوجودي، كل ذلك من الآخرين. وفي هذه الحالة، يصبح التفاخر شيئًا مثل قول القائل: «أنا من فتح العالم مثل رستم». نعم، رستم فتح العالم، لكن هذا لا يتعلق بك. هذا الذكاء والموهبة والجمال الذي تملكه هي أيضًا من الآخرين. أما إذا أخذت هذا الذي قبلته عقليًا وجعلته حالتي الدائمة، فيقولون إن فلانًا «بلا ذات»، لكن إذا نسبت كل هذا إلى نفسي، أصبحت «بذات»، واللاذاتية والذاتية هنا لا تزال تحمل معنى قيميًا. اللاذاتية تحمل قيمة موجبة والذاتية تحمل قيمة سالبة. في علم النفس يُعبّر عن اللاذاتية بـ egoless، أي أن لا يكون الفرد مركّزًا على ذاته وأنانيته وقول «أنا أنا»، بل يكون سعيدًا بأن الأعمال تتم على يديه في العالم، وسعيدًا بأن مليارات قد أعطيت له، وإذا طُلب منه أن يعطي شيئًا فهو واحد من تلك المليارات، وتبقى 999999999 (تسعمائة وتسعة وتسعون مليونًا وتسعمائة وتسعة وتسعون ألفًا وتسعمائة وتسعة وتسعون) شيء لا يزال من حقه. كلما زاد الإنسان قدرة من حيث الثروة والقوة والجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية والشهرة والمحبوبية والعلم والشهادة الجامعية وجمال الجسد والقدرات البدنية، انخفض رأسه أكثر فأكثر. ولهذا السبب في إحدى الأدعية من صحيفة السجادية يسأل الإمام السجاد الله قائلًا: «الترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها» (يا إلهي، بقدر ما ترفعني في نظر الناس أنزلني في نظر نفسي)، لأنني يجب أن أفهم أن هذا الرفع امتياز أُعطي لي بلا جدارة ولا أتفاخر به. اسمح لقلبي أن يتأثر لمن كان والده فقيرًا وأمه مريضة وولد في بيئة فقيرة وغير صحية، ولم تصل إليه قدرات عقلية عالية وغيره. دعني أتأثر وأسأل الله أنه مهما رفعني الناس، أصبح صغيرًا وأصغر في نظر نفسي.
إحدى القصائد من ديوان الشمس تتناسب جدًا مع هذه المسائل وملخصها أنه طالما ظلت بذاتك وتحسب أن كل هذا من عندك، فاعلم أنك تتلقى الضربات باستمرار ومن كل جانب في العالم، لكن إذا اعترفت يومًا: يا إلهي، أنت أو الوجود أو الطبيعة أو أي شيء آخر، أنت أعطيتني هذا، وأنا لم أكن أستحقه أصلًا. لا أعرف السبب في اختيارك لي، كان بإمكانك أن تختار شخصًا آخر وتعطيه هذه المواهب. يقول مولى: إذا كان لديك هذه اللاذاتية ترى أن كل شيء في العالم يصب في صالحك، لكن إذا كنت بذاتك وقلت: أنا، فترى أنك تتلقى الضربات باستمرار حتى تدرك أن لا شيء كان لك. هذه القصيدة في نسخة فروزانفر الغزلية 323:
آن نفسی که باخودی یار چو خار آیدت/ وان نفسی که بیخودی یار چه کار آیدت آن نفسی که باخودی خود تو شکار پشهای/ وان نفسی که بیخودی پیل شکار آیدت آن نفسی که باخودی بسته ابر غصهای/ وان نفسی که بیخودی مه به کنار آیدت آن نفسی که باخودی یار کناره میکند/ وان نفسی که بیخودی باده یار آیدت آن نفسی که باخودی همچو خزان فسردهای/ وان نفسی که بیخودی دی چو بهار آیدت جمله بیقراریت از طلب قرار تست/ طالب بیقرار شو تا که قرار آیدت جمله ناگوارشت از طلب گوارش است/ ترک گوارش ار کنی جمله گوار آیدت جمله بیمرادیت از طلب مراد تست/ ور نه همه مرادها همچو نثار آیدت عاشق جور یار شو عاشق مهر یار نی/ تا که نگار نازگر عاشق زار آیدت خسرو شرق شمس دین از تبریز چون رسد/ از مه و از ستارهها واهلل عار آیدت
من جوهر هذا التفكر يستند الخلق العرفاني على ثلاثة مبادئ، كل منها ينبثق من جوهر القضايا الأربع التي أشرنا إليها، وتندرج تحت هذه المبادئ الثلاثة جميع الأخلاق:
1- الصدق
2- التواضع
3- الإحسان
جميع الفضائل أو مصاديقها هي من هذه الأصول الثلاثة أو تنشأ من اقتران اثنين من هذه الأصول الثلاثة، وجميع الرذائل أيضاً إما أنها نقائض هذه الثلاثة أو تنشأ من اقتران نقائض هذه الأصول الثلاثة. أي إذا كنت من أهل الصدق والتواضع والإحسان فإنك تمتلك كل سلوك وخلق أخلاقي إيجابي. وبالعكس، إذا كنت بدلاً من الصدق من أهل الخداع والرياء والازدواجية، وبدلاً من التواضع من أهل الكبر والتجبر والعجب والتكبر، وبدلاً من الإحسان من أهل الإساءة والإضرار بحق الآخرين والوجود كله، فإن كل الشرور سواء في السلوك الأخلاقي أو الصفات الأخلاقية تنبع من هذه الثلاثة. إلا أن بالنظر إلى المعاني الدقيقة التي أعطاها العارفون عبر التاريخ لهذه الثلاثة أي أنهم صقلوا وأتقنوا معانيها العرفانية. باختصار، مقصودهم من الصدق هو أن المستويات الخمسة من وجودك (المعتقدات والمشاعر والعواطف والانفعالات والرغبات والكلام والفعل) تكون منطبقة تماماً على بعضها. في المعنى العرفاني فإن معناه هو انطباق المستوى الرابع (الكلام) على الأول (المعتقد).
إذا كان كلامي منطبقاً على معتقدي فأنا صادق. لكن في كلام العارفين لتحقق الصدق يجب أن ينطبق كل مستوى من مستويات وجودنا على المستويات الأربعة الأخرى؛ لذلك يكتسب الصدق عشرين مصداقاً. التواضع بهذا المعنى يعني أن تفترض نفسك غيراً فيما آتاك الوجود من الخيرات. أي أن فرحي عندما أفوز بجائزة نوبل مثلاً يكون بقدر فرحي عندما يفوز أحد أصدقائي بجائزة نوبل. إذا استطعت أن أكون كذلك فإنني قد استطعت أن أفترض نفسي غيراً في الخيرات. أن تكون النقلة النفسية من اكتشاف ابني مثل النقلة النفسية من اكتشاف ابن صديقي. بتعبير آخر، في الخيرات والجوانب الإيجابية من الحياة والنعم التي أعطيت لك أن تستطيع أن تفترض نفسك غيراً أي أن تشعر من امتلاك نعمة بنفس الشعور الذي يشعر به الآخر.
في هذه الحالة أنت متواضع. أي إذا نُشر لك عشرون كتاباً وخمسون مقالة في المجلات العلمية والبحثية فإن سعادتك تكون بقدر سعادتك عندما تُنشر هذه الآثار لصديقك فأنت متواضع لأنك افترضت نفسك غيراً في الخيرات. معنى الإحسان هو عكس هذا المعنى في الشرور. الإحسان يعني أن أفترض الآخر نفسي في الشرور وجوانب ضعف الحياة وفي المصائب. أن أسارع لإنقاذك من غسيل اليد بنفس سرعة إسعافي لنفسي عندما تُغسل يدي لإيصالك إلى العيادة. في هذه الحالة استطعت أن تفترض الآخر نفسك في المصائب. إذا عندما تُكسر ساق طفلك بالضبط في الوقت الذي تُكسر فيه ساق طفلي أسارع بنفس الشغف والاهتمام والحرص للبحث عن أفضل جراح فإنني قد افترضت نفسي بمكانك في المصائب. إذن التواضع يعني افتراض نفسك غيراً في الخيرات، والإحسان يعني افتراض الآخر نفسك في الشرور. أن أشعر من ضرب طفلك والاعتداء على عرضك بنفس القدر من الألم والانزعاج الذي أشعر به من ضرب طفلي والاعتداء على عرضي، هذا معنى الإحسان. كان العارفون يقولون بمتلك هذه الأصول الثلاثة بهذه التعاريف التي تختلف كثيراً عن التعاريف التقليدية لها، فإن جميع الفضائل تنهمر نحو الإنسان. هذه الثلاثة جميعها تنبع من الإيمان بأن أياً من الخيرات ليس من ذاتي وليس من جراء استحقاقي وأن أياً من شرور الآخر ليس نتيجة عدم استحقاقه.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
واو زندگیم تحت تاثیر واقع شد
با سلام نظر استاد ملکیان در خصوص اثار کن ویلبر http://www.neeloofar.org/mostafamalekian/342-2012-11-02-12-44-32.html برخی مقالات ترجمه شده کن ویلبر http://www.shamogoloparvaneh.com/kenwilber.html