اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
صديق قطبي: الآداب والعادات التي اكتسبها أجدادنا للبقاء تحت الضغوط السياسية والاجتماعية وسُمّيت ثقافةً، تقف عقبةً في طريق التقدّم. عاداتٌ متجذّرة في الخوف أو الفقر تستمرّ تحت مسمّى الاحترام وتُغلق باب النقد.

كتب السيد صديق قطبي في قناته على التلغرام (العقل الأزرق) في نص قصير بعنوان: "ما هي فكرتكم الرئيسية؟" أن لكل شاعر أو كاتب فكرة رئيسية واحدة لا غير. فكرة واحدة تتكاثر في جميع أعماله، وبقراءتي لذلك أدركت أنني منذ أكثر من عشرين عاماً أكرر مطلباً واحداً في كتابين وأكثر من عشرين مقالة بأشكال مختلفة. وذلك المطلب هو:
"السلوكيات الفردية والاجتماعية، والعادات والتقاليد والطقوس التي اكتسبها أجدادنا في سياق صراعهم من أجل البقاء تحت الضغوط الثلاثية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي أسميها أنا الثقافة، قد تحولت اليوم إلى عائق في وجه تقدم مجتمعنا".
يشير داريوش شايغان في كتابه "تحت سماوات العالم" إلى هذه النقطة قائلاً: في بلدان مثل بلدنا، يوجد نوع من سوسيولوجيا الإخفاقات الواقعية. أحصوا عدد الإخفاقات التي تراكمت في تاريخنا منذ أكثر من مئة عام. من أين أتت هذه الإخفاقات؟ إن اعتبار فلان مسؤولاً عن ذلك الإخفاق – كما يُقال غالباً – هو قمة السذاجة، لأن الإخفاقات تتكرر بعناد شديد وبنظام أشبه بالساعة، وكأنها ناتجة عن قدر لا يُروض: إخفاق حركة المشروطية (1285)، إخفاق خياباني (1299)، إخفاق مصدق (1332). عندما يتكرر الإخفاق بهذا الشكل، فإنه ينبئ عن داء متأصل عميقاً في ثقافتنا.
برأي الكاتب، فإن العديد من خصائصنا الثقافية وعاداتنا وتقاليدنا وطقوسنا إما أن جذورها تعود إلى الخوف (كالصمت والمساومة، وعدم القدرة على مخالفة من هو أقوى منا، والإطراء المفرط، والكذب، وانعدام الثقة، وعدم القدرة على القيام بالأعمال الجماعية، ...إلخ) وإما إلى الفقر (كحفظ ماء الوجه، والمجاملة، والتكلف في التعارف، وكرم الضيافة، والسخاء والبذخ ...إلخ) أو إلى كليهما معاً.
تصبح هذه الخصائص سداً في وجه تقدمنا عندما تزول علتها الوجودية، أي الخوف والفقر، على الأقل بين شرائح من المجتمع، ولكنها تستمر في قالب العادة وحفظ الثقافة. ويمكن رؤية الإصرار على صون هذه الثقافة بشكل أشد وأقوى بين الإيرانيين الذين يعيشون في الخارج.
أحد الأسباب، وربما أهم سبب، لعدم تمكننا من التخلي عن هذه الخصائص والعادات، والذي تكرر الحديث عنه في كتاب "في أسر الثقافة"، هو استبدال كلمة "الخوف" بكلمة "الاحترام".
بمعنى أنه لما كانت كلمة «الخوف» تجسد في الذهن، من جهة الأعلى، صورة قبيحة لكائن «مخيف»، ومن جهة الأدنى، صورة كائن «جبان» وضعيف النفس، وكانت هاتان الصورتان كلتاهما غير مستساغتين، استبدلناها بكلمة «الاحترام» وهكذا صنعنا من الأعلى فرداً «محترماً» ومن الأدنى شخصاً «مهذباً»، ونتيجة لهذا الإحلال بدت جميع سلوكياتنا مبررة.
إن اعتبار هذه الأعمال احتراماً أدى أولاً إلى أن تسري سلوكيات كهذه إلى المجتمع بأسره بغض النظر عن علاقة التفوق والدونية، لأن الجميع يعتبرون أنفسهم أهلاً للاحترام
وثانياً إلى أن يُقرأ أي صراحة في اللهجة وصدق ونقد وانتقاد، وأي شيء أرق من الزهرة، على أنه قلة احترام، فلا يتحمله أحد، وهكذا تحول عدم تحمل النقد إلى إحدى أبرز خصائصنا الثقافية.
هنا، سأكتفي بدور إحدى هذه الخصائص في تخلفنا، وأرجئ دراسة سبب أو أسباب نشوء خصائصنا وعاداتنا الأخرى التي لا تُحصى ودورها في تخلفنا الراهن إلى كتابات لاحقة.
دور حفظ حرمة الخبز والملح في تخلفنا نحن الإيرانيين
منذ طفولتي، أتذكر أنه حين كان يُطرق باب منزلنا، كانت أمي تعطينا بقايا الطعام أو بعض الخبز والجبن، وترسلنا نحو الباب قائلة إن فقيراً جاء يبحث عن طعام، وكان الأمر كذلك في معظم الحالات.
لإزالة عار الفقر، دعونا الفقير ضيفاً وقلنا إن «الضيف حبيب الله»، ومن أحب حبيب الله أحبه الله، ومنذ ذلك الحين صرنا نعتبر كل من يطرق باب منزلنا ضيفاً، فنجذبه إلى الداخل ونطعمه ونسقيه شيئاً حتى لو لم يكن جائعاً أو عطشاناً، وأطلقنا على هذا الفعل اسم كرم الضيافة.
هذا الإلحاح الوسواسي على كرم الضيافة، الذي يُعد أحد مفاخرنا كإيرانيين، يبرز أكثر حين نقيم في البلدان الحديثة ونلتقي بأناس لا يمارسون هذه السلوكيات أو تخلوا عنها منذ زمن طويل.
لكن في مقابل الوصية التي تُوجّه للناس بإطعام الفقراء، كان يُنتظر من متلقي الطعام أيضاً أن يصونوا محبة من أسدى إليهم النعمة، وهو فعل يُشار إليه بـ«حفظ حرمة الخبز والملح». وهو عمل نبيل لا يقتصر صدقه على الطعام فحسب، بل على كل محبة وخدمة أخرى في كل زمان ومكان.
وبنظرة واحدة يمكن أن نرى اليوم أن حفظ هذه الحرمة قد تجاوز حتى عشرات مرات شكر المضيف ودعوته بالمقابل إلى عشاء أو غداء، بمعنى أننا إن لم نلتزم الصمت إزاء سلوك المضيف وكلامه غير المنطقيين، أو لم ننحز له بشكل غير منصف في جدال، أو لم نراعه بشكل عام، فإننا نُتهم بـ«أكل الملح وكسر المملحة».
وبهذا يتضح لماذا عندما نرفض طعاماً يُعرض علينا نسمع عبارة «لا تخف، ليس فيه ملح»، والتي تعني أنك لن تُضطر إلى مكافأة غير عادية عليه، ونطلق عبارة «يدي ليس فيها ملح» حين لا يرد لنا أحدٌ جميل محبتنا بالشكل الذي توقعناه.
بطبيعة الحال، إن الحرمة التي تُصان بهذه الطريقة تدفع البعض إلى أن يسعوا، عبر تقديم عشاء أو غداء أو إهداء هدية أو دفع رشوة، إلى إغلاق أفواه الأفراد وشراء آرائهم ومعتقداتهم لتحقيق أهدافهم، ومن البديهي أنه حين يُغلق فم أمة بغداء وعشاء، فإنها لن ترى طيف الحرية والعدالة.
لا تقتصر هذه المسألة على الخبز والملح فحسب، بل تنطبق على الكثير من خصائصنا الثقافية. ومن جملة هذه الخصائص يمكن ذكر مراعاة الصديق والجار، وحفظ شأن العائلة، واحترام كبير السن، وصون حرمة المعلم والأستاذ وذي الشيبة... إلخ، والتي كانت جميعها في سياق تقدير بسيط وصادق. وهي خصائص، رغم أننا نعتز بها، إلا أنها مع مرور الزمن، وبسبب الإفراط الذي انتهجناه في سبيل أدائها، تغيرت ماهيتها وأدت إلى خرق القانون ودوس الحق والعدالة في المجتمع.
وهكذا فإن الاعتراض على طلب صديق يُفسر على أنه دوس لحرمة الصداقة، والتمرد على أمر غير مبدئي من الأب أو المعلم يُفسر على أنه كسر لحرمة الأب والمعلم، وأخيراً فإن الاعتراض على كلام باطل يخرج من فم شخص مسن يُفسر على أنه كسر لحرمة ذي الشيبة.
إن حفظ الحرمات بهذا الأسلوب والمنوال هو ما يدفع مجتمعنا نحو الخناق والصمت، ويغلق طريق الاعتراض والانتقاد، وفي النهاية يحول البشر إلى مخزن بارود ينفجر بأقل صدمة.
كون جميع المسؤولين في بلادنا، سواء في الأنظمة السابقة أو النظام الحالي، تربطهم صلات قرابة، إنما جذوره في هذه الخاصية الثقافية بالذات. إنهم، بتعيين أقاربهم وذويهم في مصادر الأمور، يصونون ثقافة تكون فيها حرمة العائلة والقوم والقبيلة والخبز والملح أسمى من حرمة الحق والعدالة. لذلك لا ينبغي أن نأمل في أن يتحسن وضعنا إذا ما جلس فلان أو علان على رأس الحكم، ذلك لأن القليلين هم من يستطيعون الوقوف في وجه ثقافتهم القبلية الممتدة لألف عام، وأن يبلغوا منصباً دون أن يمدوا يد العون لأخيهم وعمهم وابن أختهم وصديقهم الحميم ورفيقهم القديم، ويولّوهم منصباً ما، ويصونوا حرمة الخبز والملح الذي أكلوه معاً.
وبهذا الحساب يمكن أن نرى لماذا يصبح في بلادنا أبطالاً قوميين أولئك الذين لم يتمكنوا بعد من الجلوس على مصدر أي عمل.
سألتُ منذ فترة مجموعة من الأصدقاء المقرّبين، جميعهم مثقفون ومولعون بالقراءة وأصحاب قلم وغير راضين عن الوضع الراهن، قلت لهم: لنفترض أننا جميعاً تولّينا مناصب مهمة في البلاد، وارتكب أحدنا خطأً، أيٌّ منكم سيكشفه ويدينه ويحاكمه؟ فخيّم صمتٌ وتبودلت النظرات، وفي الواقع لم يكن بمقدور أيٍّ منا أن يدير ظهره لثقافته ويكسر حرمة صداقةٍ طويلة الأمد!
في اعتقادي، ليس أمامنا سوى طريقين: إذا أردنا أن نبقى أوفياء لمعاييرنا الثقافية، فعلينا أن نضرب صفحاً عن المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية، وإذا كنّا نسعى إلى بلوغ مجتمعٍ تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، فعلينا أن نُقدم على عملية تنظيف ثقافي واسعة وطويلة الأمد، لعلّنا نتمكن من فتح طريق للخروج من هذه الدائرة المغلقة إلى الخارج.
مقتبس من كتاب في أسر الثقافة، نشر صمدية، 1393
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
جای شگفتی بسیارست که امروزه آنچنان مُجِدانه و به صورت واجبِ عینی، با هر تصور شخصی به جان اجزای فرهنگ افتاده ایم و حتی آنچه که نبوده و نیست را افترا می بندیم و نامش را هم اصلاحگری و ژرف نگری می گذاریم.