اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
المقارنة في الطفولة والبلوغ تؤدي إلى الاحتقار وتكوين سمات سلبية. الحسد، والتعطيل، والشعور بالدونية، والحاجة إلى التمجيد هي من عواقب المقارنات غير الصحية التي تدمر الثقة بالنفس.

من العوامل المؤثرة في نمو الإنسان وازدهاره الثقة بالنفس، وهي بدورها تتحقق عبر التشجيع المناسب وفي وقته، لا سيما في مرحلتي الطفولة والمراهقة. فالحاجة إلى التشجيع والاهتمام والظهور حاجة طبيعية توجد لدى جميع البشر بدرجات متفاوتة، وكانت ولا تزال هذه الحاجة هي الدافع لتقدم الإنسان في مجالات الحياة المختلفة. والتشجيع والاهتمام الكافيان في الطفولة يمكن أن يساعدا في تعديل هذه الحاجة في مرحلة البلوغ، بينما يزيد التحقير والتوبيخ في الطفولة من حدتها.
وللأسف، ينبغي القول إن المقارنة، وما يتبعها من تشجيع لأحد الطرفين وتحقيق وتوبيخ للطرف الآخر، تبدأ في مجتمعنا منذ الطفولة؛ إذ يقارن الآباء والأمهات في المنزل أبناءهم بعضهم ببعض، وبأطفال الأقارب والجيران، ويقارنهم المعلمون في المدرسة بزملائهم، وتستمر هذه المقارنة والتحقير في مرحلة البلوغ أيضاً بشكل خفي لكنه متواصل.
وبالنظر إلى أنه يوجد حولنا في معظم الأوقات من هم أكثر قابلية، أو بالأحرى أكثر نجاحاً، منا في أمر أو أكثر، فهناك دائماً ما يدعو للمقارنة، وذريعة للتعرض للتوبيخ والتحقير، ولا مفر لأحد من ذلك. في يوم ما، يُبرزون نقطة قوتنا في وجه آخر ويحقرونه ويزرعون بغضنا في قلبه، وفي يوم آخر، يُبرزون نقطة قوة شخص آخر في وجهنا ويحقروننا ويزرعون بغضه في قلوبنا، ومما يدعو لبالغ الأسف أنهم - سواء أكانوا آباء وأمهات أم معلمين - يفعلون ذلك في أغلب الأحيان بنية حسنة وبهدف ترغيب الأطفال والشباب في أن يصبحوا أفضل.
في أدبنا، يُعد مولانا (جلال الدين الرومي) أحد الذين يشيرون إلى مذمومية فعل المقارنة مستنداً إلى إحدى الأساطير الدينية؛ حيث كان الشيطان الملاك الوحيد الذي امتنع عن أمر الله بالسجود للإنسان، محتجاً بأن آدم خُلق من تراب وهو خُلق من نار، والنار أفضل من التراب. نقرأ في الدفتر الأول من المثنوي:
أول آن كس كين قياسكها نمود پيش انوار خدا ابليس بود گفت نار از خاك بي شك بهتر است من ز نار و او ز خاكِ أكدر است
***
1- الحسد: الحسد يعني عدم الابتهاج لنجاح الآخرين، وقد يتجلى في حالاته المفرطة بالشماتة بفشلهم. هذه الصفة هي إحدى أبرز نتائج مقارنة الأشخاص بعضهم ببعض؛ مقارنات تبدأ للأسف، كما أشير، في الأسر ومنذ الطفولة، وتؤدي عادة إلى الأفضل والأسوأ، والأكبر والأصغر، ومن ثم إلى مدح أحدهم وتحقيق الآخر.
2- إعاقة العمل: عندما يصبح نجاح كل شخص هراوة لمقارنته بنا وتحقيقنا، فمن الطبيعي ألا نتوانى فقط عن توفير الإمكانيات التي قد توصله إلى نجاح، بل قد نلجأ أيضاً إلى شتى السبل لنمنع تقدمه؛ فـ 'وضع العصي في العجلات' و'إلقاء الحجارة في الطريق' من المصطلحات المستخدمة في هذا الصدد.
من الضروري الانتباه إلى أن الصفات السلبية الناتجة عن المقارنات غير الصحية، والتي أتناول شرح بعضها في هذه المقالة، تنطبق غالباً على الأشخاص المتقاربين في المستويات الاجتماعية والذين تتاح لهم إمكانية المقارنة ببعضهم البعض، كطالبين، أو طبيبين، أو شاعرين، أو كاتبين، أو مغنيين، وهكذا. بعبارة أخرى، لا تتم أبداً مقارنة مغنٍ بحلاق، أو موظف بسيط بوزير، أو مليونير بفقير، ولهذا فهم لا يحسدون بعضهم عادة، ولا يخلقون العقبات لبعضهم البعض.
3- فقدان الثقة بالنفس ونشوء عقدة الحقارة: بالنظر إلى أن الثقة بالنفس تنشأ لدى الإنسان عبر التشجيع المناسب، فعندما نتعرض منذ الطفولة للمقارنة والتحقير باستمرار، فإن عقدة الحقارة ستحل تدريجياً محل الثقة بالنفس.
4- تضخيم نقاط الضعف أو تصغير نقاط القوة لدى الآخرين: إن تتبّع عيوب زملاء الدراسة والعمل والأقران يدفعنا إلى الخروج منتصرين في أي مقارنة محتملة معهم. فعلى سبيل المثال، حين نثني باستمرار على أزواج وأبناء الآخرين ونفضّلهم على أزواجنا وأبنائنا، فإن زوجنا وأبناءنا سيتربصون بهم بحثاً عن العيوب والنقائص كي يزعزعوا أفضليتهم في أعيننا وينتصروا عليهم في المقارنات المحتملة. إن التركيز على الهفوات الجزئية في عمل أولئك الذين ينجزون عملاً ما على أية حال، وتضخيم تلك الهفوات من قبل أقرانهم، والميل إلى النيل من مكانتهم السياسية والاجتماعية والعلمية عبر آراء ونقد مغرض، وتصفية الشخصية التي تحدث في المستويات العليا من المجتمع، كل ذلك يمكن أن يكون جذوره في هذه الظاهرة ذاتها.
5- الشعور بالرضا عند تصغير الآخرين: كثيراً ما يُلاحظ أن انتقاد شخص ما وتصغيره يولّد شعوراً بالرضا لدى الفرد أو الأفراد الذين ينشطون في المجال نفسه. ويمكن رؤية هذا الشعور بالرضا على وجوه بقية الإخوة والأخوات حين يتعرض أحد أبناء الأسرة لانتقاد الوالدين أو توبيخهم، وكذلك على وجوه سائر الموظفين حين يوجه الرئيس انتقاداً أو اعتراضاً لأحدهم. وبشيء من التدقيق يمكن رؤية هذه السمات بوضوح حتى لدى أدبائنا وكتّابنا ممن يدّعون الريادة الثقافية للناس، حين يؤدي انتقاد أحدهم إلى فرح الآخر.
6- الحاجة إلى سماع الإطراء والمديح: لا شك أن المقارنة والتعرض المتوالي للتحقير يولّدان جروحاً في الروح. وكل جرح يحتاج إلى مرهم، ومرهم جرح الحقارة هو سماع الإطراء والمديح. يمكن القول إن الحاجة إلى سماع الإطراء والمديح هي وجه لعملة وجهها الآخر هو عدم تحمّل النقد، وهما على علاقة عكسية. أي أنه كلما زاد تحمّل أفراد مجتمع ما لتقبّل النقد، قلّ بنفس القدر فرحهم بالإطراء المفرط والتملقات المبالغ فيها والكاذبة، والعكس صحيح، فالأفراد الأقل تحمّلاً لسماع النقد يظهرون حاجة أكبر لسماع الإطراء والمديح وينالون منه سعادة أكبر.
7- السعي لاكتساب أشياء تبعث على الفخر والاحترام: الحاجة المفرطة إلى لفت الانتباه ونيل الاستحسان تدفع الأفراد إلى السعي وراء الثروة والمنصب والشهادة التي تُعد من أبرز معايير القيمة في المجتمع. وبطبيعة الحال، فإن عدم توفر الظروف والإمكانيات المتكافئة للجميع يدفع البعض إلى اكتساب هذه القيم بطرق غير مشروعة وبالتضحية بالقيم الإنسانية. ويؤدي الفشل في هذا السبيل إلى نشوء مشاعر سلبية كالحقد والكراهية والإحباط واليأس والعبثية لدى الأفراد.
قد يُقال هنا إن قيماً مماثلة موجودة في المجتمعات الحديثة أيضاً. هذا صحيح، لكن حديثنا هنا يدور حول دافع سعي البشر. فبما أن احترام الأشخاص في المجتمعات الحديثة لا يرتبط كثيراً بثروتهم ومناصبهم ومواقعهم، أي أن أحداً لا يتعرض للتحقير لعدم امتلاكه ثروة أو لعدم حصوله على تعليم عالٍ أو لشغله مهناً تُعتبر وضيعة بمعايير مجتمعنا الطبقي، فإن الناس غالباً ما يسعون وراء الثروة للاستمتاع بنعم الحياة والتمتع بها قدر الإمكان، ويسعون وراء العلم لإشباع اهتماماتهم. وبطبيعة الحال، حين يكون الشغف هو الدافع لاكتساب العلم، يكون العالِم الذي يُنتجه ذلك أكثر ثراءً وبالتالي أكثر تأثيراً في مجتمعه. أما حين يكون الهروب من التحقير أو التفاخر على الآخرين هو الدافع للتعليم العالي، فإن النتيجة تكون ظهور حاملي شهادات بلا علم، ومتخصصين بلا شغف، شهاداتهم وألقابهم تصلح أكثر لذاك الاحترام الاجتماعي الزائف، وتصلح بالأولى للتباهي بها على الآخرين، وتصلح بدرجة أقل لخدمة أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه.
8- الكتمان والتظاهر والكذب والتقليد: الخوف من المقارنة بالآخرين والتعرض للتحقير يدفع الأفراد، بالإضافة إلى سعيهم لارتقاء درجات الهرم الاجتماعي، إلى كتمان نواقصهم المادية والعلمية أو التظاهر بامتلاكها. وتُستخدم في هذا السياق مصطلحات مثل الادعاء الفارغ، والتباهي الكاذب، وإظهار الغنى مع الفقر. وهذا الخوف يدفع الناس أيضاً إلى حفظ ماء الوجه والتقليد الأعمى لنمط حياة من هم في مستويات أعلى ممن يحظون بحسد المجتمع واهتمامه. علاوة على ذلك، في المجتمعات التي يؤثر فيها فخر الفرد أو عاره على جميع أفراد الأسرة والأقارب، ينتشر الكذب بشأن نقاط ضعف العائلة والأقرباء ونواقصهم، والادعاء الفارغ بخصوصهم.
9- الفضول وكشف العيوب وإصدار الأحكام: الفضول ليس سوى حاجة ماسة إلى المعرفة. فتقدم البشرية في مجالات عديدة يدين إلى حد كبير لحس الفضول لديها. لكن الفضول المقصود هنا، وهو سمة أخرى بارزة ومدمرة بيننا، هو الرغبة في الحصول على معلومات عن أولئك الذين يتشاركون معنا المصالح ويُحتمل أن يُقارنوا بنا، مثل زملاء الدراسة والعمل والجيران والأقارب... تشمل هذه المعلومات عادةً مستوى دخلهم، والأشياء الجديدة التي اشتروها، والمكان الذي قضوا فيه عطلاتهم، والشهادات والدرجات التي حصلوا عليها. ويتجلى هذا الفضول بطرح أسئلة عديدة بشكل مباشر أو غير مباشر على الأشخاص أنفسهم أو على آخرين.
من ناحية أخرى، فإن إخفاء نقاط الضعف والادعاء الفارغ بخصوص نقاط القوة، الذي سبق شرحه، يؤدي بحد ذاته إلى إثارة الشكوك بين الأفراد تجاه بعضهم البعض، ويزيد من تحفيز الفضول ويؤدي إلى حالة من كشف العيوب. كما تتسبب هذه الظاهرة في أننا أحياناً، بمجرد رؤية موقف واحد أو سماع جملة أو اقتباس عن شخص ما يناقض الصورة التي خلقها عن نفسه في أذهاننا، نحكم عليه ونصدر حكماً بشأنه.
10- تحفيز الشعور بالتفوق والدونية: بطبيعة الحال، تؤدي هذه المقارنات في أذهاننا إلى أن نشعر، تجاه الأشخاص الذين هم أعلى منا لأي سبب كان، مادياً أو معنوياً، بشعور لا إرادي بالدونية وانعدام الثقة بالنفس وما يتبعه من قلق أو خوف، بينما نشعر تجاه من هم أدنى منا بمزيد من الارتياح والثقة بالنفس أو الغرور.
11- التوهم وتفسير أعمال الآخرين: تؤدي هذه الظروف إلى خلق التوهم والشكاكية لدينا، وتدفعنا إلى تفسير سلوكيات الآخرين وأقوالهم بناءً على المسافة التي تفصلهم عنا في الهرم الاجتماعي. بمعنى أنه إذا سخر منا شخص في نفس مستوانا الوظيفي، فقد لا نولي ذلك أهمية كبيرة وقد نتحدث معه أحياناً. لكننا نعتبر نفس الفعل حسداً إذا صدر من شخص في مرتبة أدنى منا، وإهانة إذا صدر من شخص في مرتبة أعلى منا، لأنه قد يقصد بهذا الفعل إظهار مكانته والتباهي بها وبالتالي تحقيرنا.
12- الشعور الدائم بأننا موضع مقارنة: التعرض المتكرر للمقارنة يجعلنا، حتى لو لم يقارننا أحد، نقوم بذلك بأنفسنا ونقارن الآخرين بأنفسنا باستمرار. ونتيجة هذه المقارنات، حسب الحالة، يمكن أن تؤدي إلى الشعور بالتفاخر والغرور، أو الحسرة والحسد، أو جلد الذات.
***
بالنظر إلى أن المقارنة تبدأ من الطفولة وتترك آثارها الضارة والمدمرة علينا في ذلك الوقت نفسه، فإن تعديلها يجب أن يبدأ أيضاً من زمن الطفولة ومن البيت والمدرسة. إن الاهتمام الخاص الذي توليه المجتمعات الحديثة للأطفال وتعليمهم وتربيتهم هو دليل على إدراك أهمية دور الأطفال في بناء مستقبل المجتمع. والأهمية الخاصة التي توليها هذه المجتمعات للأمن الاقتصادي والراحة الفكرية للأمهات والمعلمين هي لأجل الدور البناء والأساسي الذي يضطلعون به في تربية الأطفال. على أمل أن يدرك حكام ومسؤولو المجتمعات التقليدية هذا الأمر يوماً ما، وأن يبادروا إلى الوقاية من المضاعفات التي يكون علاجها، إن لم يكن مستحيلاً، فهو صعب للغاية.
.
.
.
.
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الدين
الفن
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار زیبا و بیدار کننده !