ليس الحداد مجرد حزن على غياب الأحبة؛ فقد يقترن أحيانًا بالندم على أخطاء الماضي، والتحسر على الفرص الضائعة، وأسئلة جوهرية عن الموت ومعنى الحياة. يتأمل مصطفى سليماني في رؤى نيما قرباني، ومصطفى ملكيان، وأذرخش مكرّي، مستندًا إلى البحوث النفسية، ليدرس ثلاثة أبعاد متمايزة للحداد: ألم الفقد، وضمير العلاقة، والحيرة في مواجهة الموت. وتكشف هذه القراءة أن الحداد لا يقود دائمًا إلى أزمة في المعنى، وأن المفجوع ليس ملزمًا باستخلاص معنى فوري أو مكسب إيجابي من معاناته.

الحِداد على تخوم الألم والضمير والدهشة
(قراءة نفسية ـ وجودية لتجربة الفقد مع تأمّل في آراء نيما قرباني ومصطفى ملكيان وآذرخش مكري)
مصطفى سليماني[1]
يُعرَّف الحِداد في الغالب بوصفه استجابة عاطفية للموت والفقد، كأنّ المسألة الأساسية لدى الثكلان هي احتمال الحزن الناجم عن غياب الآخر والتكيّف التدريجي مع واقع الفقد. بيد أنّ التجربة المعيشة للحِداد تُظهر أنّ ما يقع بعد موت عزيز لا يقتصر على «حزن الغياب». فالفقد قد يُشرك الجسد والجهاز الانفعالي للفرد في آنٍ واحد، ويعيد فتح الحساب الأخلاقي للعلاقة بالمتوفّى، ويستعيد الإمكانات الضائعة في الماضي والمستقبل في هيئة حسرة، ثم يضع الفرد في نهاية المطاف أمام أسئلة عن الموت والعالم والحياة ومعنى الوجود. وتقدّم هذه المقالة، بمنهج مراجِع ـ تحليلي، قراءة ثلاثية الطبقات لتجربة الفقد. ولصياغة هذه الطبقات الثلاث وُضعت ثلاثة مسارات فكرية في الفضاء النفسي والفلسفي الإيراني المعاصر في حوار مع الأدبيات العلمية المتعلقة بالحِداد: تمييز نيما قرباني بين ألم الواقع والمعاناة الناجمة عن الفرار منه والدفاع إزاءه؛ وتمييز مصطفى ملكيان بين غمّ الفقد والندم الأخلاقي وحسرة الفرص الضائعة؛ وعناية آذرخش مكري، في قراءتها لأعمال داكر كلتنر عن الدهشة، بإمكان ظهور تجربة غامضة ووجودية عند مواجهة موت الأحبّة. وتُعاد صياغة هذه المسارات الثلاثة في المقالة الحاضرة تحت عناوين «الألم» و«الضمير» و«الدهشة». وتُظهر النتائج البحثية المتعلقة بالتجنّب التجريبي، والاجترار الفكري، والذنب المرتبط بالحِداد، والعمل غير المكتمل مع المتوفّى، وإعادة بناء المعنى، وانفعال الدهشة، أنّ هذه المجالات، وإن تمايزت فيما بينها، قادرة على التأثير بعضها في بعض في تجربة الحِداد الفعلية. وحجّة المقالة الرئيسة أنّ كل حِداد ليس بالضرورة أزمة معنى، وأنّ إضفاء المعنى لا ينبغي أن يتحوّل إلى واجب عاجل على الثكلان. فأحياناً تكون الضرورة الأولى هي احتمال الألم؛ وأحياناً تكون المسألة الرئيسة هي مواجهة ضمير العلاقة وما بقي غير مقول وغير مفعول؛ وأحياناً، في مستوى آخر، يُربك الموتُ أفقَ فهم الفرد للحياة إرباكاً يجعل سؤال المعنى يظهر على نحو طبيعي. وعلى هذا الأساس يمكن عدّ الحِداد لا مساراً خطياً من الحزن إلى القبول، بل حركة معقّدة بين الألم والعلاقة والضمير والمواجهة الوجودية مع محدودية الحياة.
حين يموت أحدٌ يبدو أنّ حدثاً واضحاً قد وقع: إنسانٌ كان حاضراً في عالمنا حتى الأمس لم يعد له حضور جسدي. غير أنّ تجربة الحِداد تُظهر أنّ تبعات هذا الغياب لا تقف عند هذه القضية البسيطة. فموت إنسان، ولا سيما من كان يحتلّ موقعاً أساسياً في شبكة هويتنا وعواطفنا وعاداتنا ومستقبلنا، قد يُربك عوالم عدّة في وقت واحد: فالجسد لا يزال ينتظر سماع صوته؛ والذهن معتاد على استشراف حضوره في المستقبل؛ والذاكرة تستعيد مشاهد اكتسبت الآن معنى آخر؛ والضمير يعيد الحوارات المنتهية والأعمال التي لم تُنجز إلى محكمتنا الداخلية؛ وفي مستوى أعمق، قد يضع موتُ الآخر أمامنا سؤالاً ربما لم نعرفه من قبل إلا على نحو مجرّد: إن كان بوسعه ألّا يكون، فما هو كوني أنا، وإلى أين تمضي هذه الحياة؟
ولعلّ من مشكلات المقاربات المبسِّطة للحِداد أنها تضع المجالات كلها تحت لفظ واحد هو «الحزن»؛ في حين أنّ الاشتياق إلى من لم يعد موجوداً ليس تجربة واحدة مع تأنيب الضمير على جملة قلناها له؛ وكما أنّ هاتين التجربتين لا تتطابقان مع الدهشة التي تتشكّل أحياناً أمام سرّ الموت أو هشاشة الحياة أو عظمة الوجود. فإذا سمّينا هذه التجارب كلها «حزناً» فحسب، ظلّ جانب مهم من العمارة الداخلية للحِداد مهملاً.
وقد ابتعدت أدبيات علم النفس الحديثة منذ سنوات عن النماذج الأحادية المرحلية. فخلافاً للتصور الشائع الذي يرى الحِداد عبوراً بسلسلة من المراحل الثابتة، أظهرت الدراسات الطولية والمراجِعة أنّ استجابات الناس لموت عزيز شديدة التنوّع. ففي دراسة بونانو وزملائه الاستباقية عن حِداد الزوج أو الزوجة، رُصدت مسارات متمايزة، منها الحِداد المزمن والحِداد المعتاد والتعافي والمرونة النفسية، وبيّن بونانو في مراجعته اللاحقة أنّ المرونة بعد الفقد ليست ظاهرة نادرة أو مَرَضية، بل تُرى لدى كثيرين؛ ومن ثَمّ فلا وجود لتسلسل انفعالي كونيّ للحِداد، ولا يمكن وصف «حِداد سليم» واحد لجميع الأفراد.
ويشير نموذج العملية المزدوجة لدى ستروبه وشوت إلى التعقيد نفسه. ففي هذا النموذج يتأرجح الثكلان بين توجّهين: «التوجّه نحو الفقد» الذي يشمل مواجهة الألم والذكريات والاشتياق، و«التوجّه نحو الترميم» الذي يشمل مهام الحياة والأدوار الجديدة والتكيّف مع العالم المتغيّر. والنقطة المهمة أنّ الابتعاد المؤقت عن الحزن نفسه قد يكون جزءاً من التكيّف؛ فالسلامة لا تتشكّل في المواجهة الدائمة للأسى، بل في المرونة في الذهاب والإياب بين الفقد والحياة اليومية.
ومع ذلك يبقى سؤال: «إذا لم يكن الحِداد تجربة واحدة، فما أهمّ طبقاته؟» وللإجابة عن هذا السؤال تضع هذه المقالة ثلاثة مسارات إلى جانب الأدبيات العلمية:
أولاً، يميّز نيما قرباني في نصّه «الألم أم المعاناة والعذاب؟» بين الألم الناجم عن الواقع والمعاناة التي قد تتشكّل من الدفاع والفرار إزاء تجربة الواقع، ويعدّ الفقد والمرض والموت صراحةً من آلام الحياة التي لا مفرّ منها.[2]
ثانياً، يفصل مصطفى ملكيان، في حديثه عن موت الأحبّة، بين ثلاثة أنواع من الغمّ: غمّ الفقد، والندم الناشئ عن التقصير الأخلاقي في حقّ الفقيد، وحسرة الفرص التي كان بوسعنا أن نعيشها في حضوره لكننا فقدناها.[3]
ثالثاً، تشير آذرخش مكري، في مراجعتها لكتاب «الدهشة» لداكر كلتنر، إلى وجه أقلّ التفاتاً إليه في مواجهة الموت: وهو أنّ موت العزيز، إلى جانب الأسى والخوف، قد يواجه الإنسان في بعض التجارب بنوع من الدهشة أمام الحياة والموت وسرّ الوجود.[4]
وليس هدف هذه المقالة أن تصنع من هذه الوجوه الثلاثة «نظرية مشتركة في الحِداد»؛ فمثل هذه النظرية غير موجودة، ومنزلة هؤلاء الباحثين ليست واحدة: فقرباني يتحدث هنا من موقع علم النفس والعلاج النفسي، ويصوغ ملكيان المسألة في أفق الأخلاق وفلسفة الحياة في الأغلب، وأما مكري ففي باب الدهشة مفسِّرة وناقلة لأبحاث داكر كلتنر وسرديّته.
وما تقترحه هذه المقالة قراءة تأليفية: استعمال المفاهيم الثلاثة «الألم» و«الضمير» و«الدهشة» للتمييز بين ثلاثة مجالات في تجربة الحِداد، ثم اختبار هذا التمييز على ضوء النتائج البحثية المعاصرة.
وحجّة المقالة المحورية أنّ علينا مقاومة افتراض شائع: ليس كل حِداد أزمة معنى بالضرورة. فبعض حالات الحِداد، قبل أن تتحوّل إلى سؤال عن معنى الحياة، هي في أصلها مسألة احتمال الألم، وبعضها الآخر، بدلاً من أن يكون مسألة «لماذا الحياة؟»، هو مسألة «لماذا فعلتُ ذلك؟» و«لماذا لم أقل تلك الكلمة؟» و«لماذا لم أصنع معه وقتاً أطول؟». وفي بعض التجارب فقط يُربك الموتُ منظومةَ فهم الفرد للعالم إلى حدّ يدخل معه سؤال المعنى الميدان. ومن هذا المنظور لا يبدأ مسار هذه المقالة من المعنى؛ بل يبدأ من الألم، ويصل إلى ضمير العلاقة، ثم ينفتح على إمكان الدهشة وسؤال المعنى.
هذا البحث من النوع المراجِع ـ التحليلي. وقد استُعملت المصادر الفارسية في قسم المفكّرين الثلاثة فقط حيث توافر نصّ أو ملف رسمي يمكن استرجاعه منهم أنفسهم أو من الجهة الرسمية لنشر آثارهم. وفي المقابل، فحيثما طُرح ادّعاء بشأن الشيوع أو الارتباط أو الآلية النفسية أو النتيجة السريرية، كان الاعتماد الرئيس على المقالات المحكَّمة والمصادر البحثية. وهذا التفريق ضروري؛ لأنّ كلام مفكّر أو مفسِّر، مهما كان مُلهِماً، لا يُعدّ بذاته دليلاً تجريبياً.
وفي اختيار المصادر الإنجليزية رُوعيت عناقيد نظرية وبحثية عدّة: تنوّع مسارات الحِداد والمرونة النفسية؛ ونموذج العملية المزدوجة؛ وإعادة بناء المعنى؛ والتجنّب التجريبي وتنظيم الانفعال؛ والذنب والندم والعمل غير المكتمل في الحِداد؛ والأدبيات النفسية لانفعال الدهشة. وفي محور المعنى تُعدّ نظرية نيمایر في إعادة بناء المعنى ونموذج بارك التأليفي لصناعة المعنى الأساسَ الرئيس. وفي محور تهديد المعنى استُعمل نموذج صيانة المعنى.
وتتحاشى هذه المقالة عمداً ادّعاء «إثبات نموذج الألم ـ الضمير ـ الدهشة». فهذه الثلاثية صياغة نظرية مقترحة، لا مقياس معياري ولا نموذج اختُبر مباشرةً حتى الآن في بحث تجريبي. وقيمتها في التمييز بين أسئلة كثيراً ما تختلط في الحِداد: ألم الغياب، والحكم على العلاقة، ومواجهة الأفق الوجودي للموت.
في الحديث اليومي يُنظر إلى الحِداد في الغالب بوصفه ظاهرة لها بداية وذروة ونهاية محدّدة نسبياً. فالفرد يفقد عزيزاً؛ ويحزن مدةً، و«يتصالح» مع الفقد، ثم يعود إلى حياته السابقة. ومشكلة هذه الرواية أنّ «الحياة السابقة» لا توجد بالضرورة بعد الفقد، وأنّ من يتكيّف مع الفقد ليس هو نفسه الذي كان قبله.
فموت بعض الناس لا ينتقص شيئاً من حياتنا فحسب؛ بل يغيّر بنية الحياة. وموت الزوج أو الزوجة ليس حذف فرد فقط؛ فقد يكون نهاية دور، وطريقة في اتخاذ القرار، ومجموعة عادات يومية، وشبكة علاقات اجتماعية، وصورة مشتركة عن المستقبل. وموت الابن قد يضع موضع السؤال لا علاقة الوالد بالولد فحسب، بل تصوّر الوالد لعدالة العالم ومستقبله الشخصي وحتى هويته الأبوية أو الأمومية. وفي مثل هذه الخسائر لا يكون المفقود «الآخر» وحده؛ بل يتضرّر جزء من نظام العالم الشخصي أيضاً.
ويفسّر نيمایر هذه الخاصية في الحِداد بمفهوم «إعادة بناء المعنى». ففي نظره، قد يزعزع موتُ شخص مهم ـ ولا سيما إن كان مفاجئاً أو عنيفاً أو في غير أوانه ـ عالمَ الفرد المفترَض وعالمه العلائقي، ويدفعه إلى محاولة فهم الفقد والحياة التي بعده. وفي هذه المقاربة ينبغي للفرد أن يدرك تدريجياً كيف يجد هذا الموت مكانه في قصة حياته، وكيف ستكون علاقته بالمتوفّى، ومن هو هو نفسه بعد هذا الحدث؟ غير أنّ نظرية المعنى نفسها، إذا عُمّمت أكثر من اللازم، قد تصبح مشكلة.
وتميّز كريستال بارك بين «المعنى الكلّي» و«المعنى الموقفي»؛ فالمعنى الكلّي يشمل المعتقدات الأساسية عن العالم والغايات والقيم، أما المعنى الموقفي فيتعلق بتفسير حدث بعينه. وحين يتنافر حدث مع منظومة المعنى الكلّية للفرد ينشأ صدع وتبدأ محاولة صناعة المعنى؛ ومع ذلك تميّز بارك أيضاً بين «محاولة صناعة المعنى» و«المعنى المصنوع»؛ فالمحاولة المتكرّرة غير المحسومة لفهم الحدث لا تفضي بالضرورة إلى تكيّف أفضل.
وهذه النقطة نفسها تُبعدنا عن خطأ ثقافي بل علاجي: أن نطلب من الثكلان أن «يجد معنى فقده» سريعاً جداً. فجُمل مثل «لا بدّ أنّ فيه حكمة» و«كان مقدَّراً لهذا الحدث أن يجعلك أقوى» و«عليك أن ترى أيّ درس كان في هذا الفقد لك» قد تُقال بنيّة المواساة، لكنها قد تولّد نوعاً من الضغط الثانوي؛ فالفرد لا يتحمّل ألم موت عزيزه فحسب، بل يشعر أنّ عليه واجب استخراج النموّ أو الحكمة أو المعنى من هذا الموت! وقد يكون ما هو موجود حقاً في المرحلة الأولى من التجربة هو الألم وحده.
ومن جهة أخرى، ليس الناس جميعاً ينهارون إزاء الفقد بالقدر نفسه. فنتائج بونانو تُظهر أنّ عدداً ملحوظاً من البشر يحافظون بعد الفقد الشديد على مستوى مستقرّ نسبياً من الأداء من دون أن يمرّوا بفترة طويلة من الاضطراب. وهذا لا يدلّ على برود عاطفي، ولا هو بالضرورة إنكار. وهذه الحقيقة نفسها تُلزمنا بالتمييز بين «الألم» و«الاضطراب» و«المعاناة المزمنة».
ومن هنا يتشكّل مصطلح «الحِداد متعدد الطبقات» في هذه المقالة. فقد يكون فرد شديد النشاط في طبقة الألم، من دون أن تكون له مسألة أخلاقية تُذكر مع المتوفّى. وقد يكون فرد آخر قد خفّت شدة اشتياقه، لكنه يعيش سنين مع جملة لم تُقَل؛ وقد يكون شخص ثالث بعد الفقد غير منشغل بالذنب على وجه الخصوص، ولا تظهر عليه أعراض شديدة من الحِداد المطوّل، لكنّ الموت يغيّر إلى الأبد نظرته إلى الوجود والزمن وقيمة الحياة؛ ولذا فلعلّ السؤال الأدقّ ليس «هل ما زال الفرد في حِداد؟» بل «في هذا الحِداد، أيّ مجال هو الآن الأكثر إشكالاً أو حياةً؟»
أ) ألم الواقع ومعاناة المقاومة:
ينطلق نيما قرباني في نصّه «الألم أم المعاناة والعذاب؟» من حقيقة بسيطة لكنها أساسية: قدرة الإنسان على احتمال وقائع الحياة ليست غير محدودة. فنحن نواجه أحداثاً تثير فينا مشاعر أشدّ من طاقتنا الراهنة، ويلجأ الذهن إلى الدفاع للابتعاد عن هذه التجارب. ويميّز قرباني بين الألم الناجم عن الواقع والمعاناة التي تشتدّ بفعل الفرار من المشاعر والدفاع إزاء الواقع، ويعدّ الفقد والمرض والموت من آلام الحياة التي لا مفرّ منها.[5]
وأهمية هذا التمييز للحِداد أنه يتيح الفصل بين سؤالين:
السؤال الأول: «ماذا حدث؟» وقد يكون الجواب: «عزيزي قد مات». وهذا الجزء من الواقع غير قابل للتغيير.
والسؤال الثاني: «ماذا يفعل ذهني ونفسي بهذا الواقع؟» فالذهن يستطيع أن ينفي الواقع مراراً، وأن يفرّ من كل مثير يذكّر بالمتوفّى، أو على العكس أن يقع أسير صور الفقد وذكرياته. ويستطيع ألّا يقبل الغضب؛ لأنّ الفرد يتصوّر أنه «لا ينبغي أن يغضب من إنسان مات». ويستطيع أن يلقي بالصور كلها كي لا يبقى شيء يذكّر بالمتوفّى، أو أن يُبقي غرفته سنوات كما هي لم تُمَسّ؛ لأنّ أيّ تغيير صغير يُعاش بوصفه قبولاً نهائياً بعدم وجوده.
وتؤكد أدبيات تنظيم الانفعال في الحِداد جانباً من هذا الحدس. فقد فحصت المراجعة المنهجية لإيسما وستروبه 64 دراسة بمجموع 7715 ثكلان، وانتهت إلى أدلة قوية نسبياً على دور التجنّب التجريبي والاجترار الفكري في استمرار ردود فعل الحِداد المعقّد. ويشير التجنّب التجريبي إلى محاولة الهروب من التجارب الداخلية غير السارّة، كالشعور أو الفكرة أو الذكرى، أو التحكّم فيها أو كبتها.
غير أنه لا ينبغي أن يُستنتج من هذه النتيجة أنّ الثكلان، كلما ابتعد عن التفكير في المتوفّى، يؤذي نفسه. فهذا الفهم لا ينسجم مع نموذج العملية المزدوجة. ففي ذلك النموذج تُعدّ «استراحة من الحِداد» والانشغال بالمهام الترميمية جزءاً من التكيّف. وتنشأ المشكلة حين يتحوّل التجنّب إلى نمط جامد وغالب؛ أي حين لا يعود الشخص قادراً على الاقتراب من تجربة الفقد عند الحاجة؛ ولهذا يمكن صياغة تمييز قرباني بتعديل نظري: المعاناة المستمرة قد تشتدّ لا بمجرّد الابتعاد عن الألم، بل حين لا يكون أمام الفرد سبيل سوى الفرار منه. فأحياناً يكون الابتعاد عن الأسى رعايةً للنفس، وأحياناً يصبح تحوّل المسافة إلى السبيل الوحيد للعيش هو المشكلة.
ب) لماذا ينتظر الجسد:
من أسرار ألم الحِداد أنّ وعينا المعرفي يقبل واقع الفقد عادةً قبل المنظومات الأعمق في النفس والجسد. فالشخص يعلم أنّ زوجته ماتت، لكنه لحظةً، عند سماع صوت المفتاح في الباب، ينتظر دخولها. ويعلم أنّ أمّه لم تعد حيّة، لكنه إذا بلغه خبر مهم مدّ يده إلى الهاتف ليتصل بها. وهذه اللحظات ليست بالضرورة علامة على إنكار مرضي، بل تُظهر أنّ العلاقة بالآخر لم تُخزَّن على مستوى القضايا المنطقية فحسب.
لقد تعلّمنا حضور الأشخاص المهمّين في عاداتنا وتوقّعاتنا وحركات أجسادنا ومسارات انتباهنا وأنماط حياتنا اليومية. ولهذا السبب ليس الفقد مجرّد خبر، بل هو نوع من «إعادة تعلّم العالم». فعلى الفرد أن يتعلّم مراراً، في مواقف مختلفة، أنّ التوقعات القديمة في العالم الجديد لم تعد تلقى جواباً. والضغط من أجل «قبول» الموت، إن أغفل هذه الطبقات من التعلّم، قد يبسّط تجربة الثكلان.
ج) الألم ليس بالضرورة علماً مرضياً:
في هذه النقطة ينبغي تجنّب أحد أهمّ الأخطاء: «مساواة الألم الشديد بالمرض النفسي». فإن كان إنسان، بعد موت شخص بالغ الأهمية في حياته، يعاني زمناً من اضطراب النوم أو البكاء الشديد أو ضعف التركيز أو العزوف عن الأنشطة اليومية، فلا يمكن عدّ هذه الأعراض مرضاً من دون النظر إلى المدة والشدة ومقدار اختلال الأداء. ومن أسباب أهمية عمل بونانو أنه بيّن أنّ غياب فترة طويلة من «عمل الحِداد» الشديد لا يعني بالضرورة الكبت، وأنّ وجود الألم بدوره لا يُعدّ في ذاته اضطراباً.
ولذلك ينبغي ألّا تتحول «مواجهة الألم» إلى تكليف آخر نضعه على كاهل الثكلان. فليس على الشخص، كي يثبت سلامته النفسية، أن يقترب باستمرار من صور الموت أو أن يولّد انفعالات شديدة. والأصل هو المرونة: القدرة على الاقتراب حين تحتاج التجربة إلى أن تُرى، والقدرة على الابتعاد حين تتطلّب الحياة انتباهاً.
د) النتيجة الأولى: الحِداد قبل المعنى جسدٌ وإحساس:
إذا أخذنا هذا القسم بجدّية، خرجنا بنتيجة مهمة: لعلّ من أخطائنا أننا نحوّل الحِداد سريعاً جداً إلى مسألة «معنى». فحين يكون فرد قد فقد زوجه منذ مدة قصيرة، وما زال يستيقظ كل صباح على صدمة غيابه، فإنّ سؤال «أيّ معنى لهذا الفقد في نموّك؟» قد لا يكون غير نافع فحسب، بل نوعاً من الضغط المفهومي. وفي هذه المرحلة قد تكون المسألة الرئيسة: هل يستطيع الشخص أن يبقى إلى جانب الاشتياق من دون أن يضطر إلى الفرار ومن دون أن يغرق فيه؟ وقبل أن يتمكّن الذهن من إعادة تفسير العالم، ينبغي أحياناً أن يُسمح له بأن يشعر بالواقع.
إذا كانت الطبقة الأولى من الحِداد تتعلق بعلاقة الفرد بواقع الفقد، فإنّ الطبقة الثانية تتعلق بعلاقته بالعلاقة نفسها. ففي هامش الصفحة 170 من كتاب «الأرض من نافذة السماء» يقدّم مصطفى ملكيان تقسيماً موجزاً له طاقة تحليلية ملحوظة من حيث علم نفس الحِداد؛ إذ يقول إنه يمكن في موت الأحبّة مواجهة ثلاثة غموم: «غمّ الفقد» و«الندم على التقصير في أداء الواجب الأخلاقي تجاه الفقيد» و«حسرة الفرص التي كان بوسعنا أن نحظى بها معه وفقدناها».[6]
وقيمة هذا التقسيم أنه يفصل بين ثلاث تجارب تُسمّى كلها في اللغة اليومية «حزناً». فـ«اشتقتُ إلى أمي» لا تساوي «ليتني لم أصرخ في وجهها ذلك اليوم»، ولا واحدة منهما تتطابق تماماً مع «ليتنا سافرنا معاً مرة أخرى». ففي الأولى تكون المسألة هي الغياب، وفي الثانية تكون المسألة أنا ومسؤوليتي، وفي الثالثة تكون المسألة ما كان يمكن أن يكون لكنه لن يكون أبداً.
وفي هذه المقالة تُستعمل لفظة «الضمير» لتسمية هذه الطبقة؛ لا بمعنى أنّ المشاعر كلها بعد الفقد أخلاقية بالضرورة، بل لأنّ الموت يحوّل العلاقة أحياناً إلى ساحة نوع من المحاسبة. فحين يكون الآخر حيّاً نتصوّر أنّ الوقت ما زال باقياً: يمكننا أن نعتذر، ونسافر العام القادم، ونتصل غداً، أو نقول «أحبّك» في موقف أنسب؛ والموت يغلق هذا الإمكان، إمكان «لاحقاً»، فجأة، وإغلاق «لاحقاً» من أقسى خصائص الفقد.
أ) غمّ الفقد: ألم الغياب:
الغمّ الأول في تقسيم ملكيان هو ما يتبادر إلى الذهن عموماً عند سماع لفظة «الحِداد»: ألم الغياب. فلم يعد ممكناً أن نرى الشخص أو نلمسه أو نحدّثه أو نحضر معه في مستقبل مشترك. ويرى ملكيان في النص نفسه أنّ هذا الغمّ يزول مع مرور الزمن؛ في حين قد يستمر الغمّان الآخران في إيذاء ضمير الفرد. وينبغي قبول هذا الجزء من دعواه بحذر؛ فالأبحاث المعاصرة لا تسمح لنا بالقول إنّ غمّ الفقد يتلاشى «حتماً» لدى الجميع. فمسارات الحِداد متفاوتة، وفي فئة من الأفراد قد يطول الاشتياق وكرب الفراق طولاً شديداً.
ومن ثَمّ فإنّ قيمة تقسيم ملكيان تكمن في التمييز بين أنواع الأسى أكثر مما تكمن في التنبؤ بمدّتها الزمنية. فقد يخفّ غمّ الفقد دون أن يزول تماماً؛ بل قد يعيد رائحةٌ أو لحنٌ أو شارعٌ، بعد سنين، ذلك الاشتياق القديم نفسه لبضع دقائق. وانحسار شدّة الحِداد ليس بالضرورة محواً للعلاقة، وقد يكون علامة على تحوّل صورتها.
ب) الغمّ الثاني: الندم الأخلاقي وظهور المحكمة الداخلية:
النوع الثاني من الغمّ عند ملكيان هو الندم الناشئ عن التقصير الأخلاقي. وهذا الغمّ ليس من جنس «غيابك»؛ بل من جنس «ما فعلتُه معك أو لم أفعله». ففي الحِداد يرتدّ الزمن أحياناً على نحو غريب. إذ يعيد الذهن فتح مشهد من سنين خلت، ويحاكمه هذه المرة بمعرفة لم تكن متاحة له يومها: لماذا لم أكن إلى جانبه أكثر؟ لماذا حسبتُ، حين كان مريضاً، أنه يبالغ؟ لماذا لم أردّ على مكالمته الأخيرة؟ لماذا قلتُ ذلك الكلام؟
والشعور بالذنب في الحِداد ظاهرة معروفة. فقد بيّنت مراجعة لي وستروبه وتشان وتشاو، شملت 34 دراسة كمّية و9 دراسات كيفية، أنّ الذنب المرتبط بالحِداد شائع في بعض فئات الثكلى، ويرتبط بنتائج سلبية على الصحة النفسية. كما بحثت دراسة أوسع علاقة الذنب بالحِداد المعقّد والاكتئاب؛ ومع ذلك فإنّ «الذنب» ليس بناءً واحداً، ولا ينبغي اختزال كل «ليت...» في ذنب مرضي.
وفي دراسة طولية ميّز ستروبه وزملاؤه بين لوم الذات والندم. وأظهرت النتائج أنّ الأمرين لا يفضيان بالضرورة إلى النتائج نفسها، وأنّ لوم الذات يرتبط ارتباطاً أكثر مباشرةً بشدّة الحِداد. وهذه النتيجة تذكّرنا بأنّ جملة «ليتني كنتُ أراه أكثر» قد تكون تعبيراً عن قيمة العلاقة لا اعترافاً بجُرم. وتتعقّد المسألة حين لا يميّز المرء بين «لم أكن كاملاً» و«أنا المسؤول عن موته أو معاناته».
فالموت يسلب إمكان التصحيح المباشر للعلاقة، وهذا بذاته قد يدفع الذهن إلى إعادة بناء الماضي بلا نهاية: لو أخذتُه إلى المستشفى ذلك اليوم؛ لو وجدتُ دواءً آخر؛ لو لم نتجادل؛ لو أحببتُه أكثر، وهكذا....
وبنية هذه الجمل كلها محاولةٌ لبناء نسخة بديلة من ماضٍ لم يعد قابلاً للتغيير. وأحياناً يحفظ الشعور بالذنب، على ألمه، وهماً بالتحكّم أيضاً: فالاعتقاد بأنّ «ربما كنتُ أستطيع إنقاذه» أهون احتمالاً لدى بعض الأذهان من قبول أنّ «سيطرتي كانت محدودة».
ج) الغمّ الثالث: الحسرة والحِداد على المستقبلات التي لم تقع:
أما الغمّ الثالث الذي يتحدّث عنه ملكيان فهو أكثر تعقيداً من الناحية الوجودية: حسرة الفرص التي لن تتحقق أبداً. فالحِداد ليس على الماضي وحده؛ بل نحن نحزن على المستقبل أيضاً. فالوالد الذي يفقد ابنه الشاب لا يحزن فقط على السنوات التي قضاها معه؛ بل يحزن كذلك على حفل التخرّج الذي لن يشهده، والزواج الذي لن يتمّ، والحفيد الذي ربما لن يولد، وعلى كل «الاحتمالات» التي كان قد بناها لمستقبل ذلك الابن. والزوج أو الزوجة الثكلى لم يفقد ذكريات الرحلات الماضية فحسب؛ بل فقد أيضاً رحلات كان مقرراً أن تتمّ بعد عشر سنين؛ فالموت لا يغلق حياة واحدة قائمة بالفعل فحسب، بل مجموعةً من الحيوات الممكنة.
والبحث في «العمل غير المكتمل» مع المتوفّى يقترب من هذا المجال. فقد ربط كلينغسبون وهولاند ونيمایر وليختنتال العمل غير المكتمل بقضايا علائقية ناقصة أو غير مقولة أو غير محسومة مع المتوفّى. وفي دراستهم على 224 من الثكلى، ارتبط وجود الضيق الناجم عن العمل غير المكتمل، ولا سيما شدّته، بنتائج أسوأ للحِداد. وفي بحث آخر على 229 من الثكلى، كان «الندم المرتبط بالحِداد» و«العمل غير المكتمل» متداخلين لكنهما متمايزان، وأظهر الضيق الناجم عن العمل غير المكتمل علاقة قوية بأعراض الحِداد المعقّد.
وهذه النتائج توسّع تقسيم ملكيان. فليست كل «ليتيّات» الحِداد أخلاقية؛ فـ«ليتني كنتُ ألطف» قد تكون ندماً أخلاقياً، أما «ليتنا سافرنا معاً مرة أخرى» فليست ذنباً بالضرورة، بل هي حِداد على إمكان ضائع، والتعامل مع الأمرين ليس واحداً: فالندم الأخلاقي قد يحتاج إلى مراجعة واقعية للمسؤولية وإلى مسامحة الذات، وحسرة المستقبل الذي لم يتحقق قد تحتاج قبل كل شيء إلى الحِداد على ذلك المستقبل نفسه.
د) لماذا «الضمير»؟
للفظة «الضمير» في هذه المقالة معنى أوسع من «الشعور بالذنب». فالضمير هو الموضع الذي تُقيَّم فيه العلاقة من جديد بعد موت الآخر: من كنتُ أنا بالنسبة إليه؟ ومن كان هو بالنسبة إليّ؟ ما الذي اكتمل بيننا؟ وما الذي بقي ناقصاً؟ أين آذيتُه؟ وأين بخلتُ عليه بحبّي؟ وأيّ إمكانات أُغلقت إلى الأبد؟
ففي حياة الآخر تجري العلاقة، وكثير من هذه الأسئلة لا يُرى في زحمة الأيام؛ والموت يوقف الجريان، وهذا التوقّف يجعل بنية العلاقة مرئية فجأة.
وفي كثير من حالات الحِداد لا يحزن المرء على «الشخص» وحده؛ بل يحزن أيضاً على نسخة من نفسه في تلك العلاقة؛ فالمرأة التي فقدت زوجها قد تحزن كذلك على المرأة التي كانتها في حضوره. والابن الذي فقد أمّه قد يحزن على الجزء من ذاته الذي لم يكن يظهر إلا في حواره مع أمّه. وموت الآخر يكسر أحياناً إحدى المرايا التي كنا نرى أنفسنا فيها.
هـ) الحدّ الفاصل بين المسؤولية وتعذيب الذات:
هنا ينبغي التفريق بين المسؤولية الأخلاقية والإدانة الأبدية. فقد يكون المرء قد أخطأ فعلاً في العلاقة. وليس الحِداد معنياً بمحو الواقع الأخلاقي، ولا بأن ينتهي دائماً بعبارة «لم يكن لك أيّ ذنب». فمثل هذه العبارة ليست صادقة في كل الأحوال. إنّ الناس يؤذي بعضهم بعضاً، ويضيّعون الفرص، وقد لا يدركون قيمة العلاقة إلا حين يفوت إمكان الإصلاح المباشر.
لكنّ السؤال البنّاء ليس «كيف أعاقب نفسي ما بقي من عمري؟» بل «بالمعرفة التي حصّلتُها الآن من هذه العلاقة، كيف أعيش؟» وعند هذه النقطة يظهر المعنى رويداً رويداً، لكنه لا يعني بعدُ العثور على «سبب الموت». فلعلّ المعنى الأخلاقي للحِداد ليس أن نعرف لماذا مات، بل أن نسأل: «كيف ينبغي لموته أن يغيّر طريقة علاقتي بالأحياء؟» فمن يتألّم لأنّ محبّته بقيت غير مقولة لا يستطيع تغيير الماضي، لكنّ هذا الوعي قد يجعله إنساناً يؤجّل الحبّ أقلّ في علاقاته اللاحقة؛ وعندئذ يتحوّل الندم من «سجن» إلى «مسؤولية».
إذا كان «الألم» يتعلق بالتماس مع واقع الفقد، و«الضمير» بالحساب غير المكتمل للعلاقة، فإنّ الطبقة الثالثة تبدأ حين لا يبقى الموت حادثاً شخصياً فحسب، بل يصير ثغرة في فهمنا للحياة نفسها.
تتناول آذرخش مكري، في مراجعتها لكتاب «Awe» لداكر كلتنر، جزءاً شخصياً مهماً من الكتاب: مرض أخي كلتنر الأصغر (رولف) وموته، وكون كلتنر نفسه، عند مواجهة نهاية حياة أخيه، يروي، إلى جانب الحزن والقلق، تجربة دهشة إزاء الحياة والموت. بل إنّ مكري تصف الكتاب إلى حدّ ما بأنه مزيج من البحث العلمي والحِداد الشخصي لكلتنر.[7]
وقد تبدو هذه الفكرة غريبة للوهلة الأولى؛ فكيف يمكن ربط الموت بـ«الدهشة» دون تحويل ألمه إلى مادة رومانسية؟ والجواب كامن في التعريف العلمي لـ awe. فقد عدّ كلتنر وهايت في مقالتهما الكلاسيكية مكوّنين أساسيين للدهشة: «مواجهة ضرب من العظمة» و«الحاجة إلى التلاؤم المعرفي»؛ أي تجربة لا تكفي الأطر الذهنية الراهنة لفهمها، فيضطر الفرد إلى توسيع بناه الذهنية أو تغييرها.
وهذا التعريف ينسجم مع بعض تجارب الحِداد. فموت من نحبّ أعظم أحياناً من أن تستوعبه مخطّطاتنا اليومية؛ كان بالأمس إنساناً واليوم لم يعد! ويستطيع الذهن أن يشرح طبياً أنّ القلب توقّف أو أنّ النشاط الدماغي انتهى، لكنّ هذه التفسيرات لا تحلّ بالضرورة السؤال الوجودي: ما كان هذا «الكون» الذي لم يعد الآن؟ وما حال علاقة لا تزال حيّة فيّ مع من لم يعد له حضور جسدي؟ وكيف يمكن للعالم أن يمضي على عادته بينما عالمي الشخصي قد تحوّل؟
وهنا ينبغي إبقاء حدّ علمي واضحاً: إنّ الأدلة المباشرة الواسعة على «الدهشة في الحِداد» ليست بمقدار أدبيات التجنّب التجريبي أو ذنب الحِداد. فهذا الربط يستند، أكثر ما يستند، إلى سرد كلتنر لحِداده على أخيه، وتحليل مكري له، والبحث الأعمّ في بنية الانفعال (awe) ووظيفته؛ ولذلك لا ينبغي أن يُستنتج من هذا القسم أنّ الدهشة مرحلة كونية أو نتيجة شائعة وضرورية للحِداد. فهذا المجال إمكان لا قاعدة.
أ) الدهشة ليست بالضرورة انفعالاً إيجابياً:
من سوء الفهم المحتمل أن نعدّ الدهشة شعوراً جميلاً أو هادئاً أو روحياً يعوّض ألم الحِداد، لكنّ نموذج كلتنر وهايت يبيّن أنّ awe قد تقترن أيضاً بالتهديد والخوف. وتؤكد مكري كذلك في شرحها لكتاب كلتنر أنّ الدهشة ليست إيجابية تماماً دائماً، وأنّ بعض الناس يختبرون عند مواجهة العظمة أو الموت قلقاً ورهبة.[8]
فالصيغة الأدقّ للدعوى إذن هي: إنّ الموت يولّد لدى بعض الناس، فضلاً عن الأسى، تجربةً من قصور أطر الفهم المعتادة، وقد يُعاش هذا الانفتاح المعرفي ـ العاطفي في صورة دهشة أو خوف أو إحساس بالغموض أو سؤال وجودي. وهذه التجربة ليست بالضرورة سارّة، ولا تفضي بالضرورة إلى النموّ، وليست رخصةً لتجميل الألم.
ب) حين يجعل موتُ الآخر موتَ المرء نفسه حقيقياً:
نعلم منذ الطفولة أنّ الناس يموتون، لكنّ معرفة قضية «الجميع يموتون» بعيدة كل البعد عن المواجهة الوجودية مع الموت. فموت شخص قريب قد يحوّل هذه المعرفة المجرّدة فجأة إلى معرفة جسدية. فإن كان أبي، الذي كان يوماً رمزاً للثبات، يمكن أن يُمحى من العالم، فإنّ الثبات الذي نسبتُه إلى العالم ليس مطلقاً. وإن مات صديق في مثل سنّي فجأة، فلم يعد الموت حدثاً يخصّ «المستقبل البعيد جداً».
وقد دُرس الوعي بالموت في علم النفس الاجتماعي كذلك في إطار أبحاث «بروز الموت». وقد اختبر نيما قرباني وزملاؤه، في دراسة إيرانية، أثر إبراز الموت في تقدير الذات، ولم تُظهر نتيجتهم فرقاً دالاً في تقدير الذات بين المجموعتين التجريبية والضابطة، وناقش الباحثون أنفسهم النتيجة في ضوء البنية الثقافية والشخصية للعيّنة. وأهمية هذه الدراسة للبحث الحاضر ليست في إثبات أثر بعينه، بل في إظهار أنّ الاستجابة لتذكير الموت تتوقّف على السياق والفرد، وأنه لا ينبغي تصوّرها خطية وكونية.
وتجربة الحِداد، بطبيعة الحال، أغنى بكثير من تلاعب مخبري بالموت. ففي الحِداد يدخل الموت عالمَ الفرد لا في صورة لفظ أو سؤال، بل بوجه إنساني، وهذه التجربة نفسها قد تغيّر الأولويات عند بعض الأشخاص؛ فتصغر أشياء كانت تبدو بالغة الأهمية، وتكتسب أمور بسيطة كالحضور والعلاقة والزمن وزناً جديداً؛ ومع ذلك فهذا التغيّر ليس ضرورة. فقد يجعل الفقدُ الإنسانَ أشدّ قلقاً أو أكثر مرارة أو أبعد عن المعنى. والنموّ بعد الألم ليس تكليفاً على الثكلان.
ج) الدهشة ومسألة المعنى:
رأت الأبحاث الحديثة في الدهشة أحد الانفعالات المرتبطة بالقوة بصناعة المعنى. فقد بيّن يوان ودو وجيانغ في ست دراسات بمجموع 1115 مشاركاً أنّ علاقة الدهشة بمعنى الحياة ليست بسيطة ولا مباشرة، لكنّ الدهشة قد ترتبط بزيادة الإحساس بالمعنى عبر مسارات مثل النزوع إلى «الذات الأصيلة». وكانت الآثار كذلك معتمدة على الخصائص الفردية. وهذا الاحتراز البحثي مهم للحِداد: «الدهشة» لا تساوي «المعنى»؛ و«الموت» لا يساوي «النموّ»؛ و«الألم» لا يساوي «التسامي».
وعند هذه النقطة يمكن وضع بحث الدهشة إلى جانب نموذج صيانة المعنى لدى هاينه وبروليكس وفوس. ويؤكد هذا النموذج حاجة الإنسان إلى اختبار العالم في صورة علاقات وتوقعات مفهومة. وحين يتعرّض الاتساق المعنوي للتهديد، يستطيع الذهن، لاستعادة النظام، أن يلجأ إلى إعادة تأكيد المعنى في المجال نفسه أو في مجال آخر؛ وهي عملية سمّاها المؤلفون «التعويض المرن». والموت، ولا سيما حين يُعاش في غير أوانه أو بوصفه غير مفهوم، قد يولّد مثل هذا التهديد.
وقد عرّفت آذرخش مكري أيضاً، في برنامج «كتاب العثور على المعنى»، بكتاب ستيفن هاينه الجديد (Start Making Sense)؛ وهو كتاب يبسط بلغة أقرب إلى الجمهور العام مشروع هاينه الممتد عقوداً حول حاجة الإنسان إلى المعنى.[9] وأهمية هذا المصدر للمقالة الحاضرة أنه يرى المعنى لا مجرّد جواب فلسفي عن «غاية الحياة»، بل عملية نفسية لبناء الاتساق بين الذات والحدث والعالم.
د) هل يجب أن نجد معنى للموت؟
في هذه المرحلة ينبغي طرح سؤال نقدي: هل يجب أن يكون لكل موت معنى؟ جواب هذه المقالة بالنفي. فمن مخاطر خطاب المعنى أن يشعر الثكلان بأنه إن لم يستطع أن يجد لموت عزيزه سبباً أو رسالة أو نتيجة إيجابية، فإنه لم يجتز عملية الحِداد على الوجه الصحيح؛ غير أنّ تمييز بارك بين محاولة صناعة المعنى والمعنى المصنوع يُظهر أنّ مجرد البحث المكثّف عن المعنى لا يقترن دائماً بتكيّف أفضل.
وقد تكون أسلم عبارة في بعض الأحيان: «لا أعرف لماذا حدث هذا» أو «لا أستطيع أن أجد تبريراً لهذا الموت». وهذه العبارات ليست إخفاقاً، بل قد تكون صوراً من الصدق الوجودي. ولعلّ المعنى الذي يتشكّل في النهاية ليس «معنى الموت»، بل معنى الحياة بعد موت الآخر. فقد لا يجيب المرء أبداً عن سؤال لماذا مات ابنه، لكنه يفهم تدريجياً كيف يريد الآن أن يعيش في عالم لا ابنَ له فيه. وهذا الفرق جوهري: فنحن لا نجعل الموت ذا معنى بالضرورة؛ بل نجعل الحياة بعده، أحياناً، قابلة للعيش من جديد فحسب.
بعد دراسة المجالات الثلاثة المختلفة يمكن الآن وضعها في إطار واحد؛ مع التنبيه إلى أنّ هذا الإطار ليس نموذجاً تجريبياً مُختبَراً، بل هو الصياغة النظرية المقترحة لهذه المقالة. وهذه المجالات الثلاثة ليست مراحل بالضرورة، وليس مطلوباً من الفرد أن «ينهي» الألم أولاً ثم يدخل الضمير ثم يبلغ الدهشة في النهاية. فقد تظهر الثلاثة في يوم واحد أو حتى في ساعة واحدة: في الصباح «ألم الغياب»، وفي الظهيرة «عذاب ذكرى»، وفي الليل «سؤال عن كيف يكون الموت ممكناً؟» ولذلك ينبغي النظر إلى «الألم ـ الضمير ـ الدهشة» لا بوصفها سلّماً ذا ثلاث درجات، بل بوصفها ثلاثة محاور للتجربة قد تنشط في وقت واحد، وتتغيّر شدّتها بمرور الزمن، أو لا يبرز أحدها أصلاً عند الفرد.
أ) المحور الأول: أنا والواقع:
تتعلق طبقة الألم بعلاقة «الأنا» بواقع الفقد. فقد وقع واقع لا يتّفق مع إرادتي: أردتُه أن يبقى فلم يبقَ؛ وأردتُ للمرض أن يُشفى فلم يُشفَ؛ وأردتُ أن أراه مرة أخرى فلم يتيسّر. وفي هذا المستوى تكون المسألة الأساسية هي التماس مع ما لا يتغيّر. وتوضّح هذا الجزء تمييزات قرباني بين ألم الواقع والدفاع إزاءه، مع الأدلة المتعلقة بالتجنّب التجريبي.[10] ومبدأ السلامة في هذا المحور ليس المواجهة الدائمة، بل المرونة في الاقتراب والابتعاد.
ب) المحور الثاني: أنا وأنت:
تتعلق طبقة الضمير بعلاقة «الأنا» و«الأنت». والسؤال هنا لم يعد فقط «كيف أحتمل واقع الموت؟»؛ بل «ماذا جرى بيني وبينك؟» فالحبّ والغضب والتقصير والعرفان ونكران الجميل والكلمات غير المقولة والوعود التي لم تُنجَز والفرص الضائعة تُقيَّم من جديد. وتقسيم ملكيان مفيد في هذا المستوى؛ لأنه يفصل الندم الأخلاقي وحسرة الفرصة الضائعة عن الاشتياق المجرّد، وتبيّن أدبيات الذنب والعمل غير المكتمل أنّ هذا التمييز ذو دلالة من الناحية البحثية أيضاً.[11]
وفي هذا المحور قد تكون المسألة الرئيسة «إعادة بناء العلاقة»؛ لا إعادة الشخص وهو مستحيل، بل إيجاد صورة جديدة لعلاقة لم يعد في وسعها أن تكون خارجية ومتبادلة. وهنا تكتسب الذاكرة والقيم والحوار الداخلي والروابط المتواصلة أهميتها.
ج) المحور الثالث: أنا والوجود:
تتعلق طبقة الدهشة بعلاقة «الأنا» بالعالم. فالموت لا يكسر أحياناً علاقة واحدة فقط؛ بل يزعزع بنية فهمنا للوجود. وتتخذ الأسئلة شكلاً آخر: أيّ مكان هو العالم حتى يكون مثل هذا الفقد ممكناً فيه؟ ما الزمن؟ إن كان كل شيء متناهياً فأيّ شيء له قيمة؟ ماذا أفعل أنا بمحدودية عمري؟
وفي هذا المستوى تكتسب قراءة مكري لكلتنر والنماذج النفسية للمعنى أهميتها.[12] وقد يظهر المعنى هنا، لكن لا بوصفه أمراً، بل بوصفه سؤالاً.
ولعلّ هذه الدعوى هي أبرز وجوه تمايز الإطار الحاضر عن بعض القراءات المتطرفة المتمحورة حول المعنى. فنظرية إعادة بناء المعنى تبيّن بحقّ أنّ الخسائر الكبرى قد تتحدّى المنظومة المعنوية للإنسان، لكن لا ينبغي أن يُستنتج من ذلك أنّ نواة كل تجربة حِداد هي «انهيار المعنى».[13]
تصوّر امرأة مسنّة تفقد زوجها المسنّ بعد عقود من الحياة المشتركة ومرض طويل؛ فقد تكون في حِداد عميق وتصارع لأشهر فراغَ الحياة المشتركة، لكنّ منظومتها المعنوية الأساسية عن العالم لم تنهَر. فموت زوجها مؤلم لها لكنه مفهوم؛ وفي المقابل، فإنّ الموت المفاجئ لطفل قد يكون للوالد لا مجرّد فقد، بل هجوماً على اعتقاده في العدالة والمستقبل ونظام العالم والهوية الشخصية.
ولا يمكن التمييز بين هاتين التجربتين بمجرّد «شدّة الحزن»؛ ففي الأولى قد تكون المسألة الغالبة ألم الفراق، وفي الثانية يمتزج الألم بأزمة المعنى؛ ولذلك فلعلّ السؤال البحثي والسريري الأفضل ليس «ما معنى هذا الحِداد؟» بل: «ما الذي كسره هذا الفقد بالضبط في عالم هذا الفرد؟» فعند واحد العادة، وعند آخر الهوية، وعند ثالث الضمير، وعند رابع الثقة بالعالم، وعند فرد آخر لم ينكسر شيء من هذه بشدّة وهو في الأغلب مشتاق.
إنّ الثقافة المعاصرة قلقة في الغالب إزاء الألم، ونحن نريد أن نجد له سريعاً تفسيراً أو تقنية أو علاجاً أو درساً، ويُرى هذا التعجّل في مواجهة الحِداد أيضاً. فبعد الموت بقليل يقول المحيطون: «كن قوياً!» و«الحياة تستمر!» و«هو لا يريد أن يراك هكذا!» و«لا بدّ أنّ فيه حكمة!» أو «عليك أن تعيش من أجل الآخرين». والقاسم المشترك بين كثير من هذه الجمل عجز القائل عن احتمال بقاء الألم بلا جواب؛ في حين أنّ الحِداد يحتاج أحياناً إلى زمن لا يمكن فيه بعدُ أيّ حصيلة.
ومن هذه الجهة يمكن لنموذج الألم ـ الضمير ـ الدهشة أن يحول دون صناعة المعنى المبكّرة. فإذا عرفنا أنّ المجال الأول قد يكون مجرّد تماس مع الألم، سمحنا للفرد بأن يختبر «اللاعلم» لبعض الوقت. ثم قد تُطرح لاحقاً المسألة الأخلاقية للعلاقة، وبعدها ربما يظهر سؤال معنى الحياة أو ربما لا يظهر أبداً. وليس من الضروري أن يتحوّل كل إنسان ثكلان إلى فيلسوف للموت.
وهذه النقطة مهمة من منظور أخلاق العناية: فلا ينبغي أن نستغلّ ألم إنسان آخر لصياغة رواية نفضّلها نحن. فإن كنا نعتقد أنّ «لكل ألم حكمة»، فهذا الاعتقاد يخصّنا نحن، لا بالضرورة من دفن عزيزاً.
إذا لم يكن «المعنى» موضوع المقالة الرئيس، فلماذا ينبغي أن يدخل في البحث؟ لأنّ هذا السؤال يظهر، عاجلاً أو آجلاً، في بعض حالات الحِداد. فآذرخش مكري، في حلقة «السعادة والرضا ومعنى الحياة»، تفصل بين ثلاثة مفاهيم: السعادة أو الانفعال الإيجابي، والرضا عن الحياة، والإحساس بالمعنى والغائية. والنقطة المهمة أنّ هذه الثلاثة يمكن قياسها على نحو منفصل، وأنها لا تتطابق بالضرورة.[14] وهذا التمييز بالغ الأهمية للحِداد.
فإذا ساوينا بين إعادة بناء المعنى و«أن يصير المرء سعيداً»، تصوّر الثكلان أنه قد أخفق كلما حزن من جديد؛ غير أنّ الإنسان يستطيع أن يبكي المتوفّى وتكون حياته، مع ذلك، ذات وجهة، ويستطيع أن يشتاق وأن يعيش حياة ذات معنى. وعند هذه النقطة بالذات يتخذ المعنى صورة أدقّ: فلعلّ المعنى ليس جواباً عن سؤال «لماذا مات؟»؛ بل قد يكون جواباً عن سؤال «ما دام قد مات، فمن أجل أيّ شيء أريد الآن أن أبقى حيّاً؟» فالسؤال الأول قد لا يجد جواباً أبداً، أما الثاني فما زال في نطاق اختيار الإنسان الحيّ.
أ) المعنى بوصفه وجهةً لا تبريراً:
إذا عددنا المعنى «تبريراً للموت»، وصلت خسائر كثيرة إلى طريق مسدود. فأيّ تبرير يمكنه أن يجعل موت طفل في غير أوانه أمراً مُرضياً؟ أما إذا عددنا المعنى «وجهة للحياة بعد الفقد»، انفتح إمكان آخر. فقد يغيّر المرء طريقته في الحبّ؛ ويواصل عملاً كان المتوفّى يراه ذا قيمة؛ ويعمّق علاقته بالأحياء؛ أو لا يقيم مشروعاً كبيراً ويتعلّم فقط أن يعدّ حضور الناس أقلّ بداهةً.
وليس المعنى دائماً إنشاء مؤسسة خيرية أو تأليف كتاب عن المتوفّى؛ فالمعنى أحياناً هو ببساطة أن يقرّر الإنسان، بعد مواجهة النهاية، أن يعيش حياته اليومية بانتباه أكبر.
ب) خطر تحويل الحِداد إلى بطولة:
يحبّ المجتمع قصص الذين أنجزوا، بعد موت عزيز، عملاً عظيماً وحوّلوا ألمهم إلى نجاح؛ غير أنّ هذه الرواية قد تُنشئ، من غير قصد، معياراً جديداً للحِداد؛ كأنّ الفرد إذا لم يصبح بعد الفقد أقوى أو أعمق أو أنجح، فقد فوّت فرصة النموّ. وتذكّرنا الأبحاث المتعلقة بتنوّع مسارات الحِداد بأنه ليس ثمة مسار واحد هو معيار السلامة. فقد يكون إنجاز المرء الكبير، أحياناً، أن ينهض من فراشه صباحاً، أو أن يطهو الطعام من جديد، أو أن يعود إلى عمله، أو أن يضحك للمرة الأولى من غير أن يشعر بخيانة المتوفّى؛ وهذه ليست أموراً هيّنة.
من بين الطبقات الثلاث المقترحة، لعلّ طبقة الضمير تتيح إمكاناً خاصاً للربط بين فلسفة الأخلاق وعلم النفس. فإذا تحوّل الندم إلى مجرّد لوم للذات، سجن الفرد في الماضي؛ أما إذا استُخرج منه سؤال للحياة الحاضرة، نشأ إمكان التحوّل الأخلاقي.
ويخصّص ملكيان، في محاضرته «من الألم إلى المعنى»، قسماً لطرائق إضفاء المعنى على الألم. وتصوغ النسخة الصوتية الرسمية لهذه المحاضرة، التي أُلقيت في 28 آذر 1404 في مؤتمر لدعم مرضى السرطان، «ثلاث طرائق لإضفاء المعنى على الألم» بوصفها التعليم الثاني عشر، ابتداءً من الدقيقة 25:46.[15] وهذا البحث ليس بالضرورة عن حِداد موت العزيز، لكنّ له طاقة مفهومية لتحويل الندم والألم إلى وجهة أخلاقية في الحياة بعد الفقد.
ومن غير أن نعدّ كل ألم ذا معنى، يمكن أن نسأل: هل يستطيع الحِداد أن يجعلنا أكثر حساسية تجاه العلاقات الحيّة؟ فمن ذاق ألم الفرصة الضائعة قد يؤجّل الحبّ إلى المستقبل أقلّ؛ ومن أدرك أنّ حواراً قد يكون هو الحوار الأخير قد يتكلّم بحذر أكبر قليلاً في خصوماته اللاحقة مع الأحياء؛ ومن يتألّم لأنّ اعتذاراً بقي غير مقول قد لا يؤجّل الاعتذار بعد ذلك إلى الغد.
وبهذا المعنى لا يعلّم الموتُ دروساً؛ بل الإنسان الحيّ هو الذي يتعلّم شيئاً من مواجهة الموت. فنحن لا نقول: «مات كي تصير أفضل!» فنجعل موت الآخر أداةً لنموّنا، بل نقول: «مات، وأنت الآن تعيش بمعرفة مؤلمة بمحدودية الزمن؛ فماذا ستفعل بهذه المعرفة؟» وهنا يتحوّل الحِداد من واقعة منفعلة إلى سؤال أخلاقي.
إذا عددنا العلاقة مجرّد صلة بين جسدين حيّين، فإنّ الموت ينهيها؛ لكنّ الراحلين، من الناحية النفسية، قد يظلّون حاضرين سنين في بنية اتخاذ القرار والهوية والحوار الداخلي للفرد. فقد يسأل المرء نفسه: «ماذا كان أبي سيقول لو كان حيّاً؟» أو «هل كانت أمي ستفرح بهذا القرار؟» أو «ماذا كان زوجي يحبّ أن أفعل؟» وهذه الأسئلة ليست أوهاماً بالضرورة؛ بل تدلّ على أنّ التمثّل النفسي للآخر ما زال جزءاً من بنية الفرد نفسه.
ويؤكد نيمایر، في مقاربته لإعادة بناء المعنى، إعادة ضبط العلاقة بالمتوفّى لا مجرّد حذفها. وفي إطار الألم ـ الضمير ـ الدهشة يمكن لهذا الرباط المتواصل أن يظهر في الطبقات الثلاث كلها: ففي الألم يظلّ الفرد مشتاقاً إلى الحضور الجسدي؛ وفي الضمير تتواصل الحوارات غير المكتملة مع الصورة الداخلية للمتوفّى؛ وفي الدهشة قد يعيد الشخص تعريف موضع الفقيد في القصة الأوسع لحياته.
فالتكيّف مع الحِداد، من هذا المنظور، قد لا يعني «انتهاء العلاقة»، بل تغيّر نوعها: من علاقة كانت تتلقّى جواباً من الخارج، إلى علاقة تتواصل الآن في الذاكرة والهوية والقيم والاختيارات.
لا يدّعي هذا النموذج أنه يحلّ محلّ النظريات القائمة، بل تكمن قيمته في التمييز في الأغلب:
أولاً، يفصل الألم عن المعنى: فللفرد الحقّ في أن يتألّم من غير أن يفكّر بعدُ في معناه.
ثانياً، يفصل غمّ الفقد عن المشاعر المتعلقة بتاريخ العلاقة: فالاشتياق والذنب والحسرة ليست شيئاً واحداً.
ثالثاً، يفصل المعنى عن الرضا والسعادة: فالحياة بعد الفقد يمكن أن يبقى فيها حزن وأن تكتسب وجهة في الوقت نفسه.
رابعاً، يُدخل الدهشة في البحث؛ وهي مجال كان أقلّ بروزاً في كثير من الروايات الشائعة عن الحِداد.
خامساً، يتيح الحديث عن الفروق بين الأفراد: فمحور الحِداد الرئيس عند شخص هو الألم، وعند آخر الضمير، وعند ثالث السؤال الوجودي.
ويمكن لهذا التمييز أن يكون مفيداً في العمل السريري أيضاً؛ لا بوصفه أداة تشخيصية مستقلة بطبيعة الحال. فإذا لم يتبيّن المعالج ما المسألة الغالبة عند الفرد، فقد يقدّم تدخلاً غير متناسب. فمن كانت مسألته الرئيسة الشعور بالذنب والعمل غير المكتمل لا يكفيه أن يُقال له فحسب: «اسمح لنفسك أن تشعر بحزنك!». ومن كان في صدمة الفقد حديثاً قد لا يناسبه نقاش فلسفي في معنى الموت، ومن كان يصارع الأسئلة الوجودية بعد سنين قد يغفل قصرُ التدخل على تنظيم الانفعال مسألتَه الرئيسة.
لا يكون التأليف النظري ذا قيمة إلا إذا اقترن بالنقد. ففي ما يخصّ نيما قرباني، التمييز بين ألم الواقع والمعاناة الناجمة عن الدفاع مفيد، لكن لا ينبغي عدّ الدفاع والتجنّب «اختياراً واعياً» دائماً. فكثير من الدفاعات لا تُختار عن وعي، وقد يكون لتاريخ التعلّق والتعلّم والصدمة وطاقة تنظيم الانفعال دخل فيها. كما يذكّرنا نموذج العملية المزدوجة بأنّ قدراً من الابتعاد عن الفقد جزء طبيعي من التكيّف.
وفي ما يخصّ مصطفى ملكيان، فإنّ التفريق بين الغموم الثلاثة مثمر من الناحية المفهومية، لكنّ الدعوى الزمنية القائلة إنّ غمّ الفقد يزول حتماً وإنّ الغمّين الآخرين يبقيان لا يمكن قبولها قاعدةً تجريبية. فالبحث في مسارات الحِداد يُظهر أنّ الاشتياق قد يصير مزمناً عند بعض الأفراد، وأنّ الندم ولوم الذات قد يتغيّران بمرور الزمن.
وفي ما يخصّ آذرخش مكري أيضاً ينبغي أن يكون واضحاً أنّ بحث الدهشة ليس نظريتها الخاصة في الحِداد. فمكري هنا مفسِّرة لكتاب داكر كلتنر وأبحاثه؛ ولذلك ينبغي أن يكون المرجع العلمي الرئيس لتعريف awe وبنيتها هو كلتنر وهايت والأبحاث ذات الصلة، وأن يُستعان بمكري بوصفها قراءة فارسية ورابطة بين ذلك وتجربة كلتنر في الحِداد.[16] يُضاف إلى ذلك أنّ الأدلة المباشرة على دور الدهشة في التكيّف مع الحِداد لم تبلغ بعدُ سعة مجالات كالتجنّب التجريبي أو ذنب الحِداد؛ ومن ثَمّ ينبغي عرض هذا القسم بوصفه أفقاً بحثياً وإمكاناً تأويلياً، لا نتيجة قاطعة.
إنّ موت عزيز لا يمحو شخصاً من عالمنا الخارجي فحسب، بل قد يغيّر صورة علاقتنا بالجسد والماضي والضمير والمستقبل، بل بالعالم أيضاً. فأحياناً يكون ما يبقى بعد الرحيل هو الألم: الألم البسيط الذي لا تفسير له لغياب من كان حضوره جزءاً من تنظيم حياتنا. وفي هذا المستوى لعلّ أهمّ ما ينبغي فعله ليس صناعة المعنى، بل القدرة على التماس مع واقع لا سبيل لنا إلى تغييره. وتذكّرنا تفرقة نيما قرباني بين ألم الواقع والدفاع، إلى جانب الأدلة المتعلقة بالتجنّب التجريبي، بأنّ نوعية علاقتنا بالألم قد تؤثّر في مسار الحِداد؛ من غير أن نساوي بين المواجهة السليمة والغرق الدائم في الأسى.
وأحياناً يكون ما يبقى هو الضمير. فالموت يوقف العلاقة، لكنه لا يغلق حسابها بالضرورة. فالجمل غير المقولة، والاعتذارات المؤجَّلة، ولحظات التقصير، والإمكانات التي لم تتحقق قط، قد تكتسب بعد الفقد قوة جديدة. وتمييز ملكيان بين غمّ الفقد والندم الأخلاقي وحسرة الفرص الضائعة، إذا فُصل عن دعواه الزمنية، يوفّر أداة مفهومية دقيقة لرؤية هذه الطبقة. كما يُظهر البحث في الذنب والندم والعمل غير المكتمل أنّ هذه التجارب لا ينبغي أن تُعدّ شيئاً واحداً مع الاشتياق البسيط.
وأحياناً أخرى يكون ما يبقى هو الدهشة. فموت الآخر قد يُحدث شرخاً في فهمنا المعتاد للعالم. وفجأة تتحوّل الأسئلة التي كانت تبدو بالأمس فلسفية وبعيدة إلى واقع شخصي: ما الكون؟ كم الزمن؟ إن كانت النهاية محتومة فأيّ شيء له قيمة؟ وتفتح قراءة آذرخش مكري لتجربة كلتنر نافذةً لرؤية هذا المجال الأقلّ بحثاً؛ وهو مجال قد يقترن فيه الحِداد بالخوف والإحساس بالغموض والحاجة إلى إعادة بناء إطار فهم العالم.
ومن هذه المجالات الثلاثة يمكن استخلاص نتيجة مهمة: ليس الحِداد بالضرورة بحثاً عن المعنى. فهو أحياناً ألمٌ فحسب؛ وأحياناً حسابٌ غير مكتمل لعلاقة؛ وأحياناً انهيار صورة كانت لنا عن المستقبل؛ وأحياناً، بعد هذا كله، يطلّ سؤال المعنى؛ ولذلك لا ينبغي أن يتحوّل إضفاء المعنى على الفقد إلى تكليف أخلاقي أو نفسي على الثكلان. فليس أيّ إنسان مُلزماً بأن يثبت أنه «تعلّم درساً» أو «نما» أو «صار أفضل» من موت عزيزه.
لكن قد يولد، في حينه، من رحم الفقد نفسه سؤال آخر: لا «لماذا كان عليه أن يموت؟» بل «الآن وقد علمتُ أنّ الناس يرحلون، كيف أريد أن أعيش مع من لا يزالون هنا؟» ولعلّ الحِداد عند هذه النقطة يبتعد عن محاولة حلّ لغز الموت ويتحوّل إلى ضرب من الوعي بالحياة: وعيٍ بأنّ الحبّ لا يمكن تأجيله إلى الغد إلى الأبد؛ وأنّ الاعتذار لا يمكن إيداعه مضموناً إلى الأسبوع القادم؛ وأنه لا لقاء بديهياً ولا علاقة بلا حدود.
ومحدودية الحياة لا تجعلها بلا معنى بالضرورة؛ بل لعلّها هي ما يمنح الحضور والعلاقة واختياراتنا ثقلها. والحِداد، بهذا المعنى، ليس مرضاً ينبغي التخلّص منه، ولا امتحاناً ينبغي الخروج منه مرفوع الرأس، ولا هو حتى رحلة نهايتها «القبول» بالضرورة. وقد يكون الحِداد اسماً لعملية يتعلّم فيها الإنسان أن يعيش في عالم لم يعد فيه أحدٌ، بينما أثر العلاقة به لا يزال متواصلاً في بنية وجوده.
المصادر
1. أميربيغي، محمود وقرباني، نيما وبشارت، محمد علي (2016)، مجلة العلوم النفسية، 14(56).
2. قرباني، نيما (2016، 17 يناير)، «الألم، أم المعاناة والعذاب؟»، الموقع الرسمي للدكتور نيما قرباني.
3. ملكيان، مصطفى (1397)، الأرض من نافذة السماء، طهران: سروش مولانا (ولا سيما هامش ص170).
4. ـــــــــ (1404، 28 آذر)، «من الألم إلى المعنى»، ملف صوتي لمحاضرة، القناة الرسمية لمصطفى ملكيان، مؤسسة فرزانه الثقافية.
5. مكري، آذرخش (1400، دي)، «في وقت معرفة الذات 8: السعادة والرضا ومعنى الحياة»، البودكاست رقم 295، الموقع الرسمي.
6. ـــــــــ (1402، فروردين)، «مراجعة كتاب الدهشة لداكر كلتنر، الجزء الأول»، البودكاست رقم 339، الموقع الرسمي.
7. ـــــــــ (1404، خرداد)، «كتاب العثور على المعنى»، البودكاست رقم 381، الموقع الرسمي.
1. ماجستير في علم نفس الشخصية وفلسفة الأخلاق، وطالب دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، وباحث وخرّيج الحوزة العلمية في قم: mostafasoleymani110@gmail.com
[2]. قرباني، نيما (2016، 17 يناير)، «الألم أم المعاناة والعذاب؟»، الموقع الرسمي للدكتور نيما قرباني.
[3]. ملكيان، مصطفى (1397)، الأرض من نافذة السماء، طهران: سروش مولانا، هامش ص170؛ وقد أُعيد نشر نصّ «مواجهة ثلاثة غموم عند موت الأحبّة» في القناة الرسمية لآثاره بالإحالة نفسها.
[4]. مكري، آذرخش (1402، فروردين)، «مراجعة كتاب الدهشة لداكر كلتنر، الجزء الأول»، البودكاست رقم 339.
[5]. قرباني، «الألم، أم المعاناة والعذاب؟»، 2016.
[6]. ملكيان، مصطفى (1397)، الأرض من نافذة السماء، طهران: سروش مولانا، هامش ص170.
[7]. مكري، آذرخش (1402، فروردين)، «مراجعة كتاب الدهشة لداكر كلتنر، الجزء الأول»، رقم 339. وفي النص الرسمي للبودكاست تشير مكري إلى موت أخي كلتنر وتجربته للدهشة إزاء «ما الحياة؟ ما الموت؟».
[8]. مكري، «كتاب الدهشة»، رقم 339.
[9]. مكري، آذرخش (1404، خرداد)، «كتاب العثور على المعنى»، البودكاست رقم 381.
[10]. قرباني (2016).
[11]. ملكيان (1397)، ص170.
[12]. مكري (1402)، «كتاب الدهشة».
[13]. تشرح هذه المقالة «إعادة بناء المعنى» ولا سيما في الخسائر المأساوية أو التي تقع في غير أوانها، لكنها لا تعدّ وجود أزمة معنى في كل حِداد قانوناً كونياً.
[14]. مكري، آذرخش (1400، دي)، «في وقت معرفة الذات 8: السعادة والرضا ومعنى الحياة»، البودكاست رقم 295، الموقع الرسمي mokri.org.
[15]. ملكيان، مصطفى (1404، 28 آذر)، «من الألم إلى المعنى»، النسخة الصوتية الرسمية: قسم «ثلاث طرائق لإضفاء المعنى على الألم»، من الدقيقة 25:46.
[16]. مكري (1402)، «كتاب الدهشة».
.

نُشر هذا النص للمرة الأولى في العدد الثامن والعشرين من فصلية الحياة المعنوية. وللحصول على النسخة الإلكترونية من هذا العدد يمكنكم مراجعة «طاقچه» على العنوان الآتي:
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.