اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وراء المظهر المتضاد لخطاب الدكتور سروش ومعارضيه، تكمن آليات مشتركة كالمحاكاة التاريخية والنبوءات ذات الإشباع الذاتي؛ مقاربة فينومينولوجية لتيارين فكريين متخاصمين في رسالته الأخيرة.

الخطاب وتحليل الخطاب من المصطلحات الشائعة في العلوم الاجتماعية، والتي تحظى بالطبع، شأنها شأن موضوعاتها الأخرى، بتعريفات ومناهج متنوعة. وكذلك الحال بالنسبة لمنهج تحليل المضمون الذي يُعد من أدوات البحث الحديثة والمفيدة للغاية، والتي تزداد رقعتها ودقتها باطراد مع تنامي الأساليب والبرمجيات الإحصائية. لكن ليس المقصود في هذه المقالة أيٌّ من المعاني التخصصية المتداولة لتحليل الخطاب وتحليل المضمون على وجه الدقة؛ بل هي مجرد مواجهة فينومينولوجية (ظاهراتية) من قارئ شغوف ومتابع لتيارين فكريين متنافسين، وبحث عن المقولات المشتركة بينهما. وعليه، فإن مرادي من عنوان الخطاب هو: 1. الفرد (أ) يعيش حياة فاعلة في المجتمع (ب)؛ أي أنه يتابع، بقدر استطاعته، وبشكل إرادي وواعٍ، بعض الأفعال الاجتماعية والتيارات الفكرية. 2. يتعرف على التيارين الفكريين المستهدفين A و B بوصفهما تيارين متنافسين. 3. نظرًا لمتابعته لكلا التيارين ولمعلوماته الخاصة، يمتلك رؤية داخلية تجاه توجهات وأفعال كلا التيارين A و B، وهي نتاج تراكم المواجهة الواعية لمختلف تجليات كلا التيارين. 4. يشعر، خلف الوجه المتضارب ظاهريًا لهذين التيارين، بوجود قواسم مشتركة في آليات التوجه والفعل. 5. بناءً على ذلك، فإن تحليل الخطاب هو شق ذلك الثوب الظاهري وكشف الآليات الكامنة خلفه، والتي قد تكون، شأنها شأن آليات الدفاع النفسي، مختلفة تمامًا في ظاهرها وباطنها. وعلى سبيل المثال، فإن التيار التأويلي هو ممثل هذا النهج في تحليل النفس البشرية، والذي نرى أبرز تجلياته في علم النفس الفرويدي والفرويدي الجديد. بطبيعة الحال، إن دراسة ومقارنة خطابين تتطلب بالأساس إلمامًا بالتجليات التاريخية للتيارات المعنية (التاريخ الوصفي) وكذلك نطاقًا واسعًا من المعرفة متعددة التخصصات والنظرية القبلية في تحليل ودراسة هذا الخطاب (التاريخ التحليلي). وبما أنني لا أرى في نفسي أيًّا من هاتين المقدرتين، فإنني لا أدعي تحليلًا شاملًا ودقيقًا، وبناءً على ذلك أطلقت على تحليل الخطاب الذي أقصده مجرد مواجهة فينومينولوجية (أي النقطة الأولى) من متلقٍّ شغوف ومتابع (والذي قد يعتبر محلل نفسي، بتأويله لي، أن هذا التبرير نوع من آليات الدفاع للهروب من المسؤولية). إذا اعتبرنا خطاب الدكتور سروش هو A، وخطاب B هو ذلك الخطاب الذي صبّ همته على التعريف به ونقده بل وتدميره، فإن انطباعي الشخصي، وفقًا للنقطة الأولى، هو وجود عدة آليات مشتركة في التوجه والنزوع والفعل لدى كلا التيارين. إن الخطاب المنافس الذي يسعى لنقده (بصرف النظر عن مصاديقه الخارجية) نعرفه إلى حد ما من خلال أعماله، ونعرف الخصائص التي يذكرها لهذا الخطاب في أعماله. ولدراسة خطابه هو، سأختار آخر تجلياته، أي آخر ما كتبه في رسالته الأخيرة.
المحاكاة التاريخية إن الاهتمام الشديد الموجود لدى المتدينين في مختلف الأديان بالمحاكاة وإعادة التمثيل التاريخي المتكرر، وكذلك الآليات النفسية والاجتماعية وحتى البيولوجية الكامنة وراء هذا الدافع، كانت موضع اهتمام في العلوم الاجتماعية منذ سنوات بعيدة. فعلى سبيل المثال، قدم هيلمار سوندين (1908-1993) مستفيدًا من آراء الفيلسوف البراغماتي الأمريكي جورج هربرت ميد (1863-1931) وبعض علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي المتأثرين بميد حول مفهوم «الدور»، نظرية حول تقمص الدور الديني كان لها تأثير كبير على المفكرين من بعده، وخاصة علماء نفس الدين في بلدان شمال أوروبا. هذه المحاكاة الموجودة في كل مستوى من مستويات التدين (حتى العرفاني منها؛ ككتاب الاقتداء بالمسيح لتوما الكمبيسي مثلًا)، وجدت طريقها أيضًا إلى التنوير الديني لديه. انظر إلى جزء من رسالته: 1. «أما خلافًا لزعمهم الباطل، فإن التنوير الديني لم ينقضِ عهده، ولن ينقضي؛ لم يبق وحيدًا، ولن يبقى وحيدًا. إنه لغة العصر وحاجة الزمان. لم يكن مجيئه بأمر وإذن من أحد، وذهابه ليس رهنًا بهجو أحد أو هزله. خروج الناكثين والمارقين والقاسطين لا يؤثر في حياته وكماله ... . خروج الخوارج والعجائز زاده خلوصًا». هذه أدبيات خطابية مألوفة جدًا: «الناكثين والمارقين والقاسطين» و«الخوارج». المثير أن الرسالة تبدأ أيضًا بإحدى هذه المحاكاة (التي لا يُعرف بالطبع مدى واقعيتها التاريخية): قصة بايزيد.
النبوءات ذاتية التحقق النبوءات ذاتية التحقق أو المحققة لذاتها (بالإنجليزية: Self-fulfilling prophecy) تستحوذ على حجم واسع من الأدبيات البحثية في علم النفس الاجتماعي، ويمكن للتعرف عليها الرجوع إلى مصادر هذا التخصص. رسالته حافلة بهذا النوع من النبوءات: 1. «يمر التنوير الديني بأيام ميمونة. فهو من جهة يزداد اكتمالاً، ومن جهة أخرى يزداد نقاءً. من جهة يفي بوعوده، ومن الفقه – الذي كان انتماؤه الأول – يخطو إلى علم الكلام، وينقب عن المنابع المروية للفقه، أي الإلهيات وعلم القرآن والنبوة القديم، وفي ضوء العرفان والفلسفة السالفة، والتعاليم الفلسفية والعلمية الحديثة، يمنحها غذاءً وثراءً أكثر وأحدث؛ ويقدم لاهوتاً جديداً» 2. «الحق أن هذا الجنين ذا الثلاثين عاماً الذي كان في رحم التاريخ الإيراني المعاصر، ها هو بتلقي النفخة الإلهية يستعد للولادة، ومخاض ولادته هو الذي يثير التوترات والخفقانات المؤقتة (والعدائية والشريرة أحياناً) التي سرعان ما ستخمد بالطبع، وسيعد طلاب الحق ولادة ذلك المولود الحديث طالعاً ميموناً مباركاً، وسيرون علامة النصر والظفر في جبينه». 3. «من الآن يتضح أن كوكب إقبال هذا المسافر شديد الإشراق. إذ لم يقدم بعد، وله العديد من العشاق الثملين والخصوم الخنجرية: «مؤمنان ز اقرار مست و منكران ز انكار مست»! ... «سمنة هذه المدرسة وقدرتها المتزايدة يوماً بعد يوم، لم تعد قابلة للإنكار الآن، فـ «آفتاب آمد دليل آفتاب»!» 4. «هذا المولود الحديث العهد، ليس فرقة جديدة، ولا شريعة وديناً جديدين! ليس له نبي، ولا كتاب؛ لا مريد له، ولا مراد! ليس حزباً، ولا حكومة؛ لا مرجع له، ولا قائد؛ لا مؤمن له، ولا كافر! هو أشد تواضعاً من هذه كلها. إنه مدرسة فكرية وتنويرية تفتح أبواباً جديدة في فهم الدين وممارسته (نظراً وعملاً) للمتدينين، وتدل طريقاً جديداً في الفهم والسلوك الديني والإسلامي في العالم العلماني الحديث.» إذا كان التنوير الديني مجرد تيار ناعم قد تغلغل في كل مكان، وليس شبه مؤسسة (وهو ما لا تؤيده، بالطبع، أية تجربة تاريخية لمثل هذه النقاوات والأنماط المثالية) فإن «الخنجريين» و«العملاء» يصبحون أيضاً كلمات بلا معنى، ولا يبقى محل للشكر حين نقول: «شكر خدای را که دشمنان ما را کارگزاران ما نهاده است». الطريف أنه، في مقاطع من الرسالة، تمتزج هذه النبوءات التاريخية بـ «شواهد لاهوتية غزلية» وكأن عقد أخوة بين الله وجمال وجه «هو» مع تيار التنوير الديني، يبطل سننه في ظهور المؤسسات الاجتماعية وأفولها، و «چراغی را که ایزد برفروزد/ گر ابله پف کند ریشش بسوزد». من جهة أخرى، لا أدري حقاً ما التناسب بين هذه النبوءات التاريخية وذلك الأساس الفقير تاريخياً عند بوبر الذي كان يهاجم النبوءات التاريخية الماركسية؟ يحتمل، بتعبير هذه الجملة الرائجة بين الشباب: «مال ما فرق دارد». بالطبع، يمكن رؤية «مال ما فرق دارد» هذه في العبارة أعلاه أيضاً، حيث نعتبر هذا التيار من جهة مؤسسة أو شبه مؤسسة («مدرسة» التنوير)، ومن جهة أخرى نسلب عنه مقتضيات المؤسسة.
لعلّ أساساً آخر لهذه التنبؤات يستند إلى صورة من الماضي التاريخي لهذا التيار: «كان المتنورون الدينيون أول من أدرك سرّ هذه الأزمة وعمقها، وبقلب رهين بالخدمة والديانة، وبشجاعة ونزاهة شريعتيّة، وبدون خوف أو تقية، وبدون رشوة أو أجر، تصدّوا لها وبفطنة وذكاء أبدعوا العجائب. أتوا بلاهوت جديد، وفتحوا طريق الحوار مع الحداثة، وأسّسوا للجهاد ضد الاستبداد الديني، ووضعوا فقه التكليف في موضعه، وأعلوا من شأن الحقوق والأخلاق، ومع تأكيدهم المتزامن على الروحانية والسنّة، أجلسوا المعرفة والهوية الدينية برفق إلى جوار بعضهما، وبحثهم في معنى النبوة والوحي وماهيتهما، كشفوا سرّ الخاتمية، وصالحوا الباحثين عن الحق مع النبوة، وأزاحوا الستار عن تاريخية الدين، وفصّلوا بين الذاتي والعرضي فيه، وسدّوا طريق العنف باسم الدين …» حسنٌ، إذا كان التنوير الديني قد حقق فعلاً هذه النجاحات الباهرة، فما معنى كل هذا الكفاح لإثباته وإزالة الأزمة عن الانتقادات الموجّهة إلى أسسه؟ المنتج الجيد يجد سوقه حتى بدون دعاية. «من حسن حظ هذه المدرسة أن أعداءها يمزّقون أحشاءهم، وأن الشياطين تدخل في خدمة سليمان، وأن القلوب تسودّ وجوهاً، وأن النفاق المستتر في الصدور المليئة بالحقد ينكشف، وأن المياه الصافية تنجو من الحشائش المزعجة، وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل: هين بگو كه بخـت من پيروز شد آنچه فردا خواست شد، امروز شد»
قراءة في الباطن 1. «من ناحية أخرى، يشهد انحدار وخمول رفاق غير موافقين، كيف التحقوا بهذه المدرسة طمعاً وهوىً، وها هم الآن بطمع وهوىً آخر يخرجون منها خائبين، ويحملون معهم الشوائب، ويتركون هذا الرصيد العزيز والعظيم لأهله». 2. «حتى عديمو الموهبة المغمورون، للحصول على شهرة كاذبة كاسدة، يتشبثون بذرائع فاسدة لينازلوا المتنورين المتدينين، لكي يظهروا زوراً كأنهم أنداد لأولئك الأبطال.»
وهم الأسبقية؛ وهم الكلية؛ وهم الغائية ورغم أنني لا أريد، على غرار البعض، أن أتبنى ذلك الادعاء الكبير القائل بوجود «نرجسية تاريخية» بيننا نحن الإيرانيين، والتي تحولت اليوم إلى أحد عوامل الانحطاط والتخلف؛ إلا أنني أرى بكثرة هذا الميل بيننا، كأن نعتبر أنفسنا أول من قال كذا، أو فهم كذا، أو فعل كذا. ويبدو أن الدكتور سروش يعتبر التنوير الديني نتاجه هو، ويختزل عمره بثلاثين عاماً (من المحتمل أنه يقصد تاريخ نظرية القبض والبسط): 1. «الحق أن هذا الجنين ذا الثلاثين عاماً، الذي كان في رحم تاريخ إيران المعاصر، ها هو ذا يتلقى النفخة الإلهية ويستعد للولادة». 2. «كان المتنورون الدينيون أول من أدرك سر هذه الأزمة وعمقها، وبقلب معلق بالخدمة والتدين، وبشجاعة ونزاهة شريعتيّة، دون خوف أو تقية، ودون رشوة أو أجر، تصدوا لها وأبدعوا بفطنة وذكاء مدهشين». وكأن الظواهر الاجتماعية أشبه بمشروع بناء جسر له أول وآخر؛ أحدهم يضع حجر الأساس والآخر يقص الشريط. وهذا الوهم بالأسبقية يفضي أيضاً إلى وهم الكلية: 3. «لم يثر أي فكر في ديارنا، بقدر ما أثار فكر التنوير والتجديد الديني، من حماسة وبهجة، ومن رفض وقبول. فالتنوير العلماني مدين له ومؤيد، وكذلك حوزة قم؛ والتنوير العلماني عدو له، وكذلك حوزة قم!». أستاذي الكريم، على أساس أي بحث تجريبي يُصدرون هذا الحكم العجيب على واقع خارجي؟ والآن، لنفترض جدلاً أن شخصاً ما ظهر وادعى أنه في المجتمع الذي أعيش فيه، وفي الجامعات التي أدرّس فيها منذ سنوات، أرى للأسف أن عدد الكتب المطبوعة له في السنة قد بلغ عدد الحلوى التي يأكلها طفل من الطبقة المتوسطة الإيرانية في الشهر؛ ناهيك عن عامة الناس، فإن أقل من واحد في المئة من أفراد المجتمع العلمي الواسع في الحوزة والجامعة قد سمعوا باسم الدكتور سروش، فما بالك بمعرفة أفكاره. فبماذا سيجيب الدكتور سروش على ذلك؟ بالطبع، قد يقولون إن هذا التأثير من نوع آخر، وتأثيرنا مختلف. وذلك الوهم بالأسبقية والكلية يؤدي بالضرورة إلى وهم الغائية: 4. «ورغم أن الصراع لا يزال محتدماً من الجانبين، وأن معركة غير متكافئة قائمة، فإن الخصم قد أذعن لقوة هذه المدرسة «طوعاً أو كرهاً». فلو لم يذعن، لما قام بكل هذا العبث، ولما ألقى دروس الجهالة، ولما ألف كتب الضلالة، ولما حشد كل هذه الجيوش والأسلحة، ولما أنشأ معاهد الأبحاث ومراكز التعليم المزورة، ولما نظم المجلات والصحف الافتراضية والحقيقية، وذلك كله بهدف رئيسي واحد: تحطيم التنوير والتجديد الديني»!
الاستقطاب الاستقطاب، أي جعل الأمور إما هذا أو ذاك، هو أيضاً من النزعات التي نشاهدها بكثرة في مجتمعنا. وصنع ثنائية "نحن" و"هم" من أبرز تجليات هذا الاستقطاب. تأملوا هنا بعض الأمثلة: 1. «يدور صراع عنيف بين طرفين وتدور معركة غير متكافئة، لقد أذعن الخصم بقوة هذه المدرسة "طوعاً وكرهاً". فلو لم يكن قد أذعن، لما كان يرتكب كل هذا العبث، ولا كان يلقي دروس الجهالة، ولا كان يؤلف كتب الضلال». يتبين من بداية الرسالة أنه في مواجهة ظاهرة التنوير الديني يوجد قطبين: "الآخرون" الذين إما لا يملكون فهماً وإدراكاً صحيحاً من الأساس، أو أولئك الذين بان طمعهم وهواهم فاتضح أنهم من "الآخرين"؛ وثانياً، "نحن" الذين دائرتهم واسعة جداً لدرجة أنها تشمل حتى النقاد المحققين الذين قد يتحاشون هم أنفسهم هذه التسمية: «وفي هذا السياق، فإن حساب النقاد المحققين منفصل بالطبع. إنهم بمنزلة الرفاق الموافقين الذين أضافت وستضيف مساعيهم الغربالية دوماً إلى كمال هذه المدرسة وصفائها.» وإن لم يدافع أحد المفكرين عن هذا التيار، فليس هناك إمكان منطقي لأن يكون فئة ثالثة، بل «إنهم يتقون ويصمتون خوفاً على أرواحهم». واللافت أنه من جهة أخرى يُحسب الجميع بشكل ما جزءاً من هذا التيار؛ وكأن هذا التيار لا حدود قابلة للتفنيد له: «إنهم، دون إرادتهم، وكلاء هذه النحلة نفسها». 2. من نماذج الاستقطاب الأخرى في النص: الأهل وغير الأهل؛ العشاق الوَلْهى والخصوم الطاعنون بالخناجر؛ الطاعنون والأعداء في مقابل "نحن"؛ من هم على شاكلة فرعون في مواجهة كليم الله؛ اليوسفيون وأشباه الذئاب؛ عديمو التمييز؛ المدّعون؛ أصدقاؤه وأعداؤه، ... إلخ. ويا للأسف أن هذا الاستقطاب يتسم بسمة مشتركة أخرى بين هذين الخطابين، ألا وهي التوصيم. وعلى هذين الأساسين، فكل من لا يرى نفسه في هذين القطبين، حتى لو تقاضى أجراً على جهد، يُوصم بهذه التهمة: «خلق وجوه علمية وتنويرية كاذبة ومنح جوائز باهظة للمشعوذين، والإتيان بالمهذارين إلى صناديق الصوت والصورة، ومؤسسات الضجيج والزيف؛ وطرد الأحرار والنبلاء، وترويج العقائد الجوفاء المناهضة للعقل والمثيرة للغم؛ وتوطيد دعائم الاستبداد على أيدي وعاظ السلاطين والمتاجرين بالدين؛ وتغليب الانقياد على الانتقاد؛ والمنع الأكيد من طرح الإصلاح الديني والتفوه به و...، هو شغل ونظام فكري لنظام انبثق من الحوزات وجثم على الدين، ويرى التنويريين الدينيين يقفون ضده نظرياً وعملياً، بعشق وعقل، وهم بصدد التنوير».
التفكير المطلق استخدام المسوّر الكلية مثل الكل، لا أحد، بشكل عام، الجميع، تماماً، وأمثالها هو من العادات الشائعة الأخرى بيننا (لاحظوا أن جملتي الكلية هذه هي نفسها مصداق لهذه العادة). كنت أعتقد سابقاً أن مثل هذه العادة لدى الكثيرين تعود ربما إلى أنهم لم يغادروا قريتهم أو حيّهم أو مدينتهم إلى ما هو أبعد، فيتصورون العالم كله أو مركزية العالم في موقعهم المحلي ذاك، فيستخدمون مثل هذه المسوّر الكلية؛ لكن كثرة استخدام هذا النوع من القضايا الكلية لدى بعض الأشخاص ممن رأوا العالم وتعلموا يثير العجب في المرء. هذه بعض العبارات في رسالته: «لا فكر في ديارنا»، «اليوم أدرك الجميع»؛ «على أي سند نظري»؛ «لم تكن له أية معرفة بالعقل والعلم الحديثين» و... . بطبيعة الحال، أنا أعتبر السبب الرئيسي لاستخدام مثل هذه الأدبيات هو الروح السائدة المتملصة من التجربة والمتجنبة لعنائها واللاجئة إلى التعميمات المبنية على ذوقنا الشخصي (ومجددا جملة كلية). إن من هو أهل للتجربة ويعرف فنون الإحصاء الوصفي والاستدلالي وصعوبة التعميم من العينة إلى المجتمع، لا يطلق مطلقاً مثل هذه الأحكام الجزافية.
تبسيط المتغيرات الاجتماعية المعقدة إن النظر إلى الظواهر الاجتماعية بعامل واحد (وعلى نحو سببي فحسب، وانطلاقاً من الذائقة الشخصية أو التجربة الشخصية غير المنتظمة والمحدودة) يُعد من الآفات الكبرى التي تبتلي بعض مفكرينا وصناع السياسات في مجتمعنا. فعلى سبيل المثال، يبدو أن التدين متغير ناشئ بالكامل عن متغيرات إدراكية، إما تستقي من معين الحوزة الدينية (ولهذا نرى الجهود المضنية التي تبذلها مؤسسة الحوزة في نشر الكتب، وإنشاء مراكز الأبحاث، والرد على الشبهات)، وإما من التنوير الديني (الذي يرى إصلاح المجتمع في ابتداع لاهوت جديد)؛ وكأن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الأخرى لا تأثير لها عليه. أو أن طريقة تفكيرنا هي، من حيث المبدأ، أمر واعٍ بالكامل ولا تؤثر فيه المتغيرات الأخرى. "لم يثر أي فكر في ديارنا من الحماسة والانفعال، ومن الرفض والقبول، ما أثاره فكر التنوير والتجديد الديني. فالتنوير العلماني مدين له ومؤيد له، وحوزة قم كذلك؛ التنوير العلماني عدو له، وحوزة قم كذلك!". أهكذا هو الأمر؟ حقاً، هل الأطياف المذكورة، على الأقل في فكرها، مدينة لهذا التيار المستمر منذ ثلاثين عاماً؟ هل حقاً "هناك الكثيرون [كم عددهم تحديداً؟ أين؟ كيف؟] من المؤمنين (ولا سيما الشباب) الذين استقوا إيمانهم في هذا البحر المتلاطم بالشك والإلحاد من هذه المدرسة، ويقرون بذلك سراً وعلانية"؟ وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار النفور من التجربة قاسماً مشتركاً آخر بين هذين الخطابين المتنافسين.
العدوانية اللفظية والأدبيات الهجومية قليلٌ من جمهور الدكتور سروش من المؤيدين والمعارضين رأيتُه (أي ممن قابلتهم) ينكر الطابع الهجومي لأدبيات الدكتور سروش، الذي تتجلى سمومه اللاذعة حتى في عذوبته الشعرية والأدبية؛ هجومية تجعل المرء، حتى لو تناول النقد بدافع الإشفاق، يعيش في وجل دائم مما ينبغي أن يقوله أو يكتبه كي لا يطاله هذا العنف اللفظي. وأستبعد أن يجد هو، بصفته باحثاً في الأخلاق، في المظالم المحتملة التي لحقت به مبرراً مناسباً لهذه الأدبيات الهجومية. العنف اللفظي من البلايا الكبرى التي تعصف بمجتمعنا (طبعاً، لا أطلق حكماً كلياً موجباً)، ويبدو أنه لا يفرق بين صغير وكبير، ولا خاص وعام، ولا أكاديمي وحوزوي. إن أعراض العدوانية وكذلك العدوان اللفظي المذكورة في علم النفس نراها بكثرة في أنفسنا ومن حولنا. ليت مجموعات بحثية تتشكل لوصفها وتفسيرها، وتنبثق عنها مجموعات تدخلية للبحث عن حلول وعلاج لهذه البلوى المحرقة للدين والدنيا. أدبيات تصاحبها آفات اجتماعية، وتستنزف عبثاً وباستمرار الطاقة النفسية للأفراد في التفكير بالتوترات البينشخصية. المثير أن هذه الأدبيات يستخدمها أحياناً، بدافع الإشفاق وحسن النية، أفراد مشهورون بالأدب والتواضع، لكن عدم المبالاة بالعبء الاجتماعي والثقافي للكلمات يجعل مقتضياتها العنيفة تفرز تكاليف باهظة بمرور الزمن. وظاهرة الألفاظ العربية "دياثة، ديوثية، وديوث" من أحدث الألفاظ المثيرة للانتباه، بما حملته في طياتها من توترات وما أنجبته من أبناء غير شرعيين. لا تقتصر المشتركات بين هذين الخطابين المتنافسين على الأمور المذكورة. وبتعبير علمي غير دقيق، ربما يمكن من خلال تحليل الخطابات السائدة اكتشاف الروح الحاكمة علينا نحن الإيرانيين والنماذج البدئية الجارية، واستهداف مسار التثقيف في تعديلها. النقطة الأخيرة هي أنني، وإن كان ظاهر هذه الرسالة قد يشبه البيانات الحزبية الهادفة إلى بث الأمل في الأنصار، والطعن في الطاعنين، وربما إخماد نوع من الخوف والقلق الداخلي، أو أنها نابعة من قلب موجوع "بلغ نهار عمره شامه، وفي كبده جراح مئة جور، وانقطع عن الأهل والديار، واستقر في الغربة"، إلا أنني استناداً إلى التعريفات والمقومات العديدة اللازمة لتشكل طائفة في العلوم الاجتماعية، لا أستطيع قبول وسم التشييع الذي أطلقه البعض. إنني أعرفه مفكراً عميقاً، مطلعاً على "العقل والعلم الحديثين"، له قلب مشفق على التراث الديني، يدرك جيداً تقابل القديم والجديد، ويعرف "سر هذه الأزمة وعمقها"، ويسعى إلى "أن يأتي بلاهوت جديد، ويفتح طريق الحوار مع الحداثة". لا أعلم إن كان الطريق الذي سلكه صواباً أم خطأ، لكن لعل هذا الهمّ والفعل ضرب من العبادة. أدعو الله أن يمنحه الصحة ليواصل، كما في الماضي، إحداث الحركة وبث الدافع في قافلة الفكر البطيئة في البلاد. بحسب اعتقادي، وبالنظر إلى مقومات تشكل الطائفة في العلوم الاجتماعية، فإن التيار الفكري للدكتور سروش بعيد جداً عن هكذا سياق، وربما يبقى في حجم شبه مؤسسة فحسب. لكن يمكنني أن أطرح السؤال بطريقة معكوسة: بالنظر إلى أن كل ظاهرة اجتماعية لها ولادة ونضج وموت، هل يمكن اعتبار تياره الفكري في منحدر الاحتضار؟ فقط كحدس ربما يكون قابلاً للتحول إلى فرضية، أستطيع أن أجيب بالإيجاب. وفقاً لحدسي، فإن تيار التنوير الديني، الذي تظهر فيه نوع من نزعة العلامية (أي الولوج السطحي في كل الموضوعات وإبداء الرأي)، وإن كان ضرورياً ومفيداً جداً في حقبة ما، إلا أنه في المستقبل سيترك مكانه للتخصصات الدقيقة في العلوم الإنسانية والدينية على حد سواء؛ أي متخصصون في فلسفة الدين، وعلم نفس الدين، وعلم اجتماع الدين، وفروع من هذا القبيل، سينشغل كل منهم، من حسن الحظ، بتواضع بدراسة وبحث موضوع خاص فحسب، ولن تكون لهم دعوى بمشروع كوني. طبعاً، ربما يعتبر هو، وفقاً لتعريفه اللامحدود للتنوير الديني في هذه الرسالة، كل هذه التخصصات حجرات من سوق التنوير الديني؛ وهو وسم لا يرتضيه قطعاً كثير من هؤلاء المتخصصين لأنفسهم. ليس الهدف من كتابة النص أعلاه إصدار حكم قيمي على الخطابين المتنافسين والهذيانات الساذجة في قالب "في خدمة وخيانة" فلان وفلان. إنه فعل من مراقب خارجي، له تطلع إلى البحث عن الحقيقة وسعي إليها، وأمل في تفكر خالٍ من الدعاوى الكبرى والهوامش التي لا منتوج لها سوى إهدار طاقة التيار الفكري، وتشويه سمعته، وتسخين سوق اللافكر.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
واقعا از استاد سروش با اون نثر زیبا و نفوذ کلامشون که ناشی از مطالعات گسترده و سطح بالای سوادشونه بعیده که اینطور به مخالفانشون بتازند و اونا رو لایق یه همچه صفاتی بدونن! استاد با کمال تواضع ازتون میخوام که این گلایه ها رو بعنوان نهی از منکر از ما پذیرا باشید!!!!
تحلیل بدی نبود.. البته ادعای خامگوییهای سادهاندیشانه در قالب «اندر خدمت و خیانت» میتونه شامل همین یادداشت بشه؛ چرا که بررسی هر رویداد یا کارنامۀ هر روشنفکری و همچنین هر جریانی فکریای در تمام ابعادش با داوری دقیق و نه پیشداوری میتونه چنین تصوری رو هم ایجاد کنه... امیدوارم این واژه بلافاصله یادآور “جلال آل احمد” و بعضی انتقاداتاش در همون کتاب مشهورش به همین نام -که بخشهاییاش چندان معقول نمیافتاد- سبب این پیشداوری و قضاوت سرسری نشده باشه... تمام افراد و جریانات فکری ممکنه خواسته و ناخواسته، آگاهانه و ناآگاهانه گرفتار تصمیمات و افکار و رویههای اشتباهی در مقاطعی -به دلایل و علل متعدد- بشند که بعدها در داوری؛ آیندگان حاصلاش رو جز خیانت ارزیابی نکنند اگر چه ممکنه ارتکاب بهشون در نتیجۀ سوءنیتی نبوده باشه... در ضمن رقیبسازی از گفتمانهایی که در مواردی حتی آبشخورهایی فکری بسیار نزدیکی به هم همدیگه هم دارن و میتونن مکمل هم باشن؛ سادهانگارانه به نظر میرسه... خود این که در عالم فکر جریانهای منتقد هم رقیب تلقی بشند بهجای همراههای صیقلزننده؛ ناشی از همون نوع نگاهیست که سببساز قطبیسازی فضاهای فکریه... در کهکشانهای فکر و اندیشه رقیبی وجود نداره، هر کس از هر گسترده و ستارهای که بخواد میتونه خوشهچین باشه... تصور رقیب یکی از مشخصههای همسوییهایی فکری و جریانسازی به معنای نهچندان سازندۀ اون؛ چیز شبیه دارودستهپروری و همفکریهای قبیلهایه... بگذریم این یادداشت فیسبوکی آقای “مهدی خلجی” و کامنتهایی که در ادامهاش گذاشتن؛ مفید و مختصر به نکات ارزشمندی درهمین باره اشاره داره که خوندناش خالی از لطف نیست... https://www.facebook.com/mehdi.khalaji1/posts/913755018756412