اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرفض الدكتور محمد مهدي أردبيلي النظرة المعيارية إلى اللغة، ويرى في دخول المفردات الأجنبية فرصةً لإثراء الفارسية. وهو يعتقد أنه بدلاً من نحت المصطلحات، ينبغي التركيز على النحو والترجمة لإتاحة إمكانية التفكير الفلسفي داخل بنية اللغة.

الدكتور محمد مهدي أردبيلي: إن قبول المفردات الأجنبية داخل لغة ما يجعلها أكثر ثراءً وقوة، فدخول الكلمات الجديدة في الواقع يجعل اللغة تستوعب الثقافات الأخرى وتتقبلها داخل إطارها.
الدكتور محمد مهدي أردبيلي، المترجم والكاتب والأستاذ الجامعي، رداً على سؤال حول ماهية اللغة والخوف من دخول كلمات غير فارسية إلى بنيتها، وهل ينبغي أن نعتبر هجمة الكلمات المهاجرة نوعاً من الإنذار؟، قال: اللغة ليست أمراً بسيطاً ومجرد وسيلة لنقل المعنى بين البشر، بل هي تجلٍّ للثقافة، بل يمكن القول إننا نعيش أساساً تحت سيطرة اللغة. من هذا المنطلق، عندما ننظر إليها بعمق أكثر سندرك أن كل لغة هي كائن حي يرتبط عبر التاريخ بلغات العالم الأخرى التي هي أيضاً في حالة تغير، ويتطور في هذا التماس.
وأضاف هذا الأستاذ الجامعي: للأسف، يكرر بعض الناشطين الثقافيين الخطأ نفسه الذي ارتكبوه بنظرة فوقية وبشكل أوامر إدارية-وصائية فيما يخص الحفاظ على الثقافة، وذلك بشأن اللغة الفارسية. إنهم يعتقدون أن الحفاظ على اللغة الفارسية يعني منع تغيرها وإبقاءها على وضعها الحالي. والحال أننا إذا اعتبرنا اللغة كائناً حياً، فمن الواضح أن هذا النهج يعني بالضبط قتل اللغة وخنقها. هل يمكن إدارة اللغة بالتعاميم؟
وتابع: يجب أن تكون اللغة حرة لكي تتمكن من اكتشاف إمكانياتها وإظهارها. لكن لحسن الحظ، عملياً، لا تكترث اللغة كثيراً بالنشاطات القائمة على التعاميم والمجامع اللغوية، وهي تنمو بنفسها. اللغة تخلق كلماتها بنفسها. أنا لست قلقاً على اللغة الفارسية، بل أنا أكثر قلقاً على هؤلاء الأصدقاء الذين يصرفون وقتهم وحياتهم في أعمال غير مثمرة.
وأضاف مترجم كتاب «هيغل وفينومينولوجيا الروح»: إن مواجهة اللغة تتم على عدة مستويات. في مواجهة اللغة على مستوى «اللفظ» و«توليد الكلمات»، أفضل ما يمكن فعله هو ألا نفعل شيئاً باللغة، في هذا المستوى لا ينبغي أن نبذل أي جهد للحفاظ على المفردات، ويجب أن نركز على «المعنى». هل فكرنا حقاً حتى الآن لماذا ندافع إلى هذا الحد عن تحديد المفردات وسد الطريق أمام حضور الكلمات المسماة «أجنبية» في اللغة الفارسية؟ ما هو الإنجاز الحقيقي لهذه الأعمال؟
وشدد الدكتور أردبيلي: بل على العكس، في رأيي، إن قبول المفردات الأجنبية داخل لغة ما يجعلها أكثر ثراءً وقوة، فدخول الكلمات الجديدة في الواقع يجعل اللغة تستوعب الثقافات الأخرى وتتقبلها داخل إطارها. باختصار، يجب أن نعلم أن حضور المفردات الأجنبية في اللغة هو فرصة وليس تهديداً، كما أن تماس اللغة الفارسية في فترة ما مع اللغة العربية، وفي فترة أخرى مع اللغة الفرنسية، أوجد لنا فرصاً كثيرة.
وقال الدكتور محمد مهدي أردبيلي في معرض حديثه: لكن للغة مستوى آخر هو «النحو». برأيي، يجب أن نركز اهتمامنا هنا. ليس بهدف الحفاظ على البنى، بل بهدف تفكيكها واكتشاف الإمكانيات الكامنة في صميم اللغة. نعلم جميعاً أن اللغة الفارسية كانت تاريخياً لغة الغزل والشعر والعرفان بشكل رئيسي، ويدّعي بعض الأساتذة اليوم أن الفارسية ليست لغة للتفكير الفلسفي أصلاً، ويجب علينا مثل الأقدمين (ابن سينا والسهروردي) أن نكتب رسائلنا الفلسفية بلغات أخرى أكثر، ونفكر في تلك اللغات، ونكتب كتبنا الشعرية أو العرفانية بالفارسية. هذه نتيجة الانسداد الفكري-الثقافي نفسه. إذا حافظنا على الفارسية في هذا المستوى (الشعري)، فهذا يعني أننا ما زلنا نريد أن تبقى مواجهتنا مع العالم غير تأملية وغير واعية. برأيي، على العكس، يجب أن ندع ظاهرة اللغة نفسها تفكر بحرية وتتقدم.
أردبيلي في إجابته على سؤال مراسل شبكة أخبار الثقافة والفن حول ما ينبغي فعله لتهيئة هذه الأرضية، قال: إذا أردنا خلق إمكانية للتفكير في اللغة الفارسية، فعلينا أن نمهد الطريق لذلك ونتوجه إلى بنية اللغة، ونكتشف الإمكانات البنيوية للغة ونجد إمكانيات للتأمل والتفكير. هذا لا يعني إطلاقاً التدخل في اللغة أو التحكم بها، بل ينبغي أن يكون هدفنا الأساسي هو خلق إمكانات بنيوية في اللغة. في رأيي أن أهم أرضية لهذا الأمر هي الترجمة. إذا تأملنا قليلاً، ندرك أن القسم الأعظم من الجهود المبذولة في القرن الأخير لاكتشاف وفتح إمكانيات جديدة داخل اللغة الفارسية قد تم عبر الترجمة. لقد حدث هذا الأمر مرة في اللغة العربية بترجمة النصوص اليونانية إليها، وهو متاح الآن في ثورة الترجمة في العقد الأخير، في ترجمة النصوص الفلسفية والتحليلية إلى الفارسية.
أشار أردبيلي بعد ذلك إلى رسالات مترجمي النصوص إلى الفارسية وقال: إن إحدى الرسالات المهمة للمترجمين الفلسفيين في العصر الحاضر هي اكتشاف إمكانات اللغة الفارسية، ليس فقط في انتقاء المفردات، بل في البنى والقواعد وصياغة الجمل وأسلوب التعبير وما إلى ذلك. لماذا تبدو بعض عبارات هيغل أو هايدغر، عند ترجمتها إلى الفارسية، وكأن اللغة تصاب بالجنون؟ لا علاقة لهذا بإيجاد المكافئات، بل إن بنية اللغة نفسها هي التي تبدو وكأنها تلفظ المعنى. كلامي هذا لا يعني بالطبع "امتناع التفكير في اللغة الفارسية"، بل يعني أن بعض مترجمينا قد أضاعوا الهدف الأساسي. لقد بذل الأستاذ العزيز السيد أديب سلطاني كل هذا الجهد ليترجم كانط إلى الفارسية ويهيئ في اللغة الفارسية إمكانية فهم كانط، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد وقع في شرك صياغة الكلمات إلى درجة أن ترجمته تقترب من لغة خاصة فيتغنشتاينية. إنه مثال يُحتذى به من حيث الالتزام المهني ومن حيث المعرفة اللغوية والتخصص، ولكن لماذا لم تثمر جهوده؟ كان ينبغي أن نقرأ كانط قبل 30 عاماً ولم نفعل، وهذا الأمر بالذات هو ما أدى إلى كل هذه الحكايات الملفقة حول فلسفة كانط دون أن نكون قد قرأنا كانط. في رأيي أن هذه رسالة يجب أن يحملها مترجمونا اليوم على عاتقهم، حتى نتمكن بعدها من التفلسف باللغة الفارسية وكتابة نصوص فلسفية تأليفية. هنا يمكننا أن نفكر في أنفسنا في اللغة وبوساطة اللغة. لا أعني بذلك أن نصبح نسخة من الدرجة الثانية لبعض الفلاسفة الغربيين، بل أعني أنه، بقدر ما أرى، فإن المنشغلين اليوم بالتأمل في إمكانات اللغة للتعبير عن الأفكار والرؤى هم المترجمون. الترجمة هي فرصة لاكتشاف الإمكانات المفهومية في اللغة، وهذا الأمر شرط لأي شكل من أشكال الوعي الذاتي. الوعي الذاتي لا يحدث في اللغات الأخرى، ولا في مواجهتنا الحنينية المباشرة وشبه العرفانية مع أنفسنا، بل إن الوعي الذاتي لا يمكن أن يتحقق إلا في لغتنا مع الحفاظ في الوقت نفسه على مقاربة نقدية وغير محافظة إزاء اللغة.
وفيما يتعلق باهتمام الغربيين باللغة الفارسية، وبأن المدارس في ألمانيا بدأت مؤخراً بتدريس اللغة الفارسية إلى جانب لغات أخرى، قال أردبيلي: ليست لدي معلومات عن هذا الخبر، لكن من المحتمل أن الجانب الأدبي للغة الفارسية هو ما كان منظوراً للقائمين على هذا الإجراء، ولا علاقة له بالجوانب الفكرية والتأملية للغتنا. وبالطبع تجدر الإشارة إلى أن إقبال الغربيين على منتجاتنا الثقافية لا ينبغي أن يكون دائماً مدعاة لفرحنا. فنحن في معظم الأحيان نمثل لهم أمراً مختلفاً وغريباً أو غرائبياً. إننا نعمل، دون قصد، على إشباع رغبتهم في التنوع. حضورهم في حفلات الموسيقى التقليدية الإيرانية هو بمثابة نوع من التسلية المختلفة بالنسبة لهم، شأنه شأن شراء السجاد الإيراني. اهتمامهم باللغة الفارسية هو في الغالب لدراسة آثارنا الشعرية والعرفانية، وإلا فأستبعد أن يرغبوا في تعلم شيء منا أو حتى أن يعترفوا بنا كنوع من الثقافة المفكرة. بصراحة، إني أفهم هذه الأمور في سياق استمرار المقاربة الاستعمارية الغربية. في وقت ما كانوا يسعون وراء نفطنا ومواردنا، واليوم يسعون وراء الاستمتاع بموسيقانا التقليدية أو سينمانا.
واختتم الدكتور محمد مهدي أردبيلي حديثه قائلاً: برأيي، لا ينبغي لهذه الأمور أن تخدعنا. فطالما ظلت لوحة ثقافتنا ولغتنا هي حافظ "مُغتنِم اللحظة" وخيام "الداعي إلى المتعة" وسعدي "الواعظ"، فسيظل حالنا على ما هو عليه. مهمتنا الرئيسية اليوم هي التفكير في أنفسنا عبر وسيط اللغة. لكن، أية لغة؟ لغةٌ اغتنت بمواجهتها للغات أخرى، واستطاعت أن تستوعب الأفكار والرؤى الفلسفية وتترجمها في داخلها، وحينها فقط تصبح إمكانية التأمل الذاتي وإنتاج الأفكار والفكر متاحة، لنتمكن من إنتاج نص فلسفي، والأهم من ذلك، أن "نفكر". وإذا ما حظيت تلك الأفكار والرؤى التي ننتجها يوماً ما بمؤيدين في العالم، فربما حينها يمكننا الحديث عن نوع من التفاعل الثقافي مع الشرق والغرب، ونفخر بثقافتنا.
.
.
.
.
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
عزیزم شما در سطح ماندی. این خزعبلات چیست که میگویی