اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقول هايدغر: «السؤال تقوى الفكر»؛ فالتفكير الأصيل لا يتشكل من دون إعادة النظر في المعتقدات والتخلي عن اليقينيات. الأسئلة التي تقوّض الأسس، وإن كانت تسلب الطمأنينة الزائفة للدغمائية، فإنها تفضي إلى التواضع والتسامح والنضج.

«السؤال تقوى الفكر.» هذا القول لمارتن هايدغر من أعمق الأقوال في سلالة الإنسان. تعبير يمكن في رأيي أن يكون شعار وورد يومي (وربما ليلي) للباحث عن الحقيقة.
فكما أن في مجال الفعل والسلوك معنى وواقع للتقوى والفضيلة، فإن في عالم الفكر والتأمل حاجة إلى التقوى والفضيلة أيضاً. وما أحسن أن يجد هايدغر سر ومركز هذه التقوى في «السؤالية».
ما لم تتعرض معتقداتنا للأسئلة القاسية واللاذعة، وما لم تُقيَّم بمعايير السؤالية والنقد، ستبقى محرومة من الاقتراب من الحقيقة.
كان هايدغر يقول:
«الأمر الأكثر إثارة للفكر، في زماننا المثير للفكر، هو أننا لا نزال لا نفكر.» يقول دون ماركيز: «إذا أقنعت الناس أنهم يفكرون، أحبوك. لكن إذا أجبرتهم حقاً على التفكير، سيكرهونك.» يقول ويليام جيمس: «كثير من الناس يظنون أنهم يفكرون، بينما هم في الحقيقة مشغولون بإعادة ترتيب وتنظيم أحكامهم المسبقة وتعصباتهم.»
نحن غالباً ننخدع أو ننخدع أنفسنا. التفكير بالمعنى السامي للكلمة نادر جداً. هذا القول يكشف عن حقيقة مؤلمة. التفكير، بدون سؤالية مستمرة لا تنقطع، التفكير، بدون إعادة تأمل سؤالية ومتزنة في أسس الفكر، لا ينجح ولا يملك أصالة. في محاصرة الأسئلة المؤلمة والمؤسسة يظهر معامل صحة ويقين المعتقد. عندما توضع حدود على السؤال في بيئة ما، عندما يُعتبر السؤال جرماً، عندما تُعتبر إثارة الأسئلة مصدر قلق، لا يوجد تفكير بمعناه الأصيل والدقيق. التفكير حيث يكون هناك سؤال.
أنا مقتنع بأن المسار الفلسفي والعيش الفلسفي، بدلاً من أن يعطينا إجابات محددة عن أسئلتنا، يسترد منا إجاباتنا السابقة واحدة تلو الأخرى. يفتح قبضتنا المحكمة والمشدودة، ويفرغ يدنا من كثرة اليقينيات التي اعتبرناها إجابات حاسمة ومريحة وموجهة.
فجأة تستعيد وعيك وترى أن الفلسفة قد ملأتك بالأسئلة ولم تقدم إجابة. هنا يحق أن يُقال عنها: «كل من رام الهيام ترك القرار.» ذهبنا إلى الفلسفة لنجد رؤى ونظرات حاسمة، لنقرأ كتاب الوجود ونكشف الأسرار؛ لكننا نرى أن تلك المعتقدات التي لم نكن نسمح حتى بالشك فيها قد انزلقت من أيدينا وتطايرت. نبقى نحن وسلسلة طويلة وعريضة من الأسئلة والعقد والأسرار.... وفي نهاية حياة الفلسفة، نعود إلى نصيحة حافظ الحكيمة التي كان يقول منذ البداية:
اسمع النصيحة يا نفس من يحب الحبيب أكثر من النفس
الشبان السعداء ينصتون لنصيحة الشيخ الحكيم
لا تتحدث عن الموسيقار والخمر، وسل قليلاً عن أسرار الدهر
فإنه لم يفتح أحد ولن يفتح بالحكمة هذا اللغز
نعم، أعتقد أن السيرة الفلسفية الصادقة تؤدي في النهاية إلى هذه الحالة.
لكن هل هذه الحالة سيئة؟
كان لاكان يقول: «من لا ينخدع يصبح تائهاً.» كأن الناس لكي يعلقوا أنفسهم بمكان ما، يجدوا سنداً ومرتكزاً وملجأ، يخدعون أنفسهم، يستسلمون للخداع. فما الخداع إلا المعتقدات المسكنة والمريحة، اليقينيات التي تنظم لك وتوجهك وتطرد عنك كل ترجح وارتياب.
قال مارك توين:
«خداع الناس أسهل من إقناعهم بأنهم انخدعوا!»
نحن البشر غالباً نحب أن ننخدع، ونشتد عصبية وغضباً عندما يوقظنا أحد من حلم اليقينية هذا. يعتبر نيتشه في كتاب «ما وراء الخير والشر» القدرة على مواجهة الحقيقة معياراً وأساساً للنضج والارتقاء الروحي للفرد:
«يمكن قياس قدرة كل روح بهذا المقياس: ما مدى تحملها لتحمل الحقيقة؟ أم بلغة أوضح: إلى أي حد تحتاج إلى أن تكون الحقيقة مخففة ومخفضة ومحلاة وحادة ومزيفة؟».
كلما زادت قدرتنا على تحمل الحقيقة، كان لدينا روح أكثر نضجاً وأكمل واستقراراً؛ وكلما احتجنا إلى الانخراط في فخاخ الخداع الدقيقة، دل ذلك على أننا لم نتجاوز بعد الصغر والبلوغ الفكري الناقص.
يبدو ظاهراً أن أولئك الذين ورثوا إجابات وكسبوها كهدية من البيئة والمجتمع وآلياته الإيحائية والتلقينية، يتمسكون بها بحزم؛ يعيشون حياة منظمة. يعيشون موجهين وفي اتجاه واحد. يعرفون الطريق والمسار. لكن كما يقول لاكان، من يبقي نفسه بعيداً عن كثرة الإجابات المخادعة، يصاب بالحيرة.
لكنني أعتقد أن هذه الحيرة خير في النهاية. أظهرت التجربة أن الناس الذين يظنون أنهم يعرفون كل شيء من الألف إلى الياء، وأولئك الذين يعتقدون أنهم يمتلكون حقائق الحياة الأساسية في قبضة يدهم، يصابون بروح استبدادية ومعادية للآخرين، وتَجعل الحياة مرة لكثيرين آخرين، وتزيد على تلك الآلام التي لا يمكن تجنبها والناشئة من الحالات الجامدة للوجود. أما الناس المليئون بالأسئلة، الناس المحيّرون والتائهون، فهم أكثر استعداداً للتغيير وأكثر تواضعاً، وبتطلعاتهم الفاضلة لا يجعلون هذه الحياة الضيقة مرة على الآخرين.
أعتقد في النهاية أن أولئك الذين من خلال طرح الأسئلة ــ ولو بأقسى الأشكال ــ يطعنون في المعتقدات المؤسسة والمحددة، حتى لو بدا في البداية أنهم يحرمون هؤلاء الناس البسطاء من هذا القدر القليل من الراحة والنظام، إلا أنهم في المجموع، في تشكيل مجتمع وبيئة أقل معاناة وأكثر استعداداً للتغيير ومليئة بالتسامح والعفو الفكري، يلعبون دوراً فعالاً وثمرياً.
في نهاية حوار طويل ومفصل، قال لي صديق جملة ظلت تشغل ذهني منذ أيام.
قال: الفلسفة لا تقول: أحضر أسئلتك لأجيب عليها، بل تقول: أحضر إجاباتك لأطرح سؤالاً أمامها.
هذا التشابك بين التفكير والسؤال يبدو لي نقطة دقيقة ومهمة.
وكما يقول ريتشارد بول:
«تتحدد جودة التفكير بجودة الأسئلة التي يطرحها التفكير.»
وفي رأيي أيضاً، نظام تعليمي أصيل هو الذي ينمي مهارة السؤال لدى أتباعه، وليس الذي يقدم مجموعة من الإجابات الجاهزة مسبقاً كطعام جاهز للتناول.
إذا لم نتعلم فن وحرفة السؤال، فلم نتعلم فن التفكير والتأمل.
في هذا السياق، ترجم إلى اللغة الفارسية كتاب صغير ومهم بعنوان «السؤال أهم من الإجابة»، وضعه دانيل كلاك وريموند مارتن وترجمه إلى الفارسية حميدة البحرانية وهومن بناهنده.
نعم، السؤال أهم من الإجابة.
تنفتح الأيدي، والإجابات تنسل وتفر كالأسماك؛ لكن الطلب الدائم، والتواضع العلمي، والاستقبال الودود، والعيش المسالم، والورع الفكري ستكون ثمار هذا السؤال المبارك.
عندما يُسأل محمد مجتهد شبستري: «ماذا صار من ذلك الإيمان؟» كان مضمون إجابته: «كان إيماني شيئاً في قبضة يدي، وكنت أتمسك به بحزم حتى لا ينزلق من يدي. لكن في لحظة ما، انفتحت يداي... والآن لا يوجد شيء فيها. لكن يداي تظل مفتوحة علامة على الطلب، والإيمان بالنسبة لي يعني الطلب الدائم.»
دعني أكرر هذا الورد الفلسفي الثمر مرة أخرى:
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام وارادت این جمله پرسش، پارسایی اندیشه است.ازکدام کتاب هایدگراست ؟