اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الإصلاح الثقافي في مجتمع متديّن يستلزم إعادة النظر في الفكر الديني؛ يرى عمر أحمدي أن القاسم المشترك بين أطياف السلفية هو الاهتمام بالسلف الصالح، ويصف السلفية الراديكالية بأنها تنظر إلى الاجتهاد نظرة «قانونية المحور» وتقوم على «سلطة النص».
عمر أحمدي، من مواليد 1342 في بيرانشهر. هو مدرس رياضيات متقاعد، وقد درس «فلسفة العلم» في مرحلة الماجستير في جامعة شريف، وكانت أطروحته بعنوان «التفنيد في منهجية وإبستمولوجيا بوبر». وهو يعتقد أن الإصلاح الثقافي في مجتمعنا يستلزم إعادة التفكير في الفكر الديني بهدف إعادة بنائه.
.
العبور من «التدين» إلى «الممارسة الدينية»، الطيف الدلالي للسلفية والتجديد الديني
في حوار مع: عمر أحمدي - ماجستير في فلسفة العلم
إشارة: عمر أحمدي، من مواليد 1342 في بيرانشهر. هو مدرس رياضيات متقاعد، وقد درس «فلسفة العلم» في مرحلة الماجستير في جامعة شريف، وكانت أطروحته بعنوان «التفنيد في منهجية وإبستمولوجيا بوبر». وهو يعتقد أن الإصلاح الثقافي في مجتمعنا يستلزم إعادة التفكير في الفكر الديني بهدف إعادة بنائه. في مستهل حديثه قال:
"الدين هو أهم ركن من أركان ثقافة المجتمعات المتدينة. في هذا النوع من المجتمعات، توجد في الطبقات التحتية علاقة عميقة ومعقدة بين الدين والمقولات الأخرى، بما فيها المقولات الثقافية. في الواقع، لا يمكن في مجتمع متدين القيام بعمل ثقافي جاد دون الالتفات إلى مقولة الدين. أي عمل جوهري في مجتمع متدين يستلزم نظرة جوهرية إلى مقولة الدين. إن إهمال الدين يعني في الواقع إهمال أي حركة جوهرية."
بدأ الحوار دون مقدمات وبشكل ودي من التيارات الدينية المتطرفة التي تنشر العنف، وبشكل عام من المكون الكلي للنزعة السلفية. وهو يعتقد أن «الاكتفاء بالحديث»، خاصة في مجال الأحكام (=أهل الحديث)، الذي يؤدي إلى «هيمنة النص»، هو أهم مكون للسلفية الراديكالية. و«هيمنة النص» تؤدي بدورها إلى «اجتهاد قانوني المحور». لكن المكون الكلي الذي يربط جميع أطياف السلفية ببعضها هو «الاهتمام بتراث السلف الصالح والانتفاع به في فهمهم للدين وممارستهم الدينية».
فكر الإصلاح:
أين ترى المكون المشترك للتيارات السلفية؟
عمر أحمدي:
في اعتقادي أن العنصر الأساسي والمحوري للفكر السلفي هو نظرتهم الإيجابية والمتفائلة إلى السلف الصالح، وفي مقدمتهم صحابة النبي (ص). نظرة واتجاه يدفعانهم إلى الاعتقاد بأن الفهم الصائب للدين والعيش المؤمن وفق التعاليم المنبثقة عن هذا الفهم الصواب حكر على السلف الصالح، وخاصة صحابة النبي. ومن هنا، فإنهم يتطلعون، من خلال الاقتراب من هذا المثال الأعلى، إلى تنظيم منظومة معتقداتهم الدينية وكذلك منظومة سلوكهم في الأعمال الفردية والاجتماعية والأخلاقية والفقهية «على غرار السلف الصالح» أو «باستلهام من السلف الصالح». هذه الفكرة الأساسية تقود الفكر السلفي (بمعناه الراديكالي) وغيره من الأفكار القريبة منه إلى التوجه نحو نظرة «اجتهاد قانوني المحور» إلى ذخائر الثقافة الدينية بدلاً من نظرة «اجتهاد نموذجي المحور». ففي منظور المقاربة السلفية، قدم لنا الدين (=القرآن والسنة) مجموعة من أفضل القوانين، ويمكننا بالرجوع إلى سنتنا وماضينا أن نستفيد من تلك المائدة الممدودة. (راجع رسالة «السلفية بين المؤيدين والمعارضين» لمحمد شاكر الشريف.)
وفقاً للنظرة السلفية، يُتصور للسلف الصالح وظيفتان أساسيتان:
الوظيفة الأولى: إن السلف الصالح هم وحدهم الذين يُطرحون بوصفهم الطريق الوحيد لاتصالنا بالمصادر الأصلية للدين، أي القرآن والسنة النبوية. ونظراً لكون القرآن قطعي الصدور بسبب تواتره، فإن الوظيفة الأولى تنصب بشكل أكبر على السنة النبوية. وفي هذا السياق، تم بذل اهتمام خاص، بهدف جعل هذا الطريق أكثر انفتاحاً وزيادة أمانه، لإبطاء عملية تقليص خزانة الأحاديث وكذلك تعزيز وثاقتها التاريخية. ولتأمين هذين المقصدين، بُذلت محاولات لتوسيع النطاق الدلالي لكلمة «صحابي» قدر الإمكان، وكذلك لتقليل التشدد في استخدام وتوظيف مفهوم «عدالة الصحابة»!! (الشريط الثالث من «مناظرة» المرحوم ناصر سبحاني هو منير في هذا الصدد)
الوظيفة الثانية: يتمتع الصحابة، وفي مقدمتهم السابقون، بمكانة متميزة بين السلف الصالح. فلأنهم شهدوا اشتعال تنور النبوة وهطول أمطار الوحي، وكانوا حاضرين في صميم الأحداث الوحيانية، وتعلموا وترعرعوا في مدرسة النبوة، لذا ينبغي الإصغاء بآذان القلوب والنظر بعين العناية إلى مجموع شروحهم وتفاسيرهم وتبييناتهم للتعاليم الدينية المنبثقة من القرآن والسنة.
بالتأمل في هاتين الوظيفتين المتعلقتين بالسلف الصالح ندرك أن القرآن، وخاصة السنة، يتمتعان لدى السلفية بأهمية جوهرية وسامية، ولهما ما يُصطلح عليه بـ«الموضوعية»، في حين أن أهمية السلف الصالح برمتها ناشئة عن «طريقيتهم» فحسب، ولهذا السبب يحتلون مرتبة أدنى، ويكتسبون في الواقع أهمية فرعية وثانوية. ولهذا، قد يُتصور أنه كان من الأجدر تسمية السلفية، وخاصة السلفية الراديكالية، بـ«أهل الحديث»، وإن كانوا يُذكرون بهذا العنوان في بعض الموارد. لكن ينبغي الانتباه إلى أنه بالنظر إلى أن كل عملية تؤدي إلى منتوج يتناسب معها، فإن قيمة العملية مرتبطة بقيمة المنتوج الذي تؤدي إليه، وتقيم معه علاقة طردية. علاوة على ذلك، نحن البشر، بناءً على وسعنا وطاقتنا، «مكلفون بالوظيفة» (=اتخاذ العملية)، لا «مأمورون بالنتيجة» (=حصول المنتوج). لذلك، يبدو أن اختيار عنوان «السلفية» ليس غير لائق من هذه الجهة.
جدير بالذكر أنه عند دراسة مقولة السلفية، شأنها شأن كثير من المقولات الأخرى، ينبغي تبني «نظرة طيفية». ففي طرفي هذا الطيف يمكن الحديث عن «السلفية المعتدلة» و«السلفية الراديكالية». القاسم المشترك بين جميع أطياف السلفية هو إيلاء اهتمام خاص بالسلف الصالح، ومجالستهم ومعاشرتهم، والجلوس إلى مائدتهم والاغتراف منها والتقوّي بها. لكن أحدهم يُستدرج إلى إدمان هذه المجالسة، ولا مبالياً بالموائد الأخرى، يضمر توثيق الحاضر والمستقبل في قفص الماضي (=السلفية الراديكالية). بينما يسعى الآخر إلى استحضار الماضي إلى الآن وربطه به ليكون ملهمًا لتوجهاته (=السلفية المعتدلة). أما الطبقات الأخرى من هذا الطيف فهي، بحسب مقتضى الأحوال، أقرب إلى أحد طرفي الطيف أو أبعد عنه. ربما يمكن القول إن أفراداً مثل محمد بن عبد الوهاب هم من مصاديق السلفية الراديكالية، بينما يمثل أشخاص مثل شاه ولي الله الدهلوي، العارف والمحدث والمتكلم الهندي في القرن الثامن عشر، السلفية المعتدلة. وكذلك فإن أفراداً مثل محمد عبده يقفون في المنطقة الفاصلة بين السلفية المعتدلة والتنوير الديني.
السلفية الراديكالية، دفاعاً عن موقفها، هيأت تمهيدات ولجأت إلى تبريرات على النحو التالي:
أولاً: إن العالم المعاصر ليس سوى «امتداد كمي» للعالم الماضي، وبالتالي لم يشمل «تحول كيفي وانقلاب ماهوي». وعليه، فإن مسائل البشر ومشكلاتهم اليوم هي في الواقع استمرار لمسائلهم ومشكلاتهم بالأمس.
ثانياً: بزعم السلفية الراديكالية، يمكن بالاعتماد على الأحكام الدينية حل جميع المسائل والمشكلات البشرية. وهم في هذا الصدد، يتطلعون قبل كل شيء وقبل أي شيء آخر إلى السنة والسيرة النبوية. وذلك لأن السنة، بحسب ظنهم، هي بمثابة مضلع يحوي جميع الأحكام القرآنية (=السنة البيانية أو التقريرية)، ويتضمن أحكاماً تأسيسية لم يتعرض القرآن لبيانها (=السنة التأسيسية). إضافة إلى ذلك، فإن السنة هي مفصّل الأحكام القرآنية المجملة (=السنة التفصيلية)، وأخيراً، فإن السنة هي مفسّر مبهمات القرآن (=السنة التفسيرية). وهكذا ترتقي السنة في نظر السلفية الراديكالية مقاماً رفيعاً وتتمتع بموقعية لا نظير لها ولا بديل (=أهل الحديث أو الاكتفاء بالحديث).
هذا النوع من الاكتفاء بالدين (أو بالتعبير الأدق: الاكتفاء بالحديث) يجر السلفية الراديكالية إلى طريق يوقعها في شرك «وهم الاستغناء» فتصيح: لماذا نتمنى من الغريب ما نملكه نحن؟ والاستخفاف بالعقل والتقليل من شأنه والرضا بـ«أدنى قدر من العقل» هو من لوازم هذه النظرة (=محاربة البدعة).
علاوة على ذلك، فإن هذا النوع من التصور يجر السلفية الراديكالية إلى مصادمة المذاهب الفقهية السائدة (= السلفية القريبة من الطبقات الوسطى)، لأنه حيث يمكن للأحاديث، بل ينبغي لها، أن تكون مذهبنا الفقهي، لا يبقى ثمة مبرر لاختلاق المذاهب. وبناءً على هذا التصور، فإن مقاربة السلفية الراديكالية تستلزم «النفور من الاجتهاد وعداء الاجتهاد». ولهذا ينبغي التنبه إلى أن الإيماءة التحررية للسلفية الراديكالية تحت عنوان «مناهضة التقليد» ليست في الواقع سوى حيلة لـ«مناهضة الاجتهاد». ومن الواضح جداً أن نفي الاجتهاد يؤدي إلى نفي المجتهد، وهذا بدوره يؤدي إلى نفي التقليد (وهذا هو الوجه الفارق بين السلفية الراديكالية والطبقات الأقرب إلى الطيف الوسطي من السلفية).
وعقب التوضيحات المستفيضة نسبياً التي قُدمت، فإن نقد السلفية هو نقد للتيار الغالب من المتدينين والعلماء التقليديين أيضاً. فعندما يكون الجهد الأساسي لعالم ديني هو أن يذهب ليتعرف على القوانين والأحكام المحددة والمتصلبة للماضي ويعيدها إلى العصر الجديد (= النصية أو سلطة النص)، فإننا نواجه مقاربة «سلفية المشرب الراديكالية وشبه الراديكالية». ومن الجلي أن المقاربة التي يتعلق قلبها بتكبيل الحاضر والمستقبل في سجن الماضي، لا يمكنها أن تفكر في أكثر من «اجتهاد قانوني المحور». لذا، للخروج من المآزق والتحرر من الطرق المسدودة التي تجر إليها هذه المقاربة، من الضروري أن نسعى، بدلاً من جعل النموذج القائم على «الاجتهاد قانوني المحور» محوراً، إلى نموذج قائم على «الاجتهاد نموذجي المحور». وهو نموذج كان شاه ولي الله الدهلوي أحد أبرز المنادين به في القرون الأخيرة.
بالنظر إلى ما تقدم، قد يرى القارئ الفطن بعضاً من هذه الدعاوى في تعارض فيما بينها. إذ نسبنا من جهة «مناهضة الاجتهاد» إلى السلفية الراديكالية، واعتبرناهم من جهة أخرى قائلين بـ«الاجتهاد قانوني المحور». في الواقع، لرفع هذا التعارض الظاهري، يلزم الإشارة إلى أنه في هذين الموضعين المختلفين اللذين استُخدمت فيهما كلمة الاجتهاد، كان المقصود معنيان مختلفان لهذه الكلمة، لا معنى واحد. ونحن لم نحمل هذين المعنيين المختلفين على النص، بل يمكن استنباطهما من سياق الكلام وبمساعدة القرائن داخل النص. فحيث كان الحديث عن «مناهضة السلفية للاجتهاد»، جاء إلى جانبه الحديث عن الاكتفاء بالحديث واختلاق المذاهب. وعليه، فمن الواضح أن المراد هنا من كلمة الاجتهاد (= المعنى الأول للاجتهاد) هو السعي المنهجي والمنضبط «لاستنباط» (= جعل أو وضع) حكم لموضوع لا يملك حكماً سابقاً ومحدداً من قبل الشارع (الله أو الرسول) بسبب سكوت الشارع عنه. أما حيث كان الحديث عن «الاجتهاد قانوني المحور»، فيُفهم من سياق الكلام أن المراد من كلمة الاجتهاد (= المعنى الثاني للاجتهاد) هو السعي المنهجي والمنضبط «لكشف وإزاحة الستار» عن حكم لموضوع مُدرَج بشكل غير ظاهر في ثنايا كلام الشارع (الله أو الرسول).
فكر الإصلاح:
ما هي الفروقات التي ترونها بين «الاجتهاد قانوني المحور» و«الاجتهاد نموذجي المحور»؟
عمر أحمدي:
للإجابة على هذا السؤال، أجد نفسي مديناً للتوضيحات الجيدة لأبي القاسم فنائي في كتابه أخلاق دين شناسي، فصل بسط التجربة الفقهية النبوية. لذا سأحاول أن أكتفي بتقديم تقرير مناسب ومنصف ومختصر لرأيه في هذا الشأن:
في كلا نوعي الاجتهاد، يسعى الشخص وراء إجابة عن سؤالين رئيسيين للدين. هذان السؤالان هما:
(1) كيف ينبغي أن نحيا؟ وماذا ينبغي أن نفعل؟
يسعى أنصار كلا الاجتهادين إلى اتباع النبي، لكن مع فارق أن أحدهما يدعو إلى اتباع ظاهري لظاهر الأوامر التي صدرت عن النبي في الماضي، ويغفل عن روح هذه الأوامر وباطنها. أما في الثاني فيسعى الشخص لاكتشاف روح الأوامر السابقة للنبي وباطنها، ويستنبط من هذا الطريق أوامر جديدة ومعاصرة ومتناسبة مع زمانه ومكانه.
يشترك الاجتهاد قانوني المحور والاجتهاد نموذجي المحور في الافتراض المسبق التالي:
(1) ينبغي أن نحيا كما حيا النبي، وينبغي أن نعمل كما عمل النبي.
الإجابة التي تشكل دليل وأسوة الاجتهاد قانوني المحور هي:
(1) ينبغي أن نحيا ونعمل وفقاً للأوامر «السابقة» لله والنبي.
الإجابة التي تشكل دليل وأسوة الاجتهاد نموذجي المحور هي:
(1) ينبغي العيش والعمل وفقًا لأوامر الله والنبي «الراهنة».
بطبيعة الحال، أوامر الله والنبي «الراهنة» ليست بالضرورة غير أوامرهما «السابقة»، ولكنها ليست بالضرورة عين أوامرهما «السابقة» أيضًا. في هذا الاجتهاد لا نستغني عن الرجوع إلى القرآن والسنة، ولكننا مضطرون بالإضافة إلى ذلك أن نستحضر الله والنبي إلى الساحة، وبالاقتداء الباطني بالنبي نُزهر ذوقنا وتجربتنا الفقهية وننمّيها، وندخلها في اجتهاداتنا الفقهية.
في الاجتهاد القانوني المحور، يسعى الشخص للعودة إلى صدر الإسلام واتباع سيرة السلف الصالح وبناء مجتمع تسري فيه الأحكام السائدة في صدر الإسلام، أما في الاجتهاد النموذجي المحور فيسعى الشخص لأن يأتي بالنبي إلى زمانه ويرى لو أنه بُعث نبيًا «الآن» و«هنا» ماذا كان سيقول، وكيف كان سيعيش، وبماذا كان سيوافق وبماذا كان سيخالف، وكيف كانت ستكون حربه وسلمه، وطريقة تفكيره ومعاشرته، واقتصاده وسياسته وإدارته.
في الاجتهاد النموذجي المحور لا تُتجاهل أوامر الله السابقة، بل تُستخدم هذه الأوامر بشكل آخر. في هذا الاجتهاد، يكون ظاهر هذه الأوامر تحت شعاع روحها وباطنها وتُفسر في ضوء تلك الروح.
فكرة الإصلاح:
هل من الممكن أن تكون هناك قراءة مستقلة وغير تابعة لفهم السابقين للدين؟
عمر أحمدي:
أود قبل الإجابة على هذا السؤال أن أشير إلى نقطة مهمة. آرامش دوستدار في مقالة قصيرة بعنوان «صعوبة البدء» يُذكّر بحق: "كل مجتمع من الناحية الثقافية قائم قهرًا على ماضيه. وفي الوقت نفسه، إذا لم يرد أن يبقى جامدًا، فعليه أن يعيش في تعارض مع ماضيه. هذا الأخير شرط ضروري وأساسي للديناميكية الثقافية. إذا لم يرد كل حاضر ثقافي أن يلعب دور التابوت لماضيه، فعليه أن يصطدم بها، حتى لا تتعفن الماضيات في الإعزاز والإكرام، وحتى يحيي هو نفسه ويحافظ عليها في صراعها ذي الصلة. لكن التعارض الثقافي، الذي ليس «عداءً» لينشأ عن علل خفية كالحسد والعناد والخسة والتعصب وضيق الأفق، والذي لا ينبغي البتة الخلط بينه وبين الاعتراض والتعرض، لا يبقى لفظًا فارغًا من المعنى والمحتوى إلا إذا استطاعت الحواضر الثقافية أن تقف بوجه الماضيات من كل ناحية وتدرك هكذا جوانب قوتها وضعفها وجوانب قوة نفسها وضعفها. وهذا بطبيعة الحال ليس بالأمر السهل في ثقافة كان التعارض ولا يزال مجهولًا تمامًا بالنسبة لها. اتخاذ موقف من السابقين ليس جرأة على شأنهم ومقامهم، بل فقط من هذا الطريق يمكن أولًا معرفة شأنهم وقيمتهم الثقافية وتقييمها والتعريف بها. ما لم أعرف مضمون شعر مولوي ومعناه وقيمته، وما هو وكيف هو وفيما ينفع، أكون قد صنعت منه إلهًا ميتًا وأصبحت أنا حامل نعشه. والعكس الذي يحدث في التعارض هو أن نستطيع إخراج عظماءنا ومن جملتهم هو من مقبرة التكريم والتبجيل، ونحن أنفسنا، بدل أن نكون حراس قبورهم، نتصارع معهم ذهنيًا. ولكن لهذا السبب عينه، وهو أن ثقافتنا لم تنشأ في التعارض، فإن سيطرة مؤسسيها علينا نحن اللاحقين بهم قد أصبحت أكثر طبيعية وتحولت عمليًا إلى طبيعة ثانية لنا. كلما ازدادت سيطرتهم وتجذرت أكثر في رؤيتنا وذهننا، أصبحت عصمتهم عن الخطأ بالنسبة لنا وقابليتنا للخطأ أمامهم أكثر تسليمًا ويقينًا لدينا. عندما يكونون هم بالنسبة لنا «طبيبًا روحيًا»، نصبح نحن طبعًا «مريضهم الروحي»."
ولكن، إضافة إلى ما سبق، ينبغي أن أُذكّر بأن من أكثر الكلمات التي لاقت جوراً في زماننا هي كلمة «السلفية». فبسبب المواجهة غير المنطقية وغير المعقولة التي تتبناها اليوم نحلٌ تدافع عن السلفية وتمثلها زوراً، تشوّه معنى هذه الكلمة وتضرّر حتى صار يُظن أنها في معناها تقود إلى مناهضة الأخلاق القائمة على المداراة والتسامح، وصارت قرينة للعنف ونبذ العقل أو حتى معاداته. ومقتضى العدالة أن تُعاد هذه الكلمة إلى موضعها الأصيل ليُرفع عنها الظلم. وبقدر ما أدرك، فإن السلفية المعتدلة وطبقاتها الأقرب إليها (بمعنى الاهتمام بميراث السلف الصالح والسعي للانتفاع به، لا الانحباس في سجن الأسلاف) أقدر على التلاؤم والجمع مع النزعات العرفانية والمتسامحة بل والعقلانية، مقارنة بالسلفية الراديكالية. فابن تيمية (رحمه الله) الذي يُدعى ظلماً المظلة الحامية للسلفية الراديكالية ويُلقبونه بشيخ الإسلام وصار ورد ألسنتهم، هو رمز للتفكير لا للتكفير، ومن جبابرة ساحة التفكر والعقلانية. وكما يقول إبراهيم ديناني، الفيلسوف والحكيم المعاصر، قلّما يوجد بين علماء المسيحية والإسلام من تصدى لتبيين مناسبات «العقل والدين» مثل ابن تيمية وبقدر ما فعل. والمقال المحقّق والمنصف لعماد الدين باقي بعنوان «تبرئة ابن تيمية من الجماعات التكفيرية والإرهاب» جدير بالقراءة في هذا الشأن.
\nعلى أية حال، فإن سيرة العقلاء تقتضي أن نحافظ على صلتنا بالسلف، وبخاصة السلف الصالح، وأن نتعامل ونتفاعل مع الميراث المتبقي منهم (= السلفية المعتدلة غير الراديكالية). أما اتخاذ مقاربة على نمط وسياق السلفية الراديكالية فيمكن أن يكون دوماً، وبخاصة في العالم المعاصر، أمراً شاقاً ومقترناً بالتوتر وغير قابل للدفاع، وذلك للأسباب التالية:
\nأولاً: من الواضح جداً أن قول السلف وفعلهم وتقريرهم لم يكن بالنسبة لهم مسألة تاريخية. لكنه بالمقابل صار بالنسبة للخلف، تبعاً لبعدهم عن السلف، مسألة تاريخية. لذا فإن الخلف مضطرون، لكشف الوثاقة التاريخية لهذا الميراث وتقديم فهم معتبر له، وفي ضوء معارفهم وتجاربهم العصرية، إلى إلزام أنفسهم بالأخذ بعلوم البحث التاريخي وتوظيفها، وكذلك استخدام علم الهيرمنيوطيقا وتفسير النصوص. إضافة إلى أن بعض مسائل تلك الفترة صارت بلا مصداق اليوم وفقدت موضوعيتها. وبعض آخر من تلك المسائل يحتاج، في ضوء المعرفة الحديثة، إلى صياغة جديدة وتقديم حلول تتناسب مع هذه الصياغة الجديدة. كما أن بعض المسائل جديدة كلياً وتليق بهذا العصر والمصر. وكل هذا يمكن أن يكون بنفسه، على الأقل، وجهاً فارقاً وخطاً فاصلاً بين الخلف والسلف. لذا، وكما يقول فتغنشتاين: «كلٌ على طريقته». كان السابقون يفهمون الدين على طريقتهم، وكانت لهم مسائلهم، وكانوا يتدينون وفق مقتضيات ظروفهم. وعلينا نحن أيضاً، وفق مقتضيات الظروف التي نعيش فيها والمسائل التي نبتلى بها، وبما يتناسب مع مستوى معرفتنا وعلمنا، أن نجد فهماً صائباً ولائقاً للدين ونتدين وفق هذا الفهم الصواب.
\nوخلاصة القول إنه، وبقدر الابتعاد عن عصر السلف أو السلف الصالح، وتبعاً لتغير عالم الإنسان، ينبغي أن نبتعد أكثر عن المعنى الراديكالي للسلفية. وهذا الأمر يبدو حتمياً ولا مفر منه، لأننا في غير هذه الحال سنكون معرضين للتحول إلى جيل تائه وحائر وغارق في فجوة وفراغ معرفي هائل، بذهنية مشوشة وهويات مضطربة. جيل ليس بمستعد البتة للحضور والدخول في عيش مؤمن في العالم المعاصر، ومحروم من التمتع بحياة دينية لائقة ومنشودة.
\nثانياً: إن الصحابة من بين السلف الصالح، وبخاصة في مقدمتهم السابقون والمتقدمون، لم يكن بوسعهم أن يكونوا سلفيي المسلك. وإطلاق مثل هذا الوصف عليهم ظلم. لأنه لم يكن لذلك الجيل الفريد سلف صالح يمكن تصوره. إضافة إلى أنهم، وبسبب مواجهتهم النقدية لأسلافهم (تجاوز الصحابة لأسلافهم وعبورهم = نقد دين الآباء والأجداد وتجاوز العصبية القومية والقبلية وعدم الوقوع في لامنطقيات المشركين)، نالوا الاستعداد والقابلية للإقبال على دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم).
\nثالثًا: لو دقّقنا النظر قليلًا في معنى عبارة «السلف الصالح» لوجدنا بسهولة أن هذه العبارة تعاني من غموض دلالي شديد وهي مثيرة للكثير من الغبار. فبحسب التصور الشائع، فإن حديث «خير القرون» يشير إلى تفضيل القرون الهجرية الثلاثة الأولى (الأمة أو حتى أفراد الأمة في هذه القرون الثلاثة) على سائر القرون اللاحقة. وهي قرون ثلاثة تضم، في بنية هرمية، ثلاث طبقات هي «الصحابة» و«التابعون» و«أتباع التابعين». وتقوم كيفية تنظيم وترتيب بنية هذا الهرم على «التقدم والترتيب الزمني»، وبالتالي على «التقدم والترتيب القيمي والمعرفي». وفي الأدبيات الشائعة والغالبة، يُعبّر عن المجموع الذي يضم هذه الطبقات الثلاث بـ«السلف الصالح». وبهذا الوصف، فإننا عندما نكون بصدد بيان مصاديق «السلف الصالح» نواجه، على صعيد الممارسة العملية، مشكلات عديدة. ذلك أنه بناءً على تفاسير آيات من سورة التوبة، كان «المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام» يتكون من تسع طبقات، كانت من بينها طبقات من فئات مختلفة من المنافقين والمؤمنين ضعاف الإيمان المتزلزلين المذبذبين (وقد قام المرحوم ناصر سبهاني بشرح هذه المسألة جيدًا في أحد أشرطة «المناظرة»). ومن ناحية أخرى، فإننا نشهد في فترة حكم الإمام علي ظهور ظواهر كالخوارج والغلاة في صفوف المجتمع الإسلامي. وفضلاً عن ذلك، يمكننا أن نشهد على نحو واسع، في صفوف الأجيال اللاحقة من هذه القرون الثلاثة (التي تشمل كامل فترة حكم بني أمية ونحو مئة وخمسين عامًا من حكم بني العباس)، حضورًا واصطفافًا وتقابلًا وتعارضًا بين آراء كلامية وفقهية وتفسيرية وسياسية متنوعة. فعلى سبيل المثال، تشكلت في هذه الفترات مذاهب فقهية وكلامية عديدة ونحل كالجهمية والقدرية والمعتزلة والمرجئة... إلخ.
والسؤال الأساسي الآن هو: هل يمكن، من بين هذا الطيف المتنوع والعريض من أفراد الأمة الإسلامية ذوي التوجهات الفقهية والكلامية والتفسيرية والسياسية المختلفة بل المتعارضة في القرون الثلاثة الأولى، أن نُصدر بسهولة رأيًا بصلاح الأمة الإسلامية في هذه القرون الثلاثة؟ ومن الأساس، مع هذا الحجم الكبير من التنوع والتعدد في الآراء والأذواق، وبسبب فقدان التجانس في المجتمع (أو مجتمع علماء العلوم الدينية)، هل سيكون لهذا النوع من المجتمع، بسبب فقدانه هوية واحدة ومنسجمة، القابلية لأن يُعتمد عليه ويُوثق به؟ وبتعبير أدق، هل يمكن مع مجتمع متعدد ومتنوع كهذا أن نتخذ علاقة التابع والمتبوع؟! أو ربما أن المقصود بالسلف الصالح ليس هذه القرون الثلاثة ولا الأمة أو الأمم الداخلة في هذه القرون الثلاثة، بل مجموعة فرعية أو مجموعات فرعية خاصة من الأمة الإسلامية تقع ضمن هذه القرون الثلاثة. وفي هذه الحال، سيكون السؤال الرئيس هو: ما هو معيار التمييز وملاك الترجيح لهذه المجموعة الفرعية أو المجموعات الفرعية الخاصة من بين سائر المجموعات الفرعية الممكنة الأخرى الداخلة في هذه القرون الثلاثة؟ وزيادة على ذلك، ما هو المراد تحديدًا من «كونهم صالحين»؟ هل الصلاح «صفة أخلاقية» وبالتالي فهو وصف للأعمال، أم هو «صفة معرفية» وبالتالي فهو وصف للأفكار، أم هو وصف لكليهما؟!
رابعًا: إن تكوّن واتساع المذاهب الفقهية العديدة في القرنين الثاني والثالث الهجريين كان نتاجًا «للتقليد النقدي» في أوساط مجتمع علماء الدين أكثر مما كان نتاجًا «لتقليد النقل الدوغمائي للتعاليم الدينية». حتى إن أئمتنا الفقهاء، باتخاذهم «مقاربة نقدية» بدلًا من «مقاربة إذعانية» تجاه أساتذتهم (الذين كانوا ولا يزالون يُعتبرون جزءًا من السلف الصالح)، توصلوا إلى آراء مختلفة بل ومتعارضة مع آرائهم.
وبالطبع، لا ينبغي البتة، مما قيل، أن نستنتج عدم الاكتراث بالسلف، وخصوصًا السلف الصالح. فبشكل عام، كل إنسان، متدينًا كان أو غير متدين، مدين لأسلافه بما لديه. إن قوام العقلانية يقوم على الميراث المتبقي من الأسلاف ويعتمد عليه. إن الغفلة التامة عن الماضي وقطع الصلة به ليس أمرًا ممكنًا ولا مرغوبًا. ليس ممكنًا لأنه يختزل الإنسان إلى عتبة التفريغ من الإنسانية وفقدان الذاكرة الفردية والجمعية. وكما يُقال: «من لا يعرف ماضيه محكوم عليه بأن يكرره باستمرار». ومن ناحية أخرى، ليس مرغوبًا أيضًا، لأن معاداة الماضي تقذف بنا إلى زمن آدم وحواء وتضعنا في الموقع البدائي، وهكذا ينبغي دائمًا أن نختبر كل شيء من جديد ونتغافل عن نقل تجارب الأسلاف ونبقى على الدوام في دورة باطلة وبصورة تائهة في الزمان. والحاصل أن القول بهذا الادعاء «الماضي قد مضى» قول غير لائق، والادعاء الصائب الذي يمكن الدفاع عنه هو «الماضي لم يمضِ».
فكرة الإصلاح:
یعنی همان که در علم میگویند : ما بر شانهی غولها ایستادهایم. در واقع پیشنهاد شما، بازخوانی انتقادی ذخائر سلف است. یعنی ما از سلف الهامگیری و اقتباس کنیم اما استقلال خود را حفظ کنیم، که البته دیگر به چنین کاری «سلفیمآبی» درمعنای رایج، شاید نتوان گفت.
عمر احمدی:
بله دقیقاً. نیوتن میگفت من اگر نیوتن هستم به این جهت است که روی شانهی غولها ایستادهام. نیوتن روی شانهی غولهایی مانند کوپرنیک ، کپلر ، گالیله وعالمان دیگری از منجمین و فیزیکدانان به نام وشهره ، ایستاده بود. او روی شانهی اسلاف ایستاد اما در اسلاف متوقف نشد. اگر در اسلاف متوقف میشد ، مکانیکاش باید مکانیک گالیلهای میشد. در حالی که این توفیق را یافت تا مکانیک نیوتنی را تولید کند. اما تولید مکانیک نیوتنی از سوی وی ، وامدار قرار گرفتنش روی شانهی غولهاست. از همین رو، ما نیز نباید بیاعتنا به سلف یا سلف صالح باشیم، ولی این به این معنا نیست که از آنها زندان بسازیم. سلف صالح، هر گز نباید بسان میلههای زندانی باشند که ما را از حرکت بازدارند، بلکه آنها باید چون پلههایی باشند که ما را فراتر ببرند تا بدینگونه بتوانیم از منظررفیع تری عالم رانظاره کرده وبدینگونه افق معرفتی مان را توسعه دهیم.
برای تقریب هرچه بیشتر مدعای فوق به ذهن ، مناسب می دانم دوگانه « اخلاف واسلاف» را با دوگانه هایی چون « تخیل وتفکر » و « پرواز ومقاومت هوا » مقایسه کنم . همه ما می دانیم که حدی ازتخیل برای تفکر بسیار ضروری است ، اما افراط درتخیل سراز « خیالبافی » درمی آورد ورابطه آدمی رابا واقعیت تهدید به گسست می کند. و تفریط در تخیل نیز آدمی راتاسرحد نابودی « خلاقیت فکری» سوق می دهد. به طریق مشابه ، حدی ازمقاومت هوا، پرواز کردن راسهل وممکن می گرداند. اما کثرت مقاومت هوا، پرواز را سخت ویاغیرممکن می سازد. ازسوی دیگر، قلت مقاومت هوا(تقریبا خلاء) نیز پرواز را دچار سختی کرده وممکن است به سقوط بیانجامد. برهمین قیاس ، حدی ازنزدیکی وتعامل اخلاف با اسلاف سبب رشد وترقی وشکوفایی می شود. اما نزدیکی بیش از حد (= ذوب شدن) اخلاف به اسلاف، به انحطاط ، تحجر وسنگواره شدن اذهان منتهی می شود. بریدن ازگذشته نیز « اگر ممکن باشد » به فقدان حافظه فردی وجمعی وتهی شدن از انسانیت منجر می شود. بنابراین ، برای برقراری رابطه ونسبتی سازنده بین هر کدام از این دو گانه ها ، باید با ظرافت ودقت بسیار به تناسب وتعاملی مؤثر وسازنده بین آن دو نزدیک شویم .
باری ، در این شکی نیست که سابقین ازصحابه ومتقدمان نهضت اسلامی، شاگردان مستقیم پیامبر(ص) بودند که درمحضر وی تعلیم یافته ورشد کرده بودند وبه همین جهت پر روشن است که آن بزرگواران بهترین فهم ازدین را داشتند، اما بهترین فهم دینی که در خور عصر خود شان بود ، نه بهترین فهم از دین که درخور همهی اعصارباشد. چراکه این کاراز اساس شدنی نیست. زیرا هر فهمی تخته بند شرایط زمان و مکان خودش است. برای تحکیم این مدعا حداقل می توان به چند شاهد صدق اشاره کرد : می دانیم امروزه قائلان به « اعجازعلمی قرآن » علی الاغلب درمیان لایه های سنتی ترعالمان جامعه دینی یافت میشوند تا نزد نوگرایان دینی. با قدری تأمل در می یابیم که آنان با قول به اعجازعلمی قرآن ، ازیک سو مرجعیت واعتباریافته های علمی جهان مدرن را درتفسیر پاره ای ازآیات قرآن ، پذیرفته اند وازسوی دیگر ، ناخواسته درخصوص تفسیرعلمی این دسته ازآیات به ترجیح وتصویب فهم وتفسیر عالمان امروزی ومرجوح بودن وتخطئه فهم وتفسیرپیشینیان وحتی صحابه رأی داده اند.
علاوة على ذلك، فإن العديد من المفاهيم، تصورًا وتصديقًا، معرضة للتحول (بل التكامل) عبر الزمن. ولا شك أن فهمنا وإدراكنا اليوم لمقولة مثل «العدالة» قد شهد تحولًا (أو تكاملًا) كبيرًا. ففي مجالات مثل العدالة السياسية والعدالة القضائية والعدالة الاقتصادية، لم نعد نجد فهم القدماء وإدراكهم لهذه المقولات مرضيًا بالقدر الكافي. ففي مجال كالعدالة السياسية، قلما تجد اليوم من هو مستعد للتضحية بالنموذج السياسي الديمقراطي على مذبح نموذج الخلافة. وفي مجال العدالة القضائية أيضًا، لا نرى تشكيل المحاكم على طريقة القدماء وافيًا بالغرض؛ تلك المحاكم التي كانت، وفقًا للفقه الإسلامي التقليدي، تعتمد فقط على عدالة القاضي الفرد، ولا أثر فيها لهيئة المحلفين أو المحامي المدافع أو المدعي العام. أضف إلى ذلك، أنه إذا كانت «الأساليب الجرمية» لدى الأسلاف في الفقه الإسلامي التقليدي، والتي قامت أساسًا على «شهادة الشهود واليمين والإقرار»، تُعتبر «لازمة وكافية»، فلا شك أن هذا النوع من علم الجريمة الفقهي لم يعد اليوم، في أحسن الأحوال، سوى «لازم ولكنه غير كافٍ». ومن هنا، توصل الإنسان، بغية بسط العدالة القضائية وتحقيقها على أوسع نطاق، وبما يتناسب مع ارتقاء مستوى معارفه وتجاربه، إلى تطوير أساليب كشف الجريمة وتحسينها. إن اللجوء إلى الوسائل السمعية والبصرية المتطورة، وكذلك استخدام البصمات والاستعانة بالفحوصات الجينية والحمض النووي DNA وغيرها، بغرض كشف الجريمة، يؤكد المدعى أعلاه.
والحاصل أن الصحابة كانوا عبادًا محظوظين، نزل لهم الدين بقدر ما يتناسب مع مستوى معرفتهم ونمط معيشتهم. وكون كثير (أو معظم) أحكام باب المعاملات إمضائية يشهد على صحة هذا المدعى. في حين أن هذا الحظ قد أدبر عنا اليوم، لذا يتعين علينا، عند مواجهة النصوص المقدسة، أن نسعى إلى فهم للنص يتناسب ويتلاءم مع نمط معيشتنا ومستوى معرفتنا. لذلك، يجدر بنا أن نقبل على فهم تراث السلف الصالح بدقة وشغف وافرين، وبروح من التعاطف، وأن نستلهم منه، على نحو يهيئنا ويجعلنا مستعدين لتوظيف اجتهاد قائم على النموذج، كي نتمكن، بالاعتماد عليه، من إظهار فاعلية الدين في العالم الجديد، وتهيئة الظروف التي تجعل العيش المؤمن ممكنًا في العالم المعاصر.
فكرة الإصلاح:
إذن، برأيكم، هل يمكن اعتبار الجذر الرئيسي للقراءات المتطرفة والعنيفة للدين هو الاجتهاد القانوني المحور؟
عمر أحمدي:
في تحليل المسائل، وخاصة المسائل الاجتماعية، ينطوي النهج الاختزالي على مخاطرة، وقد يتسبب في إغفال جوانب وأبعاد أخرى للمسألة. ولهذا السبب، لا ينبغي لنا، بتبني هذا النوع من النهج، أن نختزل المضلعات إلى ضلع واحد من أضلاعها. فهناك شبكة من العلل والعوامل يمكن أن تسهم في تشكيل القراءة العنيفة للدين. لكن من المؤكد أن دورها في تكوين هذا النوع من القراءة للدين ليس واحدًا. علاوة على ذلك، فإن هذه العلل تنتمي في الغالب إلى أصناف العلل النفسية، والاجتماعية، والمعرفية، واللغوية، والأخلاقية، والتاريخية، أو الاقتصادية. وبالطبع، يمكن أن يكون «الاجتهاد القانوني المحور» أحد علل القراءة العنيفة للدين، وهو من سنخ العلل المعرفية. ذلك الاجتهاد الذي لا يمكن أن يتشكل ويستمر في الحياة إلا في سياق «النصية» (= سلطة النص). تلك «النصية» التي تجد قوامها ودوامها في الاعتماد والارتكاز على «الاكتفاء بالحديث».
والآن، السؤال الرئيسي هو: كيف وبأي صورة يمكن أن يساهم «الاجتهاد المتمحور حول القانون» في القراءة العنيفة للدين ويؤدي دوراً فيها؟ نحن نعلم جيداً أنه في العالم التقليدي، كان جزء من الأحكام الدينية مثل أحكام الرق، والقصاص، والسرقة، والرجم، والردة، وتارك الصلاة... (وهي منصوص عليها في القرآن والسنة أو هي نتاج اجتهادات الفقهاء) تُعتبر من مصاديق «العنف المباح أخلاقياً». لكن في المقابل، في العالم الحديث، تُعتبر هذه الأحكام من مصاديق «العنف غير المباح أخلاقياً». إن «الاجتهاد المتمحور حول القانون» هو بمثابة مطية تنقل هذا النوع من الأحكام بسهولة إلى العالم المعاصر وتعممها عليه، وبهذه الطريقة تُسعف القراءة العنيفة للدين. بعبارة أخرى، إن القائلين بـ «الاجتهاد المتمحور حول القانون» بحصر أنفسهم وتقييدها في الماضي وملء حناجرهم ورئاتهم بغلافه الجوي ومناخه، قد أصبحوا غرباء عن العالم المعاصر. غربة واغتراب قد يجعلان المعروفات في العصر تبدو في نظرهم منكرات، ومنكراته معروفات. ولهذا السبب، فإن المقاربة القائمة على الاجتهاد المتمحور حول القانون، خاصة إذا ما اقترنت بهاجس تطبيق الشريعة وتنفيذها (= السلفية الراديكالية + الإسلام السياسي)، ليس من المستبعد أن تؤجج ظروفاً تجعل العيش المؤمن في العالم الجديد يواجه تحدياً وتوتراً أساسيين.
وجدير بالذكر أنه حتى بين الشرائح الأكثر تقليدية بل والمتطرفة، وعلى الرغم من كثرة الدعاوى في المجال النظري، يُلاحظ أن هذا القسم من المؤمنين أيضاً، في العالم المعاصر، لم يسلم من تحدي الحداثة، ووجدوا أنفسهم في حالات مضطرين إلى تجاوز قسم من النصوص (القرآن والحديث) عملياً والعدول عنها بشكل ما. تحدٍ تسبب في نشوء فجوة بين العمل والنظر لدى هذه الفئة من المؤمنين، مما أضر بتماسك شخصيتهم. فجوة يمكن أن تُفسر في الأدبيات الدينية كمصداق من مصاديق النفاق العملي. وفي هذا الصدد، يمكن على سبيل المثال ذكر الحالات التالية: عدم الاهتمام بالطب النبوي وإهماله، وفي المقابل الإقبال الجازم الذي لا تردد فيه على الطب الحديث، إضعاف وتلاشي المباحث المتعلقة بأحكام المطهرات والنجاسات (الماء الكر، القليل...). الأخذ بجدية بالتوصيات الصحية الحديثة وكذلك الأحكام الحديثة المتعلقة بالتغذية خاصة للمرضى. استخدام التلفزيون الذي أصبح اليوم أمراً شائعاً وتسبب في استهلاك سخي لمنتجات مجال «الغناء» و«الموسيقى» و«أفلام الكرتون» (تصوير الكائنات الحية). وهذا الأمر أدى بدوره إلى تجاهل أحاديث كثيرة وردت في كتب الصحاح الستة. وكذلك تلوث الحياة الاقتصادية بـ «المعاملات الربوية» على الرغم من التصريحات القرآنية. هذه النماذج المذكورة ونماذج أخرى كثيرة، هي شاهد على صدق المدعى أعلاه.
لكن على الرغم من تورط «الاجتهاد المتمحور حول القانون» في تكوين القراءة العنيفة للدين، فمن غير الجائز المبالغة في هذا الشأن وإعطاؤه حصة كبرى. وبقدر ما أدرك، ربما يمكن القول إن أحد الأسباب الرئيسية في تكوّن وتشكّل هذا النوع من القراءة للدين هو «تآكل الهوية الأخلاقية» أو بعبارة أخرى «إضعاف وتلاشي المعتقدات والبديهيات الأخلاقية» لدى القائلين بالقراءة العنيفة والمتطرفة للدين. سبب يمكن أن يكون «الاجتهاد المتمحور حول القانون» أيضاً متأثراً به بشكل ما أو حتى معلولاً له. وبالطبع، فإن المقصود هنا بـ «المعتقدات الأخلاقية»، بالمعنى الواسع للكلمة، هو «المعتقدات الأخلاقية المتعلقة بمجال الأفكار» و«المعتقدات الأخلاقية المتعلقة بمجال الأعمال» معاً. من المسلم به أن قراءة النص لا يمكن أن تتم في فراغ، بل إن «الخلفيات المعرفية الراسخة والسابقة الشخصية المهذبة والمزكاة للفرد» (= التقوى ما قبل الدينية) لها مدخلية في عملية دخوله إلى عالم النص المقدس وتقديمه قراءة قابلة للدفاع عنه.
إن الغفلة وعدم الاكتراث بالدور الأساسي لـ «التقوى ما قبل الدينية» في قراءة النص المقدس، يعرضان الفرد بسهولة للسقوط في مهاوي «التفسير بالرأي». في هذه الحالة يصبح الفرد جريئاً ووقحاً لدرجة أنه يكون مستعداً بلا مبالاة لوضع كلامه على لسان الشارع، ويتحول هو نفسه بدلاً منه إلى ميزان ومعيار لسبر ادعاءات الدين.
وكما يقول آرش نراقي، فإن عملية الدخول إلى عالم النص المقدس هي عملية خطيرة ومحفوفة بالمخاطر أحياناً. من المنظور الديني، النص المقدس إذا فُهم فهماً صحيحاً كان مصدراً للخلاص، أما إذا فُهم فهماً خاطئاً فسيكون مصدراً للضلال والهلاك. وفي إشارة إلى هذه الخاصية للنص المقدس يقول مولانا:
زآنکه از قرآن بسی گمره شدند
زین رسن قومی درون چاه شدند
مر رسن را نیست جرمی ای عنود
چون تو را سودای سر بالا نبود
ويرى مولانا أيضاً أن شرط قبول الهداية من الكلام الإلهي هو نوع من الطهارة الباطنية. فمن وجهة نظره، لا يمكن إدراك الحقائق القدسية بأذن ملوثة (أو بتعبيره «أذن الحمار»)، ولهذا الغرض لا بد من إيجاد «أذن أخرى»:
گوش خر بفروش ودیگر گوش خر
کاین سخن را در نیابد گوش خر
نحن نعلم أننا نواجه عقبات لدخول عالم النص المقدس، وبعض هذه العقبات من طبيعة معرفية. لقد احتاج فهم القرآن في كل العصور إلى تعلم جملة من العلوم التمهيدية كالصرف والنحو، ومعرفة أحوال العرب في الجاهلية، والعلوم البلاغية، وعلم اللغة، والعلوم القرآنية وغيرها. والجهل بهذه العلوم والمقدمات يحول دون فهم الفرد الدقيق لإشارات القرآن ومعانيه. ولكن بالإضافة إلى ذلك، ومن أجل تسهيل وتسريع عملية الدخول إلى عالم النص المقدس، ثمة حاجة إلى «أخلاقيات البحث وآدابه» (= الأخلاق الناظمة لمجال الأفكار). وفي هذا المقام أيضاً، ينبغي للفرد في ميدان التفكير، على الصعيد النظري، أن يتحلى بالفضائل العقلية (= المعرفية) ويتبرأ من الرذائل العقلية (= المعرفية) (= جزء من التقوى ما قبل الدينية).
ولهذا السبب، وبغية الوصول إلى فهم صائب للنص المقدس، ينبغي للفرد من جهة أن يتحلى ويتزين بالفضائل العقلية. فضائل مثل: شجاعة المعرفة، والحلم، والصبر، وتقوى السمع (الاستعداد لسماع ما ينبغي، لا ما يُشتهى)، وتقوى البصر (الاستعداد لرؤية ما ينبغي، لا ما يُشتهى)، وتقوى القول والكتابة (الاستعداد لقول وكتابة ما ينبغي، لا ما يُشتهى)، والتعاطف والتعاون مع المخالفين في الرأي، والتواضع، والاجتهاد، وطلب الحق وغيرها. ومن جهة أخرى، ينبغي للمفكر في مقام التفكير أن يُنزه نفسه ويهذبها من الرذائل العقلية. رذائل مثل: الجبن، والعجلة، والنرجسية، واتباع الأهواء النفسية، والتعصب، واللجاجة، والعناد، والتكبر، والفتور، والكسل، ومعاداة الحق وغيرها.
وعلى هذا الأساس، كان الأجدر بالقائلين بقراءة عنيفة للدين، أن يتأدبوا بآداب «أخلاقيات البحث»، ودفعاً لشبهة «التفسير بالرأي»، في فضاء «ازدواجية صوت النص المقدس» (التي هي تجليات لصفات الجمال والجلال الإلهي)، أن يتحلوا بالصبر وأن ينظروا إلى الله بتأمل وحلم وطلب للحق وبعيداً عن التعصب والتسرع والتهور، لا أن يروه حصراً في صورة «المنتقم، الجبار، سريع الحساب، والمضل». بل كان عليهم، كما هو لائق وضروري، أن يعرفوا منزلة الله وقدره أكثر، وأن يروه ويجدوه أيضاً «رحماناً، رحيماً، رؤوفاً، هادياً، وغفوراً». وهذا التهور منهم يأتي في وقت ألزم الله فيه المؤمنين، قبل الدخول إلى عالم النص المقدس، بقول «بسم الله الرحمن الرحيم» بدلاً من «بسم الله المنتقم سريع الحساب» في بداية كل سورة (عدا سورة التوبة)، ليجعلوا ساحة أذهانهم ونفوسهم بداءةً مصبوغة ومسبوقة بفضاء «الرحمة الإلهية» المعطر، ثم يقدموا على تدبر وفهم كلام الباري في مثل هذا الفضاء. وذلك كي يبلغوا قراءة للنص تكون معطرة بالكامل بـ «عطر الرحمة الإلهية».
علاوة على ذلك، فإن «تقليص وإضعاف المعتقدات وينابيع الحدس الأخلاقي» في «مقام العمل» أيضاً، سيدفع القائلين بقراءة عنيفة للدين نحو أقل قدر من التعاطف مع الآخرين. إن جفاف ينابيع الحدوس الأخلاقية قد حرمهم من نعمة قوة التخيل إلى درجة أنهم قد لا يستطيعون بصعوبة أن يضعوا أنفسهم مكان الآخرين أو أن يضعوا الآخرين مكانهم. ومع هذا الوصف، لا يمكنهم التفكير في تخفيف آلام وأوجاع الآخرين وزيادة فرحهم ورضاهم، أو الاهتمام بذلك عملياً. بل على العكس، فإنهم بداءةً وببساطة وسهولة، يصمون أعداداً غفيرة من الناس بغير حق بأنهم «مخطئون، ومذنبون، ومجرمون»، ثم في خطوة متسرعة، وبدلاً من كره «الخطأ، والذنب، والجرم»، يميلون أكثر إلى كره «المخطئين، والمذنبين، والمجرمين».
به بیانی دیگر ، تضعیف شهودات اخلاقی نزد آنان، به تقلیل حساسیت نسبت به کاستن از محنت ودرد ورنج جامعه انسانی وغفلت از نتایج مقصوده ویا غیرمقصوده حاصله از نوع خوانش ها یشان ازدین ، منجر می شود . لذا چنین افردی بواسطه «فرسودگی هویت اخلاقی » ، درمقام فهم دین ویا در مقام صدور اجتهادات فقهی ، بی توجه نسبت به تبعات وپیامدهای آن نوع از فهم یا حکم فقهی ، به نحوی گستاخانه وبی پروا ، چه بسا از حریم چهارچوبهای اخلاقی عبور کرده واز آن تخطی نمایند . به بیان دیگر ، آنها در مقام فهم دین ویا درمقام اجتهادات فقهی وصدور فتاوای شرعی ، یافته هایشان را کمتر با « ترازوی اخلاق » می سنجند . لذا به سهولت نسبت به اصل اساسی وبنیادین « اخلاقا ابطال پذیری دعاوی دینی» ، غفلت کرده وکمتر آنرا حاکم برپژوهش های دینی وفقهی شان می کنند . به همین دلیل بسیار محتمل است به خوانشی ازمتن مقدس یا صدور فتوایی شرعی نا ئل شوند که مصداقی از « خشونتهای اخلاقا ناروا » باشد .
اما درپایان پاسخ به این سئوال ، شاید ذکر این نکته نیز خالی ازفایده نباشد که درکنار عللی که درتکوین خوانش خشونت آمیز از دین سهیم اند ، بتوان از علت دیگری نیز یاد کرد . درجوامع دین مدار، جریانهای مسلط سیاسی درعرصه قدرت ، اعم ازجریانهای دینی و لائیک، درمعرض سوء استفاده ابزاری ازدین قرار دارند . دراین راستا ، آنها بیش ازهر وقت دیگر ، مستعد اخذ وبکارگیری قرائت خشن وغیر رحمانی از دین هستند . زیرا ، ازیک سو با به نمایش گذاشتن چهره خشن از دین و اجرای احکامی چون سنگسار ، ارتداد ، حد سرقت وغیره که « ملموس ترین وجه از دین » تلقی می شود ، در صددند با تظاهر به « شریعت اندیشی وشریعت مآبی » وبه قصد فریب اذهان خود را در « سلک شریعتمداران » جای دهند . واز سوی دیگر، براین گمانند که از رهگذر کاربست واجرای این احکام خشن، می توان گرد وحشت ومرگ را برفضای عمومی جامعه پاشانده تا بدینگونه به تحکیم پایه های قدرت مدد رسانند. کثرت وغلظت عمل به احکام خشن فقهی ، خصوصا اجرای حد سرقت و همچنین به قتل رساندن شخصیت نواندیش و برجسته ای چون استاد محمود محمد طه سودانی به اتهام ارتداد در دوره حاکمیت جعفر نمیری، رئیس جمهور وقت سودان ، شاهدی در تأیید این مدعاست . اضافه بر آن ، صدور حکم سنگین ارتداد نصر حامد ابو زید وحکم به جدایی همسرش از وی در دوره حاکمیت حسنی مبارک، رئیس جمهور اسبق مصر، براین ادعا صحه می گذارد.
اندیشه اصلاح:
به نظر شما، فارغ از این ضلع، در دنیای مدرن چه عامل سوختدهندهای به این جریان خشونتگرا و افراطی وجود دارد؟
عمر احمدی:
برخی تحلیلشان این است که مقولهی بنیادگرایی هم مثل مدرنیسم امر جدیدی است. بنیادگرایی عملاً متأثر از مقولهی مدرنیته است و پاسخی نه، بلکه واکنشی شتابزده در مقابل مدرنیته است. مدرنیتهای که جهانگیر شده و هویت سنتی جوامع اسلامی را به چالش کشیده و این سببساز تنش شده است. محصول این تنش به نوعی واکنش تیز و تند در مقابل جریان مدرنیته است و این نیز می تواند سبب تکوین بنیادگرایی باشد. به یک تعبیر، بنیادگرایی همزاد مقوله مدرنیته است و گفته میشود ما در گذشته مقولهای با نام بنیادگرایی نداشتهایم. هر چند در گذشته خشونت بوده، اما خشونت درگذشته ، صورتبندی بنیادگرایانه به شکل امروزی نداشته است.
اندیشه اصلاح:
به نظر شما در تکوین این واکنش شتابزده، دنیای غرب را تا چه اندازه میتوان مقصر دانست؟
عمر احمدی:
میتوان نسبت به گرایشات مدرنیستی هم نگاههای انتقادی در حیطهی نظر و عمل داشت. اینکه در عمل آنها اهداف استعماری جهانی داشتند، داعیهی جهانیسازی و یکسانسازی بر مبنای نظم جهانی داشتند، در دل تمدن غرب هم با انتقاد و چالش جدی مواجه شده است. پستمدرنها هم امروزه مخالف با این یکسانسازی و فراروایتهایی هستند که به بهانهی جهانیسازی، الگوهای خودشان را تحمیل میکنند. در راستای تحمیل این الگوهاست که گاهی واکنشهای افراطی در جوامع مسلمان شکل میگیرد. از این جهت جوامع غربی هم مقصرند.
اندیشه اصلاح:
به نظر میرسد پاسخ مناسب مسلمانان به تحولات اندیشگی دنیای جدید «بازسازی فکر دینی» باشد. این بازسازی در نگاه شما متضمن چه ابعادی است؟
عمر احمدی:
إذا أردنا أن ننعم بحياة دينية لائقة في عالم اليوم، فعلينا أن نُقدم على إعادة بناء الفكر الديني وفقاً للفهم الذي نمتلكه عن معارف وعلوم العالم الحديث. وهذا ما كان محمد إقبال لاهوري قد تنبّه إليه جيداً حين قال إن علينا أن نعرف ثقافة الغرب وعلمه وحضارته معرفةً جادة، وأن نعيد النظر، انطلاقاً من هذه المعرفة مقرونةً بنظرة نقدية إلى الماضي الإسلامي، في مجمل أسس الفكر الإسلامي، حتى نتمكن من إعادة بناء عقلانية للفكر الديني، وبمعونة هذه الإعادة العقلانية سنستطيع التفاعل مع العالم الجديد وممارسة التدين.
إن إعادة بناء الفكر الديني وفقاً لتصور إقبال لاهوري تقتضي حركتين: أولاً، مراجعة نقدية للتراث، وثانياً، مراجعة نقدية للحداثة. وهاتان النظريتان النقديتان بوسعهما أن تمهدا الطريق للتجديد الديني.
أنديشه إصلاح:
ماذا تقصدون بالتجديد الديني؟
عمر أحمدي:
للتجديد الديني طيف عريض. ففي معناه الأكثر تخفيفاً، يُفهم التجديد الديني في إطار "الفقه الديناميكي". الفقه الديناميكي لدى القائلين به هو نوع من السعي للإجابة عن المسائل المستحدثة، وهو أضعف صور التجديد الديني وأقلها مطلباً. لكن في الطرف الآخر من الطيف، يُطرح التجديد على مستوى أعمق، وهو من نوع التوجهات التي يتبناها أشخاص أمثال إقبال لاهوري، وفي إيران أشخاص كعبد الكريم سروش هم روادها.
أنديشه إصلاح:
هل يمكن القول إن معظم المعتقدات الفكرية والكلامية تتعرض للمراجعة في هذا التجديد الأساسي؟
عمر أحمدي:
لا شك بالطبع أن إعادة بناء الفكر الديني لا يمكن أن تنفصل عن إعادة بناء التفكير الديني في الحقل الكلامي. فنوع التصور الكلامي الذي نحمله عن الله في مجال علم الكلام ينعكس تماماً على نظرتنا الفقهية.
أنديشه إصلاح:
كنت أعني: هل يمكن اعتبار عدم الفاعلية النسبي لفكرة "الفقه الديناميكي" ناتجاً عن الافتقار إلى عمليات إعادة التفكير اللازمة في الجوانب الكلامية؟
عمر أحمدي:
برأيي أن أهم مشكلات الذين كانوا يدّعون الفقه الديناميكي هي أنهم كانوا يعرّفون العالم الجديد تعريفاً تبسيطياً، وكانوا يظنون أن العالم الجديد هو استمرار للعالم التقليدي نفسه وأن مسائله هي المسائل نفسها، غير أنها أضخم وأوسع نطاقاً. في حين أن الإنسان والعالم قد تبدلا، وأن الفهم والإدراك تجاه العالم والإنسان قد تغير. أي حدثت ثورة في حقل التصورات والتصديقات، وتشكل نموذج إرشادي جديد. نموذج إرشادي بعيد جداً عن النموذج الإرشادي التقليدي. وعلى هذا الأساس لا يمكننا القول إن العالم الحديث صار امتداداً وتوسعاً للعالم التقليدي، وإن المدافع والدبابات والصواريخ هي امتداد لتلك السهام والأقواس العادية. بل حدث نوع من الثورة الماهوية في حقل التصورات والتصديقات.
أنديشه إصلاح:
برأيكم، إلى أي حد يمكن لإقبال لاهوري أن يكون عوناً في مسار التجديد الديني؟
عمر أحمدي:
إن الركن الركين للتدين وممارسة الدين هو الاهتمام بمقولة "التجربة الدينية". في النموذج التقليدي، بسبب التركيز الشديد على منظومة الاعتقادات الدينية، يُعتبر من يمتلك تلك المنظومة الاعتقادية متديناً، في حين أن الأمر في نظرة وفهم وتصور إقبال لاهوري ليس كذلك، فمحور "التجربة الدينية" هو أساس الدين وجوهره. في النموذج التقليدي والسائد، والذي يزداد تركيزاً لدى النزعات السلفية أيضاً، تكتسب منظومة الاعتقادات أهمية بالغة، ويكون الركن الركين في فهم الدين هو توجيه الانتباه إلى منظومة الاعتقادات الدينية، وعلى هذا الأساس تكتسب مقولة التوحيد والشرك كل هذه الأهمية، وتكون أهمية التدين أكبر بكثير من ممارسة الدين. في النموذج التقليدي حيث تقع "المنظومة الاعتقادية" في بؤرة الدين، يُعتبر "التدين"، أي امتلاك وحيازة سلسلة من المعتقدات، معياراً للنجاة، أما في نموذج إقبال لاهوري التجديدي حيث تكون "التجربة الدينية" في بؤرة الاهتمام وتُعتبر جوهر الدين، فإن "ممارسة الدين"، أي نوع من التجربة والمعيشة والسلوك المستمر، هي ما يقع عليه التأكيد.
الآفة الكبرى التي تهدد النظرة التقليدية والسلفية هي «عبادة العقيدة». لدى مصطفى ملكيان مقالة جديرة بالقراءة بعنوان «عبادة العقيدة». بمعنى أن كل من لديه همّ «التدين» ويؤكد على منظومة المعتقدات الدينية يكون عرضة لصنم جديد خفي ومستتر للغاية، صنم يُدعى «صنم العقيدة». ذلك أن «العقيدة بالله» غير «الله»، وهي «عن الله» وبالتالي فهي «من دون الله». وعلى هذا الأساس، بالنسبة لمن يبالغ في التأكيد على العقيدة ويقول بوجوب التضحية بكل شيء في سبيلها، يمكن أن تحل «العقيدة بالله» محل «الله» بسهولة. أي أنه بسبب الاهتمام المفرط بمنظومة المعتقدات الدينية، فإن هذه المنظومة التي هي في الأصل سهم موجه نحو الله، بدلاً من أن تؤدي دورها كوسيط ناقل، تتحول إلى عائق. أحياناً إذا ضلّت الأسهم اتجاهها، تتحول إلى هدف وتفقد دورها كدليل. وهكذا تحل «حيثية الموضوعية» محل «حيثية الطريقية». لدى إقبال اللاهوري، الاهتمام بالتجربة الدينية مهم جداً.
«التدين» هو من سنخ مقولة العشق. لدينا ما يسمى بـ«العشق»، ولكن ليس لدينا مقولة اسمها «امتلاك العشق». إذا لم ينخرط المرء بكل كيانه ولم يجد تجارب روحية عميقة، فهو ليس مؤمناً بذلك المعنى الدقيق. تشكل التجربة الدينية الجزء الأكبر من مباحث كتاب تجديد الفكر الديني لإقبال اللاهوري. يريد إقبال أن يعطي التجربة الدينية حقها ويضعها في مركز نموذجه في فهم الدين.
أنديشه إصلاح:
بطبيعة الحال، في هذا النموذج الإقبالي لفهم الدين، يكتسب العرفان أهمية بالغة
عمر أحمدي:
نعم، لهذا السبب يولي إقبال أهمية كبيرة للعرفان ويستخدمه عملياً ويتأثر بإنجازات العارفين. لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بنظرته النقدية، وله موقف نقدي من آثار وتبعات التصوف السلبية. خصوصاً نقد التصوف الذي يؤكد على الفقر والانعزال عن الساحة الاجتماعية والتهرب من المسؤولية.
أنديشه إصلاح:
يمكن في سياق الفكر الإسلامي تمييز ثلاثة أطياف رئيسية: الفقهاء والمتكلمون والعرفاء. ويبدو أن من لوازم إعادة بناء الفكر الديني هذه، التي تجد فيها «التجربة الدينية» موقعاً محورياً وتتصدر المشهد، هو الإهمال المتزايد للبعد الفقهي من الدين. وكأن المجددين الدينيين، في هذا التصور، يقتربون تدريجياً من العرفاء ويبتعدون عن الفقهاء. ما رأيكم في هذا الشأن؟ ثم إن ما يميز الهويات الدينية عن بعضها هو بشكل أساسي المعتقدات الكلامية والفقهية. لكن في التجارب الدينية يبدو أن هناك وحدة متعالية. أي أن إعادة بناء الفكر الديني هذه، بتأكيدها على محورية «التجربة الدينية»، تؤدي في النهاية إلى فهم تعددي للدين، نظرة يسعى فيها الفرد إلى نوع من التعالي الوجودي. برأيكم، ألا يؤدي التأكيد على مقولة التجربة الدينية إلى مزيد من التخفيف من حدة الهويات الدينية المتميزة، وفي النهاية إلى محوها؟
عمر أحمدي:
لا ينبغي النظر إلى إقبال بنظرة اختزالية. نعم، أكد إقبال على التجربة الدينية، لكنه كان يولي أيضاً أهمية بالغة لمقولة الفقه والشريعة. يمكن في منظومة المعرفة الدينية عند إقبال وضع الركن الركين «للتجربة الدينية» في المتن، وتعريف الأبعاد الأخرى في الهامش.
لدينا كتابان كلاهما يتحدث عن إحياء الفكر الديني. أحدهما إحياء علوم الدين للإمام محمد الغزالي، والآخر تجديد الفكر الديني لإقبال اللاهوري. كلاهما يتحدث عن الإحياء. الغزالي أيضاً ينطلق من افتراض أن العلوم الدينية في حالة موت، وكان يشعر بالالتزام بإحيائها. في نظره، كانت العلوم الدينية ميتة أو في حالة احتضار بمعنى أن العلاقة بين الهامش والمتن قد انقلبت. أهم ما قام به الغزالي هو أنه أعاد للأخلاق والعرفان والباطنية حقها من القشرية الفقهية. كان اعتراضه أن الفقه قد وضع في المتن بينما وضعت الأخلاق والعرفان في الهامش. كل جهد الغزالي الإحيائي كان في هذا الاتجاه، أن يغير هذه العلاقة بين المتن والهامش، وكان يرى في ذلك معنى إحياء الفكر الإسلامي.
أنديشه إصلاح:
ما هو الفرق بين الجهد الإحيائي لإقبال اللاهوري والإمام محمد الغزالي؟
عمر أحمدي:
على الرغم من أن الاهتمام بالعرفان والباطنية يكتسب أهمية كبيرة لدى إقبال اللاهوري أيضًا، إلا أنه يمكن الإشارة إلى نقاط عديدة في أوجه الاختلاف الرئيسية. من بينها أن الغزالي وقف في وجه الفلاسفة وطعن في الفلسفة ونبذها، وكفّرهم في ثلاث مسائل على الأقل من أصل عشرين مسألة. في حين أن إقبال اللاهوري يذكر صراحةً أسماء العديد من الفلاسفة في كتابه ويتأثر بهم، وإن كان ينظر إليهم نظرة نقدية أيضًا. وحتى على حد تعبير "محمد معروف"، وهو من أبرز شرّاح أفكار إقبال اللاهوري، فإن إقبال في "إعادة بناء الفكر الديني" تأثر بـ 80 فيلسوفًا غربيًا، وهو نفسه إذ يعي هذا الأمر يقر به ويعتبر هذا المنهج من ضرورات إعادة بناء الفكر الديني. يعتقد إقبال أن علينا الاهتمام بالإنجازات الفكرية للفلاسفة، في حين أن مقتضى علم الدين عند الغزالي هو عدم الاهتمام بإنجازات الفلاسفة. وإن كان مراد الغزالي هم فلاسفة عصره. هذا الموضوع هو أحد النقاط الواضحة التي تميز إقبال عن الغزالي.
فكر الإصلاح:
لكن في اعتقادي، فإن مجرد القول بأن التجربة الدينية هي المركز والشريعة والفقه هما الهامش، لا تترتب عليه لوازم واضحة. ينبغي أن نوضح العلاقة بين هذين. إلى أي مدى تكون الظواهر الشرعية موضوعية، وهل هي في الأساس حتمية لا مفر منها أم قابلة للتجاوز؟ أحيانًا لا نملك تعبيرًا صريحًا وواضحًا في تقييم العلاقة بين الفقه والتجربة الدينية. هناك نظرة تقول: لستُ أنا من لا يميز الحلال من الحرام / الخمر معك حلال والماء بدونك حرام. كانوا يقولون إن الأحكام تختلف باختلاف الحالة الوجودية التي تخلقها فيك. وفي هذه النظرة تفقد الهويات الدينية أيضًا أوجه افتراقها تدريجيًا، لأن من أسباب تشكيل هوية المسلم، على سبيل المثال، هو الإيمان بحرمة شرب المسكرات.
أحمدي:
بدلًا من أن تكون لدينا نظرة أحادية الجانب، يمكن أن يكون هناك تصور لاهوتي جامع. تصور لاهوتي - فلسفي - عرفاني - أخلاقي - فقهي جامع للدين. أي أن نعطي كل ذي حق حقه دون أن نختزل نموذجنا في فهم الدين إلى درجة أن نقول إن الدين ليس إلا تجربة دينية، أو الدين ليس إلا العمل بالأحكام الفقهية، أو ليس إلا أخلاقًا دينية. في الواقع هذه مغالطة الكنه والوجه. هذا يشبه أن نقول إن الماء ليس إلا H2O، أو الماء ليس إلا ما له درجة غليان معينة أو أن توتره السطحي له خاصية كذا. الماء متعدد الأضلاع وله أضلاع متعددة. أحد أضلاعه هو صيغته الكيميائية، وضلع آخر هو التوتر السطحي، وآخر هو درجة الغليان والتجمد والإذابة وما إلى ذلك. الدين أيضًا متعدد الأضلاع. أحد أضلاعه هو ضلع التجربة الدينية، وضلع آخر هو الفقه، وضلع آخر هو الأخلاق الدينية. يجب أن نأخذها جميعًا في الاعتبار في تلك النظرة الجامعة. لكن في هذه النظرة الجامعة ينبغي وزن هذه المقولات والمكونات. في الهندسة المعرفية لشخص مثل إقبال اللاهوري، تقع "التجربة الدينية" في المركز، وعند أولئك الذين يقولون بإسلام فقهي، يقع الفقه في المركز. إذن، لتجنب هذا الاختزالية، يجب التحرك نحو نوع من التصور اللاهوتي الجامع، الذي ننتبه فيه إلى كل هذه المقولات معًا، بشكل لا يُظلم فيه الفقه ولا يستشري نموه السرطاني ليضيق الخناق على العرفان والأخلاق والباطنية ويؤدي في النهاية إلى احتضار "التجربة الدينية".
يمكن أن تكون للفقه قيمة سلوكية في طريق تكوين التجربة الدينية وتقويتها. لا ينبغي أن نستخف بالقشرة. كل حقيقة مدينة لقشرة، وكل قشرة تحمي ذلك اللب والجوهر. هناك علاقة ثنائية الاتجاه قائمة بينهما. بطبيعة الحال، ذلك القسم من الفقه الذي واجه أزمة في العالم الحديث وفقد كفايته، خاصة في قسم المعاملات، لم يعد قابلًا للدفاع عنه، ونحتاج إلى البحث عن بديل له بأحكام فقهية جديدة.
تجاوز الشكلانية الفقهية هو مقتضى التدين في العالم الجديد. الفقه معني بتأمين المصالح وهو في الواقع أمر عارض يخدم فلسفة الشريعة أو مقاصدها، وإذا لوحظ يومًا ما أن الفقه فقد كفاءته في تأمين تلك الفلسفة والمقاصد، فيجب أن يخضع لإعادة نظر جادة.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.