اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لفهم نظرية الحقل الدلالي عند إيزوتسو، تُفحص ثلاث مقاربات دلالية: الجوهرية بنظرتها الثابتة للمعنى، والسياقية بتركيزها على المحيط غير اللغوي، والوظيفية التي ترى المعنى رهناً بدور اللفظة في سياق اللغة.

خلاصة نظرية «الحقل الدلالي» عند إيزوتسو في تحديد معاني الألفاظ الدينية
.
من النظريات الدلالية الشهيرة نظرية الحقل الدلالي. [1] لقد شهدت مباحث علم اللغة المعاصر تطوراً هائلاً منذ منتصف القرن التاسع عشر وخاصة في القرن العشرين؛ بحيث لا يمكن مقارنة سعة ونطاق هذا العلم أساساً مع منجزات الماضي في الأدب والمنطق التقليدي. يقسم بعض المفكرين المجالات اللسانية المختلفة إلى سبع أو ثماني مجموعات دراسية.[2] أحد هذه الفروع هو مجال علم الدلالة أو السيمانتيك. وهو مجال ينصب تركيزه على العلاقة بين اللفظ والمعنى، ويسعى إلى معرفة كيف ترتبط الألفاظ بمقولة المعنى، وكيف يمكننا أن نجد سبيلاً إلى معاني الألفاظ واللغة. كيف يتم إنتاج المعنى في اللغة أساساً، وما هي عملية تطور معنى اللغة... إلخ. بالطبع، تتجاوز بعض النظريات الدلالية مجال المعنى، وتتناول مجال المعرفة أيضاً، ويُتطرق أحياناً إلى مباحث علم اجتماع اللغة أو أنثروبولوجيا اللغة.[3] توجد مقاربات مختلفة في مجال المباحث الدلالية ولا يوجد اتفاق على تقسيم هذه المقاربات. من حيث علم الدلالة، يمكن التمييز بين ثلاث مقاربات أساسية ليتضح منشأ نظرية الحقول الدلالية: المقاربة الجوهرانية؛ والمقاربة السياقية، والمقاربة الوظيفية.
المقاربة الجوهرانية تشمل طائفة من النظريات (بما فيها وجهات النظر القديمة والتقليدية في المعنى) التي تعتبر المعنى مقولةً وحزمةً مُعرَّفة ترتبط باللفظ وبالواقع. لكل معنى في الكلمة نواة أو جوهر غير قابل للتغيير. المعنى هو تلك النواة المركزية لمعنى الكلمة التي تُحفظ في الظروف والمواقف المختلفة وفي القرائن المتنوعة (الأعراض المختلفة). لذلك، في هذه النظرة الدلالية، حين نريد أن نفهم معنى جملة أو عبارة، يكفي أن نفهم المعاني الجوهرية للكلمة ونميز العلاقة بينها وندرك من خلال ذلك معنى العبارة.
أما المقاربة الثانية، وهي المقاربة السياقية والتأويلية، فتقف على النقيض تماماً من المقاربة الأولى، وتقوم على الاعتقاد بأنه لا يوجد أساساً أي معنى ثابت. فالمعنى يُنتَج دوماً داخل حزمة وسياق محددين، ولفهم معنى لفظة ما، ينبغي بدلاً من التركيز على استعمالات اللفظ والمعاني الثابتة التي توجد عادة في كتب القواميس، أن نبحث في أي سياق وحاضنة توجد تلك اللفظة. والمقصود بالحزمة: الحزم أو السياقات غير اللغوية. فعلى سبيل المثال، لكلمة مادة أو جوهر معنى في قسم الكيمياء، ومعنى آخر في الفلسفة وعلم الكلام؛ بل قد يكون لها معنيان في زمانين مختلفين ضمن العلم الواحد. وكثير من الكلمات تحمل شحنة ثقافية واجتماعية، ويتغير معنى اللفظة من سياق ثقافي اجتماعي إلى سياق ثقافي اجتماعي آخر. وفي هذه المقاربة توجد وجهات نظر متعددة. النظرة التأويلية أو الهرمنيوطيقية هي إحدى هذه الوجهات، وهي نفسها تنطوي على عدة مقاربات في داخلها: مقاربة تركز على المتكلم (هويته، شخصيته، ثقافته، تخصصه وكل «سياق» فيه يؤثر على تشكل معناه الذهني)، ومقاربة تركز على القارئ والمفسِّر (سياق المتلقي هو الذي يصنع المعنى). وهنا يتساوى المعنى مع الفهم. وعليه، فإن المقاربة الثانية تربط المعنى بالسياقات الخارجية وغير اللغوية، أكثر مما تربطه بداخل اللغة ونسيجها وبنيتها.
أما المقاربة الثالثة، أو المقاربة الوظيفية للمعنى، فهي نظريات تعتقد أن المعنى لا يوجد بوصفه ماهية أو نواة ثابتة (رفض المقاربة الأولى)، لكن المعنى ليس شيئاً يتعلق بالخارج من المجال اللغوي أيضاً (رفض المقاربة الثانية)؛ بل إن المعنى يتعلق بالمجال اللغوي، ولكن بالوظائف الخاصة لكل لفظة وكل عبارة في اللغة نفسها. ويكمن اختلاف هذه المقاربة عن المقاربة الأولى في أن المقاربة الأولى تنطوي على نظرة ثبوتية ومطلقة إلى المعنى؛ في حين أن النزعة الوظيفية تعتقد أن المعنى ليس ثابتاً بل هو سيّال، ومن ثم فقد يتغير من نسيج لغوي إلى نسيج لغوي آخر. ومن هذه الجهة تشترك المقاربة الثالثة مع المقاربة الثانية. أي أن الاعتراض الرئيسي لكليهما على النظرة الجوهرية للمعنى هو أنها اعتبرت المعنى أمراً ثابتاً مطلقاً، في حين أن واقع اللغة ليس كذلك، فالكلمة لها تاريخ وجغرافيا وزمان ومكان، وبالتالي فالمعنى أمر نسبي. لكنها من جهة أخرى تخالف المقاربة السياقية أيضاً، وتعتقد أن المقاربة السياقية لا تؤدي فقط إلى النسبية المطلقة في المعنى؛ بل إنها تخلخل أيضاً الضوابط اللغوية والقواعد البنيوية والمناسبات اللغوية بين البشر، وتبحث عن معنى اللغة خارج اللغة. وتسعى النظرة الوظيفية إلى إعادة واقع المعنى اللغوي إلى داخل اللغة نفسها، ولكن ليس بمعناه الجوهري والثبوتي، بل بمعناه الوظيفي. بمعنى أن معنى لفظة أو عبارة يعتمد كلياً على نوع الدور والوظيفة التي تؤديها تلك اللفظة في مجموعتها ونسيجها اللغوي الخاص. وهذه المقاربة أيضاً تنطوي على مقاربات متعددة في داخلها. وتُعد نظرية فتغنشتاين الثاني من أشهر هذه المقاربات.[4] فقد كان يعتقد أنه لا يوجد لدينا ما يسمى بالنواة الدلالية، ثم كان يبيّن أنه في العبارات والاستعمالات المختلفة، تبلغ الكلمة الواحدة أحياناً من التنوع الدلالي حداً يصعب معه العثور على مكوّن واحد مشترك بينها. وكان مثاله على ذلك كلمة (game). فما هي النواة الدلالية التي تجعل الأنواع التي لا تُحصى من الـ game لعبة؟ ومن هنا صاغ مصطلحاً سمّاه التشابه العائلي. وكان يرى أن معنى الكلمة ينبغي أن يُعرف من استعمالها في اللغة. فما لم تُستعمل كلمة في عبارة ونسق لغوي، لا يمكننا الحديث عن معناها. ومن ثم، فإن المعنى القاموسي والموسوعي باطل من وجهة نظر الوظيفيين، أو على الأقل، عديم الفائدة، ولا ينبغي (في النظرة المتطرفة) اتخاذه أساساً لعلم الدلالة. فمثلاً، لفهم القرآن لا يمكن النظر في مفردات الراغب أو الصحاح للجوهري لنرى ما معنى هذه الكلمة؛ فهذا التلقي هو التلقي الجوهري الذي يفترض للكلمة نواة دلالية ثابتة. أما في النظرة الوظيفية، فلفهم النص يجب رؤية استعمال الكلمة في النسيج اللغوي الذي وقعت فيه، ومن خلال إقامة العلاقات ونوع الوظيفة، يُكتشف معناها.
نظریه میدانهای معنایی یکی از نظریههای کارکردگرایانه در معنا است؛ یعنی از سویی نظریه ذاتگرایانه معنا را قبول ندارد و معتقد نیست که برای واژگان معنای ثابتی وجود دارد؛ و در عینحال نسبیت معناشناختی نظریههای هرمونوتیکی را هم نمیپذیرد. البته، نسبیت در معنا را قبول دارد، اما نسبیت را بازبسته کارکردها در درون متن میداند. به عبارت دیگر معنا نسبی است، اما این نسبیت بسته به شرایط بیرونی نیست، بلکه وابسته به متن زبانی دارد و اگر ما میخواهیم آن معنای نسبی را از واژه استخراج کنیم، راهی جز مراجعه به متن و کاربردهای آن واژه در درون متن نداریم. بنابراین، نظریه میدانهای معنایی نظریهای کارکردی است. اصل بحث نظریه کارکردی این است که معنای یک واژه یا عبارت گرچه نسبی است، اما باید آن را در درون متن فهمید نه بیرون متن. تمام ارجاعات معنا باید به کارکردهای واژه در درون یک بافت زبانی و معنایی باشد (همانطور که مردمشناس، معنای یک رفتار را در بافت همان قوم استنباط میکند).[5]
تقوم نظرية الحقول الدلالية على ثمانية مبادئ أساسية:
المبدأ الأول: المعنى هو نتاج تحليل الواقع وتصنيفه في قوالب دلالية. ترى هذه الرؤية أنه في مجال المعنى، ما لم يقم الفرد بتصنيف الواقع (الظواهر المتحصلة من العالم الواقعي) وتحليله، لا ينشأ شيء اسمه المعنى أصلاً. فالعقل البشري يسهم في إنتاج المعنى. المعنى ليس شيئاً موجوداً في الواقع فينعكس مباشرة في مرآة العقل البشري (الرؤية الجوهرية)؛ بل إن العقل البشري في مواجهته للخارج يكون مضطرباً في البداية، ولا يبلغ المعنى حتى يصنف الواقع ويحلله ويقسمه. يضرب إيزوتسو مثال العشب الضار. ففي العالم الخارجي لا يوجد شيء اسمه نبات ضار. إن البشر هم الذين، وفقاً لمصالحهم ومنافعهم، يقومون بتقسيم الواقع وتصنيفه (هذه زهرة، وتلك عشبة ضارة... إلخ؛ أو تسمية الذهب الأبيض ذهباً في لغة ما). إن كثيراً من الألفاظ والمعاني تابع لوجهة نظرنا، ومن منظور الحقول الدلالية، فإن جميع المعاني الموجودة هي، على نحو ما، تابعة للتصنيف والتحليل الذي يجريه عقلنا للواقع. اسم هذه العملية هو التصنيف المقولي في اللغة، وبموجبها نقوم أولاً بتصنيف الواقع لنصل إلى المعنى. المعنى هو نتاج مواجهة نشطة من عقلنا مع الواقع الخارجي. وبالطبع، كما يقول إيزوتسو نفسه، فإن هذه النقطة المعرفية تتعلق بالعلاقة بين اللغة والمعرفة، لا بين اللغة والمعنى.
المبدأ الثاني: الأجزاء والعناصر والمقولات التي ينتجها عقلنا ليست أموراً مفردة ومنفصلة عن بعضها البعض. فعندما يبدأ عقلي بتحليل الواقع الخارجي، فإنه يقوم بهذا العمل داخل جهاز (شبكة/نظام) تحليلي. وعندما يصنف عقلي الواقع الخارجي، تكون المعاني الناتجة متسقة فيما بينها، ومن ثم، عندما يطلق الألفاظ على هذه المعاني لا يخلط بينها، ويكون موقع ونسبة هذه المعاني إلى بعضها البعض معلوماً. على سبيل المثال، عندما يقول: إنسان، حيوان، نبات، سماء، جبل، فإن لكل منها موضعه في هذه الشبكة. تقسيم العقل للمعنى هو نظام وجهاز؛ بحيث إن هذه المعاني ترتبط ببعضها أيضاً. ومن هنا، فنحن، بالتعبير المجازي، نتعامل مع شبكة من المعنى، ونتاج تصنيفنا المقولي هو شبكة دلالية يعبر عنها إيزوتسو أحياناً بالأنماط الدلالية وأحياناً ببنية المعنى. إننا نواجه بناءً من المعنى تؤلف هيئاته المختلفة ذلك التركيب.
الأصل الثالث: كل جهاز أو شبكة دلالية يتكون بدوره من مجموعات فرعية. نحن أمام جهاز من المعاني يتألف هو نفسه من مجموعة معانٍ ترتبط وتتفاعل فيما بينها. هذه المجموعة من المعاني التي تشكل مجموعة فرعية من الجهاز الكلي للمعنى واللغة يُطلق عليها اصطلاحاً «الحقل الدلالي». إذن، إذا سلّمنا بأن المعنى هو نتاج تصنيف كلي، وأن مجموعات المعاني (لا الأفراد) ترتبط فيما بينها بعلاقات داخلية، فإن تصوّر أن لكل لفظة معنى خاصاً بها يزول؛ بل ينبغي أن نقول: بأي مجموعة دلالية ترتبط هذه اللفظة في هذا النص اللغوي. يضرب إيزوتسو نفسه أمثلة كثيرة في كتابيه الإنسان والله في القرآن، والمفاهيم الأخلاقية. على سبيل المثال، لتحديد معنى لفظة «الصلاة»، لم يعد يصح أن يُقال ما معنى لفظة الصلاة منفردة؛ بل ينبغي أن أقول: بأي سياق لغوي وبنية دلالية ارتبطت الصلاة في نسيج لفظي معين. فحين نرى في القرآن الكريم أن الصلاة تقترن بالزكاة وتندرج في مجال العبادات والتشريعات، يكون لها معنى، وحين تقترن بألفاظ أخرى تكتسب معنى آخر (فتارة بمعنى الصوت والدعاء، وتارة بمعنى مجموعة من الأركان). وكذلك لفظة الكفر، فهي في نسبة دلالية وسياق دلالي معين بمعنى الستر، وفي موضع آخر بمعنى الجحود والنكران، وفي موضع تقابل الإيمان. وهو يبيّن في أعماله أن هذا الاختلاف الدلالي رهن بالنسبة التي نُحدد بها معنى اللفظة. فلفظة الكفر يتغير معناها باختلاف النسب الدلالية التي تقع فيها. فإذا استعملها ناطق بالعربية في موضع ينسبها فيه إلى مسألة المعرفة (أي أن يذكر المعرفة أولاً ثم يقول الكفر)، كان هذا الكفر في مقابل الإيمان. أما إذا أورد هذه اللفظة عينها في موضع يدور فيه الحديث عن النعمة، فإن نسبة النعمة إلى الكفر تجعل معناه غير معنى الكفر المقابل للإيمان.
الأصل الرابع: الجهاز الدلالي المذكور، وهو البنية الدلالية نفسها، يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن لغة إلى أخرى، بل وحتى داخل اللغة الواحدة، من لهجة إلى أخرى، أو من ثقافة فرعية إلى أخرى (حتى مع وجود ألفاظ متماثلة). لقد أثبتت الأبحاث أن البنية والسياق الدلاليين يختلفان حتى داخل اللغة الفارسية نفسها. كما تُظهر أعمال إيزوتسو في اللغة العربية أن البنية الدلالية للغة القرآن تختلف عن البنية الدلالية للغة الجاهلية؛ ذلك أن نوع النظرة الثقافية التي ينظر بها قوم ما إلى العالم المحيط تؤثر في تصنيفهم لهذا العالم، وهذا التصنيف مؤثر في بنيتهم الدلالية. ويشير إلى مصطلح يسميه «الرؤية الكونية الدلالية» أو «الرؤية الكونية اللغوية»؛ بمعنى أنه يمكن تشخيص نظرة الإنسان ورؤيته من خلال المعنى الكامن في اللغة. فلو رجع أحد إلى لغة الجاهلية وأشعارها وقام بدراسة دلالية، وتوصل من خلال إقامة الروابط الدلالية إلى المعنى الكامن وراء ألفاظها، لاستطاع أن يكشف الرؤية الكونية الجاهلية. كما أنه لو حلل أحد القرآن من الناحية الدلالية وأدرك البنية الدلالية للقرآن، لاستنبط الرؤية الكونية القرآنية من داخل هذا النظام اللفظي.
الأصل الخامس: إذا سلّمنا بأن المعنى ليس أمراً منفرداً، بل يتحقق داخل نسق دلالي، فإننا نصل إلى تقسيم جديد لمعاني الكلمات: المعنى الأساسي، والمعنى النسبي. لكل لفظة في اللغة معنى أساسي ومعنى نسبي. المعنى الأساسي للفظة هو المعنى الذي يُفترض أنه معناها الثابت، أما المعنى النسبي فهو المعنى أو المعاني التي يكتسبها هذا المعنى الثابت تدريجياً في السياق الدلالي واللغوي. وكما اتضح من المباحث السابقة، وكما يصرّح إيزوتسو نفسه، فإننا حين نقول المعنى الأساسي أو المعنى الجوهري، لا نعني بذلك المعنى النواتي والذاتي الذي كانت تنظر إليه النظرية التصويرية للغة. المقصود بالمعنى الأساسي هو أمر منهجي وأمر افتراضي. فليس لنا في اللغة مناص، من الناحية المنهجية، من أن نفترض للألفاظ معنى إجمالياً ما كي نبدأ في فهم النص. لكن هذا لا يعني أن الكلمات تمتلك هذا المعنى الثابت؛ بل قلنا إن معنى كل لفظة يختلف تبعاً لوظيفتها في الحقل اللغوي، وإن ذلك المعنى الأساسي نفسه يتغير بحسب الموضع الذي تشغله. ومن هنا، يخلص إيزوتسو في النهاية إلى رأيه المثير للتحدي مؤكداً أنه لا يوجد لدينا ما يُسمى بالمعنى الأساسي. ذلك أن المعنى الأساسي ليس سوى معنى افتراضي، وُضع لحل مشكلة النظريات التي لا تقول من جهة بمعنى ذاتي لمفردات لغة ما، وتعتبر من جهة أخرى معاني المفردات نسبية ومتوقفة على السياق. وهو بافتراضه المعنى الأساسي يريد أن يحل مشكلة انقطاع الصلة بالنص في هذه الفرضيات. وعلى هذا الأساس، فإن المرء حين يبدأ الكلام في لغة ما، تكون لديه دوماً جملة من الافتراضات المسبقة والتصورات الدلالية للكلمات ورثها عبر مؤسسة الأسرة والتعليم والتربية... إلخ. لكن هذا لا يعني أنه، بوصفه متحدثاً بتلك اللغة، يستعمل بالضبط المعنى نفسه الذي تعلمه؛ فعلى سبيل المثال، فهمي لمعنى لفظة «ماء» ليس هو فهم والديّ، فأنا إما أن أكون قد صححت ذلك الفهم الأولي الموروث أو استبدلته. وهذا هو المعنى النسبي الذي قلنا إنه يتجلى في الاستعمال وفي السياق اللغوي. المعنى الأساسي هو معنى افتراضي لا يعتبره المتحدث باللغة، أثناء التكلم أو التفاهم أو الفهم، سوى مسلّمة منهجية. وبالتالي، فالمعنى الأساسي ليس المعنى الذاتي للفظة؛ ومن هنا توصي هذه النظرية الدلالية بضرورة تجاوز المعنى الأساسي بسرعة، لأن البقاء عند المعنى الأساسي والمعنى المعجمي يؤدي إلى الخطأ والانحراف عن معنى النص، وإلى فرض معنى ثقافة وذهنية ما على نص آخر.
وخلاصة القول إننا، بصفتنا مستخدمين للغة، نحمل دوماً تصوراً لمعنى اللفظ، وهذا أمر طبيعي، إذ بدونه لا يمكننا أصلاً أن ندخل الفضاء اللغوي. لكن هذا المعنى الأساسي ليس سوى نقطة انطلاق لعلم الدلالة، ولا ينبغي أن يُفهم معنى النص بناءً عليه. بل يجب فقط الإبقاء عليه كمسلّمة، ومن ثم، عبر التحرك في مسار الاستعمالات اللغوية للفظة وعلاقة الحقول الدلالية للكلمة باستعمالها، نجد السبيل ونكتشف معنى النص من داخل النص. فعلى سبيل المثال، ينبغي بهذه الطرق إيجاد معنى مفردات الشعر الجاهلي، واستعماله كمعنى أساسي لفهم مفردات القرآن، بغية اكتشاف المعنى الذي يقصده النص القرآني. إذن، نحن نفترض ذلك المعنى الأساسي من خارج نص (كنص القرآن)، ثم ندخل إلى نص القرآن لنجد المعنى النسبي. وهنا يصبح موضع تساؤل مدى حجية المعجمات التي لا تقدم المعنى بهذه الطريقة.
أما كيف ينبغي لنا أن نحصل على المعنى النسبي؟ فالإجابة عن هذا تقودنا إلى الأصل السادس.
الأصل السادس: تتألف الحقول الدلالية في كل نص من ثلاثة أنواع من الكلمات: الكلمات البؤرية، والكلمات المفتاحية، والكلمات الفرعية. مع الانتباه طبعاً إلى أن هذه الخصائص في الكلمات تختلف من نص إلى آخر. من وجهة نظر هذه النظرية، الكلمة البؤرية هي الكلمة التي نجد، حين نبحث في النص، أنها تشكل محوراً لكثير من الكلمات الأخرى، وأن الكلمات الأخرى تحضر باستمرار بالنسبة إليها. فعلى سبيل المثال، يقول إيزوتسو إن من يراجع النص القرآني يجد أن كلمات مثل «الله» و«الإيمان» هي كلمات بؤرية. ويذكر سلسلة من الطرق لاكتشاف الكلمات المفتاحية أيضاً.
الكلمات المفتاحية هي كلمات تقع في المرتبة الثانية؛ أي أنها ذات تواتر مرتفع وتُقيم مع تلك الكلمات علاقات لغوية كثيرة؛ لكنها لا تمتلك محورية الكلمات البؤرية. وبعض الألفاظ هي كلمات هامشية تماماً، حضورها ضئيل من حيث الحجم، وهي على الهامش تماماً من حيث الكيفية، ولا تؤدي إلا إلى إفادة معنى سائر المفردات. يقول إيزوتسو بعد هذا التقسيم إن كل نسق لغوي يمتلك في داخله حقولاً دلالية، وكل حقل دلالي يتمحور حول كلمة بؤرية. فالحقل الدلالي للإيمان مثلاً يتمحور حول مفهوم الإيمان. ويمكن في داخل القرآن اكتشاف حقول دلالية متنوعة في مجال النظرة إلى العالم، والأنثروبولوجيا، والمجال المتعلق بالأخلاق أو الواجبات. لكن النقطة الأساسية هي أن هذه الحقول الدلالية حقول متداخلة. فقد تكون كلمة ما كلمة بؤرية في حقل ما، لكنها تكون كلمة هامشية تماماً في حقل دلالي آخر، وهذا يحتاج إلى تأمل كبير. فبالعثور على هذه الكلمات وإقامة العلاقات بينها يمكننا اكتشاف معنى المفردات. وعليه، إذا سُئلنا عن معنى الإيمان، فلا ينبغي الرجوع إلى كتاب اللغة لمعرفة ما هو الإيمان؛ بل ينبغي أن نرى في أي حقل دلالي ورد الإيمان في القرآن، وبالنسبة إلى أي كلمات مفتاحية وبؤرية يتموضع، وما نوع العلاقة التي أقامها معها (الأصل التالي).
الأصل السابع: توجد في داخل الحقول الدلالية علاقات مختلفة. وكما قلنا، فإن اللغة والمعنى ليسا مجرد مجموعة من المفردات؛ بل إن المفردات تأتي مصحوبة بمجموعة من العلاقات. فالعلاقات التي تُقام بين الكلمات تحمل في ذاتها دلالات معنوية. فمثلاً إذا جاءت كلمة العلم أو كلمة النعمة إلى جوار كلمة الله؛ فإننا نستنتج من علاقة كلمة العلم بالله أن الله له علاقة فاعلية بالعلم أو علاقة مفعولية (معروض العلم). كذلك، بالإضافة إلى العلاقات، يمكننا أن نصل إلى المعاني عبر البدائل والمتلازمات. فعلى سبيل المثال، لفهم معنى الحكمة في القرآن، خلافاً للشائع من الرجوع عادةً إلى كتب اللغة أو تفسير معنى الحكمة في القرآن عبر الموروثات الفلسفية والكلامية والعرفانية، ينبغي من منظور نظرية الحقول الدلالية أن نرى أولاً أين وردت الحكمة، وهل هي كلمة بؤرية أم لا، وما العلاقات الموجودة حولها، وما هي بدائل الحكمة ومتلازماتها، وما الأشياء التي أُسندت إلى الحكمة... إلخ. فإذا أُسند إلى الحكمة ثمرة عملية، نستنتج أن الحكمة ليست مجرد مقولة من مقولات المعرفة النظرية. وإذا أُسند إلى الحكمة أثر إبستمولوجي، نستنتج أن لها بعداً معرفياً أيضاً. كما ينبغي التدقيق في ما إذا كانت الحكمة قد أُسندت إلى الله أم لا. وهل أُسندت إلى الحيوانات بالإضافة إلى البشر؟ ما علاقة الحكمة بالإنسان بوصفه فاعلاً مختاراً؟ ما علاقة الحكمة بالعالم؟ هل لدينا في القرآن مفردات تحل محل الحكمة تماماً كي ندرك معنى الحكمة من خلالها بتقنيات خاصة؟ ما هي بدائل الحكمة ومتلازماتها؟
الأصل الثامن. النقطة الأخيرة التي يشير إليها إيزوتسو هي مسألة المعنى في الزمن والمعنى المتزامن. حتى الآن، كان الافتراض الضمني للمباحث هو أن المعنى مقولة تحدث في زمن معين. على سبيل المثال، كانت «الصلاة» تعني في البداية الدعاء، ثم في زمن معين وبآية محددة، جعل القرآن «الصلاة» بمعنى مجموعة من الأركان. لكن هذه النظرية الدلالية ترى أن هذا الافتراض غير صحيح. فمن حيث المبدأ، فإن تغير المعنى اللغوي للألفاظ في نص ما (على الأقل في النصوص الأم/ المهمة للغة ما) هو نتاج مرور الزمن.[6] فالكلمات المهمة في لغة ما هي نتاج مرور الزمن. ليس الأمر أن كلمة التقوى قد تغيرت فجأة من معنى معجمي جاهلي واستقرت في معنى أخلاقي. ومن ناحية أخرى، فإن هذه التقوى نفسها يتغير سياقها الدلالي باستمرار عبر الزمن وفي الآيات المختلفة. وفي المثال نفسه آنف الذكر، صار الأمر بحيث إننا حين نقول الصلاة الآن، يتبادر إلى أذهاننا في هذا السياق الدلالي تلك الأركان ذاتها، ويكون المعنى الأول قد زال بالكلية. ترى دلالات الحقول الدلالية أن بإمكاننا امتلاك نظرتين إلى مسألة كشف المعنى. مرة نقوم بقطع اللغة بشكل كامل في مقطع زمني واحد وننظر إليها. فمثلاً، ننظر إلى القرآن بوصفه نصاً نزل في لحظة واحدة. في هذه الحال، يمكن تطبيق كل تلك التقنيات السابقة هنا. أما إذا قلنا إن القرآن نزل في 23 عاماً، وإن العلاقات المختلفة لكلمة ما مع الكلمات الأخرى كانت في حالة تغير تام طوال هذه الأعوام الـ 23، فينبغي النظر إلى معاني الألفاظ بشكل آخر. في هذه الحال، يجب ترتيب القرآن وفقاً للتسلسل الزمني وأسباب النزول. وعندها، لن يكون القطع الذي نجريه قطعاً مقطعياً، بل ينبغي أن نجري قطعاً طولياً. يجب أن نرى ما إذا كانت العلاقات الدلالية لكلمة ما في حالة تغير أم لا. ويمكن إظهار هذا الأمر في بعض ألفاظ القرآن. ففي القرآن الكريم، لدينا تغير دلالي وتغير في السياق الدلالي في بعض الألفاظ.
لنظرية الحقول الدلالية عدة نقاط مهمة بالنسبة لنا: 1) ألا ننظر إلى المعنى بوصفه ثابتاً؛ 2) المعنى تابع للوظيفة وليس خارج اللغة. 3) يمكن كشف المعنى من داخل سياق اللغة، وكشف المعنى داخل سياق اللغة هو كشف لنظرة صاحب النص إلى العالم المحيط به. 4) للقرآن نظام ألفاظي يمتلك لنفسه معنى مستقلاً وثابتاً تماماً؛ وإن كانت تجري تغيرات داخل ذلك المعنى الثابت نسبياً إزاء الخارج.
.
.
[1] بحثنا حول هذه الطريقة، هو استقاءات مستقاة من الكتب والمباحث التالية:
البناء الدلالي للمفاهيم الأخلاقية ـ الدينية في القرآن، ترجمة فريدون بدرهاي، طهران: فرزانه: 1378.
الله والإنسان في القرآن، ترجمة أحمد آرام. طهران: شركة سهامي انتشار، 1361.
مفهوم الإيمان في علم الكلام الإسلامي. ترجمة زهرا بورسينا. طهران: سروش، 1380.
الصوفية والطاوية، ترجمة محمد جواد كوهري. طهران: روزنه، 1379.
بحث نظرية الحقل الدلالي، الدكتور محمد تقي سبحاني، پژوهشگاه كلام إسلامي.
سلسلة دروس متعددة من الأستاذ مصطفى ملكيان في موضوعات كلامية.
القرآن وإيزوتسو «محاضرة بهاء الدين خرمشاهي حول آراء إيزوتسو القرآنية، جام جم، العدد 473، السنة الثانية، الأربعاء 28 آذر 1380.
نقد عالِم للدكتور حسين معصومي همداني في نشر دانش، السنة الثانية، العدد الثالث، أبريل ومايو 1982.
علم الدلالة وفهم النص، سيد حيدر علوي نجاد، پژوهشهاي قرآني العدد 27-28، خاص بالمرأة في القرآن 2، خريف وشتاء 1380.
[2] انظر: واعظي، نظرية تفسير النص. قم: پژوهشكدة حوزه ودانشگاه، 1390. الفصل الأول.
[3] لا ينبغي الخلط بين نظرية المعنى في منظورٍ ما، ونظرية ذلك المنظور في الواقع والمعرفة، وهو توجهٌ جديدٌ يبحث في مدى حكاية اللغة عن الواقع، ومدى تأثير الواقع في اللغة. ما مدى فاعلية التصورات الذهنية لكل فرد أو كل قوم في ميدان اللغة؟ وإلى أي حد تؤثر اللغة في تصورنا للواقع؟ وهذا هو بحث مجالات اللغة والمعرفة. قد يتحدث مُنظِّر عن المعنى ويتطرق في الوقت نفسه إلى مسألة المعرفة واللغة، وهذان قابلان للفصل. فعلى سبيل المثال، يتناول إيزوتسو في نظريته عن الحقول أحيانًا مسائل أخرى، من بينها مسائله المقبولة لديه في المعرفة، وهي تنتمي إلى مجال آخر من علم اللغة ويمكن فصلها عن نظرية المعنى؛ أي يمكن رفض نظريته في المعرفة وقبول بحثه في المعنى، فهذان ليسا متلازمين.
[4] بالطبع، كان لفيتغنشتاين نظريتان في فترتين تاريخيتين. كانت نظريته الأولى صورةً من التصور التصويري للغة، وهي نظرة جوهرانية تمامًا إلى اللغة (في كتاب الرسالة المنطقية الفلسفية). أما في الفترة الثانية من حياته الفلسفية، فقد تراجع عن نظريته واختار النظرية الوظيفية (في كتاب تحقيقات فلسفية).
[5] وكما يقول إيزوتسو عن منشأ منهجه، فإن تطور الأنثروبولوجيا الثقافية منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومواجهة علماء الأنثروبولوجيا لأقوام جدد وبدائيين لم يُمسّوا، وجوانب حياتهم المختلفة (بما فيها اللغة)، والاضطرار إلى استنباط المعنى منها، كان منشأ النظريات اللسانية الجديدة. ومن جهة أخرى، أظهرت الدراسات الأنثروبولوجية أن النظريات اللغوية القائمة كانت مبنية فقط على اللغات الشائعة والمعروفة.
[6] هذا البحث مؤثر جدًا في مباحث حقل الوضع وأمثاله في أصول الفقه التقليدي.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
ممنون از آقای زندی روان، مسلط و رسا
سلام، می خواستم کانال یادداشت را که به مسائل زبان شناسی و مسائلنقد ادبی می وردازد. @j_yaddasht