اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ربما كان الفيلسوف الياباني إيزوتسو معروفاً في إيران أكثر مما هو في وطنه. يقدم الفيلم الوثائقي «شرقي» سردية شاملة عنه صُوِّرت في اثني عشر بلداً. بمناسبة ذكرى وفاته، تستعرض هذه المادة حياة إيزوتسو من خلال عدسة هذا الوثائقي.

توشيهيكو إيزوتسو (١٩١٤-١٩٩٣م) عالم لغوي، وفيلسوف لغة، وأحد مؤسسي فلسفة معاصرة تُعرف بـ«الفلسفة الشرقية»، وأديب، ومتخصص في مقارنة الأديان، وباحث في الدراسات الإسلامية، وبشكل خاص عالم قرآنيات ياباني شهير (من مواليد طوكيو)، يبدو أنه معروف في إيران أكثر من وطنه الأم اليابان.
توفي إيزوتسو في السابع من يناير عام ١٩٩٣م (السابع عشر من دي عام ١٣٧١ هجري شمسي). إنه شخصية موسوعية ومجهولة الأبعاد إلى حد كبير في الفلسفة وعلم الأديان المعاصر. كان قد تعلم خمساً وثلاثين لغة، وأتقن منها ما لا يقل عن سبع عشرة لغة، من بينها العربية والعبرية والفارسية والسنسكريتية والبالية والروسية واللاتينية واليونانية والصينية.
أشرتُ قبل قليل إلى أن إيزوتسو يبدو معروفاً في إيران أكثر من وطنه الأم اليابان. وحتى لا أكون قد تحدثت بلا دليل، أُورد هنا مثالاً واحداً فقط على عدم شهرة إيزوتسو في اليابان. هناك كتاب حول الفكر الفلسفي في اليابان المعاصرة كُتب أساساً باللغة اليابانية. ويصف ناشر الترجمة الإنجليزية لهذا العمل بأنه مصدر لا نظير له في اللغة الإنجليزية. يحمل هذا الكتاب عنوان «استعراض للفكر الفلسفي الحديث في اليابان من ١٨٦٢ إلى ١٩٩٦». في هذا الكتاب الذي يزيد عن ثلاثمائة صفحة، لم يُتناول إيزوتسو إلا في أقل من صفحة واحدة (ص ٢٧٨)، وذلك في ملحق نهاية الكتاب.
أما في إيران، فقد أُنتج مؤخراً فيلم وثائقي فريد عن أحوال إيزوتسو وآرائه وإرثه وعُرض. هذا الفيلم الوثائقي، الذي يحمل اسم «شرقي»، هو من إخراج صانع الأفلام الوثائقية الإيراني مسعود طاهري وإنتاج «تشهرداد فيلم».
تم تصوير الفيلم الوثائقي «شرقي» في ١٢ دولة حول العالم، من بينها إيران واليابان وفرنسا وسويسرا وإيطاليا وتركيا وكندا وأمريكا وسوريا وإسبانيا وروسيا. تحدث الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات في هذا الفيلم بما مجموعه ١١ لغة. ولإعداد هذا الفيلم الوثائقي، أُجريت مقابلات مع حوالي ١٢٠ شخصاً، وبعد التقييم، تحدث في النهاية أكثر من ٦٠ شخصية من أصدقاء إيزوتسو وتلاميذه، بالإضافة إلى المتخصصين في دراسة إيزوتسو والخبراء والشخصيات السياسية عن حياة إيزوتسو وأعماله وآرائه وإرثه.
في الفيلم الوثائقي «شرقي»، يتحدث عن إيزوتسو أو القضايا المرتبطة به، من بين آخرين، كل من: سيد حسين نصر (رئيس إيزوتسو في الجمعية الفلسفية الإيرانية، قبل الثورة)، مهدي محقق (صديق إيزوتسو وزميله)، الراحل داريوش شايغان (صديق إيزوتسو وزميله)، هرمان لندولت (صديق إيزوتسو)، نادر أردلان (صديق إيزوتسو)، نوشآفرين أنصاري (صديقة إيزوتسو)، كوسيهئي موريموتو (رئيس الكهنة البوذيين لمعبد «توداي جي» الواقع في مدينة نارا في اليابان، وباحث ياباني في الدراسات الإسلامية وصديق إيزوتسو)، الراحل توشيو كورودا (تلميذ إيزوتسو البارز)، أكيرو ماتسوموتو (تلميذ إيزوتسو البارز والتلميذ الياباني الوحيد للراحل سيد جلال الدين آشتياني)، غلامرضا أعواني (تلميذ إيزوتسو)، نصر الله بورجوادي (تلميذ إيزوتسو)، جيمس موريس (تلميذ إيزوتسو)، بيير لوري (تلميذ إيزوتسو)، يوشيتسوغو ساوائي (تلميذ إيزوتسو)، غلامعلي حداد عادل (تلميذ إيزوتسو)، وليد صالح (من الباحثين البارزين في القرآن)، روبرت ويسنوفسكي (الرئيس السابق لمركز الدراسات الإسلامية في جامعة مكغيل وباحث في الفلسفة الإسلامية)، بيروز مجتهدزاده، كريم مجتهدي، مصطفى ملكيان، إيسوكه واكاماتسو (باحث ياباني متخصص في إيزوتسو)، بهمن ذكيبور (باحث إيراني متخصص في إيزوتسو)، شين نوموتو (أستاذ ومتخصص في الفلسفة الإسماعيلية في جامعة كيئو وأحد خلفاء إيزوتسو في هذه الجامعة)، سيد مصطفى محقق داماد، أحمد باكتجي، جين كانل هاف (مترجم أعمال إيزوتسو)، مهرداد عباسي، سيد هادي خامنهئي، عبد الرحيم غواهي (سفير إيران السابق في اليابان) وسيد عباس عراقجي (سفير إيران السابق في اليابان).
استغرق إنتاج هذا الفيلم الوثائقي أربع سنوات (من عام ١٣٩٣ إلى ١٣٩٧ هجري شمسي). عُرض الفيلم الوثائقي «شرقي» حتى الآن في إيران واليابان، وكما يبدو، لا تزال الجهود مستمرة لعرضه في دول أخرى (منها كندا قريباً) وكذلك في مدن إيرانية أخرى.
ينقسم هذا الفيلم الوثائقي الذي تبلغ مدته 130 دقيقة إلى أربعة أقسام رئيسية: يقدم القسم الأول سرداً لحياة إيزوتسو في طفولته ومراهقته وشبابه في اليابان. ويقدم القسم الثاني سرداً لهجرة إيزوتسو إلى الغرب، ويتناول القسم الثالث هجرة إيزوتسو إلى إيران. وفي القسمين الثاني والثالث من حياته، يتحول إيزوتسو تدريجياً إلى باحث وأستاذ ذي شهرة عالمية. أما القسم الرابع، فيختص بخروج إيزوتسو المفاجئ من إيران إثر ثورة السابعة والخمسين وعودته إلى اليابان حتى وفاته في مسقط رأسه.
ومن جملة الموضوعات المهمة التي يُشار إليها في الأقسام المختلفة لهذا الفيلم الوثائقي يمكن الإشارة إلى هذه الحالات: 1. تأثير أفراد من جنسيات مختلفة، لا سيما اليابانية والتترية والروسية والإيرانية والكندية والسويسرية والفرنسية، في تشكيل المنظومة الفكرية لإيزوتسو، 2. جينيالوجيا (أنساب) الاستشراق الإسلامي في اليابان ودور إيزوتسو في تشكيله وتوجيهه، 3. الجذور السياسية للفكر الفلسفي عند إيزوتسو، 4. التأثير الذي يمكن أن يحدثه فكر وفلسفة إيزوتسو على الأفعال السياسية اليوم، و5. إمكانية أو عدم إمكانية تشكيل اتحاد شرقي وآسيوي على غرار الاتحاد الأوروبي على أساس فلسفة إيزوتسو الشرقية.
لا يمكن في هذا المقال القصير التطرق إلى جميع جوانب وموضوعات هذا الفيلم الوثائقي أو حتى معظمها. ومع ذلك، تقدم هذه الملاحظة سرداً عابراً لإيزوتسو من خلال عدسة كاميرا الباحث والرحّالة في هذا الفيلم الوثائقي. غير أن هذه الكتابة تتجاوز الفيلم هنا وهناك، وتسعى، إن جاز التعبير، إلى فتح نافذة كتابية على النافذة البصرية لهذا الفيلم الوثائقي.
يتزامن نشر الملاحظة التي تمرون بها مع الذكرى السنوية السادسة والعشرين لرحيل إيزوتسو.
نشأ إيزوتسو في أسرة ثرية إلى حد ما. كان له أب تاجر، صارم وملتزم بطائفة الزِن البوذية. إن التشددات الدينية لوالده، التي كانت تجبر إيزوتسو منذ سن مبكرة على ممارسة الرياضات الروحية وفقاً لطائفة الزِن، أدت إلى أن يتجه إيزوتسو هرباً من طائفة آبائه وأجداده أولاً إلى السياحة في عالم اللغات القديمة المتشعب، ثم ينعطف من خلال علم اللغة إلى «الخمر الصافية» للفلسفة ومعرفة الأديان الأخرى، ليعود مرة أخرى بنظرة جديدة إلى معرفة تقليد آبائه وأجداده.
بحسب رواية ماساتاكا تاكهشيتا (باحث في الإسلام ومتخصص في الفلسفة الإسلامية) في هذا الفيلم الوثائقي، «كان إيزوتسو شديد الكراهية لـ [طائفة] الزِن لأنه أُجبر منذ طفولته على أداء رياضات الزِن». أدى التحصيل في مدرسة إعدادية مسيحية إلى تعرفه لأول مرة على العالم اليهودي-المسيحي، وهو تعارف ساعده لاحقاً في أبحاثه في الدراسات الإسلامية.
إن دراسة العهد القديم والعهد الجديد جعلته يدرك أهمية اللغة في عالم الأديان. يهتم إيزوتسو باللغة العربية في أوائل العشرينيات من عمره. يتتلمذ على يد عالم مسلم تتري يُدعى عبد الرشيد إبراهيم لتعلم اللغة العربية والدراسات الإسلامية التقليدية. وبتعريف من عبد الرشيد، يسرع إيزوتسو بعد عامين إلى مجلس موسى جار الله، العالم المسلم التتري البارز، ليُكمل معرفته بالعربية. كان جار الله، من جملة ما يتقن، اللغات العربية والفارسية والروسية والتركية.
تتلمذ إيزوتسو الشاب جداً على يد عبد الرشيد وجار الله، وهو ما لم يكن مجرد تعلم للعربية، بل الأهم من ذلك كان درساً في الدراسات الإسلامية التقليدية، يكتسب أهمية خاصة. لعل جار الله كان واحداً من أكثر علماء أهل السنة في زمانه خبرة بالعالم وتعدداً في اللغات. كان جار الله، الذي سافر إلى العراق وإيران أيضاً والتقى هناك بالشيعة وبعض المجتهدين الشيعة آنذاك وتبادل معهم النقد، ذا نزعة نقدية تجاه التشيع عموماً، وألف كتاباً مشهوراً بعنوان «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» في نقد التشيع.
ومع ذلك، فعلى الرغم من أن إيزوتسو يذكر جار الله في مذكراته بإعجاب شديد، لا يبدو أن إيزوتسو قد تأثر بنزعات جار الله النقدية تجاه التشيع، لأن إيزوتسو في فترة نضجه الفكري كرّس أبحاثه بشغف للفلسفة والعرفان النظري الشيعي.
كان إيزوتسو قد بدأ دراسته الجامعية في تخصص الاقتصاد، لكنه سرعان ما عاد إلى عشقه القديم: اللغة والأدب، وكأنه — من باب «اغسل أوراقك إن كنتَ رفيق دربنا» — يلقي بكتب المحاسبة من فوق جسر في النهر (يُعرض في هذا الفيلم الوثائقي مشهد ذلك الجسر)، ثم يحصل على الدكتوراه في تخصص اللسانيات.
إيزوتسو، الذي صار الآن عالماً متمكناً في العربية، يترجم القرآن إلى اليابانية بين عامَي 1957 و1958م، ويصدره في ثلاثة مجلدات، ترجمةً فخمة دقيقة لا تزال مرجعاً كلاسيكياً في الدراسات القرآنية اليابانية. كان القرآن قد تُرجم إلى اليابانية قبل إيزوتسو بالطبع، لكن تلك الترجمات كانت قد أُنجزت عن اللغات الأوروبية والصينية، لا عن الأصل العربي. إيزوتسو هو أول من يترجم القرآن في تاريخ اللغة والأدب اليابانيين مباشرةً عن الأصل العربي إلى اليابانية.
كان إيزوتسو في رحلته الفكرية يسعى إلى أن يُظهر «كونية» الفكر العرفاني للشرقيين وللعالمين أجمعين. لقد كان يتتبع تجليات «الأمر القدسي» المختلفة في الثقافات الشرقية المتنوعة. كان إيزوتسو يفكر في إحياء «عالم الخيال» أو «العوالم الروحانية».
من هذا المنطلق، يقع مشروعه الفكري على خط واحد مع هنري كوربان، الفيلسوف والمستشرق والباحث في الشيعة الفرنسي الشهير، الذي كان صديقاً لإيزوتسو. في الواقع، كان إيزوتسو، شأنه شأن كوربان، يعتقد أن الإنسان المعاصر قد نسي «العوالم الروحانية» و«عالم الخيال» ووقع في «شرك العبثية». علاوة على ذلك، كان إيزوتسو، بوصفه إنساناً شرقياً، يعتقد أن مقارنة الفلسفات الشرقية يمكن أن تقدم رد فعل فلسفي في مواجهة الفلسفة الغربية، وذلك بغرض مواجهة الفلسفة المعاصرة وكذلك الاستشراق.
من وجهة نظر إيزوتسو، كانت نقطة اتصال الأنواع المختلفة من «الفلسفات الروحية للشرق» شيئاً يمكن تسميته «ميتافيزيقا العدم». من منظور هذه الميتافيزيقا، الوجود ليس أعمق طبقات الكينونة، بل إن الوجود متجذر في العدم، الوجود هو تجلٍّ للعدم؛ الأصالة للعدم لا للوجود. لكن هذا العدم ليس بمعنى اللاشيء والعبث، بل على العكس، جميع أنماط الوجود متجذرة في العدم، عدمٍ مولّد للكينونة يتجاوز الكينونة ذاتها، عدمٍ هو في الآن ذاته أشد كينونةً من الكينونة، وهو مع ذلك ليس بموجود. بكلمة واحدة، كان كلام إيزوتسو هو أنه للخلاص من «العدمية» يجب العودة إلى «العدم».
من منظور «ميتافيزيقا العدم»، يكمن في أعماق طبقات الوعي الإنساني نوعٌ من المعرفة بالعدم، وغاية «الفلسفة الروحية للشرق» هي التذكير بالعدم، العدم الذي هو كل شيء، العدم الموجود وغير الموجود في آنٍ واحد، والذي يربط بين مختلف الثقافات «الروحية للشرق».
في إحيائه لـ«الفلسفة الروحية للشرق»، شرع إيزوتسو بشكل خاص في مقارنة الإسلام بديانة الداو (الطاوية). وفي سبيل مقارنة الإسلام والطاوية، ألّف، ضمن ما ألّف، كتاب «الصوفية والطاوية». وقد صدر هذا العمل بترجمة فارسية ليست بالمنقحة كثيراً. يقارن في هذا العمل عرفان ابن عربي بالفكر الصيني القديم كما تجلى في ديانة الداو. غير أن عمل إيزوتسو الرئيسي في مقارنة الفلسفة أو التقاليد الشرقية قد تجلى في كتابه «الوعي والماهية» باللغة اليابانية، وهو كتاب مهم لم يُترجم إلى الفارسية أو الإنجليزية. يجري في هذا الكتاب مقارنة بين الإسلام والبوذية والهندوسية والطاوية واليهودية والمسيحية والفكر الأفلاطوني اليوناني.
من الأعمال المقارنة الأخرى لإيزوتسو التي تُرجمت إلى الفارسية أيضاً كتاب «الخلق والوجود والزمان». وبرأي بهمن ذكي بور، الباحث الإيراني في إيزوتسو الذي يحضر بقوة في هذا الفيلم الوثائقي وكان من مستشاريه الرئيسيين، فإن «كتاب «الخلق والوجود والزمان» الذي لم يلقَ اهتماماً كبيراً في إيران هو أهم بكثير من «الصوفية والطاوية»، لأنه كُتب بعد خطوة من رؤية «الصوفية والطاوية» وهو أقرب إلى مراحل نضج فكر إيزوتسو».
من بين الذين أثّروا في فكر إيزوتسو على طريق إحياء «الفلسفة الروحية للشرق»، يُعدّ هنري كوربان الأهمّ على الإطلاق. ويمكن أيضاً أن نذكر الحاج ملا هادي السبزواري، ويونغ، وجاك دريدا، ولويس ماسينيون، ورودولف أوتو، وميرتشا إلياده. كان إيزوتسو على صلة ببعض هؤلاء المفكرين في حلقة فكرية تُدعى «إرانوس» كانت تُعقد سنوياً في سويسرا، وإن لم يكن إيزوتسو عضواً رسمياً فيها. بعد أن سمع إيزوتسو بيتاً من منظومة الحاج ملا هادي السبزواري في درس مهدي محقق في كندا، افتتن بالفكر الإيراني، وكان أول أعماله المرتبطة بمجال الفلسفة الإيرانية هو ترجمة وشرح المنظومة إلى الإنكليزية بالاشتراك مع مهدي محقق.
والجدير بالذكر أن لـ «الشرق» في «الفلسفة الروحية للشرق» وفي منظومة إيزوتسو الفكرية معنيين متمايزين. المعنى الأول هو «الشرق الميتافيزيقي»، شرقٌ لامكانيّ يُذكَر في فلسفة السهروردي ويسعى إيزوتسو إلى إحيائه. أما المعنى الثاني فهو المعنى المكاني والجغرافي للشرق، الذي يغطي من وجهة نظر إيزوتسو نطاقاً واسعاً. يبدأ هذا النطاق من اليابان غرباً، ويمرّ بالهند والصين والشرق الأوسط، ليشمل اليونان أيضاً. لذا، وعلى خلاف رأي عامة اليابانيين الذين كانوا يعتقدون أن الشرق ينتهي عند حدود الهند، فإن هذه الحدود ينبغي، من وجهة نظر إيزوتسو، أن تُمَدّ حتى إيران ثم حتى الحدود الغربية لليونان، بحكم امتلاكها لإرث مشترك.
لطالما اعتُبرت اليونان القديمة قاعدة الفكر الغربي. ومن هنا، فإن إدراج اليونان القديمة في «الفلسفة الروحية للشرق» يبدو إن لم يكن إشكالياً، فعلى الأقل غامضاً. لكن إيزوتسو يعتقد أنه «إذا ما توغّلنا في داخل الفلسفة اليونانية القديمة، وسعينا حقاً إلى شرحها بوضوح، فسنجد أن عناصر الفكر الشرقي فيها وفيرة. وهذا لا علاقة له البتة بوجود أو عدم وجود تأثيرات تاريخية، بل إن بنية الفكر اليوناني تنطوي على مسألة إشراقية مشتركة وضرورية» («الظلمة والنور في أواخر القرن العشرين، حوار مع توشيهيكو إيزوتسو»، ترجمة عن اليابانية بهمن ذكي بور).
للاطلاع على سردية لجوانب مختلفة من فلسفة إيزوتسو، انظر كتاب إيسوكي واكاماتسو، الباحث الياباني المتخصص في إيزوتسو، وهو كاتب له حضور بارز أيضاً في الفيلم الوثائقي «شرقي». كتاب واكاماتسو بعنوان «إيزوتسو وفلسفة الكلمة، بحثاً عن الشرق الروحي» وقد تُرجم من اليابانية إلى الإنكليزية. هذا الأثر هو الكتاب الشامل الوحيد حول جوانب فكر إيزوتسو المختلفة (وليس فقط دراساته الإسلامية) المتاح باللغة الإنكليزية. ومع ذلك، تتوفر باليابانية كتب أخرى حول إيزوتسو. وخلال شهر أو شهرين (تحديداً في فبراير/شباط 2019) سيصدر للباحث الإيراني المتخصص في إيزوتسو بهمن ذكي بور كتاب باليابانية في نقد ودراسة فلسفة إيزوتسو بعنوان «الفلسفة المقارنة عند توشيهيكو إيزوتسو: الصراع بين الأمر الإلهي والأمر الاجتماعي».
لم يكن بإمكان إيزوتسو، بصفته فيلسوفاً مقارناً وباحثاً في الإسلام، أن يغفل القرآن في طريق إحياء «الفلسفة الروحية للشرق». ورغم أن دراساته القرآنية تسبق تاريخياً أعماله اللاحقة في «الفلسفة الشرقية»، إلا أنه ربما يمكن اعتبار دراساته القرآنية أيضاً في سياق مشروعه الفكري لإحياء «الفلسفة الروحية للشرق».
لقد كان ينظر إلى القرآن ككلٍّ منسجم، لا يُظهر في الوقت نفسه تماسكه ببساطة للقارئ الناقد والباحث. فالقرآن، كما لو كان، أشبه بمعشوق يتجلّى ويحتجب. إن اكتشاف العلاقة المتعددة الجوانب والمتعددة الطبقات للمفاهيم القرآنية بمساعدة علم اللغة الحديث، هو إحدى مساهمات إيزوتسو أو إسهاماته في الدراسات القرآنية الحديثة.
من وجهة نظر إيزوتسو، يجد المفهوم القرآني معناه النهائي بناءً على علاقته الدلالية بالشبكة المتشابكة من المفاهيم القرآنية الأخرى في صميم هذا الكتاب نفسه، لا في قالب منعزل عن تلك الشبكة الدلالية، ولا بناءً على رؤية للعالم مستقلة عن القرآن، ولا حتى بناءً على رؤى العالم التي استعار القرآن منها مفاهيم. فعلى سبيل المثال، يرى إيزوتسو أن كلمة «الله» كانت مستخدمة عند العرب قبل النبي، ولكنها في الشبكة الدلالية لعالم العرب قبل النبي، كانت تجلس إلى جانب «آلهة»، ولم تكن في تضاد معها، وكانت إلهاً بين الآلهة، وإن كانت أهمّ منها.
في اللغة القرآنية، ورغم أن لفظ «اللّه» مُستعار من التقاليد اللغوية للعرب قبل النبي، إلا أن هذا اللّه لم يعد ذلك اللّه، بل يتبوّأ اللّه مكانةً مركزية في الشبكة الدلالية للقرآن، فلا ذكر للآلهة بعد الآن، بل إن الإيمان بالآلهة يُصبح في تضادٍّ مع الإيمان باللّه، وتؤول البداية والعودة والتدبير المستمر لكل شيء إلى اللّه، وإليه وحده.
لقد تجلّت النظرة التوحيدية للقرآن في الحضارة الإسلامية في العمارة الإسلامية أيضاً. ويُظهر التجلّي المعماري للتوحيد الإسلامي في هذا الفيلم نفسه عبر التأكيد على قبّة مسجد الشيخ لطف الله وقبّة مسجد الشاه بتصميميهما الفريدين. كما أن النظرة التوحيدية للقرآن هي مصدر إلهام ومنبع لفكر «وحدة الوجود» في فلسفة صدر الدين الشيرازي التي كان إيزوتسو وهنري كوربان مفتونَين بها.
في بداية هذه المقالة، أشرتُ إلى أن هذا الفيلم وثائقي فريد من نوعه حول إيزوتسو. وبتفصيلٍ أكثر لهذا الحكم، يمكن القول إن هذا الفيلم هو الوثائقي الوحيد الذي أُنتج حتى الآن عن إيزوتسو بأي لغة. فباستثناء برنامج تلفزيوني حواري صعب (هارد توك) في تركيا ـــ والذي كان أيضاً مقتصراً على أبحاث إيزوتسو في الدراسات الإسلامية ـــ لم يُصنع أي فيلم، لا في اليابان ولا في أي مكان آخر من العالم، عن إيزوتسو حتى الآن.
ومع ذلك، تبرز هنا وهناك ملاحظات حول هذا الوثائقي كان من شأن مراعاتها أن تُضفي عليه مزيداً من الجودة. الملاحظة الأولى هي أنه كلما ورد اقتباس عن إيزوتسو، كان من الأجدر ذكر مصدره. كان بإمكان هذا الأمر أن يكون ذريعةً جيدة لتعريف المُشاهد بمؤلفات إيزوتسو المختلفة. أما الآن، فعندما يرد اقتباس عن إيزوتسو في الوثائقي، لا يوجد أي إحالة. مراعاة هذه النقطة كان من شأنها أن تُضيف إلى دقة الوثائقي وغناه أيضاً. يقول مسعود طاهري، مخرج هذا الوثائقي، رداً على هذا الإشكال: «لقد وُضعت الإحالات في النسخ الأولية من الوثائقي، لكن العديد من المشاهدين اعترضوا مراراً قائلين: احذفوا الإحالات لأن هذا فيلم وليس كتاباً». ومع ذلك، فإن المخرج، حسب قوله، يعمل حالياً على إعداد نسخة جديدة من هذا الوثائقي تتضمن الإحالات.
الملاحظة الثانية هي أن الوثائقي يحتوي في نصفه الثاني على صور متحركة قصيرة وصامتة لحضور إيزوتسو في «الجمعية الفلسفية الإيرانية» في طهران. في هذه الصور، التي تُعرض لأول مرة وفقاً لرواية هذا الوثائقي، يظهر سيد حسين نصر وهو يُلقي محاضرة، بينما يجلس إيزوتسو بين الحضور مُنصتاً. ومع ذلك، لا يُعرض في هذا الوثائقي أي صوت و/أو فيلم لمحاضرات إيزوتسو نفسه. فحيثما ورد اقتباس عن إيزوتسو، يُعاد بناء صوته وصورته، ولا أثر لصوت إيزوتسو وصورته الأصليين.
هذا الأمر قد يدفع المُشاهد المُتابع إلى التساؤل: ألم يكن لدى صانعي الوثائقي تسجيل صوتي أو مرئي لإيزوتسو أثناء إلقائه محاضرة؟ يقول مسعود طاهري، مخرج هذا الوثائقي، رداً على هذا السؤال: «لا يوجد أي فيلم لإيزوتسو. العثور على هذه اللحظات القليلة من الفيلم القصير [في الأرشيف الإيراني] كان أشبه بالمعجزة. رفضت القنوات التلفزيونية اليابانية أي نوع من التعاون في هذا الشأن. لا يتوفر عن إيزوتسو سوى بضع صور وصوت واحد. من هذه الناحية، يجب القول إنه على الرغم من وفاة إيزوتسو عام ١٩٩٣ ميلادي، إلا أنه يبدو وكأنه كان يعيش في عام ١٩٢٠ ميلادي».
في نهاية الوثائقي، تُعرض صور من غرفة إيزوتسو الشخصية في منزله، بالإضافة إلى رواية عن يوم وفاته. على طاولة في منزله، تبرز لوحة صغيرة كُتبت عليها كلمة «لا شيء» (باللغة اليابانية: مو) بالحبر الأسود على ورق أبيض بخط يد إيزوتسو نفسه. في السابع من يناير عام ١٩٩٣ ميلادي (١٧ دي ١٣٧١ شمسي)، سقط إيزوتسو أرضاً في منزله، لكنه ظنّ أن الأمر ليس خطيراً فقال لزوجته «سأذهب لأنام قليلاً». أُصيب بنزيف دماغي ولم يستيقظ من نومه أبداً. وبتعبير مولوي: «نام هو وبختُه وإقباله لم ينما» (المثنوي، الدفتر الثالث).
إيزوتسو اليوم أكثر شهرة بكثير مما كان عليه حين أغمض عينيه عن العالم. ومع ذلك، فهو فيلسوف وعالم دين لا يزال بحاجة إلى مزيد من التعريف به. وحسب تقدير مسعود طاهري، مخرج هذا الفيلم الوثائقي، ربما لم يسمع نحو تسعين بالمئة من اليابانيين باسم إيزوتسو حتى. ويمكن أن نأمل في أن يتم التعريف بهذا الفيلسوف الياباني المغمور، الذي جعل من إيران وطنه الثاني سعياً لإحياء «الفلسفة الروحية الشرقية»، في المستقبل أكثر بكثير مما هو عليه اليوم، للإيرانيين واليابانيين والمهتمين بالفلسفة وعلم الأديان المقارن في جميع أنحاء العالم.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
العلوم السياسية
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.