اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يسعى كتاب «في مديح العقل» إلى إثبات أن الشك في العقلانية خطيئة سياسية، فالديمقراطية مدينة للعقلانية. وفي قراءة للكتاب، يتناول ياسر ميردامادي الدفاع الشكّي عن العقلانية العلمية والرد على اعتراضات المشككين.

عودة العقلانية إلى رشدها
حكاية من «في مديح العقل»
ياسر ميردامادي
النص التالي هو نص كلمة ياسر ميردامادي (مترجم كتاب في مديح العقل) في جلسة «إزاحة الستار عن كتاب في مديح العقل ومناقشته» التي نظمتها «حلقة ديدكاه نو».
استمع إلى تسجيل هذه الجلسة هنا
.
.
صدر كتاب «في مديح العقل» بعنوانه الفرعي «لماذا تدين الديمقراطية بالفضل للعقلانية» لمؤلفه مايكل باتريك لينش (مواليد ١٩٦٦ ميلادية)، أستاذ الفلسفة في جامعة كونيتيكت في أمريكا، عام ٢٠١٢ ميلادية عن منشورات جامعة إم آي تي في أمريكا، وصدرت ترجمته الفارسية في أواخر ٢٠٢٣ / منتصف ١٤٠٢ شمسية بترجمة كاتب هذه السطور، ياسر ميردامادي، عن دار نشر نو في طهران.
الهدف الرئيس للكتاب هو نقد الشكوكية، لا سيما الشكوكية إزاء العقلانية. يمكن القول دون مبالغة إن الشكوكية في الفلسفة، منذ اليونان القديمة وحتى اليوم، كانت أمّ المشكلات. لكن ما يميز هذا الكتاب هو أنه يتجاوز الدراسة المألوفة للشكوكية ويُظهر أن الشكوكية ليست خطأً فلسفيًا فحسب، بل خطأ سياسي أيضًا. نظرًا لأهمية هذا الموضوع، دعوني أورد ثلاثة اقتباسات في هذا الشأن: «إن فكرة أن كل شيء اعتباطي تقوّض من الأساس مبدأً من مبادئ المجتمع المدني؛ ذلك المبدأ هو: نحن مكلفون بأن نشرح لأبناء وطننا الآخرين ما نقوم به من أعمال» (ص ٣). ويقول في موضع آخر: «عندما نتحدث عن الدولة الديمقراطية فإننا نعني، إلى حد ما، أن مثل هذه الدولة تُدار بالعقل، على الأقل من حيث المبدأ» (ص ٥٣). وكذلك:
«إن التفاعل السياسي الديمقراطي يقتضي أن ننظر إلى أبناء وطننا بوصفهم فاعلين عقلانيين قائمين بذواتهم، يستحقون، تحت سلطة القانون، احترامًا متساويًا. [...] إذا قدمت ادعاءً ضدك وطالبتني بالدليل ورفضت تقديمه، فمن الواضح أنني لم أحترمك بوصفك حَكَمًا ندًا. وبالمثل، إذا لم تشرح الحكومة استخدامها للسلطة السياسية، فإنها لم تحترمك.» (ص ٩٢).
لفهم موقع وأهمية نقاش الكتاب في نقد الشكوكية، يلزمني أن أشير منذ البداية إلى أن لينش يضع تمييزًا مصيريًا بين نوعين من الشكوكية: ١. الشكوكية إزاء المعرفة، ٢. الشكوكية إزاء العقلانية. وهو يجادل بشكل مقنع بأن الدفاع عن المعرفة لا يستلزم منطقيًا الدفاع عن العقلانية. بمعنى أننا قد نعرف شيئًا (فتكون لدينا معرفة) ولكن قد لا نستطيع تدليل هذا الشيء للآخرين (فلا تكون لدينا عقلانية). إذن، المعرفة شيء والاستدلال شيء آخر. بتعبير آخر، قد نعرف شيئًا ولكن لا نستطيع نقل معرفتنا إلى الآخرين بشكل مدلل. يكرّس لينش تقريبًا كل تركيزه في الكتاب للدفاع عن (إمكانية وتحقق) العقلانية، لا عن (إمكانية وتحقق) المعرفة. وبالمناسبة، إن كنتم مهتمين بالدفاع عن المعرفة، فقد ترجمت قبل نحو عشر سنوات كتابًا آخر في هذا الباب: «الخوف من المعرفة، في نقد النسبوية»، تأليف بول بوغوسيان، ترجمة ياسر ميردامادي، طهران: كرغدن، ١٣٩٢.
لأعد إلى صلب الموضوع. يقصد لينش بالعقلانية أمرين: 1. ممارسة تقديم الأدلة، فعندما أطرح ادعاءً ويطالبني آخر بدليل فأقدم له دليلاً، أكون قد انخرطت في ممارسة تقديم الأدلة. قد يبدو هذا الأمر للوهلة الأولى بسيطاً جداً بل وبديهياً، لكن ثمّة جبلاً من الحجج الفلسفية والسياسية أُقيم ضد هذه الممارسة البسيطة لتقديم الأدلة، 2. ما يعنيه لينش ثانياً بالعقلانية هو بعض المبادئ المعرفية، كالمنطق والملاحظة، التي تُستخدم في الاستدلال العلمي. إذن فالمقصود بالعقلانية هو العملية العقلانية والنتيجة العقلانية معاً. وهذا الكتاب، في نهاية المطاف، دفاع فلسفي عن العقلانية العلمية. غير أن هذا الدفاع الفلسفي ليس معرفياً فحسب، بل يستمد ركائز جدية من الفلسفة السياسية أيضاً.
لكن الدفاع عن العقلانية ليس بالأمر النادر في سوق الفكر المكّارة. ولنكن صريحين، للعقلانية مادحون أيضاً. قد لا يصول مادحو العقل ويجولون في شارع هفت تير، لكنهم على مر التاريخ لم يدخروا جهداً في إسكات التقاليد الباطنية باسم "محاربة الخرافة". ما يميّز دفاع لينش عن العقلانية عن الدفاعات الأرثوذكسية عنها هو أن دفاعه شكوكي. بعبارة أخرى، إنه يرفع يديه استسلاماً أمام كل الحجج الشكوكية ضد العقلانية تقريباً. حال لينش كحال الأفلام التي يكون بطلها الرئيسي على وشك الإعدام، وحينما يكون شرير القصة على وشك الضغط على الزناد بابتسامة ظافرة وعينين تبرقان، تخرج يد من الغيب لتبعث فوهة المسدس بعيداً عن صدغ العقلانية في اللحظة الأخيرة، فتمر رصاصة الشكوكية صافرةً بجانب أذن العقلانية، لتخدشها وتصطدم بالحجر.
بتعبير آخر، يدافع لينش عن العقلانية، لكن عن عقلانية هزيلة ضامّة أطرافها باحتراس إثر لكمات الشكوكية المتوالية الساحقة. بعبارة أخرى، إنه لنقد الشكوكية يتلون بلونها، ويتسلل إلى صفوف المشككين كجاسوس ليتعلم حيلهم، ثم، في اللحظة الحاسمة، يُضرم النار في هشيم الشكوكية. دعوني أورد اقتباساً مفتاحياً في هذا الشأن لأُظهر كم أن دفاعه عن العقلانية نقدي وأدنى: "لا يوجد إكسير للعقل يقنع الجميع، بصرف النظر عن قيمهم أو التزاماتهم أو سيكولوجيتهم، بالأمر الصحيح والمعقول." (ص 146).
يتناول لينش تحديداً ثلاث إشكالات شكوكية على العقلانية:
1. أن العقل لا يؤدي دوراً في قراراتنا الفردية والجمعية، وبتعبير فني، ليس للعقل دور سببي في سيكولوجيا الإنسان،
2. حتى لو افترضنا أن العقل يؤدي دوراً في قراراتنا، فلا يمكن الدفاع عن العقل نفسه دفاعاً عقلانياً لأن العقل بلا أساس،
3. حتى لو افترضنا أن العقل يؤدي دوراً في قراراتنا وأمكن الدفاع عنه دفاعاً عقلانياً، فإن العقل عاجز عن تمثيل الحقيقة الموضوعية.
سأقوم في ما يلي بشرح كل من هذه الحجج الشكوكية الثلاث وعرض رد لينش عليها بإيجاز. لكنني أنبه إلى أن هذه الرواية ليس الغرض منها أن تحل محل قراءة الكتاب الأصلي، بل أن تقدم فقط لمحة عامة عن مضمون الكتاب لتؤدي دور دليل القراءة.
الإشكال الشكّي الأول الذي يتناوله لينش هو، بالتعبير الفقهي، أن العقل عِنِّين. أي أن العقل عاجز ولا يؤدي أي دور في قراراتنا. من المنظور الشكّي، فإن الدور الحاسم في سيكولوجيا الإنسان لا يلعبه العقل بل الحدس والعاطفة، والحدس والعاطفة لا صلة لهما بالعقل. ومفارقة الأمر أن الأبحاث المتزايدة في علم الأعصاب والعلوم المعرفية في العقود الأخيرة قدّمت أدلة لصالح عجز العقل. في حالة نادرة وقعت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكن قُدِّمت لها مؤخراً أدلة جديدة مؤيدة من قِبَل علماء العلوم المعرفية، حيث اخترق قضيبٌ، إثر انفجار، الفصّ الجبهي (frontal lobe) لرئيس عمال يُدعى فينياس غيج، وهو الجزء من الدماغ المسؤول عن المشاعر واتخاذ القرار. نجا غيج بأعجوبة وعاد سريعاً إلى حياته الطبيعية. لكن رغم أن نشاطاته المنطقية وذاكرته بقيتا سليمتين، إلا أنه لم يعد يمتلك القدرة على اتخاذ القرار. بتعبير لينش: «بدون المشاعر الموجِّهة، لم يعد يبدو له شيء أكثر قيمة من شيء آخر» (ص ٢٧). أمثلة من هذا القبيل تُظهر، من وجهة نظر الشكّاك، أن المشاعر والعواطف هي المتحكّمة وهي التي تدفع الإنسان، والعقل في نهاية المطاف عبدٌ للمشاعر.
لا ينكر لينش أبحاث العلوم المعرفية لكن لديه ما يقوله بشأن تفسيرها. في رده، ينتقد لينش نمطين شائعين من أنماط معرفة العقل في التراث الفكري الغربي: ١. التراث الأفلاطوني-الرواقي في معرفة العقل، حيث العقل هو الذي يسود الإنسان، والعواطف والمشاعر خالية من العقلانية وتطيعه. ٢. التراث الهيومي الذي تكون فيه العواطف والمشاعر خالية من العقلانية أيضاً، لكن في هذه الصورة تسود العاطفة الإنسانَ والعقلُ يطيع المشاعر. وهو ينتقد النقطة المشتركة بين كلا التراثين: وهي أن العقل منفصل عن العواطف والحدس. ويُظهر أن كثيراً من عواطفنا عقلانية، وأن عقلانيتنا تعمل بالتعاون مع العواطف. مثلاً، الغضب الذي نشعر به تجاه ظلم الظالم هو من جنس العواطف، لكنه عاطفة عقلانية، بحيث لو كان شخص ما غير مبالٍ بظلم الظالم لاستحق الملامة. العواطف هي منبع العقلانية. إذا لم نعتبر العواطف منفصلة عن العقلانية واعتبرنا العقلانية ممتزجة بالعواطف، فإن للعقل أثراً سببيّاً. علاوة على ذلك، يسوق لينش أدلة تاريخية على أن الاستدلال كان له أثر في تغيير آراء الناس. مثال ذلك تغيّر رأي عموم الأمريكيين تجاه الملوّنين، الذي شهد تغيراً إيجابياً كبيراً مقارنة بما كان عليه قبل ٥٠ عاماً. من وجهة نظر لينش، هذا هو أثر التعليم القائم على الإقناع العقلاني.
أما الإشكال الثاني فكان أنه حتى لو افترضنا أن العقل يؤدي دوراً ما في قراراتنا، فإنه لا يمكن الدفاع عن العقل نفسه دفاعاً عقلانياً. العقل بلا أساس. يكرّس لينش معظم الكتاب لطرح هذا الإشكال والرد عليه، وعند هذه النقطة بالذات يبدو الشكّاك وكأنه الفائز في لعبة الشكّ حتى اللحظة الأخيرة. الإشكال الشكّي هو أنه لا يمكن الدفاع عن واقعية العقل بالعقل، لأن هذا سيكون من قبيل الاستدلال الدائري. الأمر أشبه بأن يطلب مني البنكُ ضامناً للحصول على قرض، والضامن الذي أقدّمه للبنك لا يحظى بموافقته، فأقوم أنا بضمان الضامن بنفسي. بشكل مماثل، لا يمكن الدفاع عن صحة الإدراك الحسي (كالرؤية والسمع واللمس وغيرها) باللجوء إلى الإدراك الحسي نفسه. سيكون هذا استدلالاً دائرياً. لا يمكن الدفاع عن صحة الاستقراء بهذه الطريقة، بأن يُقال إن الاستقراءات الماضية كانت صحيحة حتى الآن، لأن هذا سيكون لجوءاً إلى الاستقراء لتبرير الاستقراء. لا يمكن الدفاع عن صحة المنطق باستدلال منطقي، لأن هذا سيكون لجوءاً إلى استدلال دائري. الاستدلال الدائري هو استدلال يُستخدم فيه الشيء نفسه لتبريره. الاستدلال الدائري ليس معتبراً. بل إنه ليس استدلالاً في الواقع، إنه شبه استدلال، أو بتعبير آخر هو استدلال زائف.
يقول الشكاك إننا لا نملك أي حجة معتبرة للدفاع عن العقل، بل والأسوأ من ذلك أننا لا نستطيع أن نملكها. ليس بحوزتنا سوى حفنة من شبه الحجج. وكأن النتيجة الحتمية هي أن العقلانية نفسها غير عقلانية. وهذا ليس محبطًا من الناحية الفلسفية فحسب، بل هو كارثي من الناحية السياسية أيضًا. لأن الشكاكة تقوّض أسس المجتمع المدني والمبادئ الديمقراطية، تقوّض مجتمعًا يُفترض أن يُدار على أساس العقل الجمعي وأن يكون الحكام فيه مسؤولين عقلانيًا عن حكمهم. إذا لم يكن هناك عقل، فلن يكون هناك عقل جمعي، ومن رحمه لن ينبثق ديمقراطية ولا مجتمع مدني. لكننا سنرى لاحقًا كيف يُنهي لينش، وببراعة فائقة، لعبة الشكاكة في الدقيقة التسعين لصالح العقلانية بضربة واحدة.
لكن قبل أن أصل إلى حل لينش الإيجابي، من الجيد أن أشير إلى حلول طُرحت للرد على تحدي العقلانية وهي، من وجهة نظر لينش، غير قابلة للدفاع. أحد الحلول هو أنه إذا كان لا يمكن الدفاع عن العقل وكان العقل نفسه غير عقلاني، فلنملأ مكان العقل بالتقاليد. يقرّ لينش بأن التقاليد لا مفر منها وأن العقلانية، في نهاية المطاف، هي نوع من التقاليد بحد ذاتها. لكننا نواجه تقاليد مختلفة بل ومتضاربة. أي تقليد ينبغي أن ننحاز إليه؟ إذا قيل إن على كل شخص أن ينحاز إلى التقليد الذي وُلد وترعرع فيه، فهذا تفوح منه رائحة الجبرية. التقاليد ليست سجونًا، وستكون خصبة إذا لم تتحول إلى سجون (هذه النقطة الأخيرة لم ترد في الكتاب بالطبع، لكن يمكن إضافتها في معرض نقد لينش لاختيار التقاليد بدلًا من العقلانية). وإذا قيل إن التقاليد لا يمكن قياس بعضها ببعض، أي أن كل تقليد لا يمكن قياسه إلا بمعاييره الداخلية وليس بمعايير خارجه، فسنواجه عندئذ وضعًا خطيرًا: في هذه الحالة، لا يمكن نقد التقاليد غير الديمقراطية. إذن، على الرغم من أهمية التقاليد، إلا أنها ليست بديلًا عن العقلانية.
لكن ثمة حل آخر يتمثل في القول إن العقلانية أمر طبيعي ولا مفر منه، وأن من يضع العقلانية موضع تساؤل يفتقر إلى الحس السليم (common sense) ولا جدال لنا معه. وكما يُقال: «جواب الجاهل السكوت». رد لينش هو أنه من المفترض أن نكون مسؤولين عن التزاماتنا في المجال العام، وأي التزام أكثر جوهرية من الالتزام بالعقل؟ إذا لم تكن لدينا حجة لالتزامنا الأساسي بالعقل، بل ووصفنا من يطلب الحجة بالأحمق، فإننا نكون قد تصرفنا بشكل مضاد للعقلانية ومضاد للديمقراطية، ولا يمكن الدفاع عن العقلانية بعداء العقلانية.
إذن، إذا كان لا يمكن سلوك هذه الطرق المسدودة، فما هو سبيل الدفاع عن العقلانية في مواجهة تحدي الشكاكة؟ الحل الخلاق الذي يطرحه لينش ينطوي على قدر كبير من التنازل. فهو يقر بأنه في مواجهة التحديات الشكاكة، لا يتيسر الدفاع النظري عن واقعية العقلانية. للدفاع النظري عن واقعية العقلانية في مواجهة التحديات الشكاكة، يجب أن نلجأ إلى العقل، وهذا يصبح استدلالًا دائريًا، والاستدلال الدائري ليس استدلالًا. لكن التمييز الذي وضعه لينش بين المعرفة والعقلانية يفيده هنا. لا يزال بوسع المدافع عن العقلانية أن يدّعي أن العقلانية العلمية مولّدة للمعرفة، لكنه لا يستطيع إقامة استدلال نظري لإقناع الشكاك. هذا، وإن كان يضر بالعقلانية النظرية للعقلانية، إلا أنه لا يضر بالضرورة بقدرة العقلانية الافتراضية على توليد المعرفة. لفهم هذا الفرق، تأملوا هذا المثال (المثال من عندي وليس في الكتاب): شخص له عدو لدود، وعدوه اللدود، وهو شخص مقتدر ومثابر وذكي، يصمم مشهدًا ببراعة ليُظهر الشخص بمظهر القاتل. ينجح تدبيره، وتبدو كل الأدلة ضد الشخص مقنعة، ولا تجدي دفاعاته في المحكمة نفعًا، ويُدان في المحكمة. لكن الشخص نفسه، على الأقل، لديه معرفة بأنه ليس قاتلًا، حتى لو لم يكن لديه أدلة ضد تهمة القتل. في مثل هذه الحالة، الشخص لديه معرفة لكنه لا يملك عقلانية. المدافع عن العقلانية العلمية، على غرار هذا الشخص، قد يكون حائزًا للمعرفة، حتى لو لم يستطع إقناع الهيئة الحاكمة الشكاكة بالعقلانية النظرية للعلم.
غير أن دفاع لينش لو اقتصر على هذا المقدار لما كان مقنعاً. هذا الدفاع لا يقول إلا إن إمكان المعرفة يظل مفتوحاً أمام المدافع عن العقلانية العلمية حتى لو عجز عن تقديم دفاع نظري عنها. ويضيف لينش أنه إذا كان باب الدفاع النظري عن العقلانية في مواجهة تحدي الشكوكية موصداً، فإن باب الدفاع عن موقف العقلانية العملية يظل مفتوحاً على مصراعيه. وقبل أن أعرض حجته، دعوني أستعرض معكم التمييز بين العقلانية النظرية والعملية، وهو تمييز لا يشرحه لينش في الكتاب: في العقلانية النظرية ندافع عن واقعية فكرة ما وصدقها، أو على الأقل عن كونها مسوَّغة. فنحن مثلاً نأتي بأدلة تقول إن الله موجود، أو بعبارة أخرى إن الاعتقاد بقضية «الله موجود» اعتقاد مسوَّغ. أما في العقلانية العملية فندافع عن منفعة فكرة ما (فردية كانت أم جمعية). فنحن مثلاً نحاجّ بأن الإيمان بالله مفيد للصحة النفسية، بغض النظر عن وجود الله من عدمه.
وينتهج لينش سبيلاً مماثلاً للدفاع عن العقلانية العملية للمنهج العلمي. فهو يزعم أن كل مجتمع متقدم وتوّاق إلى العدالة يولي العقلانية العلمية مكانة متميزة. ومن المهم أن ننتبه إلى أنه لا يشير، دفاعاً عن هذا الزعم، إلى منجزات العقلانية العلمية. ذلك أنه يدرك أن الشكاك إن طالبنا بدليل على جذور العقلانية العلمية، فإن تعداد ثمار العقلانية العلمية لن يثير إعجابه. ولكي تفهموا الأمر على نحو أفضل، تأملوا هذا المثال الذي أضربه: تصوروا أباً أو أماً يرى أن تسلية ابنه هي مضيعة للوقت. لا يستطيع الابن أن يقدم، دفاعاً عن نفسه، قائمة بأنزه وأقل تسلياته كلفة. فالأب أو الأم يريان أن أصل التسلية مضيعة للوقت، سواء أكانت تسلية نزيهة وقليلة الكلفة أم لا. والشكاك الآن قد وضع أصل منهج العقلانية العلمية موضع تساؤل، ولن يثيره تعداد المنجزات الباهرة للعقلانية العلمية.
وبدلاً من هذا السبيل، يقترح لينش طريقة موضوعية ونزيهة لفحص العقلانية العملية لمختلف المناهج، ثم يبين أن المنهج الفائز من بينها هو الأقرب إلى المنهج العلمي. وأقول تأكيداً إنه بهذا السبيل يدافع عن العقلانية العملية للعلم (لا عن عقلانيته النظرية). فهو لا يبين بهذا أن العقلانية العلمية واقعية، وأن أفضل قضايانا العلمية صادقة أو حتى مسوَّغة، بل يبين أن تبني العقلانية العلمية يصب في مصلحة مجتمع متقدم وتوّاق إلى المساواة. وهو يسمي هذه الطريقة «لعبة المنهج». ولكي تفهموا هذه الطريقة ببساطة، تأملوا هذا المثال. وهو مثالي مرة أخرى وليس وارداً في الكتاب: افترضوا أن خمسة أشخاص يحضرون حفلة عيد ميلاد، وقد أوكلت إليكم مهمة تقطيع قالب الحلوى. ثمة شرط واحد فقط، وهو أنكم بعد تقطيع القالب لن تكونوا أول من يأخذ قطعة الحلوى خاصته. في هذه الحال، تقتضي العقلانية العملية (أي تعظيم المنافع) أن تقطعوا القالب إلى خمسة أجزاء متساوية تماماً. لأنكم إن قطعتموه إلى أربع قطع أصغر وقطعة أكبر، فبما أنكم لن تكونوا أول من يأخذ قطعته، فقد يأخذ أحد المدعوين الأربعة الآخرين القطعة الكبيرة فيصغر نصيبكم.
وترسم «لعبة المنهج» وضعاً افتراضياً مشابهاً. في لعبة المنهج، يُفترض أنكم ستستوطنون كوكباً شبيهاً بالأرض، وستشكلون فيه مجتمعاً شبيهاً بالمجتمع الإنساني. سيكون وضعكم على ذلك الكوكب الشبيه بالأرض مشابهاً لوضعكم على الأرض، أي أنكم ستظلون بشراً، بفارق أنكم تجهلون طبقتكم الاجتماعية، ولونكم، وعرقكم، وجنسكم، وميولكم الجنسية، والسياسية، والدينية، ومستوى تعليمكم، وجنسيتكم، وعمركم. فقد تكونون على الأرض رجلاً أبيضَ في منتصف العمر، ثرياً، مغايرَ الجنس، مسيحياً، لكنكم على الكوكب الشبيه بالأرض ستتحولون إلى امرأة سوداء مسنّة، مثلية الجنس، لادينية، من الطبقة المتوسطة. والآن، عليكم في لعبة المنهج أن تحددوا أي المناهج ينبغي أن تحكم رسم السياسات على الكوكب الشبيه بالأرض. من الأفضل أن تختاروا منهجاً يكون في صالحكم على الكوكب الشبيه بالأرض، أياً كانت الطبقة الاجتماعية، واللون، والعرق، والجنس، والميول الجنسية، ومستوى التعليم، والجنسية، والعمر الذي ستتحولون إليه. وبعبارة أبسط، من الأفضل أن يكون منهجكم توّاقاً إلى المساواة وفي صالح الجميع.
أيَّ إجراءٍ ستختار؟ يجادل لينتش بأنك إن سعيتَ وراء مصالحك واتبعتَ منطق اللعبة، فستُفضِّل الإجراءات المفتوحة على الإجراءات المغلقة. أي أنك ستُفضِّل الإجراءات الشفافة، والذاتية البينية، والقابلة للتكرار، والقابلة للتكيُّف، والطبيعية على الإجراءات غير الشفافة، والذاتية، وغير القابلة للتكرار، وغير القابلة للتكيُّف، وغير الطبيعية. فالإجراءات الشفافة متاحة للجميع، والإجراءات الذاتية البينية لا تنتمي إلى جماعة أو طبقة معينة، والإجراءات القابلة للتكرار يمكن الوثوق بها أكثر، والإجراءات القابلة للتكيُّف تُطبَّق في أي موقف، ويستفيد من الإجراءات الطبيعية عدد أكبر من الناس. يجادل لينتش بأن المنهج العلمي يمتلك جميع خصائص الإجراء المفتوح. وإذا كان علينا أن نقتسم كعكة الإجراءات، فمن الأفضل أن نختار الإجراء العلمي لأنه أكثر إنصافاً وأكثر إحرازاً للتقدم. وإذا كان الإجراء العلمي في الوضع الافتراضي لشبه الأرض أكثر إنصافاً وإحرازاً للتقدم، فسيكون كذلك على الأرض الواقعية. وعلى هذا الأساس، تتمتع العقلانية العلمية بعقلانية عملية. وبعبارة بسيطة، العلم في صالح الجميع.
الإشكال الثالث الذي كان يطرحه المشكك هو أنه حتى لو أمكن إظهار أن العقل مؤثر في قراراتنا، وحتى لو أمكن إيجاد أساس متين للعقلانية، فإن العقل يظل عاجزاً عن إظهار الحقيقة الموضوعية. الإشكال الثالث هو نوع من العودة إلى إشكال العقلانية النظرية. يجب أن أعترف بأن تعبير لينتش في هذا الجزء هو الأكثر تكثيفاً وتعقيداً في كل الكتاب. ولعل هذا ليس نقصاً كبيراً، لأن المسألة صعبة، وكما قالت بروين اعتصامي: «قال مخمورٌ: لهذا تمشي متعثراً؟ / قال: لا ذنبَ للمشية، بل الطريق ليس ممهداً». على أية حال، خلاصة رد لينتش المتشابك والمكثف على هذا الإشكال هي أنه ينبغي أولاً تجنب جوابين. الجواب الأول يقول إن الحقيقة الموضوعية توجد فقط في العلوم التجريبية، لا في الفن والعلوم الإنسانية-الاجتماعية. والجواب الثاني يقول إن الحقيقة الموضوعية أسطورة ولا توجد في أي مكان، ولا حتى في العلوم التجريبية، ناهيك عن الفن والعلوم الإنسانية-الاجتماعية.
يدّعي لينتش أن العلوم الطبيعية تسعى إلى الصدق (الحقيقة)، وكذلك الفن والعلوم الإنسانية-الاجتماعية. ولكن هنا أيضاً، يرفع لينتش يديه إلى المنتصف دفاعاً عن العقلانية في مواجهة المشككين. وخلاصة ادعائه هي أن الصدق في العلوم التجريبية من سنخ المطابقة مع الواقع، بينما الصدق في الفن والعلوم الإنسانية-الاجتماعية من سنخ الاتساق، لا المطابقة مع الواقع.
يُنهي لينتش كتابه بالخوف والأمل، وهي نسخة علمانية من الدعاء في نهاية الخطابة. آماله تعادل «ليت الله يفعل كذا» ومخاوفه تعادل «لا قدر الله أن يفعل كذا». دعوني أنهي روايتي للكتاب بمخاوف لينتش وآماله، وأطلب منكم أن تؤمِّنوا:
«أُنهي هذا العمل بالخوف والأمل. الخوف من أننا إن تجاوزنا الالتزام بالعقل كثيراً، فسيكون طريق العودة صعباً؛ وأما الأمل: فآمل أن نعيش في مجتمع يدرك التمييز بين هذه الأمور: التمييز بين المنفعة والواقع، التمييز بين الاعتقاد بشيء وواقع الأمر، التمييز بين المعقولية الظاهرية قصيرة المدى والاعتقاد الذي يخرج من محك النقاش العقلاني السليم، التمييز بين اللجوء العنيف إلى القوة واللجوء الصبور إلى الزوايا النبيلة من الطبيعة البشرية.
بكلمة واحدة، أملي هو أن نعيش في مجتمع لا يتقبل العقل بسلبية، بل يلتزم به بشغف ويطبق المبادئ العقلانية في الممارسة العملية.» (ص ١٧٧).
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.