اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى الباحث الحوزوي حسن جمشيدي أن استمرار حياة الفقه الشيعي في عصر الديمقراطية مقرون بالتحديات. وهو إذ يعدد سمات إنسان اليوم كالعقل التاريخي السيال والحرية، يمحص علاقة العالم الجديد بالفقه ويشير إلى عصْرَنته.

إشارة: حسن جمشيدي، الباحث في الدراسات الدينية من مشهد، يرى أن أولى سمات إنسان اليوم هي اعتناقه لفكرة العقل التاريخي السيال. وهو يعتبر الإنسان المعاصر حراً وعاشقاً وعالماً بزمانه، ويرى عصرنا عصر حرية الإنسان، عصراً تجاوز القوالب النمطية الجندرية، ولأنه يدرك استحالة الوصول إلى الأمر الواقعي، فقد صار ذا تفكير دنيوي. يرى جمشيدي أن استمرار حياة الفقه الشيعي في زمن كهذا، حيث الديمقراطية هي الإرث الغالب والعظيم للتجربة البشرية، مقترن بتحديات شتى. يتناول هذا الباحث خصائص الإنسان والمجتمع الحديث، ويتحدث عن مجتمع المعلومات، ونبذ التمييز ضد المرأة، والتعددية، والديمقراطية بوصفها أسس العالم الجديد، ويقيس مدى تناسب العالم الجديد مع الفقه الشيعي. ويشير في النهاية إلى موضوع "عصرنة" الفقه الشيعي.
جدير بالذكر أن هذه المقابلة أجريت عام 1383 مع صاحب الرأي هذا في مجال الفقه والإلهيات. حسن جمشيدي هو من الباحثين الناشطين في مشهد في مجال الإلهيات والفلسفة. وله أيضاً سابقة في تحقيق نصوص الفلسفة والعرفان الإسلامي. صدر له في عامي 86 و87 الشمسيين تحقيق كتابي "أبواب الهدى" و"مصباح الهدى" لميرزا مهدي الأصفهاني عن دار نشر بوستان كتاب في قم. وقد تتلمذ في الفقه والأصول على يد آيات الله العظام زنجاني، ومرتضوي، وحضر لسنوات عديدة درس الخارج لآية الله العظمى عز الدين زنجاني. كما تتلمذ جمشيدي لسنوات في الفلسفة والعرفان الإسلامي على يد السيد جلال الدين آشتياني وآية الله السيد عز الدين زنجاني.
نُشر هذا الحوار بدايةً في صحيفة "آفتاب صبح نيشابور" نصف الشهرية، السنة الثالثة، العدد 60، ص 3 بتاريخ 18 اسفند 1397، وتُعيد "صدانت" نشره.
دعني أطرح عليك منذ البداية وبدون مقدمات هذا السؤال الصريح: ما الإشكال في أن نعيش وفق الرؤية الكونية المستمدة من القرآن والروايات وننبذ العالم الحيوي الجديد برمته؟
الإشكال هو أن الآيات القرآنية والروايات النبوية وكذلك الروايات المنقولة عن أئمة الشيعة قد تشكلت أساساً مع الأخذ بعين الاعتبار فضاء المجتمع الإنساني في زمن نزول هذه الآيات والروايات. كما أن أنثروبولوجيتنا التقليدية تشكلت على أساس هذه الآيات والروايات ذاتها. ونحن نتعامل مع فلسفة أرسطو وكليات سعدي بالطريقة نفسها، فنقول من خلال دراستها إن الناس في زمن أرسطو وسعدي كانوا يسيرون في فضاء كذا، ولكن ما أفكر به هو أن إنسان اليوم لم يعد يسير في ذلك الفضاء وتلك المواقف. في رأيي أن أهم مشكلة لدينا في الحوزات الفقهية هي هذه بالتحديد؛ فنحن ورثة فقهٍ نتعامل فيه مع بشر مقيدين بزمانهم ومكانهم. بشر كانوا في ذلك الزمان ضمن شروط زمانهم الخاصة، في مقابل بشر يعيشون اليوم في الوضعية المختلفة الراهنة.
برأيك، ما هي السمات التي يتمتع بها الإنسان الجديد والتي ميزته عن الإنسان القديم؟ هل حدثت في نظرك قطيعة جوهرية بين الإنسان القديم والجديد؟
نعم، برأيي كانت هذه القطيعة جوهرية. إن تعداد سمات إنسان اليوم سيُظهر لنا هذه القطيعة الجوهرية.
أولى سمات إنسان اليوم هي اعتناقه لـ "العقل التاريخي السيال". إذا كان أساس تعريف العقل في الماضي هو التوصل إلى تمييز "الخير" و"الشر"، فإننا لا نستطيع اليوم تقديم تعريف كهذا، بمعنى أن أي تعريف نقدمه سيُطرح غداً تعريف آخر، ولا نهاية لصراع التعريفات. التعريفات والمفاهيم، بالتعبير عنها، ذات "حالة هلامية". بالطبع أنا أتحدث عن الروح الكلية السائدة على إنسان اليوم، لأنه قد يوجد أفراد لا ينطبق عليهم هذا الكلام، لكنهم نادرون و"النادر كالمعدوم".
السمة الثانية لإنسان اليوم هي أنه ينظر إلى الفرد بوصفه «عاشقًا» و«حرًا». إذا أردنا أن نكون مرشدين لإنسان اليوم، فعلينا أن ننتبه إلى أنه ليس عبدًا، وأن العبودية لم تعد ذات معنى أساسًا. ابني يستغرب أنه في زمن الإمام الصادق كان هناك غلمان وعبيد وجوارٍ. وفي ظني أن هذا الأمر وحده كافٍ لأن يعاقب الله جميع القائمين على الأنظمة القديمة، لأنهم على مر التاريخ رضوا بنظام العبودية. هذا أقذر وأبشع وأظلم فعل ارتكبه البشر في التاريخ، وأعتقد أنه لا يوجد فعل أدنى من العبودية، وبالطبع فإن أصل نشأتها لا علاقة له بمجال الأديان، لكن ذلك السلوك القبيح لا يزال موجودًا، وإن تغير شكله في أيامنا هذه، ولم يتبقَّ من العبودية الكلاسيكية شيء تقريبًا.
السمة الثالثة لإنسان اليوم هي كونه «مسالمًا» وغير «صاخب». إنسان اليوم ليس قاسيًا وعديم الرحمة كالإنسان في الماضي. هذا الاهتمام الكبير بالبيئة نابع من هذا. فبينما كان شخص في الماضي يستمتع بقتل آلاف الأشخاص، فإن سهراب سبهري وأمثاله اليوم لا يرضون بقتل ذبابة.
السمة الرابعة هي أن إنسان اليوم، بمعنى ما، إنسان «مهتدٍ» وقد استفاد من حضور الأنبياء والأئمة المعصومين والفقهاء. في صدر الإسلام كانت هناك عائلات غير مؤمنة ثم آمنت، أما اليوم فالأفراد مسلمون منذ أجيال. حتى أننا نعجز أحيانًا عن إعادة شرح العقائد، فماذا يمكن أن نقول لشخص كل أسرته مسلمة ولا يعرفه مسبقًا؟
خامسًا، في العالم الحديث نواجه إنسانًا أكثر علمًا. نواجه أشخاصًا يتعرضون كل ساعة لوابل من المعلومات. الآن تعددت مصادر الأخبار لدرجة أننا بتنا ننتقي الأخبار. إذا كانت الأخبار تُنقل سابقًا بالرسل والجمال، فإننا الآن خلف الإنترنت يجب أن نحذف أولاً الكثير من المعلومات وننتخب جزءًا يسيرًا. كان هناك زمن كان فيه أبو بكر يمارس الخلافة بدوام جزئي، هكذا كانت الأمور بسيطة وغير معقدة. أما الآن فلا أظن أن رؤساء الجمهوريات يجدون أكثر من ثلاث أو أربع ساعات للراحة.
السمة السادسة هي أن فضاء المجتمع اليوم هو فضاء «منفتح» لا «منغلق». قد تستطيعون إغلاق المجتمع، لكن لا تستطيعون إغلاق العقول ولا الأقمار الصناعية ولا الإنترنت. نحن نعيش في عالم منفتح. نحن نعيش في عصر المعلومات.
السمة السابعة لإنسان اليوم هي أننا نواجه إنسانًا في مجالات علوم الطبيعة في حالة تغير وتحول مستمر. ليس الأمر كما لو أن جاليليو عندما ادعى أن الأرض تدور حول الشمس، لم يحدث ذلك تغييرًا حتى في حياة الناس العادية. كل الاكتشافات العلمية تخلق فضاءً جديدًا يتناسب مع الرؤى الجديدة. ومع أن كبارًا في الحوزات العلمية أثبتوا، بحسب ظنهم، أن القول بالعلم الجديد أو القديم لا يحدث تغييرًا في الحياة والأحكام الإسلامية، إلا أنني أعتقد أن من السذاجة أن نفكر بهذه الطريقة. أعني، هل الذهاب من مشهد إلى غلمكان على ظهر حصان لا يختلف عن الحركة اليوم بالسيارة؟ هل موقف السيارات لدينا هو حقًا نفس الإسطبل، أم أن مضخة البنزين هي نفس بائع العلف السابق؟ هل إصلاح الإطارات هو نفسه البيطرة القديمة؟ هذه التحولات جوهرية، وقد تشكلت مهن جديدة على أساس تقسيم العمل في العصر الحديث. هل يذهب أحد اليوم للصيد من أجل العيش، أم أنه يسخن الطعام بالميكروويف؟ بالطبع، هذه الأمثلة التي ضربتها كانت أمثلة تكنولوجية، لكن التكنولوجيا الحديثة مبنية على العلم الحديث. لذلك لا يمكن الادعاء بأن احتياجات الإنسان وظروفه ثابتة دائمًا.
ثامنًا، في عالم اليوم تم التخلي عن «التمركز حول الجندر». اليوم، حتى في القوات العسكرية وقوات الأمن، يتم توظيف النساء. العالم اليوم يطالب بالمساواة في الحقوق بين المرأة والرجل في العمل والوظيفة والدخل الناتج عنها. الآن، في العديد من المجالات، زالت التمييزات الماضية، ولم يعد مفهوم الجندر كأساس للتمييز ذا معنى. بالطبع، تبقى الفروق الخُلقية بين الأفراد، لكن هذا لا علاقة له بالجندر، ولا ينبغي أن يؤدي الجندر إلى تمييز. هذا هو مطلب العالم الجديد.
تاسعاً، من أوجه الاختلاف الأخرى بين إنسان اليوم وإنسان الأمس أن إنسان اليوم لا يسعى إلى معرفة ما يريده الله منه، بل يريد أن يفهم ما هو مطلبه هو من الله. إنني أسعى إلى أن أفهم أيّاً من احتياجاتي يلبيها الدين. فعلى سبيل المثال، قدم ماسلو تصنيفاً جديداً لاحتياجات الإنسان. والسؤال هو: ما الذي يريد فقهنا أن يفعله حيال أدبيات مطالب إنسان الأمس واختلافها مع احتياجات البشر الجدد؟
عاشراً، إن إنسان اليوم لا ينظر إلى الواقع فحسب، بل هو على يقين من أنه لا يستطيع بلوغه. فعندما يريد بلوغ «الواقع»، عليه أن يجتاز عشرات العوامل، وحتى حينها لا يكون قد بلغ الواقع المطلق، بل توصّل إلى فهمٍ للواقع مطابقٍ لمعاييره المختلقة والمصطنعة، وافترضه واقعاً كي تُحلّ مشكلته مؤقتاً. إنه لا يريد أو لا يستطيع بلوغ الواقع، بل يريد تحليلاً لوجهات النظر المختلفة المطروحة ليرى أيها أكثر جدوى وأيها ليس كذلك. نحن نتعامل دوماً مع أذهان الأفراد لا مع صُلب الواقع. وحتى لو وقفنا على عتبة ذهن الأفراد، فهذا لا يعني أننا وقفنا على عتبة واقعهم الذهني، ولا يمكننا أساساً إدراك الواقع كما هو في حقيقته. بالطبع، هناك من يدّعون أن الواقع، كما هو في حقيقته، قابل للكشف، لكن هؤلاء ليسوا من إنسان اليوم، أو ذاك السيد الذي يُجبر النساء على المكوث في زوايا البيوت ويعتبرهن كائنات «طويلات الشعور»، فهذا السيد وإن كان قريباً من زماننا، إلا أنه بعيد عن زماننا.
حادي عشر، من السمات الأخرى لإنسان اليوم كونه «ناقداً» ونزعته إلى اجتثاث القداسة. حتى المسيحيون الكاثوليك لم يعودوا ينظرون إلى البابا بتلك القداسة التي كانوا يضفونها عليه في القرون الوسطى؛ على الأقل، هناك جماعات ومفكرون داخل المذهب الكاثوليكي لم يعودوا يعتقدون ذلك. ليس فقط بين الكاثوليك، بل إن أجواء غالبية المجتمعات على هذا النحو. فلو صدر قانون عن البرلمان بأن البابا مقدس، فسينتقدونه، وهذه سمة إنسان اليوم، وهو لا يملك حيالها يداً. لقد تغير الزمان. ولو أتحت له المجال لانتقد الله أيضاً. لكن هذا التصور النقدي النازع للقداسة يختلف عن تصور «الكفار» بالأمس. نحن لا نسميهم «كفاراً» بل نعتبرهم «نقاداً»، ونقدهم يتسم بحالة من السيولة والمرونة.
ثاني عشر، إن إنسان اليوم ـــ حتى لو كان مؤمناً بالآخرة ـــ لا ينظر إلى الحياة الأخروية الأبدية، بل يمتلك تفكيراً «دنيوياً». فإنسان اليوم، حتى لو آمن بالآخرة، يؤمن في الوقت ذاته أنكم إن أحسنتم تدبير حياتي الدنيوية، فستحسنون بذلك حياتي الأخروية، أما إن كنتم عاجزين عن إدارة هذه الحياة الدنيوية التي تمتد لستين أو سبعين عاماً، فكيف تستطيعون الادعاء بقدرتكم على عمارة آخرتي؟ لذا، ينظر إنسان اليوم إلى حياته الراهنة، وأي دين، سواء أكان البوذية أم المسيحية أم الهندوسية، إن استطاع تلبية هذه النظرة، فسيُقبل عليه. وإذا طرح أحدهم اليوم فكرة أن حياتنا الدنيوية لا أهمية لها، فقد يكون زاهداً صالحاً، لكنه غريب عن روح العالم الجديد.
ثالث عشر، في حياة إنسان اليوم، التمدّن هو الأصل، والحياة في الفضاءات خارج المدن، كالحياة الريفية، آخذة في التضاؤل. وللتمدن اقتضاءاته الخاصة. في الماضي، كانت إحدى ميزات تلك الشخصية المؤنثة المقدسة في عقيدتنا هي طحن الدقيق، أما اليوم فلا وقت لدى أحد لمثل هذا العمل، بل يذهب إلى أول الشارع ويشتري دقيقاً جاهزاً، ولا يعتبر طحن الدقيق فضيلة، حتى لو اعتبره أمراً حنينياً. في الشقق السكنية اليوم، لا معنى لمقولة «جدراني الأربعة حصني»، فإذا ارتفع صوتك قليلاً، قرعوا الجدار بقبضاتهم. والأشخاص الذين يتوهمون أنهم عاشوا حياة تقليدية، حين يتحولون إلى سكنى الشقق، يشعرون تماماً بأنهم دخلوا عالماً جديداً.
رابع عشر، إن إنسان اليوم بحاجة إلى «الروحانية»، ولا شك في ذلك. كان إنسان الأمس يتطلع إلى الدين، أما نظرة إنسان اليوم فهي إلى الروحانية، وأي دين يقدمها يميل إليه، وإن لم يجدها في الدين اتجه نحو روحانية مستقلة عن الدين. لقد أصبح إنسان اليوم يرى لنفسه حق الاختيار. لم يعد بالإمكان فرض شيء عليه. إنه يختار الأفضل بتشخيصه هو. إنسان اليوم ليس «عابداً» بل هو «عاشق»، وهو يختار الروحانية عاشقاً لا متعبداً في أي مجال يستحسنه. أي أننا أمام إنسان «مُختار». والتحول والتغير صفة ذاتية في إنسان اليوم، أما الثبات فهو حالة استثنائية.
خامس عشر، ينظر إنسان اليوم إلى «العلم» لا إلى «القطع». أي أننا نعتقد أن «القطع» غير ممكن. أصلاً، بأي شيء تريد أن تحصل على القطع؟ نحن نسعى وراء علمٍ منهجُه واضح، سواء وصل إلينا عن طريق «الاستدلال» أو عن طريق «الحسّ»، ولا نحصل على القطع من نعيق الغراب. والعلم أيضاً يحتمل نسبةً من الاحتمال.
سادس عشر، يؤمن إنسان اليوم بـ«التعدّد». إنه ينظر إلى وجهات النظر المختلفة. لقد قبلنا بأن وجهة نظر واحدة لا يمكنها أن تكون حاكمة، ويجب الاعتراف بوجهات النظر المختلفة. وهنا، يدور النقاش حول التعدّد المطلق أو التعدّد النسبي (غير المطلق)، لا حول نفي التعدّد.
السمة السابعة عشرة للإنسان الحديث هي أن الإنسان الحديث ينظر إلى «الذهن المعقّد» وينفر من الحلول النمطية وغير المدروسة والمُعدّة سلفاً.
لقد عددتم سمات الإنسان الحديث من وجهة نظركم، سمات كالعقلانية، والتمركز حول العلم، والتمدّن، والتفكير الحر، والابتعاد عن السلطة الأبوية. بالنظر إلى نظرة الإنسان الجديد وتمایزها (إن لم نقل تضادّها) مع النظرة التقليدية للفقهاء، هل ترون أن تأسيس فقه عصري أمر ممكن؟ وإذا كان الفقه العصري ممكناً، فما هي سماته؟
أعتقد أن هذه التطورات والتأثيرات قد حدثت في فقهنا، شئنا أم أبينا. فمثلاً، كان إجماع الفقهاء في الماضي ممكناً إلى حد ما، أما الآن فقم، ومشهد، وأصفهان، وكربلاء، والنجف، كل منها حوزة قائمة بذاتها، ناهيك عن انتشار الفقهاء في الهند وأفغانستان ولبنان؛ فكيف يمكن مع هذا الوضع تكوين إجماع؟
منذ فترة، نرى أن حجية الإجماع قد سقطت عملياً، ومنذ أواخر تلك الفترة كانوا يردّون الإجماع إلى شكلين: منقول ومحصّل. في هذا الجزء، عندما نلقي نظرة خارجية على آراء الفقهاء، نراهم قد وقعوا في تناقض الآراء في بعض المجالات. ففي حالات كثيرة، لم يغيّر الفقيه أساس فتواه، لكنه عند مواجهة معضلات الناس، تغيرت وجهة نظره وفتواه. مثلاً، فتاوى السيد صانعي، في نظري، تعاني من إشكال من حيث التبيين والاستدلال الفقهي، لكنه أدرك بحق أن الاستمرار على الفتاوى السابقة أمر غير ممكن في ظل أوضاع اليوم، وهو من جهة أخرى يواجه سير المشكلات العينية في حياة الناس. فمثلاً، عندما يتطرق إلى بلوغ البنت، يواجه مشكلة فقهية. أو مثلاً، نظراً للتعامل الواسع مع الأديان الأخرى، قلّما أعرف فقيهاً يعتبر المتدينين بالأديان الأخرى متصفين بـ«النجاسة الذاتية»، بل إن بقي قائلاً بالنجاسة، فهو يعتبرها «عرضية».
ومع ذلك، فإن الفقهاء، وإن أدركوا أن تحديثاً قد وقع في المجتمع، إلا أنهم لم يستطيعوا حتى الآن التكيّف المبدئي مع عصرهم. قبل مئة عام، كانوا يعتبرون وصف النساء بـ«ناقصات العقل» صفة مأخوذة من خطبة منسوبة إلى الإمام علي، وكانوا يرون فيها مدعاة فخر للجنس الذكوري، أما الآن فحتى النساء الطالبات (فضلاً عن غيرهن) يقمن بنقد هذا الكلام في نهج البلاغة. مثلاً، حاول السيد جوادي آملي بتكلّف شديد توجيه هذه الرواية لبيان ما هو المراد من «هنّ نواقص العقول»، وهذا يعني أن السيد جوادي آملي نفسه يشك في «نقص» عقل النساء. فجوادي آملي، وهو وريث ابن سينا والحاج ملا هادي السبزواري، يختلف كثيراً في هذا الباب عن ابن سينا الذي كان يعتبر النساء «حيوانات طوال الشعور»، وعن ملا هادي السبزواري الذي كان له رأي مشابه.
علاوة على ما سبق، نحن اليوم نواجه مشكلة الجمع بين «الديمقراطية» و«الدين». على أية حال، يجب أن نقبل أننا إذا وضعنا الدين في مواجهة الديمقراطية فلن نصل إلى وضع أفضل، بل سننتهي إلى نظام هتلري. لا شيء يقف في مواجهة الديمقراطية إلا ويؤول إلى أنظمة شبيهة بنظام رضا خان ومحمد رضا شاه. يجب أن يكون مشروعكم أفضل من الديمقراطية لا أسوأ منها. أي ألا تكون فيه عيوبها وتكون فيه مزاياها (إذا كان هذا ممكناً). يتصور البعض أننا بمجرد أن قلنا «حكومة إسلامية» فهذا هو النقيض للديمقراطية. نقيض الديمقراطية هو الاستبداد ولا شيء سواه. لا توجد نقطة مضيئة في مقابل الديمقراطية. حكومتكم الإسلامية يجب أن تمتلك امتيازات الديمقراطية وتكون مبرأة من عيوبها (طبعاً إذا كان هذا ممكناً أصلاً). الديمقراطية تعني القابلية للنقد، وتعني مراعاة حقوق الأقلية وإعمال رأي الأكثرية وإمكانية عزل الحكام بشكل شفاف وغير عنيف. الديمقراطية تعني ألا تكون لدينا حكومة مدى الحياة. يربط البعض خطأً الديمقراطية بالثورة الفرنسية، في حين أن الديمقراطية تجربة إنسانية جمعية.
نحن لا نعتبر النظام الملكي والفاشية والنازية تجارب إنسانية أصيلة، بل نعتبرها أنظمة بشرية خبيثة عابرة. في النظام الهتلري، كانت رغبة فرد مستبد هي التي تشكل كل شيء في النهاية. في الاستبداد، فرد واحد هو الحاكم والبقية محكومون. أما الديمقراطية فهي تجربة البشرية جمعاء عبر زمن طويل. لذا، لا ينبغي أن نقول الديمقراطية الغربية، بل الديمقراطية البشرية. فحين نقول إن الديمقراطية تجربة غربية، يقول السادة: حسناً، نحن شرقيون، إذن الديمقراطية لا تعنينا. هذه الديمقراطية لم تتغذَّ فقط من الفلسفة الغربية. تلك الفلسفة مرت أيضاً بالمجتمعات الإسلامية. تاريخياً، حتى بين المسلمين، الأفراد الذين تحدثوا ضد الديمقراطية تم نبذهم. في إيراننا، لم يقبل الناس شعار «الحكومة الإسلامية»، بل هتفوا «الجمهورية الإسلامية». وفي هذا الصدد، أشار الإمام الخميني إلى الحشو الكامن في عبارة «جمهورية ديمقراطية» قائلاً: وهل لدينا جمهورية غير ديمقراطية؟ يقول البعض إن الديمقراطية لا تنفع لأنها تؤدي إلى وصول بوش وريغان إلى السلطة، لكن هؤلاء المنتقدين لا يأخذون في الاعتبار أن بوش وريغان جاءا في إطار الديمقراطية وكانت حكومتهما مؤقتة. بعض المنتقدين يستشهدون أيضاً بحكومة هتلر التي وصلت إلى السلطة في وعاء الديمقراطية. لكن هتلر لم يكن قابلاً للنقد ولم يتحمل المعارض.
أعتقد أنه حتى لو جاء الإمام صاحب الزمان في الفضاء الراهن، فسيتصرف «ديمقراطياً»، إلا إذا أتى بفكرة تمتلك مزايا الديمقراطية وتخلو من عيوبها، وتلقى قبولاً عاماً.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
علم الاجتماع
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.