۳- "مسألة الشر" الإيرانية
رغم أن مسألة الشر في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي المعاصر، لأي سبب أو علة، لم تكن مسألة محورية إلى حد كبير، إلا أن عدد الباحثين الإيرانيين أو من أصل إيراني الذين أخذوا مسألة الشر على محمل الجد آخذ في الازدياد. وقد صدر مؤخراً عمل باللغة الفارسية في هذا الباب. يحمل هذا العمل عنوان "عن الشر"، وقد تُرجمت فيه إلى الفارسية مقالات متنوعة في فلسفة الشر وعلم الكلام. قامت نعيمة بورمحمدي، الأستاذة المساعدة في فلسفة الدين بـ"جامعة الأديان والمذاهب" في قم، باختيار هذه المقالات، وتولت تحرير الترجمات ـــ التي أنجزتها مجموعة من المترجمين ومن بينهم هي نفسها ـــ وكتبت مقدمة في ۱۱۰ صفحة للعمل بأكمله، وملخصاً لكل مقال من مقالات هذه المجموعة البالغ عددها ٦۱ مقالاً. وإلى جانب المقدمة، يضم الكتاب مقالين تأليفيين لها أيضاً. صدر هذا العمل في مجلدين وبإجمالي ۱٥۰۰ صفحة عن دار "طه" للنشر في قم في صيف ۱۳۹۸ هجرية شمسية.
تكمن أهمية هذا العمل في شموليته وفي نوعية اختيار المقالات أيضاً. يمكن وصف هذا العمل بأنه موسوعة شاملة للشر. ليس في الفارسية فحسب، بل حتى في الإنجليزية، التي تُنشر فيها سنوياً أعمال بحثية كثيرة حول مسألة الشر، لم يصدر حتى الآن عمل منفرد بهذه الشمولية حول مسألة الشر. ومن هنا، فإن هذا العمل مؤهل لأن يُترجم إلى لغات أخرى، وخاصة العربية. في السنوات الأخيرة، يتزايد الاهتمام الفكري في البلدان العربية (خاصة لبنان والعراق) بأعمال الفلاسفة والباحثين الإيرانيين. إن الترجمة العربية لأعمال عبد الكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، فضلاً عن الازدهار الدائم للترجمة العربية لأعمال علي شريعتي، هي أمثلة على هذه الاهتمامات.
ترسم بورمحمدي في مقدمتها خريطة للنقاش الفلسفي والكلامي حول مسألة الشر. وهي في هذه الخريطة لا تهتم بالإسلام أو الأديان الإبراهيمية فحسب، بل تهتم أيضاً بأديان شرق آسيا كالهندوسية. كما أنها لا تهتم بالأديان وحدها، بل تتناول أيضاً المقاربات الإلحادية. تشرح أولاً أنواع تقسيمات الشر (الشر الطبيعي والأخلاقي، الشر الوجودي، الشر المروع، والشر البنيوي). ثم تعرض أنحاء مسألة الشر (مسألة الشر المنطقية، مسألة الشر القرائنية، ومسألة الشر الوجودية). وتتناول أيضاً الدفاعات والثيوديسيات التقليدية لمسألة الشر، أي تتناول أنحاء إجابات المتدينين على مسألة الشر. تخدم هذه الإجابات غرض القول بأن الشر لا يتنافى مع وجود الله، وكذلك ما يمكن أن يكون دافع الله لخلق عالم يفيض بالشرور.
عمدة الإجابات التقليدية على مسألة الشر هي من هذا القبيل: ۱. كون الشر موهوماً، ۲. كون الشر عدمياً، ۳. كون الشر نسبياً، ٤. ضرورة وجود موجود خيره أكثر من شره، ٥. أن العالم المادي هو منشأ الشر، ٦. ضرورة الشر لتحقق الخير، ۷. ضرورة الشر لإدراك الخير، ۸. الشر ناتج عن النظرة الجزئية، ۹. الشر ناتج عن وجهة نظر الإنسان، و۱۰. الشر ناتج عن اختيار الإنسان.
تأتي بورمحمدي بعد ذلك بمختلف النقود للإجابات التقليدية على مسألة الشر، والنقطة المحورية في كثير من النقود هي أن الإجابات المختلفة للمتدينين على مسألة الشر تؤدي إلى خطر عدم أخذ الشر على محمل الجد. فإذا ما اقتنع الأفراد بأن الشر مقدمة للخير، فقد يصبحون عندئذ غير مبالين أو قليلي الاكتراث بمعاناة البشر، لأنهم يعتقدون أن معاناة الأفراد هي مقدمة لخير لهم و/أو لغيرهم. وبناءً على هذا النقد، فإن التسامح مع الشر يمكن أن يؤدي إلى نوع من القسوة لدى المتدينين.
بعد أن يستعرض الكاتب الإجابات التقليدية عن مشكلة الشر وينقدها، ينتقل إلى إجابة اللاهوتيات الحديثة عن مشكلة الشر. هذا القسم جذاب على نحو خاص لأنه لا توجد في الفضاء الناطق بالفارسية مؤلفات كثيرة حول إجابة اللاهوتيات الجديدة عن مشكلة الشر. في "اللاهوت الصيروري"، الله ليس قادراً على كل شيء، ولا يستطيع حتى أن يحمل العالم الطبيعي (ناهيك عن عالم الإنسان المختار) على أن يسلك وفق مشيئته، بل إن قدرة الله هي مجرد "محفّزة" لا "متحكّمة"، أي أن الله يسعى إلى إقناع الوجود بأن يسلك على النحو الصحيح، لكنه لا يستطيع إجبار الوجود على هذا النحو. جزء من العالم لا يقتنع فيتشكل الشر، لكن الله في صدد إقناع العالم على الدوام.
في "لاهوت الله المنفتح"، يحد الله من علمه وقدرته احتراماً لاختيار البشر، ليفسح مجالاً لإرادة الإنسان واختياره. يكمن تشابه "لاهوت الله المنفتح" و"اللاهوت الصيروري" في أن الله في كليهما لا يظهر في العالم بوصفه قادراً على كل شيء، لكن اختلافهما هو أن الله في "اللاهوت الصيروري" لا يستطيع أساساً أن يكون قادراً على كل شيء، أما في "لاهوت الله المنفتح" فإن الله يتخلى مختاراً عن قدرته المطلقة لصالح اختيار الإنسان. إذا لم يظهر الله قادراً على كل شيء، تنحل مشكلة الشر، دون أن يُطرح الإيمان بالألوهية من أساسه.
من المقاربات اللاهوتية الجديدة الخاصة بمشكلة الشر "لاهوت الاعتراض". ليس لـ"لاهوت الاعتراض" أي تبرير للشر، لا تبرير تقليدي ولا تبرير حديث. ومع ذلك، فهو لا يتخلى عن الإيمان بالله من الأساس، بل كما يتمرد الابن على أبيه، يقوم بثورة على الله، وعلى غرار يسوع على الصليب، يعترض على الله من الله. في "لاهوت الاعتراض"، لا يزال الله قادراً على كل شيء، لكنه لأسباب لا تتكشف لنا لا يريد أن يزيل الشر من العالم، غير أن هذا الوضع ليس مقبولاً لدى "لاهوت الاعتراض"، ونتيجته هي نوع من الإيمان الاعتراضي الأصيل. الإيمان الاعتراضي متجذر في "سفر أيوب" في العهد القديم، وكذلك في قول يسوع على الصليب في العهد الجديد. في اللاهوت اليهودي الاعتراضي، يُقال إنه بعد الهولوكوست "صار الاعتراض هو الموقف المؤمن الوحيد اللائق أمام الله." (عن الشر، ج۱، ص ۸۲).
اللافت هنا أن اللاهوت الإسلامي لا يخلو بدوره من نوع من "لاهوت الاعتراض". إذا تجاوزنا الحكاية القرآنية لاعتراض الملائكة على الله بسبب خلقه الإنسان، فإن نويد كرماني، الباحث في الدراسات الإسلامية الألماني من أصل إيراني، يتناول في كتابه المعنون "الرعب من الله" العطار النيسابوري، العارف الإيراني. يذكر العطار في شعره "مصيبت نامه" عارفين يتظاهرون بالجنون كانوا يشعرون بأنهم على درجة من الحميمية مع الله تدفعهم إلى الاعتراض عليه.
من المقاربات اللاهوتية الحديثة الأخرى في الإجابة عن مشكلة الشر "اللاهوت الشكي". في هذا اللاهوت، يجري التأكيد على كون الله مجهولاً: لا يمكننا أن نعرف أسباب الله لخلق الشر، لكن هذا لا يعني أنه لا توجد أسباب.
من المقاربات اللاهوتية الأخرى "اللاهوت السردي". هذا النوع من اللاهوت يعارض التنظير الكلي والمجرد في الإجابة عن مشكلة الشر؛ وبدلاً من ذلك، يجري التأكيد على السرديات الملموسة للأفراد في مواجهتهم للشر. يفترض "اللاهوت السردي" أنه لا توجد إجابة كلية وقابلة للتطبيق على الجميع لمشكلة الشر. مهمة اللاهوت هي فقط السرد القصصي والجزئي المحور لصراع المؤمنين مع شرور العالم، دون أن يسعى إلى استخلاص وصفة مجردة للجميع من قلب هذه السرديات.
إجابة أخرى عن مشكلة الشر هي "لاهوت موت الله". في نوع خاص من "لاهوت موت الله"، يُقال إن الله أفنى نفسه على الصليب ليتحول من واقع ميتافيزيقي إلى واقع متجسد في داخل كل فرد من البشر. في هذا النوع من اللاهوت، لم يعد هناك إله ميتافيزيقي، منعزل عن البشر، بل يوجد فقط البشر بوصفهم ذرات-آلهة، يتضافرون معاً ليخففوا من حدة شرور العالم.
في الإجابة عن مشكلة الشر، اقتُرحت أنواع أخرى من اللاهوت أيضاً، مثل "لاهوت ضعف الله"، و"لاهوت الإبستمولوجيا المُصلَحة"، و"اللاهوت النسوي"، و"اللاهوت القائم على الإعاقة"، و"اللاهوت الوجودي".
لقد تُرجم لكلٍّ من هذه الردود على مشكلة الشر مقالةٌ لأحد أنصارها. ومع ذلك، لا يقتصر هذا الكتاب على الردود الإيمانية على مشكلة الشر، بل يضم أيضاً كتابات لريتشارد دوكينز وتشارلز داروين في هذين المجلدين. يتناول المجلد الأول الفلسفات الكلاسيكية واللاهوت التقليدي للأديان، ويتناول المجلد الثاني المقاربات المعاصرة لمشكلة الشر.
تشير نعيمة بورمحمدي في خاتمة مقدمتها إلى الدافع الشخصي لإعداد هذا العمل: "أولاً، أُقبّل جبين طفلي ذي التسع سنوات، أمير علي، الذي أيقظني بولادته مصحوباً بمتلازمة باردت بيدل من سبات الدوغمائية. في خضمّ مشاعر الأمومة خلف أبواب غرف العمليات الجراحية، وفي قاعات انتظار التأهيل الذهني والعلاج الوظيفي الجسدي وعلاج النطق، وفي الحِداد على المصير المحتوم لضعف البصر والعمى وقِصَر العمر الذي سيواجهه بسبب الفشل الكلوي، كنتُ أتخبط دوماً بحثاً عن إجابة، إجابة تقنع أُمّاً وتُعزّيها على تحمّل هذا الألم الفادح. لا يزال هذا الكفاح مستمراً، وهذا العمل الذي انتخبته من بين عشرات الكتب، وترجمته وأُقدّمه، هو جزء مما قرأته وتعلمته في هذا الطريق." (عن الشر، ج1، ص 118).
.
.
معلومات عن كتاب «عن الشر»:
المؤلّفة: نعيمة بورمحمدي
الموضوع: العرفان، الدين والمذهب
الناشر: كتاب طه
الفئة العمرية: الكبار
القطع: رقعي
نوع التجليد: سلفون
سنة النشر: 1397
رقم الطبعة: 1
.
.






نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.