اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الكلمات المشحونة هي صاقات غير لغوية تنبثق من العواطف والتجارب الشعورية، وتجعل فهم كلام الآخرين رهناً بإدراك عمقها العاطفي والدلالي، ولها أثر بالغ في الأحكام القيمية ومعتقدات الأفراد.

كلمات مفتاحية: فلسفة اللغة، علم الدلالة، المعرفة السيمانطيقية، الشبكة العصبية المعرفية، المشاعر والعواطف، الذاكرة العرضية، الحرية، فرخي يزدي، فتغنشتاين
إن السؤال عن معنى المفردات، وكيفية نشوئها، وما تؤديه من دور في المعتقدات والآراء الشخصية، لهو سؤال بالغ الأهمية. إن طريقة تحليل هذه المسألة تترتب عليها نتائج مباشرة في حل وفصل كثير من المجادلات في التفسيرات النظرية والأحكام القيمية في مجالات الثقافة والأخلاق والأيديولوجيا. إن مهمة علم الدلالة هي تبيان جميع الدلالات اللفظية التي يقصدها البشر أثناء ممارستهم للغة. نشرح في هذا المقال أنه بالإضافة إلى التعقيدات التي يكتنفها معنى الألفاظ بسبب الدلالات الضمنية والتداعيات اللفظية، فإن المفردات تنطوي على نوع خاص من الدلالة يلحق بها بوساطة بعض الإضافات غير اللغوية الناشئة من العواطف والتجارب الشعورية. إن الصلة بين الحالات الشعورية – العاطفية وعالم المعنى هي الموضوع الكلي لهذا المقال. وبالاستفادة من خصائص الذاكرة العرضية وكذلك مفهوم «تقرير الذاكرة»، نستدل على أن معنى (بعض) المفردات ملتصق بالعواطف والمشاعر المناظرة لتلك المفردات، وأن كل فرد يبني عالمه الخاص من المعاني، وتداعي المفردات، وبالتالي معرفته وبيانه عن العالم، بالتوسل بتفاعل الشبكات السيمانطيقية والشعورية، خلال تجاربه وذكرياته، في رحاب حياته. إن مفهوم المعنى الشخصي، بسبب نفوذ الذكريات الشعورية الشخصية فيه، أوسع مما تصورناه حتى الآن. ونتيجة لذلك، فإن فهم دافع المتكلم وكلامه، وتأويل النصوص والأقوال، كلها رهن بجهد مشترك لمعرفة النسيج السيمانطيقي والعمق الشعوري – العاطفي في النطاق الدلالي للآخر، والتحرر من قفص التفكير المجرد. وهذا الموضوع له تأثير بالغ في نشأة آراء الأفراد واختلافها، وكذلك في كيفية أحكامهم في الموضوعات القيمية مثل الأخلاق والأيديولوجيا. وفي هذا الإطار، ندرس عدة نماذج من الشعراء المعاصرين وأحكاماً مشهورة في تاريخ إيران المعاصر.
لقد قطعت نظريات المعنى، بدءاً من الجوهرية[1] والاسمية وصولاً إلى النظرية التصويرية[2]، وفعل الكلام[3]، والألعاب اللغوية والشبكات العصبية الدلالية[4] للمعنى، طريقاً حافلاً بالصعود والهبوط والتعقيدات. ورغم أن بعض هذه النظريات، كالجوهرية، قد أصبحت بالية، إلا أن البقية تكشف عن حقيقة من حقائق كيفية حصول المعنى. لذا، فإن هذه النظريات ليست متنافسة بل متكاملة، وكل منها يلقي الضوء على مسألة المعنى في نطاقه الخاص. وسبب ذلك هو أن ما يجعل البشر يحصلون على فهم وإدراك متطابق لمقصد الآخر ومغزاه ورغبته وشعوره وحالاته من خلال المحادثة اللفظية واستعمال الكلمات، له نطاقات معرفية[5] مختلفة، وإن كان يبدو خطأً في المحصلة النهائية أن مصدراً واحداً ومعالجة واحدة دخيلة في إنتاج المعنى. المعنى، بتعبير آخر، هو تخطيط "يرسم" المفاهيم على الكلمات، ومهمة علم الدلالة هي الدراسة والمعرفة العكسية لهذا التخطيط، أي أنها تبدأ من الكلمات والدلالات وتقدم لها نموذجاً مفاهيمياً وفقاً للطبيعة النفسية – البيولوجية – الاجتماعية للإنسان. وبما أن تحليل المقال الحالي لمسألة المعنى قد تم بالاستعانة بنظرية الذاكرة والشبكات العصبية، فسنستعرض بعض المفاهيم المرتبطة – دون استخدام اللغة التقنية. لمجال المعنى باثولوجيا خاصة به. فمن خلال الحكم المتسرع على معاني الكلمات، تحدث إساءات استخدام كثيرة بهدف إغواء المخاطب وإقناعه – غالباً في الخطابات الإيديولوجية والسياسية. وفي الحوارات الفلسفية، يُسأل عادةً: ما معنى الكلمة الفلانية؟ مثلاً: ما معنى الحياة أو الحرية؟ ويُتوقع من الجواب أن يكشف المعنى الخفي للكلمة والارتباطات اللفظية الجديدة بين تلك الكلمة وسائر المفاهيم ليكتمل معناها ومفهومها. ولكن، بالإضافة إلى التعقيدات التي تحملها معاني الكلمات بسبب الدلالات الضمنية والتداعيات اللفظية، تمتلك الكلمات نوعاً خاصاً من الدلالة يلحق بها بواسطة بعض الإضافات غير اللغوية الناشئة من العواطف والتجارب الشعورية.
أكثر المقاربات استخداماً للمعنى هي الرجوع إلى القاموس وإيجاد المعنى اللغوي أو المعجمي[6] للكلمات. المعنى القاموسي مناسب ومثالي للإحالات السريعة وعلى مستوى التداعيات الدلالية. النقص الأكبر للمعنى القاموسي هو كونه دائرياً، بحيث يعلق معنى كثير من الكلمات. والآن، باستخدام كلمة "تشكر" البسيطة، سنختبر نظريات علم الدلالة المذكورة أعلاه. رغم أن الجميع يعرفون متى وفي أي موقف يشكرون المخاطب، إلا أنه لا يُستنبط من القاموس معنى محدد لهذه الكلمة. أي أن معنى التشكر يُحال إلى الشكر، والشكر إلى الامتنان، والامتنان إلى التشكر. في الواقع، بافتراض أن معنى ومفهوم إحدى هذه الكلمات محدد، يوصي القاموس فحسب بأنه يمكننا استخدام هذه الكلمات مكان بعضها البعض. والسؤال الآن هو: ما معنى أن تشكر؟ النظرية التصويرية غير قادرة على الإجابة لأن ماهية الشكر لا تنكشف بتركيبة من حالات أمور ذات ظهور خارجي. ورغم أن الشكر يقترن بحالة من السلوك والحركة الجسدية، إلا أن نظرية فعل الكلام لا تستطيع أيضاً توضيح معناه الدقيق، لأنه في فعل الشكر تكمن حالة روحية وداخلذهنية لا يقدر الإيماء والسلوك الجسدي على عكسها. معنى الكلمة المذكورة لا ينعقد أيضاً من خلال اللعبة اللغوية لأنه يتجاوز قاعدة سلوكية محددة في التفاعلات الاجتماعية. يصبح الشكر ضرورياً عندما يمنحك شخص ما لطفاً أو هدية قيمة، فيتولد في روحك ونفسك شعور خاص بالبهجة وبأنك صرت ذا قيمة. الوصف اللغوي لهذا الشعور صعب جداً، لكن عموم الناس جربوا هذا الشعور بشكل متماثل، ونتيجة لذلك يعرفون عمَّ يدور الحديث. استنباطنا هو أن الأطفال يتعلمون فعل الشكر من خلال اللعبة الاجتماعية المناظرة له، أثناء ملاحظة التفاعلات الاجتماعية للمحيطين بهم. في الواقع، إنهم يقلدون هذا الفعل بحيث يتحول إلى استجابة لفظية شرطية.
قول مبارك باد لطوطي در قفس شاهد آيينه دل داند كه جز تقليد نيست
يكتسب الأطفال، من خلال هذه الاستجابة المتوقَّعة، وصفاً لمعنى الشكر، إلى أن يتقنوا جميع دلالاته عبر تجارب شعورية متكررة على مدار الحياة، ومن ثم يدركون معناه الحقيقي. يُظهر النقاش أعلاه أيضاً أن الزمان والظروف الصحيحة لفعل الشكر لا يمكن شرحها على نحو صحيح عبر الترجمة إلى فرد بلغة مختلفة – على غرار سيناريو الغرفة الصينية لجون سيرل[7]. استنتاجنا هو أن قِدَم معنى الشكر وصورته الفعلية، أي الامتنان، متجذر في مشاعر خاصة اعترت الجنس البشري خلال الطقوس الدينية والشعائرية، ولا تزال صادقة لدى البعض. كان الإنسان القديم، لتلقيه نعم الحياة، يشعر ببهجة وارتباط خاصين تجاه قوى الطبيعة والآلهة وأخيراً الإله الواحد الذي أغدق عليه النعم. تقود المشاعر المذكورة إلى تكريم الإنسان الروحي وثنائه على مُنعِميه. ومن هذا القبيل يمكن الإشارة إلى ولادة الطفل، والأمطار السماوية، وخصوبة الأرض، وإنتاج المحاصيل الزراعية، وكذلك النار المُروَّضة (هدية بروميثيوس للجنس البشري). لطالما اعتُبرت ولادة الطفل هدية من الآلهة، وأُقيمت مراسم الشكر.[8] هذا الشعور الخاص تجاه الآلهة عُبِّر عنه بألفاظ مثل الشكر والامتنان، مما أدى إلى عبادة الخالق أو الآلهة وحمدهم والثناء عليهم. لذلك، فإن ذلك الشعور والنسبة الروحية والنفسية إلى الله والآلهة كامن في معنى الشكر، وفي الواقع فإن هذا الشعور الروحي لا ينفصل عن معنى الكلمة. هذا الوضع نفسه قائم بالنسبة لفعل الشكر في العلاقات بين الأشخاص. ومع أن الشكر يُستعمل بكثرة في اللغات المحكية في العصر الحاضر، إلا أن هذا الفعل اللغوي أشبه بتمثال نُزعت منه الروح والشعور. قبل مغادرة نقاش الشكر، من المهم أن ننتبه إلى أننا وصفنا هنا تجربة شعورية موجودة بالألفاظ، أي أن اتجاه السهم كان من حالة وتجربة شعورية نحو اللغة اللفظية. هذا النوع من السهم يُناقش في إطار أوسع في قسم «المفردات المتعلقة بالتجارب الدينية». بطبيعة الحال، صُنعت ألفاظ كثيرة وأُعدَّت للوصف اللغوي للمشاعر والانفعالات والعواطف. وبما أن هذه الحالات الروحية تختلف عن بعضها، نشرح مطالب مختصرة لإيضاحها وتمييزها.
المقصود بالانفعال[9] حالة تحدث للإنسان بفعل منبِّه خارجي أو داخل الذهن، خلال مواجهة قصيرة الأمد. الخوف الناجم عن رعد وبرق مهيب، والغضب أو الدهشة من حدث غير متوقع، أمثلة على الانفعال. تظهر الانفعالات على وجه الإنسان، بحيث يمكن تفريق الانفعالات الأساسية[10] بناءً على حالة الوجه. ظهور الانفعال مرتبط بوجود منبِّه خارج الذهن أو بتذكّر مثل هذا المنبِّه. المقصود بالتجربة الشعورية حالة روحية في الإنسان تدوم لمدة طويلة. التجارب الشعورية أكثر تعقيداً من الانفعالات، لأنها غير مرتبطة بمنبِّه خارجي ولا تظهر بالضرورة على الوجه. حالات السمو، والأمل، والشوق، والتوكل أمثلة على التجارب الشعورية. الحالات الشعورية عادة ما تكون ناشئة إما عن طبيعة الذهن وخُلُقه، وإما عن تعلمات شرطية – انفعالية طويلة الأمد مثل القلق والغضب والبهجة المديدة على مدار الحياة. الحالات الشعرية والدينية هي من جملة التجارب الشعورية المعقدة التي تظهر لدى الإنسان على هيئة شعور، لكن لا يمكن التعبير عنها بالكلمات بسهولة. المقصود بالعواطف[11] نزعات مثل التعاطف، والحب، والمودة، والكره، والاشمئزاز وغيرها، تدفع الإنسان نحو إنسان آخر أو موضوع العاطفة أو تصرفه عنه. العلاقة بين الذاكرة والانفعال دُرست على نطاق واسع في علم النفس المعرفي[12].[13] اتضح أن الأحداث والوقائع المقترنة بالانفعالات تُحفظ في الذاكرة بسهولة أكبر ولمدة أطول.[14] في هذه الكتابة نُعرِّف سهماً آخر يتجه من الألفاظ والكلمات إلى المشاعر والعواطف الممتزجة بها والملتصقة بها في الواقع.
من الضروري الآن أن نتحدث بإيجاز عن الجمل والمعرفة الدلالية[15]. والمقصود بالمعرفة الدلالية هو مجموع المفردات المتداولة ومعانيها ودلالاتها، وأخيراً القضايا ذات المعنى الدلالي. نسمي هذه القضايا دلالية لأنها تقدم معرفة عامة حول معاني الكلمات والجمل تكون متاحة وقابلة للاستخدام من قبل الجميع، ومستقلة عن التجارب والذكريات الشخصية للمتكلم. وبطبيعة الحال، توجد شبكة عصبية نورونية[16] في الدماغ تشكل البنية التحتية للمعرفة الدلالية. ترتبط المعرفة الدلالية بشكل طبيعي بالذاكرة طويلة المدى، لأن الكثير من المعلومات العابرة وقصيرة المدى التي تُعالج في الدماغ تتحول إلى محفوظات طويلة المدى عبر تحويلها إلى معرفة منظمة. طُرحت نماذج نورونية مختلفة للمعرفة الدلالية، ويُعد هذا الموضوع من أكثر مجالات البحث حيوية في العلوم المعرفية.[17] يمكن للقضايا والتصريحات الشخصية – التي سنصنفها لاحقاً ضمن الذاكرة العرضية – أن تكتسب بعداً دلالياً في ظل ظروف معينة. تأمل البيتين التاليين.
أيها الطائر السحري، تعلم العشق من الفراشة فذلك المحترق صار روحاً ولم يبق له صوت
جئتِ، روحي فداك، ولكن لماذا الآن؟ أيتها الخائنة، الآن وقد سقطتُ عن قدمي، لماذا؟
شاعر البيت الأول شبه تجارب العشق عموماً باحتراق الفراشة، وهو ما قد يكون ناشئاً عن تجربة شخصية أو تقرير أدبي لهذه التجربة العاطفية لدى عموم الناس. أما البيت الثاني فذو طابع شخصي تماماً وهو تقرير عن تجربة الشاعر نفسه. وعلى الرغم من أن هذه الأبيات تمثل تقريراً شخصياً عن شعور وعاطفة الذات أو الآخرين، فإن كلا البيتين أعلاه يُعتبران الآن من القضايا الدلالية، لأنهما مستقلان عن الشاعر وذكرياته وبيئته الخاصة، وأصبحا متاحين وقابلين للاستخدام من قبل الجميع (بمن فيهم الأشخاص الخالون من العاطفة) بوصفهما تشبيهاً أدبياً راسخاً. نواصل البحث في المعنى.
المعنى المعجمي مناسب لأسماء الأشياء والأعلام. على سبيل المثال، نرجع إلى معنى كلمتي "هَزار" و"وارستگي" فنلاحظ أنهما يقابلان على الترتيب "العندليب" و"الحرية". بالنسبة للكلمة الأولى، تُحل المشكلة، لكن المسألة بالنسبة للثانية تُحال إلى معنى كلمة "الحرية". والنتيجة مُرضية إجمالاً لأن كلمة غير مألوفة (هنا "وارستگي") تُربط بشبكة من الكلمات المألوفة والمرتبطة بكلمة "الحرية". والآن، بما أن كلمتي "الحرية" و"وارستگي" مترادفتان من الناحية المعجمية، فهل عندما نقرأ، على سبيل المثال، أشعار محمد فرخي يزدي مع استبدال كلمة "وارستگي" بكلمة "الحرية"، يتبادر إلى الذهن المعنى نفسه الذي قصده الشاعر؟ وبشكل خاص، هل تنتقل العاطفة والشعور ذاتهما؟ الجواب هو النفي، لأن تجارب الشاعر الطويلة والواقعية من الألم والقيد والأنين والسجن قد تغلغلت واستقرت في معناه المقصود من كلمة "الحرية". الكلمة التي همست في أذنه وصرخت به باستمرار مصحوبة بهذه التجارب.
حين ألقيتُ برأسي عند قدمي الحرية غسلتُ يدي من روحي في سبيل الحرية...
إن صبغتَ ذيل المحبة بالدم أمكن أن نسميك قائد الحرية
فرخي يبذل الروح والقلب في هذا المحفل القلب قربان للاستقلال، والروح فداء للحرية[18]
نطرح السؤال والتحدي أعلاه بشكل آخر. لنفترض شخصاً اسمه (ألف) تكون كل المعاني والإحالات الدلالية التي يتصورها ويتمثلها في ذهنه لكلمة الحرية، وإن كانت واسعة، إلا أنها محصورة في حدود القاموس والقضية المنطقية، وبعبارة أخرى هي دلالية (سيمانطيقية) محضة. هل حين يتحدث (ألف) وفرّخي يزدي عن الحرية، يستخدمان نوعاً ومستوى واحداً من الدلالات؟ قد يكون لدى (ألف) معرفة واسعة بالحرية لكنه لا يعتريه أي حماس أو انفعال وجداني. في حين أن الشخص المناضل من أجل الحرية، ومنه الشاعر، ينفعل ويتحول لأن ذكرياته الوجدانية من المطالبة بالحرية تتبادر إلى ذهنه. كلمة الحرية بالنسبة لمناضل في سبيلها مقترنة بتجربتين وظرفين حياتيين يصاحبهما انبثاق بعض المشاعر. الأولى، معاناة الذات أو جزء من المجتمع وألمهما بسبب الخناق وانعدام الحرية، والثانية، المطالبة المؤلمة والكفاح وتحمل الضغط من أجل نيل الحرية، والتي يرتبط نوعها وتفاصيلها بالظروف المحلية والبيئية. كلتا التجربتين مقترنتان بتجارب حياتية ملموسة، وبالتالي بالذكريات الناتجة عنها. لذا فإن كلمة الحرية تستحضر وتحيي ذكرى بعض الحالات الوجدانية. هذا التفاعل مع حقل المشاعر، وبعبارة أدق، الوصف المعجمي للحالات الوجدانية المذكورة، يؤدي إلى تداعيات لفظية جديدة بين الحرية كما يقصدها المناضل وكلمات أخرى، لم تكن موجودة في المعرفة الدلالية السابقة ولا يمكن تحصيلها عبر التداعيات اللفظية المحضة. ولهذا السبب، نشهد لدى مناضلي الحرية مثل فرخي يزدي ثراءً دلالياً بصدد الحرية. هذه التداعيات الجديدة هي حصيلة تفاعل المعرفة الدلالية السابقة والتجارب الوجدانية لهؤلاء الأشخاص طيلة حياتهم. نعبر عن هذه الظاهرة في حقل علم الدلالة بمصطلح «تفاعل الشبكات الدلالية والوجدانية». إذن، جواب سؤال «هل حين يتحدث (ألف) وفرخي يزدي عن الحرية، يستخدمان نوعاً ومستوى واحداً من الدلالات؟» هو بالنفي، لكن كيف نفسر العلة ونشرحها؟
قلنا إن المعاناة من فقدان الحرية، والكفاح وتحمل الألم والضغط لنيلها، مقترنة بتجارب حياتية ملموسة، وبالتالي بالذكريات الناتجة عنها. هذه الذكريات تشمل من جهة، الإفصاح عن المطالبة بالحرية بأنين وصراخ كلمة الحرية، أو بإلقاء شعر وشعارات كلمات مرتبطة بالحرية. ومن جهة أخرى، توجد في هذه الذكريات بعض الانفعالات والحالات الوجدانية المرتبطة بالمطالبة بالحرية، من قبيل الانبعاث والهياج والاستعلاء. هذه الذكريات المختلطة بأنواع معلوماتية مختلفة، تُعرف وتُدرس تحت مصطلح «الذاكرة العرضية[19]» في نظرية الذاكرة، وسنتناول خصائصها بعد قسمين بشرح أمثلة عدة. نستنتج أن هناك ارتباطاً عصبياً بين المحتويات الصوتية[20] لكلمة الحرية المخزنة في الدماغ وبعض الحالات الانفعالية – الوجدانية للذهن، وخصوصاً الانفعال والاستعلاء والصلابة في دماغ هذا الشخص. بتعبير أفضل، تنشيط هذه المحتويات الصوتية عبر الإلقاء، يؤدي إلى استذكار وتنشيط المشاعر التي اختبرها في ظروف فقدان الحرية أو المطالبة بها خلال ذكريات كثيرة. السهم الذي وعدنا به سابقاً يظهر هنا، أي أننا انطلقنا من المعنى المعجمي للكلمة إلى عواطف في الخلفية ملتصقة بمعنى الكلمة. القسم التالي مخصص لمزيد من البحث في كلمة الحرية ضمن إطار هذا النوع من السهم. تجربة العشق وكلمات الحب والهجران أيضاً، على غرار كلمة الحرية، تندرج في قالب بحثنا. لا يخلو من لطف أن نطرح مثالاً آخر. عاش مارتن لوثر كينغ[21] في مطالبة دائمة بالحقوق المتساوية ورفع التمييز العنصري، وقُتل في النهاية وهو في خضم هذا الكفاح والرسالة. كلمات لوثر كينغ عن النضال والحقوق والمساواة العرقية، مشوبة بحماس ورسالة وأمل خاص لا يوجد عند الأشخاص العاديين. الالتصاقات الوجدانية الموجودة في كلمات لوثر كينغ، تسببت في توسع تداعي المعاني الذي يتجلى بوضوح في خطبه وجمله القصار البالغة الإلهام. بعبارة أخرى، الالتصاقات الوجدانية والعاطفية للمعاني، يمكنها أن توسع الارتباطات والتداعيات اللفظية (في حقل الدلالة) أيضاً.
نبدأ بجملة مشهورة لهيغل الفيلسوف الألماني، عبّر عنها في فلسفة الذهن[22]:
«عندما يشق تصوّر الحرية المجرّد طريقه إلى أذهان الأفراد والأمم، لا شيء يضاهي قوته التي لا تُقهر، لأنه يصبح أساس الذهن ونشاطه.»
في القراءة الأولى، لا يواجه القارئ مشكلة في معنى هذا النص الفلسفي لأنه يظن أن معنى «التصور المجرد للحرية» واضح وملموس لديه. لكن النص أعلاه ينطوي على إشكال كبير. إن قوة مفهوم الحرية التي لا تُقهر، تابعة وناشئة عن الانفعالات والحالات الشعورية المرتبطة بالمطالبة بالحرية، من قبيل الانبعاث والهياج والانتفاضة. هذه الحالات الروحية مرتبطة بالمحفزات الحسية، والدوافع العاطفية، و/أو أقوى تداعٍ لهكذا محفزات. قد ينتبه الفيلسوف أو المتكلم إلى أنه يواجه كلمة قوية، لكنه ما لم يمر هو نفسه بتجارب بهدف المطالبة بالحرية، فإن استعمال هذه الكلمة لديه سيفتقر إلى التداعي والاستلزامات العاطفية القوية، ولن يستطيع تأمين القوة المحركة اللازمة لنشاط الذهن والإرادة. إن مقدار قوة تصور الحرية وعدم قابليته للقهر، مرتبط بمقدار الاستثارة والقوة العاطفية التي يخلقها إلقاء كلمة الحرية والتأمل فيها لدى الشخص. كلما انغمس مفهوم الحرية في سياق عاطفي أكثر، صار أكثر عينية وأقل تجريدًا (غير مجرد). ينبغي البحث عن هذا النوع من التعبيرات عن مفهوم الحرية وسائر المفاهيم المشابهة لدى الفنان الناقد العاطفي والمعذب الذي ينهض من بين أمة مظلومة، ولن تكون نتيجة البحث سوى ذلك. يمكن العثور على هذا القبيل من الحالات في الفترات التاريخية والاستبدادية للعديد من بلدان العالم. لا يخلو من لطف أن نشير إلى بضع حالات من إيران نفسها. فرخي يزدي هو مثال بارز لشاعر تمتزج في أشعاره العواطف بالنقد الاجتماعي والسياسي. حصيلة امتزاج الروح اللطيفة بلسان أحمر قاطع، هي تعمق معنى الكلمات:
إلى سجن القفص، طائر قلبي كيف يغدو سعيدًا؟ لعل يومًا من قيد هذا الغم يغدو طليقًا
خفقات القلوب صارت أنينًا رويدًا رويدًا إذا صارت هذه الآهات أصدى، تصير صراخًا
غدوت كالفلك حيرانًا، فلكٌ أعوجُ المسرى إلى كم بهوى هذا الجفائي، مع كل الجور يدور
من دمع الناس وآهاتهم، تفوح رائحة الدم، فلو سقيت الحديد ماءً ونارًا، يغدو الخنجر فولاذًا
أترى الشاعر في هذه الأشعار قد وسّع الاستعارات والتشبيهات وسائر الصناعات الأدبية فحسب؟ لأن شاعرًا خياليًا يستطيع القيام بهذا أيضًا. الحقيقة هي أن الدلالات المعنوية في أشعار فرخي يزدي واقعية تمامًا، وملموسة وعينية. تجاربه الشعورية لا تنفصل عن الكلمات التي يستخدمها. في مقطوعة «طرز الغزل»، ينكشف ما وراء ستار أشعاره إلى حد ما.
إن لم تصدق غم القلب نقوله لكم فانظر من أثر الدمع، إلى نومنا بالدم
مئة مرة أتى الربيع ولم يروا مرة طيور المصيبة، تفتحنا وابتسام الفم
في العمر من فرط ما رأى ثقل روحنا لم يحضر الموت، كي يقبلنا وينعم
رحل عني، وإن كنت كسحت دربه بالهدب فانظر درب ذهابه ودرب كسحنا بلا سأم
ليس غير فرخي من طبع دررٍ ناثر طرز غزل قولنا ونظمنا للدرر بفم
فرخي يزدي، ليس منظرًا سياسيًا ولا شخصًا تجريدي التفكير وخياليًا. المضامين الملموسة كالاستبداد، والقهر، والظلم بحق الفقراء والعمال والفلاحين كانت من المحفزات الأساسية لفكره وأشعاره واحتجاجه. لقد كان شاعر الألم والأنين والصراخ. أنشد البيت التالي في غزل باسم «العيد في السجن» في نوروز عام 1318 شمسي في سجن القصر:
أخفي رأسي تحت الجناح لأني لا أرى في هذا الزمان معي طائر الغزل ذاك الذي كان يئن، لم يعد
نشر فرخي العديد من المقالات والأشعار في صحيفة طوفان التي كان مديرها.
ما دامت حياتي بيد خبز الفلاح وحسب فروحي من الرأس حتى القدم فداء الفلاح وحسب
ذاك الذي يرتعش كطائر نصف مذبوح[23] صباح مساء في الشتاء، جسده العاري هو الفلاح وحسب
رسالة طوفان التي يكتبها فرّخي بالدم
هي في الحقيقة رسالة طوفان الدهقان لا غير
قُتل فرّخي اليزدي في مهر عام 1318 على يد عملاء رضا خان بحقنه بالهواء. وبالإضافة إلى فرّخي اليزدي، يمكننا أن نذكر ميرزاده عشقي والمناضل الثوري اليساري علي رضا نابدل. وبالتأكيد يمكننا الإشارة إلى حالات أخرى من إيران وبلدان أخرى مثل بلدان أمريكا اللاتينية كسيزار فاييخو وفيكتور خارا وبابلو نيرودا. في كل هذه الحالات، تمتزج العواطف كالتعاطف مع آلام ومحن الناس وأفراد المجتمع، وحب حضور القيم الإنسانية والكراهية والبغض لإلغائها ودوسها، في جانب، مع النقد والاحتجاج الاجتماعي والسياسي وأحياناً التمرد والعصيان في جانب آخر. لهذا الامتزاج طبيعة مفارقة، وهو برأي الكاتب يُظهر أكمل وجه للبُعد التراجيدي في حياة الإنسان، لأنه على امتداد تاريخ الحياة البشرية، كان مصير «النفسيات العاطفية للناقد والمعترض[24]» شديد المخاطرة، إذ إن غريزة السلطة لا تطيقها وستقمعها في كل آن. ومن جهة أخرى، فإن الناقد العاطفي، سواء أكان شاعراً أم فناناً، يمتلك أقصى درجات الاندفاع لنقد وضع «الإنسانية» في المجتمع، ولا يسعه إلا أن يجعل الدفاع عنها صدر رسالته وجهاده. تذكروا البيتين التاليين.
خفقات القلوب صارت أنيناً رويداً رويداً
وإذا ما اشتد هذا الأنين صار صراخاً
من دموع الناس وآهاتهم تفوح رائحة الدم، فلو
أعطيت الحديد ماءً وناراً صار خنجراً من فولاذ
فقط في النمط العاطفي للناقد والمعترض، تتحول الدموع والآهات والأنين إلى ترسانة من الصراخ والخناجر الفولاذية. من جهة أخرى، لا يعاني المستبدون والطغاة من مشكلة تُذكر مع أنماط الشخصية مثل طالبي العافية، والانتهازيين، والمتسلقين، والمؤمنين بالقضاء والقدر، والمتحجرين، والمناطقة المحض عديمي الروح. إن أفكار وسلوك الشخصيات التي سميناها عاطفية ناقدة تُعد لغزاً وإشكالاً لدى بعض الكتّاب المعاصرين. في حين أن التحليل أعلاه لهذا الصنف من الأشخاص، والذي سيكتمل في القسم التالي، يعتبر سلوكهم طبيعياً وحكمهم قابلاً للاعتبار. في السنوات الأخيرة، تناول قلة من الكتّاب تحليل شخصيات مثل ميرزاده عشقي وبعض المناضلين اليساريين في عصر بهلوي الثاني، وأطلقوا عليهم اسم الرومانسيين الثوريين.[25] وبالنظر إلى الخلفية المعجمية للرومانسية في الفن الأوروبي بمحتواها القائم على الخيالية، فإن هذا الوصف لا يليق بالأشخاص المذكورين.
والآن، هذا هو جوابنا عن مسألة دلالة كلمة الحرية. فطالما لم نكتسب تجربة موضوعية ممتزجة بمشاعر وعواطف عميقة في ظروف فقدان الحرية المؤلمة أو الجهاد من أجل نيلها، ونصرخ بها من الأعماق، حتى لو قرأنا نصوصاً كثيرة عن الحرية، فإن فهمنا لها سيكون معجمياً ودلالياً فحسب، ولن يكون له عمق. أي أنه من الممكن أن توسع أذهاننا شبكة كبيرة من التداعيات المنبثقة من كلمة الحرية، لكننا سنعجز عن فهم المعنى الذي يقصده ثوري وشاعر مناضل من أجل الحرية من هذه الكلمة. إن تعلم وفهم المعنى الذي يقصدونه هو عبارة عن أن يختبر الفرد المتعلم الإلصاقات الروحية والعاطفية الملتصقة بتلك الكلمة. وستتضح ماهية هذا الالتصاق في القسم التالي. وبالطبع، يمكن للدراسة حول الحرية أن تزيد من تعاطفنا مع نية الشاعر والمناضل الذي يطلب الحرية بكل ألم.
الحلقات هي أحداث يمر بها البشر خلال حياتهم فيتذكرونها ويبلغون عنها عند الحاجة. عندما يُخزَّن حدث في ذاكرة الإنسان، فإن جميع المعلومات المتضمنة في ذلك الحدث، بدءاً من المعلومات القابلة للمعالجة بالحواس الخمس كالمعلومات السمعية والكلامية والبصرية والمكانية والشمية، وصولاً إلى المعلومات المتعلقة بالانفعالات والعواطف الإيجابية (المبهجة، الواعدة بالآمال، والمستحسنة) والانفعالات والعواطف السلبية (المستكرهة كالإحساس بالخوف والاشمئزاز) الموجودة في الحدث المذكور، تُخزَّن معاً دفعة واحدة وبصورة مختلطة[26]. والمقصود بالحلقة، في الواقع، هو الحدث الذي يُسجَّل في ذهن الإنسان ودماغه. انتبه إلى أن هذه المعلومات المتنوعة تُخزَّن وتُستعاد بمفردها، بطرق مختلفة وكذلك في أماكن متباينة في ذهن الإنسان ودماغه. على سبيل المثال، تصوّر أنك في حديقة خضراء، تحت سماء زرقاء، تلتقي بصديق يرتدي ثياباً جميلة ويعبق بأريج شذي، وتتبادلان أحاديث لا تُنسى. لكي يُسجَّل هذا الحدث ذو الطابع الحلقي تسجيلاً كاملاً في الذهن ويتحول إلى ذكرى متكاملة، يلزم أن يقوم مكوّن معرفي آخر في الذهن، في إعادة تمثّل واحدة، بمزج جميع المعلومات المتضمنة في الحدث ودمجها معاً بصورة متماسكة كي يُحفظ تكامل ذلك الحدث في الذهن. وإلا فلا يمكن الحديث عن مفهوم الحدث أو الحلقة، لأن المعلومات المتضمنة فيه ستُسجَّل في الدماغ بصورة مفككة. الذاكرة الحلقية هي مكوّن معرفي في الدماغ يقوم بكل هذه الأعمال ودمج المعلومات المتنوعة على النحو الأمثل.[27] في الواقع، تربط الذاكرة الحلقية المعلومات بصورة متكاملة ومترابطة في جزء من الدماغ يُدعى الحُصين. السمة المدهشة لهذا المكوّن المعرفي هي أنه متى ما استرجعت ذاكرة الإنسان خيطاً أو جزءاً من الحدث نفسه واستعرضته، فإن كامل معلومات ذلك الحدث تُستعاد بصورة مختلطة ومتكاملة من الحُصين وتخطر في الذهن. في الواقع، فإن تداعي جزء من المعلومات الكامنة في ذلك الحدث يستحضر المعلومات الأخرى للحدث نفسه. يمكن أن تشتمل الحلقات على تجربة انفعالية أيضاً. في الأبحاث الأخيرة، ثبت أنه إذا اشتملت حلقة على تجربة انفعالية، فإن متانة الذكرى تزداد وتصبح الذكرى المذكورة أكثر رسوخاً.[28] تصوّر أنك في جو عاصف وبارد ومظلم في غابة، ويهاجمك حيوان متوحش. بناءً على شدة العاطفة السلبية لذلك الحدث وشدة اختلاط المعلومات المختلفة المتضمنة فيه في الدماغ، يُحتمل أنك كلما وجدت في مثل هذه البيئة، طبعاً دون وجود أي عامل مثير للخوف، تستعيد إحساس الخوف من التجربة السابقة، وتشعر لا إرادياً في التجربة الثانية، حيث لا يوجد عامل للخوف، بالخوف. ويمكن ذكر أمثلة عديدة لتجارب مقترنة بعواطف مستحسنة كالحب والجمال. يُستنتج أن الذكريات الحلقية تشتمل، بالإضافة إلى معلومات الحواس الخمس، على معلومات تتضمن المشاعر والعواطف. لأنه كما لاحظنا في مثال فضاء الغابة المرعب، فإن استحضار بعض الذكريات المكروهة يمكنه أن ينشط المشاعر والعواطف نفسها مجدداً دون وجود المحفز الأولي. هذا الموضوع المهم ينعكس بشكل آخر في مقولة «الإبلاغ عن الذكرى». أشرنا في بداية هذا القسم إلى أن البشر يبلغون أيضاً عن تجاربهم وذكرياتهم الحلقية. تشمل هذه الإبلاغات التجربة الشخصية البحتة، كما تشمل واقعة أو وضعية انفعالية – شعورية لجمع من المجتمع. لقد جرّب الجميع أنهم عندما يقصون على المخاطب ذكرى شخصية مستكرهة (كفشل عاطفي) أو مشهداً اجتماعياً مفجعاً كالفقر والقسوة، يصابون بتكرار المشاعر المستكرهة نفسها وبالتالي بالغصة والقلق. هذا الأمر ناتج عن خاصية اختلاط المعلومات في الذكريات الحلقية نفسها. إن ذكرى ترديد الأناشيد الجماعية الحماسية والثورية مثل نشيد «شانزده آذر» أو «من يار دبستانيام» المرتبطة بذكريات مؤثرة أخرى لتلك الأيام، هي من أبرز أمثلة الذكريات الحلقية التي امتزجت فيها المعلومات الدلالية (الزمان، المكان، الأسماء وغيرها) بمشاعر كالحماسة والتوق والأمل، وتلاحمت. والآن وقد مرت سنون على تلك الأيام وما فيها من حماسة وتوق وأهداف ومُثُل، فإننا عندما نهمهم بالنشيد تنشط الحماسة والمشاعر نفسها
د.في بعض الأحيان، في الذكريات العرضية، تؤدي بعض الكلمات دورًا مركزيًا وتكون بمثابة مركز ثقل لتلك الذكريات. في الواقع، إن الوجه الصوتي وصدى الكلمات في الأذن الداخلية هو الذي يؤدي هذا الدور المركزي. لأن نقطة انطلاق مسارات التداعي التي تستحضر سائر المعلومات، هي تمامًا ثرثرة الكلمات وحديثها في داخل الذهن. هذا الأمر يؤدي إلى تشكل استثارة عاطفية حادة واندفاعية حول مثل هذه الكلمات. نأخذ مثالًا على هذه الظاهرة من التحليل النفسي. في اختبار تداعي الكلمات[29] عند يونغ[30] يُلاحظ أن بعض الأفراد، عند سماعهم كلمة ما، تنتابهم حالات عاطفية أو عصبية خاصة وينفعلون. على سبيل المثال، شخص عند سماع كلمة «زوج الأم» لا يُظهر أي شعور، بينما شخص آخر ينفعل ويضطرب. السبب هو أن الذاكرة العرضية لذلك الفرد للكلمة المذكورة تستثير وتستحضر تجارب وجدانية وعاطفية (في هذه الحالة، مؤلمة مثل الشعور بالخوف والغضب المكبوت). معنى «زوج الأم» بالنسبة لشخص لم يختبره هو معنى معجمي ودلالي فحسب. لكن بالنسبة لشخص لديه ذكريات طويلة الأمد مؤلمة ومثيرة للاشمئزاز مع زوج الأم، فإن مجرد تبادر هذه الكلمة أو اسم هذه الشخصية يؤدي إلى تداعٍ سريع وقوي للحالات النفسية المذكورة أعلاه وربما بعض الكلمات. هذا الأمر لا يصدق فقط على مثال «زوج الأم» بل على الحالات المشابهة أيضًا.
كما قلنا، في تحليل مسألة المعنى من منظور العلوم المعرفية، تم استخدام الشبكة الدلالية حيث تربط المسارات الدلالية في الدماغ المفاهيم ببعضها البعض. يبدو أن نطاق المعاني والدلالات المعنوية أوسع بكثير مما افترضته النماذج المذكورة. إن أهم بنية تحتية عصبية للمعنى والدلالات المعنوية تستقر في المعرفة الدلالية. لكن نوعًا آخر من الدلالات المعنوية التي أسميناها الإلصاقات الشعورية والعاطفية، تمتد أيضًا إلى مناطق من الذهن والدماغ تخزن الذكريات العرضية المشتملة على التجارب العاطفية والشعورية للأفراد. في مثل هذه الحالة نقول إن هذه المشاعر والعواطف ملتصقة بالكلمات المذكورة. بطبيعة الحال، إن نشوء هذه الظاهرة، أي التداعي بين كلمة أو مجموعة من الكلمات والمشاعر الملتصقة بها، يتطلب تجربة متكررة للحدث الشعوري المناظر للظاهرة وترسخ الذاكرة العرضية المتعلقة به. بما أن أهم وظيفة للمعنى هي التعبير عن جميع دلالات الكلمات والمفاهيم، فإن المشاعر والعواطف الملتصقة بالكلمات هي جزء من معناها، وبعبارة أخرى، معنى الكلمات ملتصق بالعواطف. لنعد النظر في كلمة الحرية. إذا حذفنا الدلالات الشعورية والعاطفية الملتصقة بكلمة الحرية من هذه الكلمة، فإن روح الكلمة وجوهرها يزولان ونعجز عن إدراك وفهم كلام المتكلم. الآن نعرض جميع المطالب المذكورة في قالب رسم بياني من خمس مراحل. طبعًا الرسم البياني أدناه خاص بحالة كلمة الحرية، لكن تصميم الرسم البياني للكلمات الأخرى ذات الشروط المشابهة هو مطابق تمامًا.

توجد خمس مراحل متتابعة في الرسم البياني. تشتمل المرحلة الثانية على حالات مثل الاختناق والفقدان والمطالبة بالحرية التي تحدث للشخص الذات أو لجزء من المجتمع وتقوم الذات المتكلمة بملاحظتها وتجربتها. المسار من المرحلة الأولى إلى الثالثة أسميناه الدلالة الشعورية – العاطفية لمعنى الكلمة، وهي غير قابلة للانفصال عن المعنى المعجمي للكلمة وناتجة عن تفاعل الشبكة الدلالية والشعورية في الشخص. في المرحلة الرابعة الهدف هو التقرير اللغوي للمشاعر والعواطف التي عاشتها الذات في تجاربها. هذا التفاعل يؤدي في النهاية إلى المرحلة الخامسة التي هي عبارة عن خلق تداعيات معنوية وقضايا جديدة مرتبطة بالكلمة البدئية يمكن أن يستخدمها عموم الأفراد.
تجدر الإشارة إلى أن تشكّل الذاكرة العرضية وترسّخها لا يتمان بالقدر والكيفية نفسيهما لدى جميع البشر، وهناك في هذا الشأن فروق فردية. صحيح أن في أدمغة جميع البشر ذوي الأدمغة السليمة بنىً ووظائف عصبية معرفية قادرة على تركيب أو دمج المعلومات السمعية/الكلامية والبصرية/المكانية على نحو عرضي. لكن مقدار دمج المعلومات العاطفية مع غيرها من المعلومات المتزامنة والمتشاركة معها في المكان على نحو عرضي ليس واحداً في جميع الأدمغة. بل إن الاستثارة والاستجابة إزاء المنبهات والعواطف الإيجابية والسلبية ليستا متساويتين بين أفراد البشر. لِنأخذ الآن بعين الاعتبار حاصل جمع عاملين: (أ) الحساسية إزاء المضامين الشعورية والعاطفية في الأحداث والبيئة المحيطة، ومقدار الاستثارة العاطفية للذهن إزاء هذه المضامين، و(ب) شدة تشكّل الذاكرة العاطفية العرضية وترسّخها وكيفيتهما. وبناءً على تعريفنا، إذا كان حاصل جمع هذين العاملين مقداراً أكبر (بالمقارنة مع متوسّط اجتماعي)، فإن ذهن الفرد يتمتع بوظيفة عليا للمَلَكة العاطفية. ومثل هذا الشخص له نمط شخصية عاطفي وصانع للذكريات. وكلما كان ذهن الشخص صانعاً للذكريات، كانت المفردات التي يستعملها ذات دلالات شعورية – عاطفية واسعة وخصبة، وبالتالي مفعمة بالطاقة والعاطفة. ومن هنا فإن الأفراد العاطفيين يمتلكون عالماً من المعاني والتداعيات أوسع من سائر الأفراد، لأن تفاعل الشبكة الدلالية مع الشعور والعاطفة في أذهانهم واسع النطاق وشديد التأثير. ويؤدي هذا المنحى أيضاً إلى تقسيم الشعراء. ففي أحد طرفي الطيف، يوجد شعراء قالوا الشعر بإيقاع ووزن فحسب، ونجاحهم قائم على استعمال الصناعات الأدبية. وفي شعرهم نادراً ما تُرى المضامين العاطفية الناتجة عن التجارب الروحية – الشعورية الشخصية، ونشهد في الغالب سلسلة منطقية من الألفاظ ضمن قوالب وموضوعات أدبية راسخة. وفي الطرف الآخر، يوجد شعراء ينقلون ويعكسون، في جنس أدبي، أعمق المشاعر والجوانب العاطفية للحياة والمجتمع والوجود التي جرّبوها وتعلّموها بأنفسهم.
ويؤدي مبحث الإلصاقات الشعورية والعاطفية للمعنى إلى نقد لآراء فتغنشتاين المتأخر. فقد صرّح فتغنشتاين في «تحقيقات فلسفية»[31] صراحةً بأنه لا توجد لدينا لغة شخصية، لأن استعمال اللغة يستلزم أداء اللعبة الاجتماعية المناظرة لها. لكن هذه النقطة تشمل فقط المفردات والجمل التي يتشكل معناها في لعبة لغوية. فعلى سبيل المثال، في أي لعبة يتعيّن معنى كلمة «حرية» وينعقد؟ النقطة هي أننا إذا حذفنا الدلالات الشعورية والعاطفية الملتصقة بكلمة «حرية» من هذه الكلمة، فإن روح الكلمة وجوهرها يزولان، ونعجز عن إدراك وفهم كلام المتكلم. ويُظهر مبحث الإلصاقات الشعورية والعاطفية الوجهَ الشخصي لمعنى المفردات، وعلى هذا الأساس، فإن الجمل واللغة نفسها تمتلك أيضاً وجهاً شخصياً. ومن المهم أن ننتبه إلى أن هذا الوجه الشخصي ليس فردانياً محضاً ولا سولبسياً، لأنه ينبثق من تجارب يمكن للجميع (على الأقل الأفراد ذوو النمط الشخصي العاطفي وصانع الذكريات) أن يجرّبوها على نحو متماثل، وهذا ما يحدث عادةً. ونتيجة لذلك، تؤدي التجارب الشعورية – العاطفية دوراً شبيهاً بالألعاب اللغوية في نظرية فتغنشتاين، لكنها تتجاوزها، لأن التجارب المذكورة لها جانب فردي وآخر اجتماعي معاً. ويُحدث هذا المبحث تغييراً في عملية التعلّم أيضاً. فالتعلّم عبارة عن أن يختبر الفرد المتعلّم مباشرةً الإلصاقات الروحية والعاطفية المناظرة لتلك المفردة. ولفهم مقصود كلام المتكلم ومفهومه، يلزم أن تُدرَك وتُفهم الدلالات العاطفية المندرجة في المفردات والجمل.
تتخذ النظرية التصويرية في المعنى اللغوي الموقف القائل بأن الجمل تعبر عن حالات الأمور في عالم الوقائع وعالم الممكنات وتصورها. علاوة على ذلك، إذا لم تعبر جملة ما عن حالة من الأمور في عالم ممكن أو واقعي، فإنها تكون بلا معنى.[32] لننتبه إلى أنه على الرغم من أن مفهوم حالات الأمور يمكن أن يشمل الحالات النفسية والروحية والعاطفية داخل الذهن وكذلك بالنسبة للمحيط، إلا أن هذا المفهوم في النظرية التصويرية للمعنى يعبر فقط عن البروز والتجلي الخارجي والمحسوسات القابلة للإدراك من قبل المراقبين الخارجيين. وبالتالي، فإن مفهوم حالات الأمور لا ينفذ إلى داخل الحالات والتجارب الشعورية والعاطفية. ووفقاً لهذه النظرية، فإن الجمل تعبر فقط عن الأمر القابل للعرض، وحيثما يكون الأمر غير قابل للعرض، ينبغي التزام الصمت. وتترتب على محدودية النظرية التصويرية هذه أسباب علمية. لاحظ أن السمة البارزة للغة السيمانطيقية التي تعبر عن الوقائع وحالات الأمور هي قابليتها للانتقال بين الأذهان وطابعها التواصلي العام، على الرغم من أن عدم فهم وإدراك مقصود الآخر أمر محتمل جداً في التواصل عبر اللغة السيمانطيقية. على الأقل حتى ما قبل ثورة العلوم المعرفية، كان الاعتقاد السائد دوماً هو أن الحالات الروحية للإنسان، خصوصاً المرتبطة بالتجربة الدينية، غير قابلة للتعبير باللغة ولا توصف. وبالتأكيد، كان للإيمان بثنائية ديكارت تأثير كبير في اتخاذ هذا الاعتقاد. في الواقع، كان الافتراض حتى الآن هو أن قوتي التعبير باللغة والإدراكات الشعورية – الروحية هما مصدران مختلفان، ونتيجة لذلك نشأ انفصال شديد بين منتجات هذين المصدرين. ومن تبعات هذا الانفصال، بالإضافة إلى سوء الفهم بين البشر، يمكن الإشارة إلى التقابلات التقليدية بين المعرفة والدين وكذلك بين المنطق والفن. بالطبع، صُنعت وصيغت مفردات متداولة كثيرة في اللغات المحكية "لوصف" الحالات الروحية والعاطفية للإنسان. لكن هذه المجموعة تنشأ بعد تحويل الحالات الروحية إلى تماثيل باردة، وبتعبير آخر، بعد تجفيف صفاتها النفسية المحضة. تماماً مثل عالم نبات وعالم فراشات يقومان، بعد تجفيف أنواع النباتات والفراشات، أي بعد أخذ "روحها"، بتصنيفها بأسماء تخصصية. إذا تقيدنا بإطار النظرية التصويرية التي تعرض حالات الأمور الواقعة أو القابلة للوقوع، فإن مقولة عدم قابلية حالات وتجارب الإنسان الروحية والعاطفية للتعبير تكون صحيحة، لكن لماذا ينبغي أن نستثني الحالات النفسية المولدة لمثل هذه التجارب من دائرة مفهوم حالات الأمور؟ إن التعبير عن الحالات والتجارب الروحية، وبتعبير آخر تقارب اللغة والنفس، ينطوي على شبكة معقدة من التداعيات السيمانطيقية والشعورية – العاطفية التي تحدث في دماغ الإنسان. لذلك، من أجل تحليل الحالات الشعرية والفنية وكذلك فك تعقيدات ماهية التجارب الدينية، نحن بحاجة إلى تحليل أعمق قائم على العلوم المعرفية للأنشطة الشعورية للذهن، وفي الواقع إلى تشريح للأخلاط الذهنية – الروحية للإنسان. ليس الأمر أن التجارب القدسية والفنية غير قابلة للإدراك والوصف كما يُدعى، وأن التقابل بين العلم والتجربة الدينية والفنية يبقى غير قابل للحل. إن التحليل المعرفي المناسب لهذا الموضوع يمكنه أن يحل مثل هذه المسائل التي طال أمدها وكلفت الكثير.
سبق أن أوضحنا، في شرح التجربة الشعورية للامتنان، أن المفردات ذات الصلة قد وُضعت لوصف هذا الإحساس بالبهجة والارتباط وصفًا لفظيًا. وإلى جانب الفن والشاعرية، تؤدي الحالات الشعورية للذهن دورًا جوهريًا في مبحث التجارب الدينية أيضًا. لقد عرّف أغلب كبار المفكرين في دراسة الدين أساسَ الدين بأنه التجارب الشعورية الدينية – المقدسة. يعبّر ويليام جيمس في «تنوع التجربة الدينية[33]» ورودلف أوتو في «مفهوم الأمر المقدس[34]» عن مثل هذا الرأي. كما تؤكد كارن آرمسترونغ، في تحليلها العميق للإلهيات[35]، على آرائهما وتنتقد التبشير بالدين وحمله على الاعتقاد استنادًا إلى التعريفات الرسمية والجمل الاستدلالية، وتعتبرها غير ذات جدوى. وبرأي جيمس، فإن التجربة الدينية – التي تُسمى أيضًا الشعور العرفاني – تتسم بالخصائص التالية. فالشخص الذي لم يمر بالتجربة الشعورية الدينية ليس متدينًا، تمامًا كما أن التفلسف يحتاج إلى الحالة الذهنية المسماة «تأملًا». ويشدد جيمس على أن «محتوى» التجربة الدينية لا يمكن الإبلاغ عنه بالتعبير اللفظي، بل ينبغي فقط أن يُختبر مباشرة. علاوة على ذلك، فإن التجارب الدينية غير قابلة للدحض. لا يقدم جيمس إجابة وافية عن سؤال: إزاء ماذا تكون المشاعر الدينية؟ في المقابل، يقدم رودلف أوتو إيضاحات أكثر. ومن أبرز التجارب الدينية الشعورُ «بالمخلوقية». يوضح أوتو أن الشعور بالمخلوقية هو بذاته لازم ذهني ومعلول لشعور وعنصر آخر يشير إشارة مباشرة وأساسية إلى موجود خارج النفس. وبرأيه، لكي ينشأ «الشعور بالمخلوقية» والشعور بالاتكال في الروح، لا بد من أن يُشعر بشيء بوصفه مينويًا يُدركه الذهن في الوقت نفسه. ويعتقد أوتو أن الأمر المينوي الذي يُشعر به على هذا النحو هو موجود عيني خارج لوح نفس الإنسان. يشبه رودلف أوتو الأمر المقدس بـ x أو بمجهول غير معروف وغير قابل للإدراك، ويقول «إن x هذه ليست، على وجه الدقة، عين ما نختبره، كما أنها غير قابلة للتعليم للآخر، بل ينبغي أن تستيقظ في كل شخص وتُستثار في روحه، تمامًا كسائر الحالات التي تكون إلهامية وتنبعث من داخل الشخص وتستولي على روحه وتستغرقه».
يجب أن ننتبه إلى أن «الإحساس» في سياق التجربة الدينية ينطوي على عمليات ذهنية أكثر تعقيدًا مقارنة بالمشاعر والعواطف الاعتيادية. وهذا الأمر يجعل تحليل العلوم المعرفية للتجارب الشعورية الدينية صعبًا، غير أن التحليلات التي تستهدف ذلك لا تزال في بداياتها. إن الاعتقاد بالثنائية الديكارتية الذي كان سائدًا في مجمل المعارف البشرية قبل ثورة العلوم المعرفية، إلى جانب عدم الإلمام بطبيعة التجارب الشعورية، أديا إلى تأويل التجارب الشعورية الدينية بوصفها «تلقّيًا من خارج النفس». وسنضيف نقطة إلى هذا المبحث. ففي العمليات المعرفية الداخلة في هذه التجارب الشعورية، تشارك عمليات ذهنية تختلف عن الإحساس المحض، ولكنها تبقى مجهولة لدى الأفراد. على سبيل المثال، كيف يكون إحساس الأمل؟ هل ينبعث أو يُلقى من مصدر خارج الذهن؟ الأمل هو حصيلة تقدير ذهني لمدى نجاح أو حدوث وضعية أو ظرف بالغ الأهمية بالنسبة للشخص. أي أن الذهن قادر على تقدير العلاقات السببية الاحتمالية ومن ثم استنتاج وقوع الحدث المذكور. إن الذهن البشري، دون اللجوء إلى الحسابات والاحتمالات الرياضية، يمتلك قابلية الاستنتاج الإحصائي. تصوّر أنك تطلب من أستاذ مادة الرياضيات إعادة امتحان، وتتوقف حياتك المستقبلية على النجاح في هذه المادة. يقول الأستاذ إنه سيُخرج كرة عشوائيًا من صندوق يحتوي على ثماني كرات زرقاء وثلاث كرات حمراء. إذا كانت الكرة زرقاء، فسيُجري الامتحان مجددًا. إن ذهن البشر، حتى منذ سن الطفولة المبكرة، قادر على الاستنتاج الصحيح لهذه التجربة الإحصائية. ونتيجة لذلك، تنشأ في روحك ونفسك حالة من الأمل لإجراء الامتحان مجددًا. وفي الأحيان التي يجري فيها استنتاج إحصائي ذهني لا شعوريًا، يُستشعر الأمل الناتج عنه وكأنه «إحساس» في الذهن. وفي الارتباطات الأكثر تعقيدًا أيضًا، يُقدّر الذهن الاحتمالات السببية فيبلغ بالتالي حالة الأمل أو اليأس النفسية. إن التقدير الذهني للعلاقات السببية الاحتمالية يدخل أيضًا في النسخة الدينية من الأمل، أي التوكل. غير أن في التوكل عنصرًا آخر: ففي بعض الحالات التي يسود فيها عدم المعرفة بنتيجة العمل، يُحيل الشخص النتيجة إلى الإرادة الإلهية ويمنح نفسه معنويات. وهكذا نلاحظ أنه في تجارب مثل الأمل والتوكل، بالإضافة إلى الإحساس المحض، تجري في الذهن استنتاجات إحصائية وتقديرات سببية احتمالية. أما سؤال ما إذا كان التوكل اعتقادًا مبررًا وإلى أي مدى هو ناجح، فهو سؤال مختلف ويعتمد على التبرير القائم على تأويلات مصادرة على المطلوب. وهذا المطلب بعيد عن أهداف المقالة، وسنكتفي بالقول إن هذا النوع من التبرير موجود أيضًا في نقاش «القسمة».[36]
في الأقسام السابقة، قمنا بتعريف النمط الشخصي العاطفي للناقد والمعترض وتحدثنا عنه. بشكل عام، يؤدي امتزاج الشبكات الدلالية والعاطفية في أذهان الأفراد إلى إصدار أحكام مختلفة – مقارنة بالأفراد العاديين – على الأحداث المحيطة والتاريخية. وفي المستويات الأعلى، يتجلى هذا الاختلاف في الأحكام الأخلاقية والقيمية في مجالي الأخلاق والسياسة. فعلى سبيل المثال، ثبت في الأخلاق[37] أن بعض الأفراد يحكمون على المسائل الأخلاقية بناءً على قيم أخلاق الرعاية[38]، وآخرون بناءً على أخلاق العدالة[39]. ويمكن البحث عن سبب ذلك في وجود وكيفية القدرات العاطفية والتعاطفية لدى الأفراد. ننتقل إلى بعض الأمثلة من التاريخ السياسي الإيراني المعاصر. نعلم أن أحكامًا مختلفة قد صدرت عن النقاد التاريخيين بشأن أسلوب حكم البهلوي الأول. فالبعض يتخذ من السياسات المعادية للدين، كالكشف عن الحجاب، معيارًا، والبعض الآخر يتخذ من التطورات الإدارية والتوسع المادي والخطوات الحداثية معيارًا. وفي المقابل، كان بعض الأفراد (من ذوي النمط العاطفي) يعترضون بسبب تضييع القيم الإنسانية والحقوقية في ذلك العصر وعدم تحقق مُثُل الدستورية. وميرزاده عشقي، وفرخي يزدي، وأبو القاسم لاهوتي، ومحمد تقي بهار هم من بين الأفراد الذين عبروا عن احتجاجهم بالنوع الأدبي بعد استنشاقهم للأجواء الثقافية والحقوقية. ومن المشهور أنه عندما طلب أحد مسؤولي حكومة رضا خان من الكتّاب أن يعبروا عن «مثالهم الأعلى لإنشاء حكومة مركزية قوية على يد سردار سبه» في صحيفة شفق سرخ، كان جواب ميرزاده عشقي هو نشر «المثال الأعلى للفلاح العجوز[40]» بمضامين دوس النساء، وظهور الانتهازيين الباحثين عن المنفعة، والنهاية السيئة للثورة الدستورية.
لا تعجب إن كان للشاعر جنون وفي قلبه دائمًا مطلب عيد الدم كيف أشرح مثالي الأعلى بأفضل من هذا
لقد دفع الاشمئزاز الشديد لدى عشقي من الاستبداد والفساد الأخلاقي في المجتمع، وخاصة الخداع والخيانة، به نحو الرؤية المتطرفة لـ «عيد الدم[41]». وبرأيي، لا ينبغي استخراج مانيفستو أو عقيدة سياسية من أفكار عشقي. فهذه الأفكار تعبر عن شذوذ المجتمع ومرض في نظام الحكم القائم آنذاك. ويمكن طرح سؤال مماثل بشأن الثوريين وأعمال الشباب في عصر البهلوي الثاني. قبل بضع سنوات، حضرتُ مع متخصص إيراني شهير في علوم الكمبيوتر مقيم في الخارج مؤتمرًا في طهران. وفي فترات ما بعد الظهر في مكان الإقامة، كنا نتناقش حول مواضيع مختلفة، من بينها أوضاع إيران قبل ثورة 1357. لم يكن شخصًا سياسيًا أو أيديولوجيًا، لكنه كان يشكك في احتجاجات الناس، وخاصة الشباب والطلاب، في تلك السنوات التي كان هو نفسه يقضي فيها فترة الدراسة الجامعية. لماذا قمتم وانتفضتم؟ ماذا كان ألمكم؟ ماذا كان ينقصكم؟ من وجهة نظر ذلك الأستاذ الإيراني الحامل لجنسية دول غربية، كان النظام القائم في البلاد يؤدي وظيفته بشكل صحيح، وبعبارة أخرى، كان نظامًا فعالًا يدور، وكان هذا كافيًا بالنسبة له، ولكن من وجهة نظر العديد من الأفراد ممن هم في نفس ظروفه العمرية والنقابية، كانت حالة المجتمع في ذلك اليوم أشبه بالقفص، وكانت الحياة فيه مذلة. وبالمجمل، كان أحد الطرفين يقيّم أوضاع البلاد بأنها مقبولة ومنطقية، بينما كان الطرف الآخر يراها ظالمة لدرجة أنه كان مستعدًا لتحمل أقسى المشاق، بل وحتى الإقدام على الانتحار، من أجل إسقاطها.
قطعاً باورهای ایدئولوژیکِ افراد، در ایجاد این اختلاف نظر عمیق، تأثیر عمدهای داشته است ولی مبحثِ سنخهای شخصیّتیِ عاطفی و عاطفیِ منتقد، پاسخی غیر ایدئولوژیک برای این اختلاف نظر ارائه میدهد. همانطور که شرح دادیم در دامنۀ معناشناختیِ شخصیّتهای عاطفی و به تبعِ آن، در باور و عقایدشان، عواطف از قبیل سمپاتی نسبت به درد و محنت مردمان و آحاد جامعه، عشق به حضور ارزشهای انسانی و نفرت و انزجار نسبت به الغاء و پایمال شدن آنها، با نقد و اعتراض اجتماعی و سیاسی آمیخته میگردد. در طرف مقابل با شخصیّتهایی روبرو هستیم که دایرۀ معناشناختی آنها محدود به دانش سمانتیک بوده و از کمترین تعامل با قلمرو احساسی – عاطفی برخوردارست. اینگونه افراد، مسائل حقوقی و سیاسی را بر مبنای چرخۀ نظام حکومتی، ارزشهای مادّی و صوری و یا ایدئولوژیهای قالب شده در ذهنشان، ارزیابی و قضاوت میکنند. کشف حجاب، واقعۀ مسجد گوهرشاد و همه تحولات فیزیکی و اداریِ عصر پهلوی اول و دوّم در طول تاریخ باقی مانده و قابل استناد هستند. ولی استنشاق جوّ فرهنگی – سیاسی جامعه دارای حافظه کوتاه مدت است. قابل انتقال نیست مگر با ژانر هنری و بیوگرافیهای شخصی. در نتیجه، بعد از سپری شدن سالها و تغییر اوضاع، علّتِ اعتراض انقلابیّون نسبت به شرایط اخلاقی و حقوقیِ عصر خود، کمتر و به سختی درک میگردد و این موضوع شامل حال افرادی از قبیل دوست متخصّص پاراگراف پیشین نیز میشود که اعتراضات و اقدامات جوانان عصر پهلوی را زیر سؤال میبرند. تجربههای تاریخی و دلایل نظری، به ما میآموزد نقد عاطفیِ حسّاس به فضائل اخلاقی و حقوق انسانی، برای جامعه لازم و حضور آن در هر کشوری، از معیارهای سلامتی بنیاد مملکت است. متأسفانه در حال حاضر، شرایط نابهنجاری همچون فرهنگ سوداگری و فرصتطلبیِ روزافزون در جامعه، بیتوجهی به حقوق فردی، شهروندی و صنفی و فورانِ دروغ، ریاکاری و چپاول اقتصادی، زیر تبلیغات پرطمطراقِ پرتاب ماهواره، موشک بلند بُرد و تجهیزات هستهای تحت لوای شعارهای بدون پشتوانۀ مدیریّت جهانی، عزّت و عظمت ملّی، مورد غفلت قرار گرفتهاند.
تبیین و تشریح دلالتهایی که واژگان و جملات حمل میکنند از جمله وظایف معناشناسیست. در این مقاله نشان دادیم واژگان ملتصق به دلالتهایی هستند که از احساسات و عواطفِ شخص مُتکلّم طیّ تجربیات زندگی بهوجود آمده و از طریق خاطرات اپیزودیک متبلور میشوند. بهعلاوه، توصیف لغویِ حالاتِ احساسیِ مذکور، منجر به تداعیهای لغوی جدیدی مابین این واژگان و سایر کلمات و مفاهیم میشود که در دانش سمانتیکِ پیشین وجود نداشته و از طریق تداعیهای لغویِ صِرف، قابل حصول نیستند. این پدیده را تعامل شبکه سمانتیک و احساسی نام نهادیم. در ادامه با بهرهگیری از ویژگیهای حافظه اپیزودیک و نیز با توسل به مفهوم گزارش خاطره، چگونگی شکل-گیری دلالتهای احساسی – عاطفی را شرح دادیم. نحوۀ خوانش و بیان هر فرد از زیست – جهان، وابسته به تعامل شبکه سمانتیک و احساسی در ذهن و روان وی است. این موضوع در نحوۀ قضاوت افراد در حوزههای ارزشی نقش بهسزایی دارد. در خاتمه علّت تفاوت قضاوتِ برخی شعرا و منتقدین در خصوص تاریخ معاصر ایران را در این چارچوب شرح دادیم.
.
.
[1] Essentialism
[2] Picture Theory
[3] Speech Act Theory
[4] Neurological Semantic Networks
[5] Cognitive Domain
[6] Lexical Meaning
[7] في تجربة الغرفة الصينية لسيرل (Searle's Chinese room) يوجد شخص في غرفة مغلقة. كل جملة – باللغة الصينية – تُروى من الخارج إلى داخل الغرفة، يقوم بترجمتها إلى الإنجليزية باستخدام قاموس، ثم يعيد ترجمة الرد المناسب إلى الصينية ويعبّر عنه إلى خارج الغرفة. بهذه الطريقة، تجري محادثة طبيعية بين الشخص داخل الحجرة والفرد الخارجي باللغة الصينية، في حين أن الشخص داخل الغرفة ليست لديه أي معرفة باللغة الصينية.
[8] أسماء العديد من الأبناء، ذكوراً وإناثاً، في اللغات الدارجة تعني هدية مُنحَت من قِبَل الله أو هدية من أحد الآلهة. على سبيل المثال يمكن الإشارة إلى: خداداد، مهرداد، ماهآفريد (في اللغة الفارسية)؛ اللهوردي، تاريوردي، آيدوغموش (في التركية)؛ عطاء الله في اللغة العربية؛ وثيودور، فيودور، إيزيدور، دوروثي في اللغتين اليونانية واللاتينية.
[9] Emotion
[10] الانفعالات الأساسية الستة: الخوف، الغضب، القرف، الدهشة، الحزن والفرح، لها تعابير وجهية متماثلة في جميع الثقافات.
[11] Affection
[12] Cognitive Psychology
[13] الفصل الثامن من الكتاب التالي مخصص لهذا المبحث، ويُقدم فيه نموذج ثنائي الأبعاد لطيف الانفعالات البشرية:
E.E. Smith, S.M. Kosslyn, Cognitive Psychology, Prentice-Hall, New Delhi 2008
[14] راجع الفصل الثامن من الكتاب التالي:
E.E. Smith, S.M. Kosslyn, Cognitive Psychology, Prentice-Hall, New Delhi 2008
[15] Semantic Knowledge
[16] في علم الأعصاب، تُسمى الخلايا العصبية بالعصبونات (Neuron)، والوصلة البيوكيميائية بينها بالمشبك (Synapse). العصبونات هي أصغر وحدة معلوماتية في الدماغ.
[17] الفصل الثامن من الكتاب التالي مخصص لتنظيم المعرفة ونمذجتها:
R. J. Sternberg, K. Sternberg, Cognitive Psychology, Wadsworth, 2012.
[18] جميع الأشعار المختارة لفرخي يزدي في هذه المقالة، منقولة من المرجع التالي: في هوای آزادی (مختارات من شعر محمد فرخي يزدي)، بحث واختيار: ساعد باقري وسهيل محمودي، طهران: أمير كبير 1389.
[19] Episodic Memory، تُستخدم في الواقع في العلوم المعرفية بمعنى الذاكرة العرضية.
[20] المقصود هو الأصوات الموجودة في كلمة آزادي (حرية).
[21] Martin Luther King (1929-1968)
[22] غيورغ فيلهلم هيغل، موسوعة العلوم الفلسفية (فلسفة الذهن) (ترجمة زيبا جبلي) الناشر: شفيعي، 1392.
[23] في المعنى الأصلي، نيمبسمل تعني الحيوان الذي ذُبح للتو وهو في حالة احتضار.
[24] الأفراد ذوو هذا المزاج وهذه السمة الشخصية، يشكلون أقلية قليلة في الأنماط الشخصية.
[25] على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتب: محمد قائد، ميرزاده عشقي، سيمای نجيب یک آنارشيست، طهران: طرح نو 1391. أنوش صالحي، مصطفى شعاعيان و رمانتيسم انقلابي، نشر قطره 1397. علي مرادي مراغهاي، جانهای شيفته (نقدي بر تاريخ جنبش چريكي قبل از انقلاب با تأكيد بر چريكهای آذربايجان)، نشر انديشه إحسان 1398.
[26] Binding
[27] الذاكرة العرضية هي جزء من المقررات الدراسية في العلوم المعرفية. راجع:
E.E. Smith, S.M. Kosslyn, Cognitive Psychology, Prentice-Hall, New Delhi 2008
[28] P. A. Allen, K. P. Kaut, R. R. Lord, Emotion and episodic memory, in: Handbook of Behavioral Neuroscience, vol. 18 (2008) 115-132.
[29] Word Association
[30] كارل غوستاف يونغ، محلل نفساني سويسري
[31] Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations, Blackwell, 1958 .
[32] هوارد ماونس، مدخل إلى رسالة فتغنشتاين (ترجمة سهراب علوينيا) الناشر: طرح نو، 1379.
[33] ويليام جيمس، تنوع التجربة الدينية (ترجمة حسين كياني) الناشر: حكمت، 1397.
[34] رودلف أوتو، مفهوم الأمر القدسي (ترجمة همايون همتي) الناشر: نقش جهان، 1380.
[35] كارين آرمسترونغ، الإلهيات من إبراهيم إلى الآن (ترجمة محسن سبهـر)، طهران: نشر مركز، 1383.
[36] للتعرف على أساليب التبرير في أنواع التفكير، راجع المصدر التالي: منوجهر ذاكر، منطق تفكرات وشرحی بر سكولاريسم حوزه انديشه، فرهنگ امروز
[37] جين منسبریج، سوزان مولر أوكين، ويل كيمليكا، بحثان في الفلسفة السياسية للنسوية (ترجمة نيلوفر مهديان) نشر ني، 1387.
[38] Care Ethics
[39] Justice Ethics
[40] علي أكبر مشير سليمي، الكليات المصورة لعشقي، طهران 1342.
[41] يكتب عشقي في المقال الثاني من «إيديال بيرمرد دهغاني»: يجب الترويج لعقيدة إراقة الدماء بحيث تطلب النساء غالباً من أزواجهن، بدلاً من المهر، إراقة دم خسيس وخائن.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.