اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعلّق مصطفى ملكيان قبول الآراء العرفانية على اتساقها مع العقلانية الحديثة والأخلاق الكونية وحقوق الإنسان، ويُفضّل عرفان شرق الإسلام لتركيزه على العمل ومعرفة الذات على العرفان النظري في غرب الإسلام.

التنضيد والتحرير: داود قرجالو
في النهاية، الملفات الصوتية والمرئية لهذا الحوار متاحة للوصول.
بداية نلقي التحية عليكم وطابت ليلتكم ونحن سعداء جداً بأن نكون في خدمتكم.
ملكيان: سعيد بأن أكون في خدمتكم وخدمة المستمعين والمشاهدين، وشاكر لكم لتوسطكم كي أتمكن من أن أعرض شيئاً للجمهور غير الإيراني وأن أكون قد قلت كلاماً، وأن أستفيد من آرائهم لاحقاً.
أولاً، مؤسسو الأديان والمذاهب وخصوصاً الأديان الشرقية مثل الهندوسية والبوذية.
ثانياً، الفلاسفة الوجوديون الذين نسميهم بالفلاسفة الوجوديين أو الإلهيين مثل كيركغور.
ثالثاً، علم النفس الغربي خصوصاً الموجة الثالثة والعصر المعاصر مثل إروين يالوم الذي له كتاب بعنوان "عندما بكى نيتشه" يتناول المشكلات النفسية للإنسان الحديث وهواجس الإنسان الحديث.
رابعاً، عرفاء الأديان والمذاهب.
أريد أن أبدأ من هذا البعد الرابع وأطرح سؤالاً. ما هي مكانة العرفان والعرفاء في مدرستكم الفكرية وفي منظومتكم الفكرية، وما هي قيمة وخصائص العرفان والعرفاء بشكل عام؟
ملكيان: في الرأي الذي أبديته، أي الجمع بين العقلانية والمعنوية. في الشق الثاني، أي شق "المعنوية"، لا شك أن جميع عرفاء العالم يحظون بالاهتمام في شق المعنوية، وبعبارة أبسط أريد أن أقول إنني كما أن اعتمادي في شق العقلانية هو أكثر على العلم والفلسفة، فإن اعتمادي في شق المعنوية هو أكثر على العرفان ثم الأديان والمذاهب العالمية. إذن لا شك أنني أتقبل العرفان كأحد مصادر رأيي، لكن ليس الأمر أنني أعتبر كل رأي عرفاني من أي عارف مقبولاً. اعتقادي هو أنه حتى لو أردنا أن نتقبل آراء عرفاء العالم ونقبلها، فيجب حتماً أن تكون متوافقة مع العقلانية الجديدة والأخلاق العالمية ومع حقوق الإنسان. فإذا تقرر بناءً على ذلك أن يدخل عنصر عرفاني مأخوذ من أحد عرفاء العالم في منظومة فكرية، فلا مناص من أن يخرج ذلك العنصر ناجحاً من بوتقة اختبار العقلانية الجديدة، والأخلاق العالمية وأيضاً حقوق الإنسان. بناءً على هذا، ليست كل تعاليم جميع عرفاء العالم مقبولة في ظني ولا أعتبرها كذلك. عندما يُقال إن أحد مكونات المعنوية هو العرفان، فأنا لا أعتزم قبول كل كلام من أي عارف.
ملكيان: بنسبة 100%، لا إلى أيٍّ منهما. لكن يمكنني الإجابة عن سؤال أي العرفاء أتأثر بهم أكثر. في العالم الإسلامي، أنا أكثر ارتباطاً بعرفاء خراسان الكبرى لا عرفاء غرب العالم الإسلامي، أي أنني أكثر ارتباطاً بعرفان أشخاص مثل مولوي، وعين القضاة الهمداني، وأبي سعيد أبي الخير وأمثالهم، من ارتباطي بعرفان غرب العالم الإسلامي أي ابن عربي الذي ظهر في الأندلس. أنا أفضل عرفان شرق العالم الإسلامي بمراتب على عرفان غرب العالم الإسلامي.
لكن في الوقت نفسه، ليس عرفاء العالم الإسلامي وحدهم من أعتبرهم، فأنا أشعر بقرب شديد من مايستر إيكهارت وهو عارف مسيحي، أو تيريزا وخوان دي لا كروث –وهما عارفان إسبانيان– وأتفق مع كثير من آرائهم. وبالمثل، عندما أرجع إلى الأديان الشرقية، فإنني أكثر ارتباطاً بآراء شخص مثل شَنكَره خصوصاً، وهو نوع من الهندوسية القائلة بوحدة الوجود، من ارتباطي برامانوجا. لذلك عندما أقول العرفان، لا أعني عرفان العالم الإسلامي، بل أعني عرفاء جميع الأديان والمذاهب في جميع الثقافات. لكن إذا أردت أن أنتقي في عرفان العالم الإسلامي، فإني أختار عرفان شرق الإسلام وأرى مولانا الشخصية الأبرز، وفي عرفان غرب الإسلام ابن عربي. لا شك أنني أشعر بقرب أكبر إلى مولانا من ابن عربي.
ملكيان: يمكن تفضيله من ثلاثة وجوه: أ) عرفان غرب العالم الإسلامي يهتم أكثر بالمباحث المجردة والمباحث المتعلقة بعالم الوجود، بينما عرفان شرق العالم الإسلامي، أي عرفان خراسان الكبرى، ناظر إلى العمل أكثر مما هو منشغل بالتنظير، أو بلغة أبسط، بدل أن يريد تعريفنا بالعالم، هو يخبرنا أكثر كيف ينبغي أن نحيا وكيف ينبغي أن نكون وكيف ينبغي أن ننظر إلى العالم، ومن وجهة نظري "مقام العمل مرجح على مقام النظر".
ب) في عرفان شرق العالم الإسلامي، معرفة النفس أغلب من معرفة العالم. في التقليد السقراطي كان يقال: "اعرف نفسك"، ومن وجهة نظر شخص مثل أفلاطون وسقراط، إذا لم يعرف الإنسان نفسه، فلا نفع لمعرفته بقية العالم، وإذا عرف نفسه، فلا يضره جهله بالعالم. إذن، شخص مثل سقراط وتلميذه أفلاطون تأكيدهم الأكبر على معرفة النفس لا معرفة العالم. أنا أميل أكثر إلى هذا التقليد الذي ينصب جهده الأكبر على معرفة الإنسان، من أن يُبحث في مقامات العالم ومراتب عالم الناسوت واللاهوت والجبروت والهاهوت ومراتب الوجود المختلفة. إذن في نظري، أولاً مقام العمل مرجح على مقام النظر، وثانياً في مقام النظر أيضاً "معرفة النفس مرجحة على معرفة العالم".
ج) للعرفان الشرقي صلة أوثق بعامة الناس، وليس له طابع أرستقراطي نخبوي، بل يتعامل أكثر مع الطوائف والمهن، ويخاطب الجماهير ويؤثر فيهم بشكل أكبر. أما عرفان أشخاص مثل ابن عربي وابن حمزة الفناري والقيصري فهو عرفان أرستقراطي، ولا يمكن مخاطبة عامة الناس به، أعني أهل الأسواق والطرقات. فأهل الأسواق والطرقات لا طاقة لهم بتلك المباحث النظرية والتعقيدات في الكتابة والغموض في الأقوال. أنا حيثما وجدت تعليماً يمكن أن يكون له وجه ديمقراطي أكثر، بمعنى أن يخاطب عدداً أكبر من الناس ويستطيع التحاور مع عدد أكبر منهم، فإني أعتبر هذا الوجه وجهاً للرجحان. أنا أعتقد أنه لا يليق بنا أن نرضى بعدد محدود من النخب وندع الأكثرية الساحقة من الناس. فكلما استطعنا إدخال عدد أكبر إلى الفضاءات الروحية والمعنوية، أو على الأقل الفضاءات الأخلاقية، كان ذلك أفضل. وهذا أمر ينجح فيه شخص مثل أبي الحسن الخرقاني وأبي سعيد أبي الخير أكثر بكثير من شخص مثل القونوي والقيصري أو ابن عربي وغيرهم، فهؤلاء لديهم عرفان أرستقراطي لا عرفان ديمقراطي، وأنا أعتبر هذا وجهاً للمرجوحية وأرجح الوجه السابق.
ملكيان: هذا صحيح تماماً، والعجيب أن الذين يدّعون أنهم تحت تأثير القرآن والحديث والكتاب والسنة، وفي النصوص المقدسة توجد تلك الأمور التي أشرتم إليها مثل "معرفة النفس أنفع المعارف" و"من عرف نفسه فقد عرف ربه"، ومع ذلك نرى أن قسماً عظيماً من تراثهم العرفاني لا علاقة له البتة بمعرفة الذات ومعرفة النفس والأنطولوجيا. انظروا إلى كتبنا الفلسفية منذ الكندي فصاعداً، الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد حتى ملا صدرا الشيرازي وعصرنا الحالي، انظروا إلى كتبهم الحكمية والفلسفية، وانظروا كم يبلغ حجم ما يتعلق منها بمعرفة النفس. أغلبها يدور حول أصالة الوجود واعتبارية الماهية، والجوهر والعرض، والعلة والمعلول، والوحدة والكثرة، والقوة والفعل، والثابت والمتغير، والحركة والسكون... إلخ. يتحدثون عن كل هذا، ولكن أي حجم تحدثوا به عن الأنثروبولوجيا؟ بل إنه منذ زمن الكندي فصاعداً، كلما تقدمنا نجد حجم الأنثروبولوجيا في متوننا الفلسفية يقل، أي أنكم لو نظرتم إلى حجم الآثار المتبقية من ابن سينا، لوجدتم حجم المطلب حول الأنثروبولوجيا أكبر بكثير مقارنة بآثار ملا صدرا ثم ملا هادي السبزواري ثم العلامة الطباطبائي. برأيي هذا نوع من الانحراف والتفكير المتناقض، أن تعيش في ثقافة تقول: "إن أردت أن تعرف نفسك، فقد ربحت كل شيء، وإن لم تعرف نفسك، فقد خسرت كل شيء". ثم نرى أن قسماً عظيماً من التراث الفلسفي والحكمي، بل قسماً عظيماً من التراث العرفاني لعرفاء غرب العالم الإسلامي، لا علاقة له بالإنسان أصلاً. فالقدر الذي يناقشونه من مباحث الوجود والكوسمولوجيا ووضع عالم الطبيعة قياساً بعالم ما وراء الطبيعة وعالم المجردات وعالم المثال، هو كثير جداً مقارنة بالإنسان. برأيي، وبصرف النظر عن كوننا من أنصار الإسلام أم لا، وسواء قبلنا وجهة نظر الإسلام أم لم نقبلها، وإذا كان الكتاب والسنة هما معيار العمل، فإن قسماً عظيماً من مباحث الفلسفة والحكمة في العالم الإسلامي قد انحرف عنها، وهو واقع أكثر تحت تأثير سلسلة من الفلسفات غير الإسلامية والرؤى غير الإسلامية. أنا أعتبر هذا نوعاً من النقد. قلت إنه لا يهم البتة أن تكون معتقداً بالإسلام أم لا. المهم هو لماذا لا يناقش الذين يقولون إننا معتقدون بالإسلام، بالقدر الذي يناقشون به أحكام الماهية... إلخ، عوالمنا الداخلية البتة، ولم يناقشوا كيف تتشكل معتقداتنا، وكيف تتشكل مشاعرنا وعواطفنا، وكيف تتشكل احتياجاتنا، وكيف تتشكل رغباتنا، وأيضاً ما هي علاقة معتقداتنا بمشاعرنا وعواطفنا وكيف هي؟ وما هي علاقة مشاعرنا وعواطفنا برغباتنا وأهدافنا ومعاييرنا ومثلنا العليا؟ تفضلوا ولاحظوا أننا لو كنا نريد الحديث عن الإنسان، فكم كان يلزمنا أن نتحدث عن وحدة الإنسان، وكم كنا سنتحدث عن الموت، ومعنى الحياة، والحرية والمسؤولية.
ملكيان: هذا جيد، وهو ينتمي في معظمه إلى خراسان الكبرى. ما ركزت عليه هو أن هذه الأمور ظلت مغفولة في عرفان غرب العالم الإسلامي.
ملكيان: بالضبط. أريد أن أقول إن الفلسفة الإسلامية في هذا الاتجاه هزيلة وضعيفة للغاية. وفي العرفان أيضاً، العرفان الذي يتمتع بشيء من القوة هو عرفان شرق العالم الإسلامي، لا عرفان غرب العالم الإسلامي.
ملكيان: بالضبط. لا شك طبعاً أن مقامات العارفين وفي البهجة والسعادة أو أسرار الآيات في كتاب الإشارات والتنبيهات، تنظر بالصدفة إلى هذا الأمر عينه. لكن قارن هذا الحجم بحجم المباحث الأخرى التي خُصصت لموضوعات أخرى.
ملكيان: نعم. في رأيي أن ثلاثة عوامل تؤثر في أن نولي تلك المباحث النظرية اهتماماً أكبر من المباحث العملية. أولاً، أن المباحث النظرية توصلنا إلى شهرة أوسع وتجلب لنا مكانة اجتماعية أكبر. لنفترض أنك أحد أفضل فلاسفة عصرك؛ قارن هذا بأن تكون أحد أكثر الناس تخلقاً بالأخلاق في عصرك. هل لو كنت أعظم فيلسوف، فمن المحتمل أن تحصل على ثروة أكثر وشهرة وجاه ومحبوبية أكثر، أم لو كنت إنساناً شديد التخلق بالأخلاق؟ هل لو دخل فيلسوف من الطراز الأول مجلساً، يلقى من الاحترام ما يلقاه فرد أخلاقي؟ أريد أن أقول إن المطالب الاجتماعية التي نسعى إليها عادة في حياتنا تتجلى في المباحث المتعلقة بالعلم، أي في أن تصير أستاذاً ولك صف دراسي ومكتب ومساعدون، أكثر مما تتجلى في المباحث العملية.
ثانياً، أن تعلم العلم أسهل بكثير من العمل به. تعلم العلم وقراءة الكتب والتبحر في تخصص علمي أيسر بكثير من التخلق بالأخلاق واكتساب الفضائل. عادة لا يفضل البشر العمل الصعب، فمثلاً أرى أني بدراسة 20 أو 25 سنة أحصل على مكانة علمية بارزة في مجتمعي، لكن هل ب 20 أو 25 سنة من الرياضة ومحاسبة النفس وتهذيبها ومشارطتها أستطيع أن أصبح إنساناً بارزاً على مستوى المجتمع؟ إنه عمل شاق للغاية. تعلم العلم أيسر بكثير من العمل بالتعاليم.
ثالثاً، أن الإنسان حين يتعلم العلم، لا يعاني عادةً من تأنيب الضمير، لكنه حين يتجه إلى المقامات والعرفان وما شابه، غالباً ما يقع في تأنيب الضمير. لو قضيت عمرك في دراسة الفيزياء والكيمياء والفلسفة، فلن تلوم نفسك عادةً، لكن يكفي أن تقرأ صفحة واحدة من كتاب أخلاق، حتى تبدأ في لوم نفسك وتقريعها. "وكأن مواجهة نفسك صعبة عليك" وكأنك لا تستطيع تحمل نفسك. شيئاً فشيئاً تدخل في صراع مع نفسك. عادةً لا يحب البشر مواجهة أنفسهم، والكتب الروحية والأخلاقية تجعل الإنسان يواجه نفسه، ومواجهة النفس ليست بالأمر السهل. أما لو قضيت العمر في قراءة كتب الفلسفة، فلن تواجه نفسك أبداً، وبالتالي لن تصبح عرضة للندم والخجل والحسرة والأسى. هذه الأمور تدفع الإنسان إلى التوجه نحو تعلم العلم والحصول على الدكتوراه في هذا التخصص أو ذاك، بدلاً من تهذيب النفس وما إلى ذلك.
ملكيان: بالضبط. كما قلت، هذه الأمور تلبي المطلوبات الاجتماعية بشكل أكبر. إنها تمنحنا المزيد من القوة والشهرة والثروة والمحبوبية. ونحن بالطبع نرغب في هذه الأشياء، ونرى أننا نحصل عليها بشكل أفضل من خلال أن نصبح أساتذة ولدينا مكاتب وأتباع، بدلاً من أن نختار ديراً أو صومعة ونصبح راهباً أو راهبة وننشغل بمراقبة أنفسنا والتركيز عليها.
ملكيان: مصيبت نامه.
ملكيان: نعم، أوافق على أن الكلام الواحد يُفهم بطرق مختلفة، لكن حسنه أن ظاهره يدركه الجميع، وإن كان عمقه لا يدركه الجميع، لكن سطحه يدركه الجميع. وهذا السطح بحد ذاته، في رأيي، له آثار ونتائج مرغوبة.
ملكيان: نعم، أتفق معك تماماً. لو عبرنا عن ذلك بشكل أكثر تقنية، فإن هؤلاء العرفاء الذين تشير إليهم يتناولون مسائل، حين تُحل في الحياة، يكون لها تأثير ملموس ومحسوس في حياتنا العملية. لنفترض أنك أصبحت أستاذاً بارعاً في بحث العلية في الفلسفة، أو في الجوهر والعرض كذلك. هل ستختلف حياتك العملية الراهنة عن حياتك قبل أن تصبح أستاذاً في هذه المباحث؟ حياتك العملية مع زوجتك وأبنائك والمؤسسة الاقتصادية وأصدقائك وزملائك ومنافسيك وأعدائك... لن تتأثر إطلاقاً بكونك تستطيع التمييز بين العلل المختلفة أو تفكيك أنواع الجوهر.
ملكيان: لا، ليس هذا في كل النقاشات. لنفترض أنك تقول إن لنا جميعاً علاقة علية ومعلولية خاصة مع علة العلل. هذا الأمر يولّد شعوراً بالحاجة والتعلق والارتباط، لكن هذا يوجد في نقاش كهذا، ولكن بالمقابل تذهب إلى تلك العرفانيات، مثل عرفان مولوي الذي يقول:
قیمت هر کاله می دانی که چیست
ألا تعرف قدر نفسك لهو الحماقة بعينها
أن يعرف المرء قيمة كل شيء ولا يعرف قيمة نفسه، وكم تساوي، لهو غاية البلاهة والحماقة. أعتقد أن لهذا أثرًا على حياتي العملية لا تحدثه كل مباحث الجوهر والعرض. لا أريد أن أخطّئ الفلسفة أو أنحّيها جانبًا. غرضي هو أن أقول، في مقارنة بين عرفان خراسان الكبير والفلسفة، إن العرفان أنفع لحياتنا العملية، وإلا فإن للفلسفة وظيفتها الخاصة وشأنها، وهي تلبي حاجات أخرى، وحديثي هنا إنما هو عن حاجات حياتنا الملموسة والمحسوسة.
ملكيان: لنفترض مثلًا أن شمسًا التبريزي يؤكد مرارًا وتكرارًا في «المقالات» على هذا المطلب: ما نفع كل هذا الكلام والبحث في التوحيد؟ أن تناقش باستمرار أن الله واحد بسيط لا جزء له، بينما أنت نفسك ممزق إلى 600 قطعة، وكل قطعة من وجودك تميل إلى جانب من جوانب العالم. اذهب أنت وامنح البساطة لنفسك، وامنح الوحدة لداخلك. إذا كان الله واحدًا بسيطًا لا جزء له، فأي نفع لك في ذلك وأنت ممزق إربًا إربًا؟
أتعرفون معنى هذا الكلام؟ معناه: لنفترض أن الله واحد، ماذا يعنيني أنا؟ ينبغي أن أكون أنا واحدًا. ألا تكون لي هذه الأهواء والميول المغرضة. الميول والأهواء المختلفة والرغبات المتعددة. أي نفع لي من ذلك؟ بدل أن أركز كل هذا التركيز على توحيد الله، ينبغي أن أسعى للتركيز على توحيد نفسي، وأن أمنح نفسي الوحدة، وأن أهبها نوعًا من الأحدية والتفرد. في نظري هذه نقطة مهمة.
أو نقطة أخرى موجودة لدى مولوي وموجودة أيضًا لدى شمس. كلاهما يؤكد أنه ما نفع كل هذا الحديث عن معجزات النبي وعن معراج النبي؟ نحن نفترض أن النبي عُرج به، ماذا يعنيك أنت؟ ينبغي أن تُعرج أنت بنفسك. تروون كل هذه القصص: هل كان المعراج جسمانيًا أم روحانيًا؟ هل كان راكبًا على جبرائيل؟ ومن أي مرحلة قال جبرائيل إنه لا يستطيع أن يرتفع ذرة واحدة وإلا احترق... إلخ. ما نفع هذه الأشياء؟ إذا كنت تريد حقًا أن تكون تابعًا للنبي، فقل لنفسك: النبي عُرج به، وأنا أيضًا ينبغي أن أُعرج، لا أن أنقل قصة المعراج. هذه نقطة مهمة.
ملكيان: نعم، تمامًا. لا تكن كاتب حكايات، بل كن بحيث يكتبون عنك الحكايات. ما نفع أن تكتب وتنقل حكايات الآخرين وقصصهم؟ عش حياتك بحيث يكتبون حكاية حياتك. أنا أسمي هذه الحكمة «حكمة: ماذا يعنيني؟» وهي ما يؤكد عليه شمس ومولوي. أشياء ليست نافعة في مقام العمل، ينبغي ألا تدخل في تلك المباحث، كما أكد مولوي في كليات شمس:
يقولون في سقسين شخص له قوسان
ضاع منه أحدهما، ماذا يعنينا من خسران؟
يقولون إنه في إحدى قرى ما وراء النهر، شخص لا نعرفه أصلًا، كان له قوسان فضاع أحدهما، ما نفع هذه القصة لي؟ لنفترض أني بحثت وعرفت أن هذا الخبر صحيح، ماذا يعنيني؟ وفي هذا الكتاب نفسه يُروى أن شمسًا قالوا لجُحى، الذي كان أحد عقلاء المجانين مثل بهلول، قالوا له إنهم يحملون هدايا وخوانات، فقال: ماذا يعنيني؟ قالوا: لكنهم يحملونها إلى بيتك. فقال: وماذا يعنيك أنت؟
أي ينبغي أن أذهب وراء ما يخصني أنا. إذا كانوا لا يحملون الخوان إلى بيتي، فلا شأن لي بذلك. وإذا كانوا يحملونه إلى بيتي، فلا شأن لك بذلك، وماذا يعنيك أنت؟ اذهب أنت واهتم بشأنك ودبّر حياتك. أنا أسمي هذه «حكمة: ماذا يعنيني؟».
أي أن علينا أن نسعى وراء علومٍ تؤثر فعلاً في حياتنا العملية. فأنت حين تعرف كثيراً من المباحث لا يختلف حالك عمّا كنت عليه حين لم تكن تعرفها. طبعاً على أهل الجامعة أن يفعلوا ذلك، لكن حديثي يدور حول أنه حين يُراد لحياتنا أن تتحسن، فعلينا – بوصفنا بشراً قصدُهم إصلاح أنفسهم وإصلاح مجتمعهم – أن نسعى وراء مسائلَ ذات نفع، كما في الآية القرآنية: "وَلَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"، لماذا تسألون عن أشياء لا نفع لكم فيها؟ هذه حكمة جادّة. أكثر كتب الحكمة هكذا، ولا تنفع البتة. طبعاً لا شك أنك إن أردت أن تصبح ذا مهنة، فعليك أن تتخصص في شغلٍ وفنٍّ وصنعةٍ معينة، ولكي تتخصص عليك أن تتعلم الكتب المتعلقة بذلك الفن وتلك الصنعة وذلك العلم، وهذا مسلّم، لكنني أريد أن أقول إننا بعد أن نتجاوز الشغل، أيَّ أنواع المعرفة ينبغي أن نسعى وراءها في بقية حياتنا؟ ينبغي أن نسعى في بقية حياتنا وراء معارفَ إذا عرفناها أحدثت فينا تغييراً، وإلا فأيُّ نفعٍ في أن نعرف ماذا يجري في مجرةٍ كذا التي تبعد عنا مليارات السنين الضوئية؟ أنا أقول: باستثناء تخصص تقني معين لا مناص لنا من التخصص فيه كي نتولى شغلاً وحرفة، اصرفوا بقية أعماركم في شيءٍ يعود بالنفع على وجودكم.
ملكيان: تماماً
ملكيان: تماماً.
ملكيان: أتناول أولاً هذه النقطة الأخيرة، وهي أنه إذا دار الأمر بين الاختيار بين هذين العارفين، فأنا لأسباب خاصة أشعر بانتماء أكبر إلى عين القضاة، لكن ربما يتعلق هذا أيضاً بخصائص شخصيتي وبجيناتي وتعليمي وتربيتي و... .
أعود الآن إلى سؤالك الأول. كان سؤالك: هل يمكنك حقاً القبول بأن نمطنا النفسي، نحن البشر، أي نمط خلقنا وشخصيتنا، يؤثر حتى في العرفان؟ مثلاً، قد يكون ثلاثة أشخاص محددين عرفاء: أحدهم عارف بعرفان العشق، وآخر عارف بعرفان المعرفة، وثالث عارف بعرفان النور، بل وقد يكون شخص آخر عارفاً بعرفان المجاهدة. تماماً كما في قصة الأختين الواردتين في الإنجيل، أعني مرثا ومريم، حيث كانت إحدى الأختين محدقة بضيفهما السيد المسيح لا ترفع بصرها عنه، بينما كانت الأخت الأخرى تنقل الأغراض في المطبخ وتسعى لإعداد طعام للضيف. إنهما في الواقع تمثلان نوعين من العرفان: عرفان المشاهدة وعرفان المجاهدة. في رأيي، ترتبط هذه الحالات بنمط شخصية العرفاء، وبالتالي لا يمكن بالضرورة تفضيل أحدها على الآخر. ومن محاسن العرفان، على خلاف الفقه، أنه لا يمتلك نزعة توحيدية وجعل الناس نسخاً متطابقة. الفقه فيه نزعة توحيدية تجعل الجميع سواسية. بمعنى أن كل فتى يبلغ سن التكليف، شأنه شأن سائر الفتيان المكلفين، تترتب عليه أحكام خاصة، والأمر نفسه ينطبق على الفتيات. جميع الفتيان والفتيات مكلفون بمراعاة سلسلة واحدة من الأحكام. وواجباتهم على هذا المنوال، وهكذا في سائر الأمور. الفقه في الأساس ذو نظرة توحيدية، أي أنك بمجرد أن تصبح مكلفاً تصير كسائر المكلفين. لكن العرفان ليس كذلك، فهو يسمح لكل شخص بأن يسلك طريقه الخاص. هناك مقولة تمسك بها كثير من العرفاء: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». وهذا يعني وجود نوع من التعددية في العرفان والسير والسلوك العرفاني. هذه التعددية ليست موجودة في الفقه، لا في الفقه اليهودي ولا الإسلامي ولا في المذاهب الفقهية الستة في الهندوسية. عندما تتعامل مع السير والسلوك العرفاني، تظهر التعددية شيئاً فشيئاً، ويقولون: لا ينبغي أن نحكم على الجميع بحكم واحد، ولا ينبغي أن يكون للجميع نمط واحد من السير والسلوك.
ملكيان: بالضبط. أنت في الفقه، بمجرد أن تصبح مكلفاً – ذكراً كنت أم أنثى – تصبح مثل جميع الذكور المكلفين وجميع الإناث المكلفات، بل إنك إذا دققت النظر لوجدت أن الفقه في كثير من أحكامه يجري نوعاً من القاعدة الواحدة حتى بين الرجل والمرأة، وإن لم يكن ذلك في جميع الأحكام طبعاً.
أعتقد أن اهتمام العرفان بكونه لا ينبغي دفع الجميع في طريق واحد، بل ينبغي السماح لكل شخص بأن يقطع الطريق بطريقته وسبيله الخاص، هو ميزة: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ». فلنسمح لكل شخص بأن يعمل على شاكلته، لا أن نبطل مفعول جميع الشواكل ونقول إن على الجميع انتهاج شاكلة واحدة. أعتقد أن هذا تعليم مقبول ووجيه في العرفانات، وليس موجوداً في الفقه.
ملكيان: أقبل ذلك تماماً، لكنني من جهة أخرى أقول شيئاً آخر. أنا آسف للفقه لأنه لا يلتفت إطلاقاً إلى الروحيات، أريد أن أقول إن كلامك صحيح، فالفقه ينظر إلى الظواهر لا البواطن. إنه يهتم بالسلوك لا بذهن الإنسان وضميره ونفسه. في اعتقادي، يلحق الفقه بهذا العمل خسائر فادحة بالمجتمع، لأنه لا يلتفت إلى الفروق، فلا يوجد إنسانان في العالم متطابقان ومتماثلان تماماً، ولذا ينبغي أن نسمح بوجود نوع من التعدد، سواء في ناحية السلوك، أو التجربة الدينية، أو في علاقات العرفاء بغير العرفاء وعموم الناس.
ملكيان: لا شك في ذلك. هذا لا يدل على أن الفقه والعرفان قد صارا شيئاً واحداً، بل يدل على أن الشخص الواحد يمكن أن يكون مصداقاً للفقيه ومصداقاً للعارف، وبالتالي يكون فقهه مؤثراً في عرفانه والعكس صحيح. لكن عموماً، أريد أن أقول إن الفقه نظره إلى الظواهر، والعرفان نظره إلى البواطن.
ملكيان: أنا للأسف لست من أهل السير والسلوك العرفاني، وبطبيعة الحال لا ينبغي أن يُتوقع مني أن تكون قد حدثت لي تجربة خاصة، لكن يمكنني أن أذكر بعض النقاط التي أثرت في روحي ووجهتني نحو المعنوية، غير أن أياً منها ليس من قبيل الحوادث العجيبة أو الخارقة للعادة أو ما وراء علم النفس.
على سبيل المثال، كان والدي يقول لي دائماً: إن الناس في الحياة يتصرفون بحيث إنك عندما تنظر إلى حياتهم ترى أن الشيء الذي ضمنه الله، يتصرفون وكأنهم لا يقبلون بهذا الضمان، وكأنهم لا يقبلون أن الله قد ضمنه، وفي المقابل، الأشياء التي لم يضمنها الله، يظنون أن الله ضامن لها وقد تكفل بها. ثم كان يشرح ذلك. كان يقول: لقد ضمن الله أنه سيرزقنا، وقد تكفل بذلك. لكن الناس يظهرون من الحرص والنهم في كسب المال، ويدخلون في المنافسة، ويضيعون حقوق بعضهم البعض، بحيث يبدو أنهم لا يؤمنون بأن الله قد ضمن الرزق والمعيشة، وكأن الله لم يضمنه وقال لهم: اذهبوا أنتم وابحثوا عن رزقكم. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فهناك شيئان لم يضمنهما: الأول الإيمان، والثاني العمل الصالح. قال إن عليكم أنتم أن تكسبوهما. لكن الناس يتصرفون وكأن الله قد ضمن لهم الإيمان والعمل الصالح، ولا يبذلون أي جهد لهذين الأمرين. وكأن الله قال: إيمانكم عليّ وعملكم الصالح بيدي وأنا أضمنه. لذا فهم يسعون وراء ما هو مضمون، مع أنه لا ينبغي لهم ذلك، ولا يسعون وراء ما ينبغي لهم السعي إليه، مع أنه غير مضمون. كان والدي يقول لي: لا تتصرف هكذا. لست مضطراً للسعي وراء الرزق المضمون، لكن اسعَ وراء الإيمان والعمل الصالح، لأن الله لم يضمنهما.
في عالم الطفولة، وقابلية الإنسان للتأثر، والاحترام الذي يكنه للأب والأم، كان لهذا وقع مؤثر جداً عليّ. لا يعني ذلك أنني أقول إنني بالضرورة عملت به وعشته، لكنني كنت منتبهاً إلى أن على الإنسان أن يلتفت إلى مثل هذه الأمور والقضايا. لقد أوليت هذا الأمر أهمية كبيرة وما زلت. لأن القوة التحويلية لهذا التعليم أكبر بكثير من حادثة خارقة للعادة.
أستطيع أن أذكر أشياء من هذا القبيل. أتذكر أنني في أيام الدراسة الجامعية صادفت هذه الجملة لأندريه جيد: "اجتهد أن تكون العظمة في نظرتك، لا في الشيء الذي تنظر إليه"، حقاً كانت هذه الجملة واحدة من عشر جمل كان لها تأثير كبير عليّ. قد لا أتأثر بها الآن بنفس القدر عندما أنظر إليها وأتأملها، لكنها في ذلك الوقت، حين كنت شاباً في التاسعة عشرة، كان لها تأثير كبير جداً، وتغيرت أشياء كثيرة في نظري. لكن ما كان مدار نظركم، لم أحظ به في حياتي.
ملكيان: نعم، بالضبط، هذه الأشياء التي أشرتم إليها هي الأكثر أهمية.
ملكيان: لقد التقيتُ بهؤلاء الأشخاص، ولو بأعداد قليلة ونادرة، سواء في الجامعة أو في الحوزة العلمية بقم حيث درستُ، وقد أثّروا فيّ. في الجامعة، تأثرتُ كثيراً بالمرحوم الدكتور مهرداد بهار، ابن ملك الشعراء بهار، وبالدكتور عبد الحسين زرين كوب، حيث كانت بعض جملهم أكثر تأثيراً بكثير من التعاليم الجامعية الرسمية. وفي قم أيضاً، كانت بعض الجمل المفردة لبعض الأساتذة مؤثرة للغاية. نقل أحد الأساتذة في قم جملة عن الإمام فخر الرازي، حيث قال فخر الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب"، أو بتعبير آخر تفسيره الكبير، في ذيل تفسير قوله تعالى: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ"، قال فخر الرازي: لو احترقت جميع نسخ القرآن في حادثة ما، ولم يبقَ بين الأوراق إلا هذه الآية المتعلقة بوحدة الإنسان، لكفت هذه الآية لتنبيه الإنسان. إذا شعرتَ بوحدتك بكل كيانك، وأدركتَ أن لا أحد سيتحمل مسؤولية أعمالك، وبالتالي خطوتَ في الطريق الصحيح، فهذا يكفي. حين سمعتُ هذه الجملة آنذاك، كان لها أثر بالغ فيّ. في الواقع، إن عمق إحساسك بالوحدة يمكن أن يكون مُنجياً. هذا مهم جداً برأيي. ثمة أمثلة من هذا القبيل في حياتي تعلمتها من الآخرين.
ملكيان: نعم، هذا صحيح. أعتقد أن أكثر ما يؤثر في حياتنا هو هذه الخلاصات الموجزة التي يعلمنا إياها بعض الأساتذة خارج نظام التدريس، فمثلاً أستاذ يدرّس الرياضيات، وفجأة يرفع رأسه ويقول جملة، وهذه الجملة تترك أثرها. تلك الجملة التي نقلتها: "لا تكن ناقلاً للحكايات، بل كن على نحو تُكتب عنك الحكايات"، هي جملة مُعلّمة ومؤثرة، تقول إنه لا ينبغي أن أكون مجرد ناقل، بل يجب أن أسعى لأبلغ بنفسي مرتبة ما. أن أكون ناقلاً لفلان العابد أو الزاهد أو النبي أو مؤسس فلان مدرسة أو مذهب، فهذا لا يعود عليّ بشيء.
ملكيان: أولاً، يجب أن أُعلن بصدق أنني الآن لا أقبل أي دين تاريخي ومؤسساتي بنسبة 100 بالمئة. أنا أقبل نقاط القوة في كل دين ومذهب، لكن لا يوجد دين أو مذهب لا توجد فيه نقطة ضعف إلا وقد رفضتها. لذلك، فأنا الآن لا أقبل أي دين أو مذهب من أوله إلى آخره. لكن مع ذلك، إذا سألني أحد: من بين التراث الثقافي المتبقي في العالم الإسلامي، بعد القرآن، أعتقد أن نهج البلاغة للإمام علي وبعض أدعية الصحيفة السجادية لا تزال، بقدر كبير، أكثر قيمة مما تبقى في تراثنا. أجزاء كبيرة من نهج البلاغة وأجزاء محددة من الصحيفة السجادية تتمتع بسمو عالٍ، وتؤدي إلى سمو البشر أيضاً، وهي مفيدة وقيمة بالنسبة لي، ولا يزال ترتيلها وتلاوتها وإلقاؤها ملهماً. مثلاً، ورد في الصحيفة السجادية: لَسْنَا نَتَّكِلُ فِي النَّجَاةِ مِنْ عِقَابِكَ عَلَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِفَضْلِكَ عَلَيْنَا.
هذا لا يزال يهزني بعمق. إنه يحرق جذور كل عُجب وتكبر وطغيان واختيال. لا يكن اتكالك على عملك، بل على الكل المطلق الذي هو الله، لا على شيء بالغ الصغر هو أنا. الثقة بالكل في مقابل ثقة غير عاقلة بالجزء. هذا قيّم للغاية. وفي نهج البلاغة ما شاء الله من هذه القطع. مثل تلك الجملة المعروفة، وإن كنت لا أريد أن أطيل عليكم: أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإِبِلِ لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلًا: لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَسْتَحْيِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ، وَلَا يَسْتَحْيِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا خَيْرَ فِي صَبْرٍ لَا رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا فِي الْإِيمَانِ لَا صَبْرَ مَعَهُ.
هذه الجمل الخمس ذات معنى بالنسبة لي، ولا تزال تثير دهشتي الشديدة، فهي أركان خمسة لسعادة الإنسان. يقول أولاً: لو سافرت طوال عمرك وضربت كعبي قدميك حول الجمل حتى تحصل على هذه الجمل الخمس لاستحق الأمر ذلك. ثم يقول: لا يمكن الرجاء في أي شيء إلا الله – وأنا الآن أترجمها هكذا: لا يمكن الرجاء في أي شيء إلا في الوجود الكلي؛ فإذا علّقت رجاءك على أي جزء من أجزاء العالم، كان رجاؤك عدماً، ولا يمكن الرجاء إلا في الوجود الكلي.
ثم يقول: لا ينبغي أن تخاف من أي شيء إلا من عملك غير الصائب. لا شيء ولا أي عامل يمكنه أن يشقيني سوى عملي غير الصائب. ثم يقول: إذا كنت تجهل شيئاً فلا تخجل أبداً، واذهب واسأل حتى تعلم. ثم يقول: إذا سألك شخص سؤالاً ولم تعرف جوابه، فلا تخجل من قولك لا أعرف الجواب، وقل لا أعرف. اثبت في طريقك، ولا يمكنك بلوغ الأهداف الشريفة بسهولة، وكما قال سبينوزا: لم يُنل شيء شريف بسهولة، وإذا أردت شيئاً شريفاً فعليك بالصبر والثبات. هذه الجمل، لو قالها أي شخص لانتفعت بها واستفدت.
ملكيان: كلا، لا أقبل أنهما في ذروة النورانية. عندما أقرأ كتاب "الاقتداء بالمسيح" لتوما الكمبيسي، أو "اعترافات" أوغسطين، أو "سياحة الحاج" لجون بنيان، أو "الفردوس المفقود"، أرى فيها أيضاً أشياء، ولا أعتقد إطلاقاً أن نهج البلاغة والصحيفة السجادية في الذروة. أنا لا أقبل مطلقاً النظرة الطائفية الإقصائية إلى حد ما. أنا أتعلم من كتاب الاقتداء بالمسيح بقدر ما أتعلم من نهج البلاغة.
ملكيان: بالضبط. أين "تبت يدا" من "يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي"؟ حتى القرآن نفسه كذلك. "تبت يدا" شتيمة. أين هذه من "يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي"؟ حتى القرآن نفسه ليست كل آياته في مرتبة واحدة، فما بالك بما نُقل عن العظماء. أنت لو قرأت كتاب الداو ده جينغ، ولو قرأت كتاب ذمه پده لبوذا، لوجدت فيه مقاطع في ذروة السطوع.
ملكيان: أنا شخصياً أعتقد أن العرفان الإسلامي عموماً، وعرفان خراسان الكبرى خصوصاً، قد تأثر بشدة بالأديان الشرقية، وفي هذا السياق تبرز الهندوسية والبوذية والطاوية كأكثرها تأثيراً ووضوحاً. وتلاحظون أيضاً أن خراسان الكبرى كانت قائمة قبل الإسلام، بل إن قسماً من أهلها كانوا بوذيين قبل أن يصبحوا مسلمين. بلخ، مسقط رأس مولوي، هي أيضاً مسقط رأس بوذا، مع فارق زمني شاسع بالطبع، وهما من نفس المدينة. أنا شخصياً أعتقد أن عرفان خراسان الكبرى متأثر جداً بهذه الديانات الشرقية الثلاث، وأكثرها تأثيراً هي البوذية. لكنه متأثر أيضاً بالهندوسية والطاوية. والآن، لو سأل سائل: هل كان تأثير هذه الديانات الثلاث أكبر، أم تأثير القرآن والروايات؟ إن أردت الصدق، أقول إن تأثير تلك الديانات الثلاث كان أكبر بكثير من القرآن. أعلم أن كثيرين يعارضونني، لكن هذا رأيي شخصياً. عندما أتعامل مع مولانا، أراه أقرب إلى البوذية والهندوسية والطاوية منه إلى القرآن والروايات النبوية. لا أريد أن أقول إطلاقاً إن مولانا كان ملتفتاً إلى هذه النقطة وسلك هذا الطريق عن وعي، كلا وأبداً. لكنني عندما أنظر كمراقب، أرى أن الفناء في الله والبقاء بالله الذي يقوله العرفاء، هو أقرب كثيراً إلى النيرفانا منه إلى "إنا لله وإنا إليه راجعون". "إنا لله وإنا إليه راجعون" ليست فناء في الله وبقاء بالله إطلاقاً. دعوني أضرب مثلاً آخر. وحدة الوجود التي يقول بها العرفاء، من بين جميع آيات القرآن، باستثناء 12 أو 13 آية، لا يظهر الله في أي منها بوصف وحدة الوجود. لدينا 6600 آية، في جميعها الله متشخص ومؤنسن، فقط في 12 أو 13 آية يظهر الله بوصف وحدة الوجود. هذه الهيمنة لإله وحدة الوجود والعرفان هي، في رأيي، تحت تأثير الهندوسية، لا الهندوسية الوثنية مثل رامانوجا، بل الهندوسية التوحيدية مثل شنكرة، والبوذية. ولهذا السبب، أعتبر تأثير تلك الديانات الثلاث أعلى بمراتب من تأثير الإسلام نفسه (أي القرآن والأحاديث النبوية).
ملكيان: أود أن أقول شيئين: أولاً، "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك"، تفترضون بداية أن هذا الكلام صادر قطعاً عن إمام شيعي، وأنا أشك في ذلك كثيراً. إن أدبيات هذا الدعاء ليست أدبيات يمكن أن تكون قد صدرت عن أئمة الشيعة في القرن الأول الهجري. هذه أدبيات صيغت في قرون لاحقة. أنا لا أقبل إطلاقاً أن تُنسب هذه المناجاة المسماة شعبانية إلى الأئمة الشيعة كالإمام الحسن والإمام الحسين في القرن الأول، كما نقول "ماذا وجد من فقدك، وبماذا فقد من وجدك".
ملكيان: نعم، نعم.
ملكيان: هذا أيضاً، في رأيي، حديث نسبه متصوفتنا إلى النبي ولا يمتلك أي سند معتبر. قرب النوافل وقرب الفرائض... لم يُنقل أي منها عن النبي وليس لدينا سند. والآن، بغض النظر عن كل هذا. لنفترض أن "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك"، هل تعني النيرفانا أو الفناء والبقاء في الله وبالله؟ كلا وأبداً، هذه العبارة تقول فقط: لتكن تعلقاتي الباطنية متجهة إليك وحدك، ولا تتجه إلى أي موجود سواك. "اللهم اجعل همنا هماً واحداً"، هو مثل هذا تماماً، أي: يا رب، افعل شيئاً يجعلني لا أحب من بين موجودات العالم إلا أنت. ليكن عشقي متجهاً إليك وحدك، وكن أنت معشوقي الوحيد، ولا تكن بقية الموجودات معشوقة لي. من هذه الأمور لا ينتج الفناء في الله والبقاء بالله.
ملكيان: هذا بالضبط ما تفضلتم به في كتاب "القرآن في الإسلام" حيث يقوله العلامة في مستهل الكتاب، ثم يضيف أن هذا التوحيد هو توحيد عارٍ، لكنه في القرآن ليس بهذا القدر من العري.
ملكيان: أنا أقول إن ما يرد في هذا الكتاب وفي المثنوي المعنوي، ومن بعده في كتاب كليات شمس التبريزي والغزليات، ثم في فيه ما فيه، لا يمكن استمداد قالبه من الكتاب والسنة. مقصدي من الإسلام هو الكتاب والسنة النبوية. لو اقتصرنا على القرآن والسنة النبوية، فإن هذه المفاهيم ليست موجودة فيهما.
بكل صدق أود أن أسألكم: هل يمكنكم أن تقبلوا أن النظرة القرآنية للعالم قائمة على العشق؟ النظرة القرآنية للعالم قائمة على الإيمان والشكر. القرآن يعد الإيمان أمَّ الفضائل، ويعد الكفر والكفران أمَّ الرذائل.
لكن ماذا ترون عند مولانا؟ لا ترون عند مولانا إلا العشق. اذهبوا إلى آثار مولانا وتتبعوا بحث الإيمان. كم أولى مولانا أهمية للإيمان؟ سواء بحثتم عن لفظ الإيمان أم عن مفهوم الإيمان. اذهبوا وانظروا ما وزن الإيمان في مقابل العشق في آثار مولانا. اذهبوا وانظروا ما وزن الإيمان في مقابل الحاجة في آثار شمس. ما يفعله مولانا بـ "العشق" يفعله شمس بـ "الحاجة". الحاجة هي جذر النظرة إلى العالم عند شمس، والعشق هو جذر النظرة إلى العالم عند مولانا. هل الأمر كذلك في القرآن؟ أنتم تجدون في القرآن: "والذين آمنوا أشد حباً لله" و "يحبهم ويحبونه". أين هذا من ذلك التكرار للعشق عند مولانا. ومن جهة أخرى تكرار الإيمان في القرآن. العشق مفهوم بالغ الأهمية، لكن لا يوجد شيء كهذا في القرآن.
ملكيان: نعم، هم يدّعون ذلك، لكن برأيي أنهم حين أرادوا أن يستخرجوا من باطن القرآن والأحاديث مطالبَ توصلوا إليها من أماكن أخرى، كانوا يدوسون بأقدامهم كل أصول التفسير. لقد قلت مراراً: حين يقول ابن عربي عن قوم نوح الوارد في القرآن "أغرقوا"، فالقرآن يقول: "مما خطيئاتهم أغرقوا" أي أغرقناهم بسبب خطاياهم، لكن ابن عربي يقول لا ينبغي أن تؤخذ "خطيئات" بمعنى الخطايا، بل يجب أن تؤخذ من "خطوة" أي الخطوة، بمعنى أنهم أغرقوا بسبب خطواتهم لا بسبب ذنوبهم. يقول ابن عربي: أغرقوا في بحار رحمة الله. أغرقوا في بحار الرحمة الإلهية. هل حقاً برأيكم، كإنسان منصف، يمكن من آية تقول "أغرقناهم بسبب ذنوبهم" أن نستنتج أنهم "بسبب خطواتهم... يقاطع المحاور الحديث.
ملكيان: إن كان قصدكم أن في تعاليم الأديان العالمية وأقوالها وجوهاً مشتركة، فأقول نعم، هي موجودة. أما إن أردنا، بتعبيركم، القول إن جميع الأديان تمتلك وحدة أو وحدة متعالية؟ كما يقول التقليديون بوجود وحدة متعالية بين الأديان. فهذه نقطة أخرى. أنا أشك في كلا الأمرين. أولاً، أُقر بأن للأديان وجوهاً مشتركة، فمثلاً تؤمن جميع الأديان بأن الحياة لا تقتصر على هذه الحياة الدنيا، وأن العالم لا ينحصر في عالم الطبيعة. لا شك أن لها وجوهاً مشتركة، لكن البعض يعتقد أن للأديان جميعاً رسالة واحدة، ومن هنا استنتجوا الوحدة المتعالية للأديان. أنا لا أستطيع قبول هذا مطلقاً. لا يمكنني القبول بأن جميع الأديان تقول الكلام نفسه بالضبط. كونها تتداخل فيما بينها ولها قواسم مشتركة، هذا ما أقبله تماماً، أما أنها جميعاً تقول كلاماً واحداً ولكن بلغات مختلفة وألبسة مختلفة، فهذا لا أقبله. لأنني لم أر دليلاً قاطعاً على أن رسالة جميع الأديان واحدة.
قد تقولون أمراً ثانياً وهو أن عرفاء الأديان والمذاهب المختلفة يلقون تلك الرسالة المشتركة، فأقول أنا لم أقبل بعد بتلك الرسالة المشتركة حتى أقول بعدها إن مختلف العرفاء يلقون تلك الرسالة المشتركة. أنا لا أقبل ولا أستطيع أن أُسلّم بأن البوذية، التي لا تقول بوجود إله مشخص، تقول الكلام نفسه الذي تقوله الأديان الإبراهيمية. الأديان الإبراهيمية –اليهودية والمسيحية والإسلام– تقبل بشدة بإله أنثروبومورفي مشخص، أما البوذية فتنكر مطلقاً الإله المشخص. هل هناك ما هو أهم من هذا؟ كيف تقولون إن الأديان تقول كلاماً واحداً؟
وبالمثل، حين تقول الأديان الإبراهيمية بالمعاد، خصوصاً المسيحية والإسلام –مع وجود شكوك وشبهات بالطبع في معاد اليهودية– بغض النظر عن كون المعاد جسمانياً أو روحانياً أو روحانياً وجسمانياً معاً، فأي سنخية بين هذا المعاد والتناسخ؟ أنتم تقولون إن كل هذه تقول شيئاً واحداً وهو أن ثمة حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا. أقول نعم، "وجود حياة بعد الموت" بصورة المعاد يختلف كثيراً عن "وجود حياة بعد الموت" بصورة التناسخ.
ملكيان: بينهما فرق كبير جداً. أحدهم يقول إنك تذهب لكي لا تعود (المعاد)، والآخر يقول إنك تذهب وتعود باستمرار. حسناً، ما دام إلههم هكذا وإله هؤلاء هكذا، وحياتهم بعد الموت هكذا، فكيف تقولون إن الجميع يقولون كلاماً مشتركاً؟ إن قلتم إن هناك مكونات مشتركة أيضاً، فأنا أقبل، لكنني لا أقبل الوحدة المتعالية للأديان التي يطرحها أشخاص مثل فريتيوف شوان وسيد حسين نصر.
ملكيان: حتى لو كان الحق مع إيزوتسو، فإن هذا النقاش لا ينتج عنه أيضاً. قلنا: هل للأديان رسالة مشتركة أم لا؟ وليس: هل تأثر العرفان الإسلامي بالطاوية أم لا؟ نعم، هو متأثر بالطاوية. وقد قلت بنفسي إنه تأثر بالبوذية والهندوسية أيضاً. كان النقاش حول الأديان لا حول عرفان الأديان. هل للأديان العالمية رسالة واحدة أم لا؟ وهو ما أنفيه.
ملكيان: حتماً. إن قلتم العرفانات، فأعتقد أن للعرفانات العالمية وجوهاً مشتركة جدية، لكن هذه الوجوه المشتركة ليست في الأديان العالمية. حين تنتقلون من الأديان الإبراهيمية نحو الأديان الشرقية، ترون أن كل شيء يتغير.
ملكيان: إذا تصوّرنا الأديان العالمية كأشخاص يسيرون نحو قمة جبل، فإنهم على سطح الأرض متباعدون جداً عن بعضهم البعض، لكن كلما صعدوا الجبل تضاءلت المسافات بينهم. أنا أقول إن الأديان في ناحية الفقه متباعدة جداً، وكأن الفقه هو أكثرها أرضية، ثم يأتي علم الكلام في الأديان فتقل المسافة بينها، ثم الأخلاق؛ حيث الأديان في هذا المجال أكثر تقارباً، وعندما نبلغ القمة التي هي جوهر الأديان والتجربة الدينية الوحيانية، تصير المسافة أقل بكثير.
ملكيان: أولاً، لديكم افتراض مسبق بأن الإنسان يبلغ السعادة عبر الأديان. حسناً، إن لم أرد رفض هذا الافتراض المسبق، لكنه على كل حال أول الكلام ويجب أن نبحث فيما إذا كان طريق سعادتنا هو أن نتدين بدين ومذهب أم لا. لا أستطيع قبول هذا ببساطة، أي أن يكون المرء حتماً متديناً بدين ومذهب مستقر وتاريخي. لكن لنفترض الآن أنه يجب علينا للسعادة أن نعتنق أحد الأديان. هل بين الأديان دين واحد فقط هو الحق والباقي باطلة؟ أقول لا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق. إذن ما رأي ملكيان؟ أقول إن الحق والباطل موجودان معاً في جميع الأديان. الكثير من تعاليم جميع الأديان غير مقبولة، وبالطبع الكثير من التعاليم مقبولة أيضاً. إذن، إذا قلتم إن جميعها حق فلا أوافق، لأن فيها حقاً وباطلاً معاً، وإذا قلتم إن ديناً واحداً فقط هو الحق والباقي باطلة، فهذا أيضاً لا أوافق عليه. برأيي جميع الأديان مزيج من الحق والباطل.
ملكيان: نعم. لا أعرف ديناً لم تمسسه يد البشر. إن كان هناك شيء لم تتدخل فيه يد البشر، فهو لم يصل إلينا، وجميعها مزيج من الحق والباطل. لا أستطيع أن أقبل أن ديناً واحداً فقط هو الحق، كما لا أقبل أن تكون جميع الأديان حقاً. لكن هناك أمراً ثالثاً يمكنني قبوله. إذا كان لا بد أن نتدين بدين، فهل جميع الأديان على درجة واحدة من العمق أم أنها تختلف؟ أعتقد أن الأعماق تختلف، ولدينا أديان أعمق وأديان أكثر سطحية. وقصدي من الأديان التاريخية هي: اليهودية، المسيحية، الإسلام، الزرادشتية، الهندوسية، البوذية، الطاوية، الكونفوشيوسية، الشنتو، وهذه لها أعماق مختلفة.
ملكيان: أعتقد أن مولانا ليس حصرياً ولا تعددياً، بل هو شمولي. إنه يعتقد أن الأديان ليست جميعها على درجة واحدة من الحقانية، ولا أن ديناً واحداً فقط هو الحق. ماذا يعني هذا؟ يعني أنه يقول إن الإسلام حق، لكن سائر الأديان تمتلك حقاً أيضاً، وكل حق موجود في الأديان الأخرى، فإن تلك الحقوق موجودة في الإسلام أيضاً، لكننا في الإسلام نمتلك الحق بصورة أزيد [وأوفر][1]، ولذلك فالإسلام يشمل كل حقائق الأديان الأخرى أيضاً، الإسلام يشمل كل حق في أي دين كان، وهناك حقوق أوفر في الدين الإسلامي لا توجد هذه الحقوق الأوفر في بقية الأديان.
ملكيان: اسم أحمد، هو اسم جميع الأنبياء/ إذ جاء المئة، فالتسعون حاضرة لدينا؛ إذا قبلت أحمد، فقد قبلت جميع الأنبياء، لكنه لم يقل إنك إذا قبلت بقية الأنبياء، فأنت تقبل أحمد. إذا قبلت أحمد، فإن التسعين والثمانين والسبعين في متناول يدك. رأي مولانا هو نوع من الشمولية. الإسلام حق، والأديان الأخرى حق أيضاً، ولكن بقدر ما تشابه الإسلام، فإنها تنال من الحقانية، وهناك حقائق في الإسلام ليست في الأديان الأخرى، والإسلام يمتلك هذه الحقوق زيادة. لأن أحمد هو المئة، والبقية ليسوا المئة.
ملكيان: في نظر مولانا، نعم. لأن الإسلام حق بالكامل. والأديان الأخرى، بقدر ما تقترب من الإسلام، تنال من الحقانية.
ملكيان: حسناً، أنت تريد أن تقول ما هي التعددية في النجاة؟ أنا أعتقد أن مولانا يقول بالتعددية في النجاة. أتباع كل دين ومذهب، إذا التزموا حقاً بدينهم ومذهبهم نظرياً وعملياً، فهم أهل نجاة. أنا أفصل دائماً بين تعددية النجاة وتعددية الحقانية. مولانا يقول بالشمولية في الحقانية، لكنه يقول بالتعددية في النجاة.
ملكيان: أولاً، أنا لا أعتبر سعدي وحافظ عارفين. لذا فأنا أعتبر مجموع آثارهم خارجاً عن العرفان. لست أعتقد أن كل من استخدم مصطلحاً عرفانياً في آثاره، يكون عارفاً. عندما نقول العارفون، فإننا نعني مولانا، وشمس التبريزي، وعين القضاة الهمداني، وعطار النيسابوري... إلخ. ثانياً، لقد قلتم هل يمكننا حقاً أن نكتشف، من آثار أشخاص مثل سعدي وحافظ –سواء اعتبرناهم عارفين أم لم نعتبرهم- وهو أمر لا فرق فيه، المشاعر والعواطف التي كانت لديهم. أقول نعم، ولكن ليس من الضروري أن نعتبر تقييمهم للمشاعر والعواطف متساوياً. مثلاً، انظر، بقدر ما يتم التركيز على الأمل في آثار سعدي، فهو ليس موضع تأكيد لدى حافظ. المشاعر والعواطف كلاهما مهم، وكلاهما لديه تقييم إيجابي للأمل، لكن سعدي يركز أكثر على الأمل. بالتدقيق في الآثار والميراث المتبقي من هؤلاء المفكرين –عارفين كانوا أم غير عارفين- يمكننا مقارنة تقييماتهم للمشاعر والعواطف، لكن هذه المقارنة لا تقربهم، بل تؤدي في أحيان كثيرة إلى تباعد.
ملكيان: في رأيي أن العامل الأهم في تركيز العرفاء على العشق هو أنه ما دام الإنسان يرى نفسه مجرد أناه (ego)، وما دام معتقداً بأنانيته، فإنه لا يستطيع أن يحيا حياة طيبة ولا حياة سعيدة. يقول هؤلاء إن الخير والسعادة لي يكمنان في الخروج من هذه الأناه. من السياج الذي أقمته حول نفسي وقلت إن هذا هو مصطفى. ينبغي أن أخرج من هذا السياج. أمّ مشكلاتنا هي أن نعتبر أنفسنا أناه ونسعى للدفاع عن هذه الأناه. أجلب كل نقص إلى هذه الأناه وأدفع عنها كل ضرر. لذلك يعتقدون أن السبيل الوحيد للسعادة هو التحرر من قيود الأناه. ما الذي يمكنه أن يحررنا من قيود الأناه؟ في نظرهم لا شيء إلا العشق. لا شيء غير العشق يمكنه أن يمنحك نسيان الذات والتفكير في الكل. يقولون إن المرء ما إن يعشق حتى يخطو لأول مرة خارج ذاته، وبدلاً من أن ينظر إلى نفسه باستمرار، ينظر إلى غير نفسه. يقول مولانا إن العشاق المجازية والدنيوية أيضاً تهدينا إلى العشق الحقيقي. ولهذا السبب حتى في العشق الشهواني (erotic) تتضاءل أنانيتك إلى حد ما، وكلما تضاءلت الأنانية وازداد توجيه البصر إلى خارج الذات بدلاً من التحديق فيها، كان حال المرء أفضل في نظر هؤلاء العرفاء. من هذا المنطلق يقولون إن الإكسير الأعظم والكبريت الأحمر للإنسان هو العشق. العشق يحول نحاس الإنسان إلى ذهب. لأنني ما لم أكن عاشقاً، أعتبر نفسي أناي ولا أفكر إلا في حفظ مصالح الأناه. وإذا عشقت تزول هذه الأناه وأتوجه إلى الآخر، ومن وجهة نظر مولانا فإن العشق، سواء كان دنيوياً أو أخروياً، يهدي في النهاية إلى ذلك الشاه.
هر كه را سينه زعشقي چاك شد
او زعيب و نقص كلي پاك شد
ملكيان: في رأيي هو واقعي لكنه صعب. ما دمت لا أشعر بالاتحاد مع الكل، وأرسم دائرة حول قطعة من الكون وأقول هذا هو مصطفى؛ فأنا أقف في مواجهة بقية العالم، ومصالح هذا المصطفى ليست بالضرورة مصالح العالم، ومضاره ليست مضار هذا العالم. عندما أتوحد مع العالم، حينها سأحظى بحياة أفضل. لكن إن قلتم إن بلوغ هذه الحال صعب. أي أنه من الصعب أن أحطم هذا الجدار وأشعر بالاتحاد مع العالم، فأنا أقول نعم إنه صعب.
ملكيان: أدبنا مفعم بهذا الحديث عن العشق، لكن حافظ قال:
از صداي سخن عشق نديدم خوشتر
يادگاري كه در اين گنبد دوار بماند
ويقول سعدي:
عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست
به جهان خرم از آنم كه جهان خرم از اوست
أنا بالطبع لا أعتبر هذين الشخصين عارفين، وقد قرأت هذين البيتين عنهما. أما إذا دخلنا في حديث مولانا ففيه مما لا يحصى من هذه المضامين. أعتقد أن بيت حافظ ذاك هو ذروة ما أراد العرفاء قوله، وقد نطق به حافظ غير العارف.
.
.
[1] . جمله داخل [ ] را نگارنده درج كرده است.
.
.
.
.
الاستماع على أنكور | كاست بوكس
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
به عنوان یک دانشجوی فلسفه و مسافر راه حقیقت، اگر بخواهم تعبد نسبت به استاد ملکیان نداشته باشم، باید بگویم با ایشان درباره وحدت متعالی ادیان، همداستان نیستم دیدگاه وحدت متعالی ادیان را هم البته باید بازاندیشی کرد و مورد حک و اصلاح قرار داد، اما بدون یک مبنا واحد و متعالی، نه عقلانیت امکان پذیر است و نه معنویت، معنای محصلی دارد تنها و تنها در سایه حقیقت استعلایی است که امکان نظر ورزیدن و عمل کردن و حتی گفتگو کردن و انتقاد کردن مهیا میشود. و دقیقا همین حقیقت استعلایی به خمیرمایه و جوهر دیدگاه وحدت متعالی ادیان اشاره میکند. بله، چه بسا فناء فی الله و بقاء بالله و انا لله و انا الیه راجعون، مساوی و یکسان نباشند و هم چنین معاد و تناسخ، مساوی و یکسان نباشند، اما این رویکردها و رهیافتها به (افق واحد و متعالی) اشاره میکنند. و دیگر آنکه، من به این نتیجه رسیدهام این (تمایز آهنین و رادیکالی) که استاد ملکیان میان خدای متشخص و خدای نامتشخص میگذارد گاهی وقتها خیلی تصنعی و شبیه دوقطبیهای ایدئولوژی اندیشان میشود. به نظر من، برخلاف اعتقاد استاد ملکیان، صحبتهای محیی الدین ابن عربی درباره هماهنگی و جمع الوهیت نامتشخص و متشخص بصیرت بخش است.
جناب هراتی بزرگوار ... همانطور که فرمودی چون در اول راه هستید آرزوهای بالا بلند و آمال دست نایافتنی دارید . هم با جناب دکتر هم داستان ! نیستید ؛ هم قصد بازاندیشی دیدگاه وحدت متعالی ادیان را دارید . تمام اینها را بگذارید در کنار اینکه به فرمایش خودتان رهروی تازه دارید . پس عقل حکم میکند : به می سجاده رنگین کن گرت پیر مغان گوید /// که سالک بیخبر نبود و راه و رسم منزلها .... موفق باشید انشالله
مصاحبه دقیق و خوبی بود سوالهای مرتبط و پرهیز از اظهار فضل توسط مجری