اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينظر محسن رناني إلى «العيد» بعين الاقتصادي، فيراه سلعةً عامةً وثنائية يمكن إنتاجها وتكثيرها ليكون العيد في كل لحظة. ووصفته لذلك أن نأخذ من الحياة قدر الحاجة، وأن ننأى بأنفسنا عن التنافس في حياتنا الفردية.

هل يمكن تكثير العيد؟ هل يمكن أن نفعل شيئاً بحيث لا نحتفل بالعيد مرة أو مرتين فقط في السنة؟ بل مرة في الشهر، أو مرة في الأسبوع، أو كل يوم نحتفل بالعيد. بل حتى أبعد من ذلك، هل يمكن أن نفعل شيئاً بحيث تكون كل لحظة من لحظاتنا عيداً؟
يبدأ الدكتور محسن رنانی بالنظر إلى العيد من منظور اقتصادي كسلعة، ويفحص هل يمكن «إنتاج العيد واستهلاكه بشكل جماعي؟ وفي الاستمرار يتطرق إلى تبيين مفهوم الإنتروبيا في نظرية الأنظمة، ويوضح معنى مكانة العيد وأهميته.
يعتبر رنانی الخطوة الأولى لخلق العيد هي الاستفادة بالقدر الضروري من كل شيء، والخطوة الثانية تكمن في الانتباه إلى أنه كما أن مفهوم «المنافسة» في المجتمع فضيلة، فإنها في الحياة الفردية «رذيلة».
على أعتاب عيد النوروز، ونريد أن نسعى معاً كأصدقاء طلاب في البحث عن إجابة لهذا السؤال: إذا كان «العيد» خيراً فهل يمكن تكثيره؟ هل يمكن أن نفعل شيئاً بحيث لا نحتفل بالعيد مرة أو مرتين فقط في السنة، بل مرة في الشهر، أو مرة في الأسبوع، أو كل يوم نحتفل بالعيد. وحتى أبعد من ذلك، هل يمكن أن نفعل شيئاً بحيث تكون كل لحظة عيداً لنا؟ لماذا يجب أن ننتظر سنة كاملة ثم نحتفل بالعيد؟ ألا يمكن أن يكون لدينا مصنع لتصنيع العيد بحيث ينتج الأعياد بشكل جماعي وكلما أردنا احتفلنا بالعيد؟ أعرف أنك تشعر بأن السؤال فكاهي. ربما تتساءل: «هل العيد مثل الجبن حتى ننتجه ونستهلكه بشكل جماعي؟» لذلك سأسعى إلى أن أوسع أفق السؤال لك وأعطيك في حدود طاقتي إجابة واضحة عليه.
أنت طالب اقتصاد وأنت على دراية بمفاهيم مثل الإنتاج والتكلفة والسلعة الخاصة والسلعة العامة وما شابه ذلك. كما أن علم الاقتصاد يعلمك أن جميع الناس يسعون إلى تعظيم منافعهم. الشركات تسعى إلى تعظيم أرباحها والأسر أيضاً تسعى إلى تعظيم استهلاكها ورفاهيتها والأفراد يسعون إلى زيادة كفايتهم أو لذتهم إلى الحد الأقصى. بالنسبة للأصدقاء الذين قد لا يكونون على دراية، سأشرح. السلعة الخاصة هي سلعة عندما يستهلكها شخص واحد، لا يستطيع الآخرون استهلاكها في نفس الوقت. على سبيل المثال، الشوكولاتة هي سلعة خاصة، أي عندما يأكلها شخص واحد، لا يستطيع الآخرون أكل نفس الشوكولاتة. هنا الخصوصية لا تتعلق بالملكية، بل الخصوصية تعني أن هذه السلعة يمكن تخصيصها لفرد معين ويمكن منع الآخرين من استخدام هذه السلعة. عندما نخصص هذه الشوكولاتة لشخص معين، فإننا نمنع الآخرين من استخدامها. لكن السلعة العامة هي سلعة يمكن للجميع استهلاكها في نفس الوقت. على سبيل المثال، عندما يتم بث فيلم على التلفاز، يمكن للجميع مشاهدته في نفس الوقت دون أن تمنع مشاهدتي للفيلم مشاهدتك له. وبالمثل، عندما يعزف عازف قطعة موسيقية، يمكننا جميعاً الاستفادة منها في نفس الوقت. أو عندما يتم إنتاج الأمان، يستفيد منه الجميع، أي لا يمكننا القول بأن أفراداً معينين فقط يستفيدون من الأمان. إذن عرض فيلم أو عزف موسيقى في مكان عام أو إنتاج الأمان من نوع السلع العامة التي عندما يتم إنتاجها يستفيد منها الجميع. الآن نقول إن «العيد» هو أيضاً سلعة عامة. بالطبع، في الاقتصاد، نعطي عنوان «سلعة» لكل نوع من السلع المادية أو الخدمات التي يتم إنتاجها. من وجهة نظر اقتصادية، إنتاج الخدمات التعليمية أو الصحية، مثل خدمات الأطباء أو الممرضات، يعتبر إنتاج سلع، وإنتاج المشروبات الغازية يعتبر أيضاً إنتاج سلع. كلمة «سلعة» في علم الاقتصاد هي ترجمة الكلمة الإنجليزية «goods» وتنطبق على أي نوع من الخدمات أو السلع المادية التي يكون الناس مستعدين لدفع ثمن الحصول عليها. في الواقع، أي شيء يعطينا لذة أو رفاهية أو كفاية، أو يمكننا من خلاله إنتاج سلعة أخرى (مثل المواد الخام)، هو سلعة. بما أن الناس مستعدون لدفع المال للحصول على سلع مادية أو خدمات تعطيهم لذة أو تلبي حاجة لديهم، فإننا نقول إن أي شيء يكون الناس مستعدين لدفع ثمنه أو يكون له سعر، يعتبر سلعة. وبهذا الحساب، «العيد» هو سلعة عامة. أي أنه يعطي الناس لذة والناس مستعدون لدفع المال من أجله، وعندما يتم إنتاجه (يصبح عيداً) يستفيد منه الجميع. لكن يجب إضافة نقطة أخرى. السلع بشكل أساسي تنقسم إلى ثلاث فئات. فئة واحدة منها ينتجها المنتج فقط بقصد كسب الدخل لكنه لا يستمتع بإنتاجها. على سبيل المثال، عامل البناء عادة لا يستمتع بالخدمات التي يقدمها والمشقة التي يتحملها، فهو يفعل ذلك فقط لكسب دخل لأنه إذا لم يحصل على راتب فسيتوقف عن العمل. قطاع كبير من المهن من هذا النوع. ندعو هذه السلع التي تنتج فقط للسوق - سنسميها في الوقت الراهن «السلع الخارجية». الفئة الثانية من السلع أو الخدمات هي التي لا يوجد لها عملاء وفقط المنتج نفسه يستمتع بإنتاجها واستهلاكها. على سبيل المثال، افترض أن شخصاً يخطط ويتمرن لفترة طويلة ويتحمل صعوبات كثيرة لتقليل وزنه، فهو يقوم بهذه الجهود والخدمات فقط لاستهلاكه الخاص ولذته، ولا أحد مستعد لدفع أموال له مقابل ذلك. أو شخص يقرأ رواية، هذا العمل بالنسبة له هو فقط خدمة يقدمها لنفسه ولذة ينتجها فقط لاستهلاكه الخاص. ندعو هذه السلع «داخلية». لكن الفئة الثالثة من السلع هي التي يستمتع المنتج نفسه بإنتاجها والآخرون يحبونها ومستعدون لدفع المال مقابلها. على سبيل المثال، عازف يعزف برنامجاً موسيقياً في قاعة حفلات، بالإضافة إلى أنه ينتج خدمة للآخرين ويبيعها لهم، فهو نفسه يستفيد من إنتاجه ويستمتع به. وكذلك الحال مع الرسام الذي يرسم لوحة للبيع في السوق، فأثناء الرسم يستمتع هو أيضاً. ندعو هذه الفئة الثالثة «السلع الثنائية». «العيد» من هذا النوع الثالث من السلع حيث أولئك الذين ينتجونه يستمتعون به ويحملون اللذة أيضاً للآخرين. إذن حتى الآن تعلمنا أن «العيد» هو «سلعة عامة ثنائية». بالمناسبة، بعض السلع لا يمكن إنتاجها بشكل ناقص.أي إن وحداتها منقطعة ومنفصلة. مثلاً سيارة واحدة هي سلعة منقطعة. أي لا يمكن إنتاج نصفها فقط، بل لكي تتمكن السيارة من خدمة الأفراد يجب أن تُنتج بشكل كامل. وكذلك لا يمكن صنع فيلم بأخذ بضع دقائق منه فقط، بل لكي يتمكن الأفراد من الاستمتاع به يجب أن يُصنع بشكل كامل. لكن في حالة عزف الموسيقى الأمر ليس كذلك، أي أن الموسيقى مهما كانت مدة عزفها تكون ممتعة. سواء كانت دقيقة واحدة أو ساعة واحدة، فهي ممتعة بنفس القدر. السلع التي يمكن إنتاجها بكميات مختلفة وليست وحداتها منفصلة ندعوها سلعاً «متصلة». والعيد أيضاً سلعة متصلة. أي أنه بقدر ما نملك من عيد نستمتع به بنفس القدر. أي أننا نستطيع من حيث عدد الأفراد، ومن حيث النطاق الجغرافي، ومن حيث الزمن، ومن حيث الكيفية، أن نملك كميات مختلفة من العيد. العيد قد يكون لشخص واحد، أو لعائلة واحدة، أو لحي واحد، أو لمدينة واحدة، أو لأمة واحدة، والاستمتاع به يتحقق في جميع هذه المستويات. كذلك العيد قد يكون أسبوعاً أو يوماً أو ساعة أو دقيقة. من حيث الكيفية أيضاً قد يكون للعيد مستويات مختلفة - من السطحية الجداً والعابرة إلى العمق الشديد والدائم. إذاً العيد هو «سلعة عامة ثنائية متصلة». دعني أجمل ما تقدم: أولاً أن «العيد» هو «سلعة» لأنه عندما يتم إنتاجه يمنحنا المتعة والمنفعة، وكذلك نحن مستعدون لدفع تكاليف للحصول على «العيد». ثانياً أن العيد هو «سلعة عامة»، أي أنه عند إنتاجه يمكن للجميع أن ينتفعوا منه بشكل متزامن، وهو يمنح المتعة للجميع بشكل متزامن، أي أن استمتاع شخص واحد لا يمنع استمتاع شخص آخر. ثالثاً أن العيد هو «سلعة ثنائية» أي أن المُنتِج والمستهلك كليهما يستمتعان بإنتاجه. رابعاً أن العيد هو «سلعة متصلة» أي أن أي كمية منه بأي كيفية، وفي أي مدة زمنية، وفي أي نطاق جغرافي، وللعدد أي من البشر التي يتم إنتاجها، تكون مرغوبة وممتعة وبالتالي ذات قيمة. لذلك من بين جميع السلع، «العيد» هو واحد من السلع الاستثنائية التي تملك جميع «الخصائص الحسنة». في هذه الحالة فإن العيد بأي كمية يتم إنتاجها يكون مرغوباً وذا قيمة لكل من الفرد والمجتمع. على هذا الأساس، يجب على كل فرد أن ينتج العيد بأي كمية يستطيعها وأن يطوره قدر الإمكان في نطاق الزمان والمكان وأن يعمّق غوره ويرفع من كيفيته. بفعل مثل هذا العمل يرتفع شعور المتعة لدى الفرد ذاته وشعور المتعة لدى الآخرين. إذا سعى جميع أفراد مجتمع ما لإنتاج العيد، عندها يصل العيد إلى مرحلة الإنتاج الكبير وجميعنا نستمتع به، من حيث الكمية التي أنتجناها بأنفسنا ومن حيث الكمية التي أنتجها الآخرون. إذا كان «عيد النيروز» محبباً إلى هذه الدرجة فالسبب هو أن جميع أعضاء الأمة يسعون، وينفقون، ويجتهدون ليُنتجوا ويستهلكوا في كل سنة فترة أسبوعين من «العيد». تصور أنك في حيك الوحيد الإيراني والجيران الآخرون غير إيرانيين، وبالتالي هم لا يتخذون تدابير خاصة لعيد النيروز. بنفس النسبة يصبح عيد النيروز لديك أكثر محدودية وأقل حبباً. من الواضح أن كيفية ونطاق عيد النيروز للإيرانيين الذين يعيشون في الدول الأجنبية أقل بكثير من الإيرانيين الذين يعيشون في إيران. لذلك إذا كنا نسعى للعيش بحياة ذات جودة وللعيش في مجتمع محبب، يجب أن نسعى لإنتاج العيد وأن نجعل أعيادنا أطول مدة وأن نرفع من كيفيتها ونوسع نطاقها على مستوى المجتمع أيضاً. ولتحقيق هذا يجب على كل واحد منا أن نبدأ بإنتاج وتكثير العيد. إذا ساعدنا الآخرون وأنتجوا «العيد» أيضاً، عندها يصل «العيد» إلى الإنتاج الكبير ويستفيد منه الجميع. لكن إذا لم يساعدنا الآخرون، فنحن بأنفسنا في نطاقنا الخاص (في مجالنا الشخصي أو في مجال عائلتنا) ننتج العيد ونستهلكه بأنفسنا. بالتالي الآن وقد قررنا أن كل شخص في أي وضع يكون فيه وفي أي حد يستطيعه ينتج «العيد»، تطرح هذه الأسئلة: «كيف يمكن تكثير العيد؟» و«ماذا نفعل لنقضي وقتاً أطول من حياتنا في العيد؟» للإجابة على هذه الأسئلة لازم أن أعرّف مفهوم «الإنتروبيا» لمن لم يكونوا على اطلاع به من الأصدقاء.
في نظرية الديناميكا الحرارية ـ التي هي فرع من علم الفيزياء ـ وكذلك في «النظرية العامة للأنظمة»، توجد مفهومة تسمى الإنتروبيا، وهي ذات أهمية بالغة. الإنتروبيا تعني الفوضى والاضطراب في نظام ما. النظام عبارة عن مجموعة من الأجزاء التي تكون في علاقة وتفاعل متبادل موجهة نحو تحقيق أهداف معينة. فمثلاً الساعة أو السيارة نظام، والعائلة نظام، والشركة أيضاً نظام. كل هذه الأنظمة تضم أجزاء تكون في علاقة وتفاعل متبادل وموجهة فعالياتها نحو تحقيق هدف محدد. في السيارة، المحرك والتروس والمراوح والمحاور والعجلات والهيكل والقاعدة تكون في علاقة وتعاون متبادل حتى تتحرك السيارة وتنقل الأشخاص أو البضائع من مكان إلى آخر. في الشركة أيضاً، العمال والمهندسون والمديرون يتعاونون حتى تنتج الشركة وتبيع وتحقق ربحاً. الآن إذا قل التعاون والتنسيق بين هذه الأجزاء التي يجب أن تعمل معاً بشكل منظم وموجه حتى يصل النظام إلى أهدافه، دخل نوع من الفوضى والاضطراب في النظام وهذا ما يسمى الإنتروبيا. في الواقع، كلما قل مستوى النظام والتنسيق في النظام، قلنا إن إنتروبياه قد زادت. إذاً مع زيادة الإنتروبيا، ينخفض مستوى النظام. في الحقيقة، ينخفض مستوى كون النظام نظاماً. إذاً الإنتروبيا تعني حالة «مناقضة للنظام». في الفيزياء ذاتها أو الكيمياء، التغيرات في درجة حرارة المادة أو الجسم تسمى إنتروبيا. فمثلاً عندما تحدث تفاعل كيميائي، تزداد إنتروبيا المادة التي يحدث فيها هذا التغيير. أو عندما يكون سخان الماء في حالة تسخين، تكون إنتروبياه في حالة زيادة. أي أن جزيئات الماء داخل السخان تبدأ في التحرك والانتقال وحركتها تزداد. ولهذا السبب يزداد الضغط داخل السخان. الأمر كذلك بالنسبة للأنظمة الحية. عندما يغضب الإنسان أو عندما يحمى، تزداد إنتروبياه. وفي المجتمع أيضاً عندما تحدث نزاعات وتوتر، تزداد إنتروبيا المجتمع. وفي الاقتصاد أيضاً عندما ترتفع الأسعار أو تفلس الشركات، تزداد إنتروبياه. الآن دعنا نضيف ملاحظة أخرى. عندما تزداد الإنتروبيا في نظام ما، يبدأ النظام بفقدان طاقته. ما هي الطاقة؟ كل شيء يمكن به إنجاز «عمل» يعتبر طاقة. لأن إنجاز «العمل» ممكن فقط بصرف الطاقة. إذاً نعتبر الكهرباء طاقة لأن بها يمكن تحريك مروحة. أو الماء المتراكم خلف السد، يملك طاقة لأن به يمكن تدوير التوربين. البنزين طاقة لأنه يحرك محركاً وما شابه ذلك. المقصود من «العمل» أيضاً كل فعل مفيد يكون موجهاً نحو تحقيق أهداف النظام. الآن نقول عندما تزداد الإنتروبيا في نظام ما، يهدر ذلك النظام طاقته وبسبب ذلك ينخفض القدرة على إنجاز العمل في النظام. جزيئات الغاز التي تكون في أنبوب الغاز الحضري مضغوطة بجانب بعضها، لها قدرة على إنجاز عمل (بها يمكن إشعال لهب وطهي طعام) لكن إذا فتحنا صمام الغاز وتفرق الغاز في الهواء، تنتشر جزيئات الغاز بسرعة في كل مكان. في الواقع، تزداد فوضى أو إنتروبيا الجزيئات. بعد ذلك لا يمكن بعد الآن إشعال لهب بذلك الغاز المنتشر في الهواء وطهي طعام. بعبارة أخرى، تهدرت طاقة الغاز ولا يمكن إنجاز أي عمل به بعد الآن. إذاً زيادة الإنتروبيا تسبب هدر الطاقة. كمثال آخر، عندما نغضب، تزداد إنتروبيا أجسامنا وفقد طاقة كثيرة على شكل حرارة. ولهذا السبب لا يمكننا إنجاز أعمالنا بشكل جيد بعد الآن، فمثلاً يرتجف يدنا، لا يتركز تفكيرنا وتنخفض دقتنا. بالنسبة للمجتمع أيضاً عندما توجد فيه نزاعات وتوتر وعدم ثقة، تزداد إنتروبياه ويفقد طاقة كثيرة في هذه النزاعات وتنخفض قدرته على إنجاز «العمل» فيه. فمثلاً معدل الاستثمار أو معدل النمو الاقتصادي لمجتمع متوتر ينخفض. وأيضاً عندما يرتفع معدل التضخم في اقتصاد ما، فهذا دليل على زيادة الإنتروبيا في ذلك الاقتصاد وبالتالي ينخفض قدرة ذلك الاقتصاد أيضاً. وكما أن وجود التوترات الاجتماعية والاحتجاجات السياسية العامة (عدم التوافق بين المجتمع والحكومة) في دولة ما يدل على ارتفاع الفوضى وارتفاع الإنتروبيا في تلك الدولة، فإن وجود الخلاف والنزاع والشقاق الشخصي بين أفراد ذلك المجتمع كذلك.مثلا وقتی معدل الطلاق في بلد ما يكون مرتفعاً أو عدد القضايا القضائية كثيراً، أو معدل الانتحار مرتفعاً، أو عدد الشيكات المرتجعة كثيراً، أو عدد حوادث المرور مرتفعاً، أو الهجرة من البلد شديدة، أو الكذب وعدم الثقة منتشران، أو ضغط الناس العصبي شديداً، أو عدد السكتات القلبية لديهم مرتفعاً وما إلى ذلك، فكل هذا يشير إلى ارتفاع الإنتروبيا في ذلك البلد. أي مجتمع ترتفع إنتروبياه، يفقد طاقته أي يفقد قدرته على إنجاز «العمل». أي تنخفض إمكانية تحقق أهداف النظام (المجتمع). في الأنظمة المغلقة والأنظمة غير الديناميكية عندما ترتفع الإنتروبيا، يستمر هذا الارتفاع في الإنتروبيا حتى ينتهي به الحال إما إلى السكون (أي عدم الحركة والعجز المطلق عن إنجاز العمل) أو إلى التدمر. مثلاً تصور سخان ماء تكون صمامات دخول وخروج الماء فيه مغلقة (نظام مغلق) لكن الماء فيه ساخن. إذا أطفئت اللهب تماماً، تفقد حرارة الماء تدريجياً (ارتفاع الفوضى أو الإنتروبيا في جزيئات الماء) حتى يبرد الماء تماماً ويصل السخان إلى السكون. وإذا ظلت اللهب مشتعلة دائماً، ترتفع الحرارة بهذا القدر (ارتفاع الإنتروبيا) حتى ينفجر السخان. لكن وضع الأنظمة الديناميكية، مثل الكائنات الحية والإنسان والمجتمعات، يختلف. فهذه تحاول أن تطرد الإنتروبيا من ذاتها بسرعة، وحيث أنها تفقد الطاقة أيضاً مع الإنتروبيا، تسعى إلى امتصاص الطاقة من خارج ذاتها. مثلاً كوكب الأرض يطرد إنتروبياه على شكل حرارة عبر الإشعاعات الجوية إلى الفضاء، وفي المقابل يستقبل باستمرار الطاقة من الشمس. والإنسان يطرد إنتروبياه عبر التعرق والتبول والإفراغ من ذاته، ويمتص الطاقة باستمرار من خلال تناول الغذاء. والمجتمع الديناميكي أيضاً يجب أن يسعى إلى تقليل إنتروبياه أو طردها عبر طرق مختلفة، وأن يمتص الطاقة أيضاً عبر طرق مختلفة. كلما كان المجتمع أكثر توافقاً، كانت إنتروبياه أقل، وكلما كان أكثر ديناميكية كانت قدرته على طرد الإنتروبيا وامتصاص الطاقة أكبر. فإذن من علامات ديناميكية نظام اجتماعي هذه القدرة على طرد الإنتروبيا. مثلاً المجتمع الذي يملك نظام ضمان اجتماعي فعّال يستطيع أن يقلل الإنتروبيا الناشئة عن التناقض الطبقي والإنتروبيا الناشئة عن الفقر. والمجتمع الذي يملك إمكانيات ترفيهية متعددة لطبقاته المختلفة يساعد على أن يستطيع أكثر المواطنين أن يطردوا الإنتروبيا الناشئة عن ضغط العمل وضغط الحياة. وأنواع الحريات الاجتماعية والسياسية— في إطار التعريفات القانونية المحددة— يمكنها أن تحول دون انتشار الإنتروبيا. وكذلك أنواع المؤسسات المدنية التي تنظم وتقنّن نشاط الأطياف المختلفة من المواطنين في اتجاه مصالحهم المشتركة يمكنها أن تحول دون نمو الإنتروبيا. وجهاز قضائي قوي وفعّال يمكنه أيضاً أن يسبب تقليل الإنتروبيا. وبالطريقة ذاتها الأعياد والطقوس والتقاليد والقيم الدينية، إذا كانت منسجمة مع بعضها البعض في مجتمع ما، فإن كل هذه يمكنها أن تكون مقللة للإنتروبيا. أشير فقط إلى أن من أهم خصائص المجتمع التي يمكنها أن تكون مقللة للإنتروبيا، «رأس المال الاجتماعي». لكن لا مجال الآن لتوضيح أكثر بخصوص هذا.
يمكن الآن أن نقول باختصار إن كل نوع من الفكر أو القيمة أو السلوك أو العلاقة أو التفاعل أو المؤسسة أو التقليد أو الطقس أو القانون أو التنظيم أو البرنامج الذي يؤدي إلى تحرك الفضاء الذهني للأفراد والبيئة المعيشية للأفراد والحقول الاجتماعية للمجتمع نحو تقليل الفوضى واللاتناسق والاضطراب والتوتر، أي نحو تقليل الإنتروبيا، فهو بمثابة إنتاج «العيد». في الواقع، عمل «العيد» ليس سوى تقليل الإنتروبيا، على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع. أليس ما نفعله عندما نحتفل بالعيد إلا أننا ننظف أنفسنا ونرتدي ملابس نظيفة؟ وفي الواقع، بالغسل والتطهر نبعد عن أنفسنا الإنتروبيات. أليس ما نفعله عندما يحل العيد إلا أننا نتزاور ونتحية ونتعانق ونتجاوز الشحناء ونستمتع بصحبة بعضنا ونهدي بعضنا الهدايا ونتضيف بعضنا ونطلع على أحوال أصدقائنا والمعارف ونتعاون على حل مشاكلهم وما إلى ذلك؟ كل هذا بمثابة تقليل الإنتروبيا. باختصار، العيد هو «ضد الإنتروبيا» (الإنتروبيا السالبة). متى ما استطعنا أن نهيئ ظروفاً تقلل الإنتروبيا، كان ذلك حركة نحو إنتاج «العيد». لكن الحركة المضادة للإنتروبيا يمكن أن تكون داخلية أو خارجية. أي أننا بشكل عام نسمي «عيداً» الظروف التي تسمح لنا بتفريغ إنتروبياتنا. فأحياناً يهيئ المجتمع ظروفاً تقلل الإنتروبيا الكلية للمجتمع فيصير «عيداً» وينعم الجميع. لكن أحياناً أخرى يهيئ الفرد لنفسه ظروفاً تقلل إنتروبياه الداخلية فينتج «عيداً» لنفسه، أي يجد في داخله ذات النشاط الذي يشعر به عند العيد. إذا استطاع أحد أن يوجه حياته بحيث تكون نظرته للوجود وطريقته في الحياة بحيث تتحرك في كل لحظة نحو تقليل الإنتروبيا، فهذا الفرد يعيش العيد في كل لحظاته. استطاع هذا الفرد أن يشغل في ذاته مصنعاً لإنتاج العيد. مثل هذا الشخص يحمل في وجوده إحساساً بالسعادة الدائمة. في علم النفس الحديث، هناك اصطلاح يُسمى «اللحظات الحقيقية». يقول إن الناس يكونون سعداء عندما يتمكنون من إنتاج لحظات حقيقية أكثر في حياتهم. فما اللحظة الحقيقية؟ إنها اللحظة التي لا نريد أن تنتهي. إنها اللحظة التي تبقى آثارها وذكراها وإحساسها معنا سنوات وربما حتى نهاية العمر. إنها اللحظة التي لا نستمتع فقط حين عشناها، بل كلما تذكرناها نستمتع أيضاً. إنها اللحظة التي نود أن تتكرر، ونود أن يعلم بها الجميع، إنها اللحظة التي نشعر فيها بالرضا عن الولادة والحياة، وباختصار، إنها اللحظة التي تجعل حياتنا «أكثر معنى». تصور اللحظات الأولى التي يلتقي فيها العاشق والمعشوق وينبركان مقابل بعضهما وينظران في عيني بعضهما وتنهمر الدموع. تصور اللحظة التي تحتضن فيها الأم ابنها بعد سنوات من الفراق. تصور لحظة ننتظر خلف باب غرفة العمليات بقلق والطبيب يخرج ويخبرنا بنجاح عملية عزيزنا الجراحية. تصور لحظة نرى فيها اسمنا في قائمة المقبولين في امتحان الالتحاق بالجامعة. تصور لحظة عندما يُمسك بنا بسبب ديننا وننتظر في مركز الشرطة الترحيل إلى السجن، فجأة يدخل صديق ويسدد ديننا ويحصل على رضا المدعي ويحررنا. كل هذه أمثلة على اللحظات الحقيقية. بلسان علم النفس، العيد يعني إنتاج لحظات حقيقية. كلما استطعنا إنتاج لحظات حقيقية، فقد أنتجنا عيداً. في الاقتصاد أيضاً، منذ بضع سنوات ابتُدع مؤشر يُسمى مؤشر «الأرض السعيدة». كان يُستخدم حتى الآن لمقارنة الدول مؤشرات مثل الدخل الفردي أو مؤشرات التنمية مثل عدد الأطباء أو الإمكانيات الصحية والتعليمية وما شابه. أي كنا نفترض أنه كلما كان دخل مواطني البلد أعلى أو كلما كان لديهم وصول أكبر للإمكانيات الصحية والتعليمية، كانوا أسعد. لكن مع إدخال مؤشر «الأرض السعيدة» مؤخراً، يُحسب كم من الطاقة يستهلك الناس في بلد ما في المتوسط، وكم قدراً من السعادة ينتجون لقاء كل وحدة طاقة يستهلكونها. في الواقع، هذا المؤشر يريد أن يقول إن المجتمع الأكثر حيوية هو الذي يستطيع بمستهلك طاقة أقل أن ينتج سعادة أكبر. أي أن المقياس ليس المقدار المطلق لإنتاج السعادة. بل المهم أن يتحقق كل مستوى من السعادة بقدر أقل من الطاقة.
بهذا المؤشر، جميع الدول الغربية تقع درجتها بعد المرتبة الستين، وحتى أمريكا بين الدول الغربية لديها أدنى مرتبة. الآن نقول إن «العيد» وظيفته أنه يساعد على أن نحصل على «لحظات حقيقية» أكثر أو شعور بسعادة أكبر باستهلاك طاقة أقل. قد يستطيع شخص ما بإنفاق كبير والسفر بسيارة خاصة إلى شواطئ أنطاليا في تركيا، أن ينتج في نفسه 10 وحدات من «الشعور بالرضا». هذا الشخص ليس فقط لكسب 10 وحدات من الرضا استهلك طاقة وفيرة (على شكل نقود، ووقت، وطاقة جسدية... إلخ) بل أيضاً أنتج إنتروبيا كبيرة لنفسه وللمجتمع (على شكل إنتاج دخان ناجم عن السفر بالسيارة، واستهلاك السيارة، وتعب الطريق، وتغير في البرامج الحياتية والعملية وما إلى ذلك). لكن شخصاً آخر يستطيع بدون إنفاق كبير وبزيارة صديق من ذوي الأدب وقراءة عدة غزليات من أشعار حافظ والحوار حول تلك الأشعار أن يصل إلى نفس 10 وحدات من «الشعور بالرضا». هذا الثاني استطاع أن ينتج «العيد». أي أنه بدون هدر كبير للطاقة وبإنتاج أدنى حد من الإنتروبيا، أنتج الشعور بالرضا. لكن الأول فقط بزيادة حادة في استهلاكه من السلع المختلفة - أي بصرف طاقة كبيرة جداً - استطاع أن يصل إلى نفس مقدار الرضا. باختصار، «العيد» يعني إنتاج «الشعور بالرضا» بأدنى استهلاك للطاقة وبأدنى إنتاج للإنتروبيا.الآن نريد أن نتحدث عن الطرق وكيف يمكن إنتاج لحظات حقيقية أو عيد. نحن نعلم أن إنتاج أي سلعة يتطلب وجود إدارة وتطبيق مواد أولية وتكنولوجيا خاصة. الآن لننظر فيما تكون المواد الأولية وتكنولوجيا إنتاج العيد. دعنا نزور إحدى مصانع إنتاج العيد ونسأل أحد أكبر منتجي العيد في هذا الشأن. نذهب إلى سيادة مولانا جلال الدين وننفتح ديوان غزلياته - وهو منتج مصنع صناعة العيد عنده - ننظر فيه. في النظرة الأولى نصادف هذا البيت:
الصوفيون في طرفة عين يصنعون عيدين
العناكب لا تقدد الذباب قديداً
هنا يضع المولوي طريقة العارفين في مقابل طريقة العناكب. في الواقع، المولوي لا يعني العناكب نفسها بل الأشخاص الذين يعيشون كالعناكب. بعبارة أخرى، يضع الناس على طيف واحد: أحد طرفيه العارفون والطرف الآخر من تشبه بهم العناكب. أولاً، لننظر إلى ما تفعله العناكب. «القديد» هو لحم أو غذاء آخر كان يُجفف في العصور القديمة لأغراض التخزين وتجنب التعفن. في الواقع، في الماضي كانوا يحفظون الغذاء بتجفيفه أو تمليحه. إذن المعنى الحديث لـ «القديد» هو «الغذاء المحفوظ». تعلمون أن العناكب تصطاد الذباب وتنسج خيوطاً حوله حتى يبقى الذباب مدفوناً وسط خيوطها. في الواقع، يصف المولوي هذا العمل بأن العنكبوت يصنع قديداً من لحم الذباب ويخزنه للمستقبل. كل حياة العنكبوت تمضي في الكمون ونصب الفخاخ واصطياد الذباب وتجفيفه. في كل مرة يأكل قليلاً من قديده ثم يعود إلى صيد الذباب وتجفيفه. العنكبوت لا يأكل حتى الذباب الطازج، بل يأكل دائماً الذباب المتبقي والمجفف. الآن انظروا، في هذا العمل تكمن ثلاث نقاط عند العناكب: أولاً الاكتفاء بالذباب أي بغذاء حقير، وثانياً التجفيف أو التخزين، وثالثاً أكل الغذاء المتبقي دائماً. في الواقع، المولوي يشبه الأشخاص الذين أمضوا حياتهم كلها في التراكم - لا يهم ماذا يراكمون - بالعنكبوت. لكن الأشخاص الذين حياتهم كلها تراكم وتجفيف، عادة ما تمضي حياتهم أيضاً في أشياء حقيرة. هؤلاء مسجونون دائماً في الماضي: الأحاديث القديمة، الخلافات السابقة، مفاخر الأجداد، ثروات الأسلاف وما شابه ذلك. لم نأتِ لكي نراكم. لكن بعض الناس يركضون فقط ليراكموا وليجففوا ذلك ليوم لا يعرفون متى سيأتي. بالنسبة لبعض الناس، التراكم والتجفيف أصبح الهدف. بينما الحياة نفسها هي الهدف. الحياة هي «هدف بذاتها». أي أن نعيش بطريقة نصبح فيها دائماً أكثر حياة و«أكثر حيوية». انظروا، نحن جميعاً نعتبر الناس عاقلين (يتمتعون بقوة التمييز)، لكن درجة الذكاء تختلف عند الناس. إذن درجة عقلانيتنا مختلفة. بالمثل، جميعنا نتمتع بالحياة وأحياء، لكن درجة حياتنا مختلفة. قصة درجة الحياة بحث مفصل لا مجال لفتحه الآن. على أي حال، المولوي يعتبر أولئك الذين كل هدف حياتهم التراكم والتجفيف، وأولئك الذين يكتفون بأهداف ومسائل حقيرة في الحياة، وأولئك الذين ظلوا دائماً أسرى الماضي - يعتبرهم من نوع العنكبوت ويضعهم في مقابل العارفين. يقول إن العارفين يحتفلون عيداً في كل لحظة مرتين. أي أنهم يشعرون بنشوة جديدة في كل نفس وفي كل زفير. هل قبلتم أحداً عزيزاً عادوا من السفر بعمق؟ القبلة تحدث في فاصل نفس واحد وزفير. نتنفس ونختلس قبلة. نشعر بنشوة قبل القبلة وبعدها. الآن العارفون الذين كل وجودهم إحساس بالحضور والوعي العميق في محضر المحبوب، ويمضون كل لحظة مع المحبوب، كأنهم في كل لحظة يختلسون قبلة من وجهه الجميل وفي كل لحظة يسكرون من النظر في عينيه. مثل هؤلاء الناس لا يملكون فرصة للتراكم والتجفيف في الحياة. عندما يكون وجود الإنسان مليئاً بالحضور والوعي والفهم، لا يبقى وقت وطاقة ومجال للتراكم. العارفون يستهلكون في اللحظة والحالّ. أما من نوع العنكبوت فيستهلكون بالآجل. إذن من وجهة نظر المولوي، يمكن لشخص أن يملك أوقات عيد أكثر إذا تجاوز في الحياة فكرة التراكم والتجفيف، وإلى جانب ذلك لم يكتفِ بأهداف حقيرة، والأهم من هذا أن يعيش في الحال و«في اللحظة». في عصرنا يترجم أحياناً كلمة «أون لاين» (On Line) بـ «على الخط» وأحياناً بـ «في اللحظة». أون لاين تعني الاتصال المستمر. عند العارفين، وجود عيد يعني الاتصال المستمر مع الوجود. أي أن يكون لديهم ارتباط حي وبناء وممتع مع المحيط والناس والطبيعة والحيوان وباختصار مع الوجود كله. لكن هذا الارتباط محوره المحبوب ومنظاره المحبة. والمولانا يقول أيضاً في المثنوي الشريف: الصوفي ابن الوقت يا صديق ليس شرط الطريق قول الغد
في عصرنا تغير معنى «ابن الوقت» واستخدم بمعنى «طالب الفرص». لكن في القديم كان بمعنى «أن يكون ابن زمانه» وبتدقيق أكثر، بمعنى «العيش في اللحظة». في الواقع، المولوي يقول إن العارفين يعيشون «في اللحظة» ولا يحملون غم الماضي والمستقبل، ومن يؤجل كل شيء إلى الغد فليس سالكاً. سعدي يقول أيضاً:
فإذا ذهب أمس ولم يأتِ غد بيد فاحسب على هذا النفس الواحد الذي هو
أي لا تضيعوا لحظات الحاضر في أسف الأمس وتطلع الغد. لكل لحظة «رزقها» الخاص بها ولا ينبغي تفويته. أولئك الذين همهم كله التراكم والاختزان، يصرفون جزءاً من «رزق حاضرهم» على القلق والعناية بمخزونهم الماضي، ويصرفون جزءاً آخر على القلق والحساب لإضافة المزيد إليه في المستقبل، وتصبح هذه القصة مؤسفة عندما يكون ما نقلق بشأنه «تافهاً» وحقيراً أيضاً. لكن بشكل عام، في أي شيء نصرف حياتنا عليه والهدف هو اختزانه، قد تصرفنا كالعنكبوت. اختزان الثروة والقوة والشهرة بل وحتى العلم، إن لم يكن موجهاً نحو هدف أسمى وإذا أصبحت «امتلاك المزيد» موضوعاً بذاته، فإنه يجعلنا عنكبوتاً همه عمله الاختزان. من أصبح عمله اختزاناً، لا يدخل العيد إلى حياته لأن العيد يستلزم تجاوز الماضي والرجاء في المستقبل والعيش «في اللحظة». انتبهوا، الرجاء في المستقبل يختلف عن القلق به وعن إضاعة الحاضر من أجله. الرجاء في المستقبل يساعدنا لنستفيد من «الحاضر» بشكل أفضل. لكن القلق بشأن المستقبل يضيع أيضاً فرصة «الحاضر». في الواقع، النقطة أن الأسف على الماضي أو القلق بشأن المستقبل يُحدث إنتروبيا في وجودنا وفي حياتنا. أحياناً نرى عندما يتشاجر الكبار، يعيدون إلى الأمام مسائل واختلافات السنين الماضية ويحيونها. هذا هو البقاء في الماضي. أي أنهم حافظوا على نطفة من الإنتروبيا في وجودهم، وكلما توفرت الظروف الملائمة، تبدأ هذه النطفة بالتكاثر وتُنتج الإنتروبيا. إذن الخطوة الأولى لامتلاك تكنولوجيا إنتاج العيد هي أن نُجري على أنفسنا تقييماً: هل حياتنا حياة عنكبوتية أم لا؟ هل جزء كبير من جهودنا وقلقنا وصرف طاقتنا وسعينا موجه للاختزان وللحفاظ على مخزوننا الماضي أم لا؟ ما الذي نختزنه لا يُحدث فرقاً في المسألة. قد يكون شخص كل همه تراكم الثروة، أي أنه يُكرس وقته وطمأنينته وعمره وصحته وأيام حاضره لاختزان الثروة. لا يعرف السبب فقط يعلم أن هناك تضخماً وإذا لم يسع ستنخفض قيمة ثروته. فقط يعلم أن منافسيه يسعون بجد وينالون السبق عليه ويجب أن يسعى أكثر. فقط يعلم أنه لو اشترى فلان السهم فسيتضاعف الربح العام القادم. فقط يعلم أن البنوك تعطي قروضاً بفائدة 12 في المائة ومعدل الفائدة في السوق 30 في المائة فيمكنه أن يقترض ويستفيد من هذا الفرق، وأشياء من هذا القبيل. بالمثل، قد يكون شخص آخر كل همه تراكم القوة وكل جهوده موجهة بطرق مختلفة لإزالة منافسيه أو تدميرهم وزيادة قوته. قد يكون شخص آخر يصرف كل طاقته على كسب الشهرة والشعبية. بالمثل، يأسر الموضة واحداً، والملابس آخر، والسيارة ثالثاً، وبيع الدين والرياء رابعاً، والجاه أي النفوذ بين الناس خامساً، والعلم سادساً. نعم حتى العلم. إذا أصبح هدف الفرد كله أن يكون متصدراً في العلم، أن يكتب مزيداً من المقالات، أن يصبح عالماً مشهوراً، أن ينال فلان الرتبة أو الجائزة وأن يصفق له الجميع، فتصرفه أيضاً عنكبوتي. العلم من جنس النور. أي أنه مثل النور مُنير ومُدفئ. إذا لم يستطع العلم أن يُحدث هذين الوصفين فينا، لم نصبح أكثر علماً، بل عقلنا أصبح مستودعاً لنظريات ومفاهيم غريبة وأقوال جميلة اختزناها لنبيعها. ذهن مثل هذا الشخص سوبرماركت اختزن فيه أشياء كثيرة ليبيعها وهو يسعى دائماً لتوسيع هذا المستودع. إذن شخص يبدو عالماً جداً لكن وجوده ليس مصدر محبة وصفاء وحنان وإضاءة لنفسه وعائلته ومجتمعه والعالم، هو أيضاً يتصرف كعنكبوت. لا ننسَ أن الدفء والإضاءة في حياتنا يؤديان إلى تقليل الفوضى والاضطراب أي تقليل الإنتروبيا. عندما لا يكون هناك نور لا نميز الطرق عن الحفر. عندما لا يكون هناك دفء ننُزع منا إمكانية الحركة والعلم يجب أن يحمل هذين معه. العالم الحقيقي هو من يكون وجوده منيراً ومُدفئاً. من يبدو عالماً جداً وعنده تصديقات علمية من عشرات المراكز ومئات الأساتذة ومقالات وكتب، لكنه لا يزال صبوراً، سيء الظن، فظاً، قاسي اللسان، متعجرفاً وغير متسامح، فهو أيضاً ليس سوى عنكبوت لم يختزن سوى العلم، وهكذا يحدث أن من يصبح كل همه مكرساً لاختزان الثروة أو الشهرة أو القوة أو بيع الدين والرياء والجاه أو العلم، لم يعد لديه وقت أو طاقة أو صبر ليصرفها على فهم الحاضر أو العيش فيه. فلم يعد لديه وقت ليحيي الآخرين بالسلام، لا صبر ليفوز بقلب، لا وقت ليزور أمه، لا يرى من اللائق أن يغسل صحناً لمساعدة زوجته، و
لا وقت لديه ليوصل ابنه إلى المدرسة، لا صبر لديه ليستمع إلى شكوى، لا وقت لديه ليقرأ كتاباً، لا وقت لديه ليشاهد حفلة موسيقية، لا يعطي أهمية لمداعبة قطة صغيرة، لا وقت لديه ليسقي زهرة، وباختصار، لا وقت لديه ليرى نفسه.المواد الأولية اللازمة لإنتاج العيد ماذا يجب أن نفعل؟ يجب أن نبدأ من قاعدة بسيطة. أن نتراكم بقدر الحاجة وأن نأكل بقدر الحاجة. هذه القاعدة واضحة جداً فيما يتعلق بالمعدة. هناك أطعمة كثيرة جداً، والمائدة مليئة بأنواع النعم. لكن كم نأكل نحن؟ نأكل بقدر ما تسعه معدتنا بحيث لا نسبب لأنفسنا ألماً في الجسد ومشاكل هضمية أخرى. أولئك الذين يتمتعون بقدر أكبر من الانتباه، لا يأكلون بقدر سعة المعدة بل بقدر احتياج أجسادهم. في هذه الحالة، يجب على الشباب أن يأكلوا أكثر، بينما كبار السن لديهم احتياجات غذائية أقل. إذاً لدينا قاعدتان إبهاميتان: «السعة» و«الحاجة». في الحقيقة، المواد الأولية اللازمة لإنتاج العيد هي مراعاة هذين المعيارين. يمكن تعميم هذا على كل شيء. لكل واحد منا «سعة وجودية» محدودة وبالمثل احتياجات معينة. عند السعي لتحصيل أي شيء يجب أن نأخذ هذين في الاعتبار. وبطبيعة الحال، كلما راعينا هذه القاعدة، زادت «سعتنا الوجودية» تطوراً. تماماً كما لا يستطيع أحد أن يأكل أكثر مما تحتمل معدته، وإذا فعل ذلك يصاب باضطرابات هضمية، فعلينا أيضاً أن ننظر في شأن الأطعمة الأخرى (مثل العلم والثروة والشهرة والفن والصديق والسفر والسيارة والمسكن وما إلى ذلك) إلى قدرتنا على التحمل النفسي وسعتنا الوجودية. إذا تحصلنا على أكثر من ذلك أو تناولنا أكثر، نصاب بأنواع من الأمراض النفسية والجسدية والوجودية. ألا نلاحظ أننا عند الأكل لا ننظر إلى كم يأكل الآخرون حتى نأكل أكثر منهم، بل ننظر إلى سعة معدتنا أو احتياج أجسادنا؟ وألا نعلم أننا إذا نظمنا غذاءنا بناءً على كمية ونوع غذاء الآخرين فإننا إما أن نمرض أو سنمرض؟ يجب أن نفعل الشيء نفسه فيما يتعلق بالأطعمة الأخرى و«الأرزاق» الأخرى. فالثري الذي لا يستطيع أن يرى أن لجاره بيتاً أفضل ويرمي بنفسه في المشقة ليغير بيته بحيث يكون أجمل من بيت جاره، إنه مريض. وتماماً كما أن القوي الذي لا يستطيع تحمل تقاسم القوة مع الآخرين أو لا يستطيع قبول أي نقد ويريد أن يكون كل الإعجاب موجهاً إليه، فهو مريض؛ والتاجر الذي عندما يرى أن واجهة المتجر المجاور أجمل من واجهة متجره يحرك السماء والأرض ليصنع واجهة أكثر جمالاً، فهو أيضاً مريض؛ والمتعلم الذي ينزعج من التقدم العلمي وشهرة أقرانه، فهو أيضاً مريض. وبعد ذلك، كل هؤلاء المرضى ليسوا فقط يفقدون فرصة الاستمتاع بـ «الحال» الحاضر، بل يضيعون مستقبلهم أيضاً ليسبقوا الآخرين. لذلك فإن الخطوة الأولى لإنتاج العيد في وجودنا وفي بيئة حياتنا هي أن نأكل من كل شيء «بقدر السعة» وأن نتحصل على الأشياء «بقدر الحاجة». في هذه الحالة، لن يكون تخزين الأشياء الجيدة أولويتنا، بل الاستفادة منها في الوقت الحاضر ولفهم الحاضر ولمساعدة تطورنا الوجودي سيكون القضية. دعني أضرب مثالاً. شخص يذهب إلى مكتبة ليشتري عدداً من الكتب الفاخرة لتزيين منزله. يدفع أسعاراً باهظة ويشتري كتباً ثقيلة ويحملها إلى البيت بمشقة ويرتبها في ديكوره ويمسحها بالغبار كل أسبوع. شخص آخر يذهب ليشتري كتاباً يحتاج إليه ويبدأ في قراءته داخل المكتبة ذاتها. في الطريق يجلس على مقعد في الحديقة ويقرأ قسماً كبيراً منه ويستمتع به. وعندما ينتهي من قراءة الكتاب يعطيه لصديق ليقرأه هو أيضاً. الفرق بين العيش في الحاضر والركض لجمع الأشياء بسيط جداً، وهو الفرق بين هذين الشخصين. وإذا نظرنا، نجد أن حياتنا مليئة بهذا الركض من أجل الجمع والمسح من أجل الاستعراض. اليوم في حياتنا، كل شيء يبدأ بالمنافسة وكل شيء ينتهي بالمنافسة، وبالطبع هذا من ضروريات المجتمعات الحديثة. «المنافسة» هي جوهر الاقتصادات الحديثة. بدون المنافسة يتوقف تطور المجتمعات. لكن دعنا نتذكر أن ما هو ضروري أو جيد على المستوى الكلي ليس بالضرورة ضروري أو جيد على المستوى الجزئي. يقولون اصطلاحاً أن «الرذائل الفردية» تحياناً تؤدي إلى «الحسنات الجماعية» والعكس صحيح. مثلاً، المجتمع يحتاج إلى السجون، لكن ليس من الضروري أن نجهز غرفة في منزلنا لتكون سجناً. أو على العكس، من الجيد ألا نختلط بالسارقين، لكن من السيء أن يضع المجلس التشريعي قانوناً لكل المجتمع يحرم الاختلاط بالسارقين. لأن هذا القانون سيؤدي إلى فساد أكثر. بالمثل، المنافسة التي هي خاصية ضرورية على مستوى المجتمع قد تكون مدمرة على المستوى الفردي وتعتبر رذيلة. نعم، الحال كذلك. المنافسة تزيد الإنتروبيا.
أما على المستوى الكلي، فبما أنه يسبب الحركة والخصوبة والإبداع، فإنه في النهاية ينتج طاقات جديدة، ويعوض بذلك إنتروبيته الخاصة. لكن المنافسة على المستوى الجزئي والفردي تولد الإنتروبيا فحسب وتستهلكنا. قد تكون منافستنا في مجال ما سبباً في تنمية المجتمع، لكنها بلا شك مستهلكة لنا ومُزيدة للإنتروبيا. إذن الخطوة الأخرى التي يجب أن نخطوها هي تجاوز المنافسة. أي أن نسعى أساساً في كل أعمالنا إلى الابتعاد عن حارة التسابق (خط المنافسة). انظروا، في القيادة على الطرق السريعة توجد حارة تسابق. أي أن الذين يريدون التسابق يجب أن يتحركوا في الحارة اليسرى من الطريق. عندما ندخل حارة التسابق، يجب أن نفحص باستمرار سرعتنا بالمقارنة مع السيارة الأمامية والخلفية. السيارة الخلفية تريد التسابق، وكي لا نخرج من حارة التسابق يجب أن نزيد من سرعتنا باستمرار. أحياناً يتعنت السائقون مع بعضهم ولكي يقللوا من مقدار تفوق بعضهم الآخر يزيدون الوقود بلا توقف. فما العاقبة؟ إما حادثة وخسائر، أو إرهاق وإجهاد ناتج عن انقباض العضلات وضغط عصبي شديد عند القيادة بسرعة عالية، أو تلقي مخالفة من الشرطة. في النهاية، حتى لو وصلوا بسلام إلى الوجهة، فإنهم فقدوا فرص الاستمتاع بمسار الرحلة ورؤية المناظر الجميلة والزهور بجانب الطريق والاستمتاع بالموسيقى والحديث الهادئ مع رفيق السفر. أي أنهم عاشوا رحلة مليئة بالإنتروبيا، وأهدروا كماً هائلاً من الطاقة. قصة التحرك في «حارة التسابق» تتكرر في جميع جوانب الحياة اليومية: في شراء السيارة، وشراء الملابس، وتنظيم الحفلات العائلية، وتزيين زينة المنزل، وإقامة مراسم اللطم والعزاء، وتنظيم مراسم الليلة السابعة للمتوفين وما شابه ذلك. نقطة البداية لتكثير العيد في الحياة هي الخروج من «حارة التسابق» في جميع جوانب الحياة. أي بدلاً من أن ننظر باستمرار في حياتنا إلى عداد السرعة، أن ننظر إلى مؤشر «الطاقة الاستيعابية» وإلى مؤشر «الحاجة». في رأيي أن المنافسة في الحياة الفردية هي أم الفساد. قيل إن الكذب هو باب كل الذنوب. هذا صحيح؛ من وجهة نظر فقهية، الكذب هو باب الذنوب. لكنهم لم يستطيعوا أن يعلنوا المنافسة ذنباً. للسبب الذي ذكرته. أي أن المنافسة وإن كانت رذيلة فردية، فإنها فضيلة اجتماعية، بمعنى أنه بدونها يتوقف تطور المجتمع. لكن في رأيي، في الحياة الفردية «المنافسة» هي أم الفساد. كثيرون من الناس الذين يعيشون حياة طبيعية ومعقولة لا يحتاجون عادة إلى الكذب. لأن الحياة لعبة متكررة، أي أننا نلتقي بعضنا بعضاً مراراً وتكراراً، ونحتاج إلى بعضنا بعضاً، ونتعاون مع بعضنا. لهذا السبب نتعلم تدريجياً أن الكذب يدمر هذا التعامل البناء المتبادل. أي أن النمو المستمر في الحياة المعاصرة يتطلب الثقة. لذا من أجل منافعنا أيضاً نتعلم عدم الكذب وكسب ثقة الآخرين. لكن جزءاً كبيراً منا، ونحن لا نكذب ونحن أناس صالحون أيضاً، نظل رهائن المنافسة، وحياتنا بسبب الإنتروبيا الناجمة عن المنافسة، ليست لطيفة، ومستوى رضانا عن الحياة منخفض.عيد النوروز واحد من أعياد الأمة الإيرانية الأكثر شمولاً، وهو واسع جداً من حيث النطاق الجغرافي والعرقي والعمق، أي الكيفية والمدة الزمنية. وبطبيعة الحال فقد كان موضع تصديق المعصومين أيضاً. دعنا نستخدم تمثيل عيد النوروز لنرى ماذا يحدث عندما نقول إنه عيد؟ أو ماذا نفعل لكي يتحقق العيد؟ الطبيعة تسير في طريقها والربيع يأتي سواء احتفلنا بالعيد أم لم نحتفل. لكننا نحن الذين أعلنا بداية الربيع عيداً، فماذا نفعل لنحتفل بالعيد؟ حسناً، عندما يقترب عيد النوروز نبدأ أولاً بتنظيف البيت. نرمي الملابس البالية، نزيل غبار الحياة وأوساخها، نغسل السجاد، ننظف النوافذ، ونخرج من البيت الأشياء التي لا نحتاجها وقد احتلت فقط مكاناً. كل هذا يعني إخراج الإنتروبيا من نظامنا الوجودي وعن محيط حياتنا. اتفقنا على أن كل ما يخلق تناقضاً وفوضى ويفسد نظام النظام يكون إنتروبيا. إذن القمامة والملابس البالية والسلع المندثرة والمتسللة والتلوث على الجدران والأبواب كلها تعتبر إنتروبيا. بالتالي الخطوة الأولى في الوصول إلى عيد النوروز هي إزالة الإنتروبيا. حذف الإنتروبيا يعني حذف التناقضات والتعارضات والمزاحمات والفوضى والاضطرابات. لاحظ أن جميع الأمثلة التي ذكرناها كانت تطبيقات للإنتروبيا في محيط حياتنا. أي أننا بهذه الأعمال نزيل الإنتروبيا عن حياتنا الخارجية ونقلل من تناقضاتها. مثلاً الخطوط التي رسمها الأطفال على الجدار قد أفسدت جمال الجدار وخلقت تناقضاً بين احتياجنا وتوقعنا العقلي والواقع الخارجي. لذلك نطلي الجدار لكي يحدث جمال وانسجام خارجي من جهة وليختفي التناقض الذي خلقته بيننا وبين العالم الخارجي من جهة أخرى. أي أننا نحل التناقض الخارجي مع الخارج والتناقض الداخلي مع الخارج. وبالطريقة ذاتها نغسل السجاد، فالسجاد يصبح أجمل وأنظف (حل التناقض أو الفوضى الخارجية) وعدم رضانا عن أن السجاد غير نظيف يختفي (حل التناقض بين الداخل والخارج). كل هذا يعني أن الإنتروبيا في خارجنا وداخلنا تنخفض باستمرار. بعدها نرتدي ملابس جديدة، نزرع النباتات الخضراء، نغرس الأزهار ندعو. بهذه الأعمال نسعى لإزالة التناقضات والمشاكل والاختلافات أو إخفاءها لفترة لنرى فقط الجمال. بعدها تبدأ الزيارات والتنقلات. على مدار السنة حدثت انقطاعات وفي العيد هذه الانقطاعات التي تلعب دور الإنتروبيا في وجودنا تختفي تدريجياً وتصفو قلوبنا معاً (حل التناقضات الداخلية). إذن نصالح الطبيعة من جهة وننسجم مع محيط حياتنا والبيئة الفيزيائية حولنا من جهة ويصبح المحيط أكثر متعة لنا، ونصبح أكثر وحدة مع الناس الذين نتعامل معهم. أي أن العيد هو جهد لإزالة الإنتروبيا، لخلق التوافق وتيسير الاتصالات والتفاعلات، وبكلمة واحدة جهد لجعل الحياة متعة. باختصار، العيد يعني المصالحة مع الأرض والزمن، مع الداخل والخارج ومع النفس والآخرين. لذا فإن كل العمل الذي يجب أن نقوم به لإنتاج العيد هو هذا. أي يجب أولاً أن نزيل الإنتروبيا ثم نؤسس الانسجام والتناغم والمصالحة في داخلنا وخارجنا وبين داخلنا وخارجنا. إذا تمكنا من تحويل ما نفعله في عيد النوروز لحياتنا الخارجية والداخلية إلى حاجة وثم إلى عادة في وجودنا، فإن حياتنا كلها تتجه نحو العيد. أي أنه ليس مرة واحدة في السنة فقط بل في كل لحظة من حياتنا، يكون عملنا وطريقتنا إزالة الإنتروبيا والتخلص منها من وجودنا وخلق توافق ومصالحة خارجية وداخلية، عندئذ كل اللحظات التي تُصرف بهذه الطريقة ستكون عيداً وستعطينا ذات شعور العيد. الشخص الذي تكون حياته كلها عيداً هو من يشهد في كل لحظة انخفاضاً لجزء من إنتروبياه مقارنة باللحظة السابقة. إذا استمرت هذه العملية يصل الإنسان إلى نقطة لن يكون فيها في تناقض مع أحد أو شيء. عيسى المسيح عليه السلام كان مصلحاً كلياً. يُقال إنه كان يدعو على الصليب لأعدائه. كان يقول: يا إلهي إن هؤلاء يفعلون ما يفعلون من غير علم فاغفر لهم. النبي الأكرم (ص) إذا قاتل فلم يكن من كراهية لأعدائه بل من رحمة ولهدايتهم. بالتالي الجهود والمشاق وحتى الحروب في وجوده لم تخلق إنتروبيا، رغم أنه من الممكن أنها تكبدته مشقة في الخارج. عن الشيخ العلامة الطباطبائي ينقل أنه كان حتى لا يسمح بقتل النمل في بيته. أي أنه صالح مع النملة وفي سلام مع النمل.ليس الصلح كل ذلك أن نكون في سلام مع الآباء والأمهات والأصدقاء فقط، بل هو أن نكون في سلام مع الأعداء أيضاً. أي أننا لا نكون أعداء لأولئك الذين يتمنون لنا السوء. حتى عندما نحارب العدو، فليس لأننا نتمنى له السوء ونريد إبادته، بل نحارب لأنه أصبح عاملاً يزيد الإنتروبيا في ذاته وفينا وفي محيطنا. لذا فإننا لا نملك الحق أن نحاربه إلا بقدر ما ننتزع منه القدرة على إنتاج الإنتروبيا.
تحدثنا فيما سبق عن اللحظات الحقيقية. قلنا إن هناك لحظات لا ننعم فيها في تلك اللحظة فحسب، بل كلما تذكرنا تلك اللحظات عدنا ننعم بها. قلنا إن هناك لحظات تندر فيها النسيان وكلما كانت أكثر حقيقية بقيت في الذاكرة بقوة أكبر. أحياناً يتذكر الإنسان شعوراً من لحظة معينة طوال حياته. الآن نضيف أنه بقدر ما تصبح اللحظات حقيقية يزداد طولها. أي أن اللحظات ليست متساوية، وليس كل الثواني متماثلة. أحياناً قد نختبر في لحظة واحدة تجارب غريبة، وأحياناً تمضي الساعات والأيام والأشهر ولا نحصل على أي تجربة خاصة. ألم تلاحظ أحياناً أن شخصاً ما عندما يواجه مصيبة، بعد مرور عدة أشهر نشعر أنه شاخ عدة سنوات؟ لأنه مرّ بلحظات حقيقية كثيرة في تلك الأيام، لكن هذه اللحظات الحقيقية كانت من نوع مؤلم وقاسٍ، ولذلك كان تأثير لحظات تلك الفترة عليه مساوياً لتأثير الأيام والأشهر العادية. إذاً عندما تصبح اللحظات حقيقية يصبح طولها أكثر بالنسبة لنا. عندما نأخذ مريضنا إلى غرفة العمليات قد نبقى ننتظر ساعة واحدة خلف الباب، لكن هذه الساعة الواحدة تستغرق بالنسبة لنا وقتاً يساوي عدة ساعات أو عدة أيام. لكل فرد في حياته لحظات حقيقية كثيرة. من الأشياء التي يمكننا فعلها لكي ننتج أعياداً أكثر في حياتنا أن نزيد عدد اللحظات الحقيقية. في هذه الحالة ترتفع جودة لحظاتنا وكذلك يزداد طولها. في حياة كل شخص تومض عدة لحظات حقيقية. إذا تكاثرت هذه النقاط المتوهجة تدريجياً فإنها تشكل خطاً نورانياً، وعندها تصبح حياتنا كلها حقيقية، وبالطبع الوصول إلى مثل هذه الحالة صعب ونادر، لكن يمكننا أن نسير باتجاهها. الشرط الأول لإنتاج لحظة حقيقية هو ألا أكون في مكان آخر في تلك اللحظة، أي أن أكون حيث أنا وأن أدرك أنني حاضر الآن في لحظة وعليّ أن أستوعبها. وليس أن أكون حاضراً في لحظة لكن كل وعيي وانتباهي مع آخرين، أو في الماضي، أو قلق على المستقبل، أو مشغول بمقارنة نفسي بالآخرين وما شابه ذلك. في يومنا هذا إحدى الطرق التي يُركَّز عليها كثيراً هي التأمل. التأمل وإن كان يُترجم لغوياً بـ «التركيز الفكري» أو المراقبة، فإن المقصود به إحداث حالة خلو من الذهنية، أي الوصول إلى نوع من الوعي الخالص. في الحالة العادية، عقلنا مليء بمعلومات عديمة القيمة وأنواع من الوعي تشبه القمامة. في هذه الحالة ينظر العقل إلى العالم من خلال نافذة هذه القمامة. تماماً كمرآة مغطاة بالغبار. العقل دائماً مليء بتدفق الأفكار والرغبات والمشاعر والذكريات والانفعالات والقلق. العقل هو قدر غليان من المعلومات المختلطة واللامتناسقة. إذاً يعلمنا التأمل وقلبنا أن نكون حاضرين في أنفسنا وأن ننفصل عن البيئة المحيطة وأن نخلو بأنفسنا ونستوعب اللحظات التي تمر. التأمل هو تمرين لإنتاج اللحظات الحقيقية. في الأديان الإبراهيمية تقوم العبادات بدور التأمل. على سبيل المثال، وظيفة الصلاة في حياة المسلم هي بالضبط إنتاج اللحظات الحقيقية. الأذان مشتق من جذر «أذن» أي إعطاء الإذن. يُعطينا الإذن لكي نتناغم مع قوى الخلق الأخرى وننتفع بتلك القوى كي ننتج لحظات حقيقية. عندما يقال لنا «صلِّ» فإنهم في الحقيقة يقولون: انسحب من ضجيج تدفق الحياة اليومية العالي الإنتروبيا، اجلس جانباً وخذ وقتاً تخلو فيه بنفسك. انظر إلى أي اتجاه أنت ذاهب ولماذا تذهب؟ اذهب لكن اعلم إلى أي اتجاه؟ اركض لكن اعلم لماذا؟ أحياناً يسأل بعض الشباب: لماذا أمرنا الله بالصلاة؟ هل الله بحاجة إلى عباداتنا؟ كلا، هو لا يحتاج. مثل معلم يعطي الأطفال واجبات منزلية. المعلم لا يحتاج إلى واجبات الأطفال. الكتابة لا تضيف شيئاً لعلم المعلم. لكنه يقول: اكتبوا ويضع جوائز لمن يكتبون وعقوبات لمن لا يكتبون حتى يكون لكل شخص حافز للقيام بالواجب. لكن بعد فترة عندما يتعلم الأطفال الكتابة، لا يقول لهم المعلم: اكتبوا، بل يكتبون بأنفسهم. وبعدها يصبح بعض أولئك الأطفال كتاباً بحيث لا يستطيعون التوقف عن الكتابة، وأحياناً مهما حاولوا إخبارهم بعدم الكتابة يستمرون في الكتابة. حتى قد يصل الحال إلى أن كاتباً يكتب بكثرة حتى يعتقلونه ويسجنونه. إذاً في البداية يجب أن يكون كل الطلاب تحت نظام معين ويخضعون لقواعد معينة. لا يأتوا متأخرين إلى المدرسة، ولا يتغيبوا، وينجزوا واجباتهم ونحو ذلك.بهذه الأعمال يدخل الأطفال تدريجياً إلى فضاء التعلم والقراءة والكتابة. القصد الأساسي للمعلم هو تعليم الأطفال. ليس قصده معاقبتهم. وبشأن الأحكام الدينية والعبادات الواجبة توجد فلسفة مماثلة أيضاً، وبطبيعة الحال كما يجب على المعلم ألا يفعل شيئاً يتسبب في ترك الطالب المدرسة بالكلية، فإن أولئك الذين يريدون تشجيع الناس على التدين يجب أن يكونوا حذرين حتى لا يتسببوا بأعمالهم وسلوكهم وأسلوب دعوتهم وتعاملهم في فرار الناس من الدين بالكلية. يجب ألا تتناقض الأساليب مع الأهداف. على كل حال، بشأن العبادات الدينية توجد فلسفة مماثلة أيضاً. نحن في حيرة ونحتاج إلى نموذج وخطة للحركة. نحن قلقون وسط الضجيج والمنافسات، وحيث أننا لا نزال أطفالاً فإن الميل إلى العبادات مثل التحصيل الدراسي، إن كانت طريقة المعلم صحيحة، فبعد فترة من تعلم الأطفال الكتابة يصبحون تدريجياً رفيقي المعلم ويحبونه طوال حياتهم ويبقون معه أصدقاء. من أين بدأت هذه الصلة؟ من نفس عملية إعطاء الدرجات والتشجيع والعقاب. لكن هدف المعلم من البداية لم يكن إعطاء الأطفال درجات وعدم رسوب أحد. كان هدفه التعليم، والمعلم الفنان هو من يصبح تدريجياً رفيق طلابه، وبعد ذلك لا يدرس الأطفال بسبب الدرجات أو الخوف منه بل لأنهم يحبونه. كذلك وظيفة العبادات أننا حيث أننا لا نزال من حيث الوجود متهورين، يجب أن نتعلم أن نجلس أحياناً في زاوية ونعتزل مع أنفسنا وننظر إلى مسارنا وأهدافنا. أي أن ننتج لحظات حقيقية، ونجد أنفسنا، ونسأل أنفسنا ونتعرف على ذواتنا. عندئذ يصل الفرد تدريجياً إلى نقطة يصبح فيها بهذا القدر من القرب من محبوبه بحيث يعد لحظات انتظاراً حتى يأتي وقت الصلاة ويدرك لحظة حقيقية أخرى. إذن إن كنا حذرين وفهمنا الهدف الأساسي للعبادات، يمكننا أن نستفيد من العبادات أيضاً للوصول إلى لحظات حقيقية، وبطبيعة الحال المؤمن يتجه تدريجياً إلى نقطة تصبح فيها عبادته لحظة حقيقية وتصبح لحظته الحقيقية عبادة. وهنا يقال إن نفس المؤمن في الشهر الكريم رمضان تعتبر عبادة. لأن المؤمن كان مفروضاً عليه أن يتدرب في شهر رمضان على الوصول إلى لحظات حقيقية. فعلياً عندما يكون الإنسان بإيمان مدركاً لمساره وذاكراً لمهمته في الخلق، فإن اللحظات الحقيقية التي سيختبرها هي عبادة وعباداته هي لحظة حقيقية. أي أنه لن يكون هناك تمييز بعد ذلك بين الحياة واللحظة الحقيقية والعبادة. دعني أختم: الهدف كان أن نقول كيف يمكن أن يكون لدينا أعياد أكثر في الحياة. واعتبرنا العيد دخولاً في عملية تؤدي إلى تقليل الإنتروبيات الداخلية والخارجية لدينا حتى نصل في النهاية إلى لحظات وأيام وأشهر وسنوات حقيقية. لتحقيق ذلك قلنا إن الخطوة الأولى أو الشرط الضروري هو الخروج من مسار المنافسة. بعد أن أخرجنا حياتنا من دائرة المنافسة، يجب أن نزيل الإنتروبيات الخارجية والداخلية من وجودنا وبيئتنا. ثم يأتي دور المصالحة مع الذات والصداقة مع جميع أجزاء الكون وهذا هو بداية إنتاج لحظات حقيقية. كلما زاد عدد اللحظات الحقيقية في حياتنا، زاد العمق النوعي لعمرنا. نُقل عن ابن سينا أنه قال إن العرض مهم لي وليس طول الحياة. أحياناً يمكن أن يكون يوم واحد بعرض عمر كامل، وأحياناً يعيش شخص ما 80 سنة لكنه لم يعش يوماً واحداً. وفي سورة القدر يقول الله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر. فعلياً ليلة القدر هي ليلة تكون جميع لحظاتها حقيقية. في تلك الليلة يأتي الزمن «كش»، أي أن التجربة التي يمر بها الفرد في تلك الليلة الواحدة تعادل ألف شهر من الحياة العادية. وألف شهر تقريباً 83 سنة. أي أن تأثير اللحظات الحقيقية في ليلة القدر يعادل عمراً عادياً كاملاً. فعلياً ليلة القدر هي «ليلة حقيقية» واللحظة الحقيقية تعني أن تكون «لحظة قدر». وبطبيعة الحال ليلة القدر مختلفة لكل شخص. وتعتمد على متى يصل الفرد إلى النضج الوجودي. لكن متى ما وصل شخص ما إلى ليلة القدر الخاصة به، فهذا يعني أنه وصل إلى نقطة يصبح فيها قادراً على فهم ذاته. يصل إلى ذاته الحقيقية ويعرف قيمته ويصالح نفسه معها للأبد. يفهم من يكون وأين يقف في الخلق. هنا هي نقطة الوصول إلى «العيد الحقيقي» والحياة الحقيقية. إذن للوصول إلى العيد الحقيقي نبدأ بتنظيف أنقاض الحياة والإنتروبيات الوجودية، ونخرج من خط المنافسة، نصالح أنفسنا ونتصالح مع الكون، ونتجه نحو إنتاج لحظات حقيقية. لكن من الطبيعي أن طريقة إنتاج اللحظات الحقيقية تختلف باختلاف الأفراد. كل شخص له معتقدات وأفكار وآفاق دينية وفرص وإمكانيات تختلف عن الآخرين. لهذا السبب فإن طريقة الوصول إلى اللحظة الحقيقية تختلف أيضاً.يبدأ واحد بالدراسة، ويبدأ آخر بالتأمل، ويبدأ ثالث بعلم النفس، ويبدأ رابع بالدين، ويبدأ خامس بالعرفان. من الطبيعي ألا يمكن وضع وصفة واحدة للجميع. أمراضنا وصحتنا، قدراتنا واحتياجاتنا مختلفة. أي أن «منطق موقعنا» مختلف، ومن الطبيعي أن تختلف طرق الأفراد. يجب على كل شخص أن يجد طريقته الخاصة. لكن هناك شرط أساسي واحد. لكي نصل بطرق مختلفة إلى نقطة واحدة، أي إلى اللحظات الحقيقية والحياة الحقيقية، يجب أن نراعي هذا الشرط الأساسي. وهو «الصدق». أي أنه مهما كانت الطريقة ومن أي نقطة بدأنا البحث عن اللحظات الحقيقية، يجب أن نتبع دليل «الصدق» في جميع المراحل وفي كل المسير. بدون شرط «الصدق» لن يدرك أحد اللحظات الحقيقية. أي أن من يدرس العرفان ويعلّمه، إذا لم يراع هذا الشرط أيضاً، فلن يصل إلى أي حقيقة. إذا درس العرفان ليعرف أهل معرفته، إذا تعلم الحديث ليفيض من المنبر ويبيع الفخر، إذا درس الفقه ليصبح ملجأ الناس، إذا درس الفلسفة ليمرغ أنف المنازعين في التراب في المناظرة، إذا حفظ الشعر ليثير به الدهشة والحيرة في كلامه، فكل هذا سير بلا رأسمال من الصدق وقطع الطريق على الوصول إلى اللحظات الحقيقية. لكن من يدرس الرياضيات بصدق، ويعلّم الاقتصاد بصدق، ويعزف الموسيقى بصدق، هو أرجح أن يصل إلى اللحظات الحقيقية ويدرك ليلة القدر من عمره. والصدق يعني أن قرارنا وعملنا لا يكون لاعتبارات منفعة ولا لمنافسة. كمن يعطش. ما هو تعامل العطشان مع الماء؟ تعامل العطشان مع الماء أنه يعشق الماء، لا ينظر أصلاً هل يشجعه أحد على البحث عن الماء أم لا؟ هل سيهللون له إذا شرب الماء؟ هل سيعطونه جائزة؟ لا، إنه بدون هذه الاعتبارات يركض وراء صوت الماء ويجري خلف نسيم الماء ليجده ويرطب كبده. الصدق يعني التعامل مثل الفرد العطشان. من يسعى بصدق إلى اللحظات الحقيقية لا يحسب حساب المنفعة، لا ينظر إلى تشجيع الناس وتثبيطهم، تحرر من قيد الماضي والمستقبل. يعيش فقط وفقط في اللحظة الحاضرة، وقلبه ينبض ليجد ذاته وقلق أن يسرقوها منه. فبمقدار ما نسيء الظن بالآخرين، بمقدار ما نضمر الضغينة في القلب، بمقدار ما نتذمر من نجاح الآخرين، بمقدار ما نقلق من حكم الناس علينا، بمقدار ما نرائي، بمقدار ما نخادع، بمقدار ما نسعد بمعاناة الآخرين، وبمقدار ما نستعد لإضاعة حق غيرنا لجلب منفعة لأنفسنا، بهذا المقدار ابتعدنا عن الصدق وبالتالي ابتعدنا عن اللحظات الحقيقية. فمن يبشر بالدين فقط لجلب منفعة والمعيشة، يغلق الطريق على نفسه ولا يصل إلى اللحظات الحقيقية، وكذلك من ينفي الدين ذاته بسبب الكراهية التي يضمرها تجاه المبشرين الذين يسعون للمنفعة، لا يستطيع الوصول إلى اللحظات الحقيقية لأن محرك الأول هو السعي للمنفعة والدافع الثاني هو إرضاء الكراهية ولم يبدأ أي منهما بصدق. ولهذا السبب فإن توفيق الناس في مجتمعنا للوصول إلى اللحظات الحقيقية يتناقص يوماً بعد يوم. لأن معظم الناس انقسموا إلى فئتين، فئة واحدة بسبب المنفعة التي لديها تؤيد مجموعة بشدة وأحياناً في هذا التأييد تكون مستعدة لفعل أي عمل حتى غير قانوني وغير شرعي؛ والفئة الأخرى نظراً للكراهية التي تضمرها للمجموعة الأخرى، تحاول أن تنسب لهم كل شيء سيء. لا واحدة من هذه الطرق صادقة، لذلك قل عدد الذين بدأوا بصدق ويمكنهم الوصول إلى اللحظات الحقيقية. العيد الخارجي رمز لكي نتذكر أننا يجب أن نحتفل بعيد داخلي أيضاً. إذا استطاع شخص أن يحتفل بعيد في داخله، فحينئذ يصبح مثل شجرة امتلأ داخلها بالأزهار، فعندما يكون الربيع والهواء مناسباً، تفيض أزهاره من الداخل إلى الخارج ويحتفل بالعيد خارجاً أيضاً. البرد الناشئ من المنافسات والطمع والقلق والخوف، قد جفف جسد شجرة وجودنا. يجب أن نبعد هذه البرودة عن وجودنا لكي يستيقظ داخلنا وتتشكل البراعم فيه، وحينئذ مع نسيم ربيعي حقيقي تتفتح براعم وجودنا وتزهر وتصبح بيئتنا ربيعية. إذا هبّ نسيم عيد حقيقي على وجود كل شخص يزهر كاملاً. الشجرة التي تزهر لا تحتاج إلى دعاية أصلاً.لا يحتاج إلى أن يقول للآخرين: تعالوا، لقد ازدهرت، فآمنوا بي وأحبّوني. الإزهار نفسه جاذب. رائحة الأزهار تجذب الجميع. الإنسان الذي يفيض من تفتح الأزهار لا يحتاج إلى دعاية في الخارج؛ الأزهار نفسها هي دعايته. النبي الأكرم (ص) كان في الواقع شجرة ازدهرت من الداخل. عندما حان وقتها، أرسلت أزهارها وأسرت الخلق بها. كان النبي قد احتفل بعيده في داخله قبل أن يُبعث. كان قد أقام احتفاء برسالته في نفسه قبل البعثة.
.
.
.
.
الفلسفة
العلوم الاقتصادية
العلوم السياسية
العلوم الاقتصادية
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.