اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا يرى الدكتور محمد مهدي مجاهدي أن التمييز بين «الفلسفة التحليلية» و«الفلسفة القارية» ذا مصداقية كبيرة. وهو يتناول خمسة معانٍ للتحليل الفلسفي تتراوح بين تشريح المفاهيم والترجمة المنطقية؛ في مسارٍ تضرب جذوره في تأثير العلوم التجريبية والرياضية على الفكر الفلسفي.

إشارة:
سجاد صداقت: بدأت قصة مقابلة ملف الفلسفة التحليلية في صحيفة فرهيختكان من إيران وانتهت في هولندا. في ظروف كنا نعتزم فيها إجراء مقابلة مع أحد الأساتذة داخل البلاد من أجل هذا الملف، لكنه امتنع عن ذلك بسبب معارضته لجرّ النقاشات الفلسفية إلى صفحات الصحف. في الوقت نفسه، وبأمل أقل، أرسلت الأسئلة إلى الدكتور محمد مهدي مجاهدي. الدكتور مجاهدي، بطبعه الكريم وتواضعه الفريد، وفي خضم انشغاله الشديد بالسفر وبإلقاء عدة محاضرات متتالية، أوفى بوعده. ستقرؤون إجاباته الآن فيما يلي. إن الفهم الخاص لهذا «الأستاذ المدعو للفلسفة السياسية في جامعة لايدن بهولندا» يتجلى بوضوح في هذا الحوار لدرجة أنه يمكن فهم مجال الفلسفة التحليلية بكل تعقيداته بلغة أبسط. لا تفوّتوا حوار فرهيختكان مع الدكتور مجاهدي.
ما علاقة الفلسفة التحليلية، باعتبارها فرعاً من علم الفلسفة، بالفلسفة؟ ما هو تعريفها بشكل عام، وهل يمكن تقييم نشأتها في تمييز لها عن الفلسفة القارية؟
اسمحوا لي أن أقدّم، على سبيل المقدمة، أننا إذا نظرنا بدقة، فلن نجد أن التقسيم الثنائي لتيارات الفكر الفلسفي في العالم الغربي إلى فلسفات تحليلية (أو أنجلو-أمريكية) في مقابل فلسفات قارية هو تقسيم معتبر ومفيد إلى حد كبير. ما أعنيه بالفائدة هنا هو امتلاك قيمة معرفية؛ قيمة معرفية وقيمة تعليمية على حد سواء. وبالطبع، هذه المسألة ليست مجرد رأيي الشخصي. كما تعلمون، فإن بعض الفلاسفة البارزين ومحرري بعض دوائر المعارف والقواميس الفلسفية المعتبرة قد فضّلوا، منذ مدة وبناءً على هذا التشخيص نفسه، ألا يخصصوا، خلافاً للماضي، مداخل مستقلة لمصطلحي «الفلسفة التحليلية» و«الفلسفة القارية». كما أن برامج تعليم الفلسفة في بعض الجامعات الغربية المعتبرة قد تخلت عن تأكيدها السابق على هذا التقسيم. إذا سنحت الفرصة خلال هذه المقابلة، سأعرض بإيجاز أسباب عدم اعتبارية هذا التقسيم وعدم فائدته.
لكن، بقدر ما يتعلق الأمر بالسؤال الحالي، فإن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد في المقام الأول اعتماداً تاماً على معنى ومرادنا من وصف «تحليلي». من الواضح أن هذا الوصف يشير إلى التحليل الفلسفي. لقد استُخدم «التحليل الفلسفي» في تاريخ الفلسفة الغربية بخمسة معانٍ رئيسية ومتميزة على الأقل. هذه المعاني الخمسة، وإن كانت متميزة عن بعضها البعض، لكن إذا سنحت الفرصة في مواصلة الحوار، سأشرح أنها ليست بالضرورة جميعاً مستقلة عن بعضها البعض أو متضادة مع بعضها البعض. أقول على الهامش إن فحص هذه المعاني الخمسة له فائدة جانبية أيضاً، لأنه يقدم نموذجاً شيقاً جداً للتفاعل بين المعارف غير الفلسفية والفلسفة (وهنا خصوصاً تأثير العلوم التجريبية والرياضيات على الفكر الفلسفي).
١- المعنى الأول للتحليل متأثر بمفهوم «التشريح» في العلوم الطبية. التحليل بهذا المعنى يعني «فك عُرى مفهوم مركب عروة عروة» أو «العملية» التي يتم خلالها فك عُرى مفهوم مركب عروة عروة. ومهمة التحليل هي إظهار «البنية المنطقية». لهذا المعنى من التحليل قرابة واضحة بفن «التشريح» في عالم العلوم الطبية لاكتشاف وفهم أناتوميا الحيوانات، وهو حاصل فهم استعاري له. يمكن تسمية التحليل بهذا المعنى، بهذه المناسبة، «التحليل التفكيكي» أو «التشريحي» (decompositional analysis). إذن، فك التركيب أو التشريح أو الشرح شريحة شريحة يعني تجزئة (أو عملية تجزئة) جسد المفاهيم المركبة إلى أعضاء وأجزاء أبسط تشكلها، وذلك بهدف اكتشاف أناتومياها أو بنيتها المنطقية الداخلية. وكأن المفاهيم، مثل الحيوانات، لها جسد مركب من أعضاء. وطبقاً لهذا الفهم الاستعاري، وكما أن فهم كيفية حياة الحيوانات (من جملة أمور) مرهون بفهم أناتومياها الذي يتم الحصول عليه عن طريق تشريح جسدها وأعضائها، فإن فهم معنى المفاهيم مرهون أيضاً بـ «تحليل» المفاهيم المركبة إلى المفاهيم المكونة لها واكتشاف البنية المنطقية التي تصل هذه الأجزاء المكونة ببعضها البعض وتخلق مفهوماً مركباً. لعل هذا المعنى للتحليل هو أكثر المعاني محسوسية وأول ما يتبادر إلى الذهن من هذا المصطلح، لكنه بالطبع ليس المعنى الوحيد للتحليل ولا أدق معانيه، بل ربما هو أكثر معاني التحليل بدائية في تاريخ الفلسفة. لاحظوا أنه في هذا المعنى، وحدة التحليل الفلسفي هي المفاهيم، وهدف التحليل هو تشريح البنية المنطقية الداخلية لمفهوم مركب أو ما يسمى بأناتومياه.
۲- المعنى الثاني للتحليل الفلسفي متأثر باستعارة من الهندسة الكلاسيكية، وهو التحليل الرجعي (regressive analysis). كان التحليل الرجعي لدى حكماء اليونان القديمة في الأصل طريقاً لحلّ المسائل الهندسية أو تفكيكها. وهذا الطريق في فحص المسائل من عالم الهندسة هو امتداد إلى مجال فكرهم الفلسفي. كان التحليل الرجعي عندهم منهجاً لإرجاع كل مسألة إلى مجموعة من المبادئ الأساسية (مثل الموضوعات والبديهيات الهندسية) التي يمكن بناءً عليها فهم تلك المسألة ثم حلها أو تفكيكها. فالمنهج السقراطي في تحديد المراد من المصطلحات المفتاحية وتعريف المفاهيم الأساسية، والمنهج الفرضي لأفلاطون، ومنهج أرسطو في الأنالوطيقا، كلها متأثرة بهذا المنهج التحليلي نفسه. يُعد المنهج التحليلي السقراطي أحد أهم المصادر الملهمة لتحليل المفاهيم. وقد شاع هذا المنهج في العصر الحديث في بعض تيارات الفلسفات الموسومة بالتحليلية بقدر ما شاع في بعض شعب الفلسفات المسماة بالقارية. فمثلاً، إذا نظرتم إلى كتاب الوجود والزمان لهايدغر، ترون بوضوح أثراً بارزاً لالتزام هايدغر بهذا المنهج التحليلي في أجزاء منه.
۳- معنى آخر للتحليل الفلسفي متأثر أيضاً باستعارة هندسية، لكن هذه المرة متأثر بالهندسة التحليلية الديكارتية. في هذا المعنى، ينصب التركيز الأساسي على الوجه الاختزالي-الترجمي للتحليل. هذا المعنى للتحليل الفلسفي طرحه أولاً منطقيون ورياضيون فلاسفة مثل غوتلوب فريغه وبرتراند راسل وكذلك جورج إدوارد مور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. التحليل في آرائهم يعني الترجمة المنطقية، أي اختزال وترجمة كل قضية إلى قضية في منطق المحمولات؛ منقاة من الصناعات والتعقيدات الأدبية والالتباسات المادية والصيغية. في هذا المنهج التحليلي، تأخذ الصياغة المنطقية للقضايا مسافة ذات معنى من الفهم المتعارف للقضايا بمقتضى القواعد النحوية واللغوية فحسب. هذه المسافة هي التي تميز الاختزال والترجمة المنطقية عن البحث اللغوي-الأدبي المحض وتقربه من البحث الفلسفي أو تحوله إليه. يعود جذر الفهم الاختزالي-الترجمي للتحليل الفلسفي إلى الهندسة التحليلية، خصوصاً في أعمال وآراء ديكارت. في الهندسة التحليلية الديكارتية، تُترجم المسائل والقضايا الهندسية أولاً وتُختزل إلى مسائل وقضايا الجبر والحساب الصيغية. ما سُمي لاحقاً بالفلسفة التحليلية كان في البداية يشير في الغالب (إن لم نقل حصراً وبشكل كامل) إلى هذه المدرسة الاختزالية-الترجمية.
۴- يمكن تلمس المعنى الرابع لدى مدرسة من الكانطيين الجدد والظاهراتيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. كما أن علم النفس الغشتالتي متأثر بهذا المعنى من التحليل الفلسفي. وكان إرنست كاسيرر أيضاً متأثراً بهذا المعنى من التحليل. من أوائل من طرح هذا الفهم للتحليل الفلسفي برنارد بولتسانو (Bernard Bolzano)، المنطقي والكاهن ومدرس اللاهوت والرياضي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. كان بولتسانو منطقياً بارزاً طرح وبحث مفهوم ومسألة "الصدق المنطقي" قبل مئة عام من تارسكي وكارناب. وقد بيّن، باستخدام منهجه الابتكاري لتحليل القضايا المعروف بمنهج تغيير الأفكار (idea-variation)، خللاً منطقياً في اعتبار وكفاية التمييز الكانطي الراسخ بين القضايا التركيبية والتحليلية، وسعى إلى إعادة بنائه من جديد بناءً على منهجه الابتكاري هذا. التحليل الفلسفي عند بولتسانو وبعض الكانطيين الجدد في القرن التاسع عشر كان في خدمة فك التعقيدات التي تتسرب إلى صياغاتنا المفهومية لتجاربنا. هذه التعقيدات في نظرهم لا تتعلق بالعناصر والمكونات المشكلة للمفاهيم والقضايا (التي تُحل وتُفصل بتجزئة وتحليل كل مركب)، وليست "تحليلية" مثل المسائل الهندسية (التي تُزال بمنهج التحليل الرجعي أو بمنهج الاختزال والترجمة). هذه التعقيدات ناظرة إلى اللحظات المتغيرة والعابرة لظاهرة ما وإلى وجوهها وأبعادها المتحولة. لذلك، لم يكن التحليل بمعانيه الثلاثة السابقة في نظرهم سوى نبذ ورفض لهذه التعقيدات. ولهذا السبب، ولأن هذه الأنواع الثلاثة من التحليل لم تعترف بالمشكلة، فقد كانت تمحو صورة المسألة ولم تكن تملك إمكانية لحلها وتفكيكها.
٥- المعنى الخامس الذي أود ذكره هنا لا ينتمي، شأنه شأن المعنى الرابع، إلى تيار فكري موحد، غير أن أهم فروعه متأثر بالكيمياء التحليلية في القرنين التاسع عشر والعشرين. روبن جورج كولينجوود، وهو من الفلاسفة المثاليين الإنجليز، يقدم في نقده للوضعيين المنطقيين (خصوصا لنبذهم الميتافيزيقا) معنى جديدا للتحليل الفلسفي. ففي المعنى الذي يقترحه للتحليل الفلسفي، يكون التحليل الميتافيزيقي بحثا عن الافتراضات المطلقة (absolute presuppositions). ووفقا لرأيه، فإن هذه الافتراضات المسبقة هي في الواقع الأسس الدائمة لكل نوع من النشاط الفكري في تاريخ الأفكار العلمية والفلسفية.
في مقابل هذه الاتجاهات الخمسة للتحليل الفلسفي، يقف فلاسفة ومدارس فلسفية أخرى تنتقد من حيث المبدأ، أو تنكر من الأساس، التحليل بكل معانيه المذكورة كمنهج للتفلسف. وتندرج تقريبا جميع فروع المثالية والرومانسية ضمن هؤلاء المعارضين.
وكما أشير، فإنه من بين المعاني الخمسة المذكورة للتحليل الفلسفي، فإن التيارات التي تبنت، إلى حد ما، المعنى الثالث للتحليل وطبقته مع بعض التعديلات، تُعرف بأنها الفروع الرئيسية للفلسفة الموسومة بالتحليلية (في مقابل ما يسمى بالفلسفة القارية). في حين أن هذا يستلزم اختزال التنوع المتعدد للتحليل الفلسفي إلى معناه الثالث. علاوة على ذلك، حتى في مقام التحليل الفلسفي بالمعنى الثالث، ينبغي الاستعانة بالتحليل الفلسفي بمعنييه الأول والثاني. وإضافة إلى هذا، إذا ما دققنا في المعنيين الرابع والخامس للتحليل الفلسفي، يتضح أنهما، رغم تبنيهما مقاربة تحليلية للفلسفة، يقفان في صف معارضي ومنتقدي التقاليد الثلاثة الأولى. وبتعبير آخر، فإن بعض التيارات الفلسفية التي تنتمي عادة إلى التيارات الفلسفية الموسومة بالقارية هي تيارات تحليلية. والعكس صحيح أيضا. فالمثالية والرومانسية الإنجليزيتان، رغم نشأتهما ونموهما داخل التقاليد الفلسفية الأنجلو-أمريكية، لا تنتميان إلى عائلة الفلسفات المسماة تحليلية، ووفقا للتقسيم القاري-التحليلي ينبغي اعتبارهما قاريتين. وفوق كل هذا، فمن غير الواضح ما الذي يمكن أن يفعله هذا التقسيم القاري-التحليلي بفلاسفة مثل كواين وسيلارز من جهة، وبوبر وغيره من العقلانيين النقديين من جهة أخرى.
إن تقسيم التيارات الفلسفية إلى تحليلية وقارية، إضافة إلى كل هذه المشكلات، يعاني من مشكلات أوضح. منها، مثلا، أنه ليس محددا بدقة ما هو مقسم هذا التقسيم. أو أنه من غير الواضح لماذا وُصف أحد القسمين بصفة جغرافية؛ أي الفلسفة القارية، والقسم الآخر بوصف منهجي أو مضموني أي الفلسفة التحليلية. ولو عبر عن التقسيم، بدلا من القارية والتحليلية، بصيغة القارية والأنجلو-أمريكية، لارتفع هذا الإشكال إلى حد ما، ولكن إشكالا أكبر يبرز. الإشكال الأكبر هو أنه كأنما في هذه التسمية الجديدة افتراضا قوميا-وطنيا مضمرا حول الفكر الفلسفي، أي كأن الفكر الفلسفي تابع للغة أو للجغرافيا، ويمكن بالإشارة إلى جغرافية نشأة الأفكار أن نُنبأ عن مضمونها واختلافها عن الأفكار التي ترعرعت في جغرافية أخرى. ناهيك عن أن بعضا من مشاهير كل من هاتين النحلتين الفلسفيتين ينبغي، بناء على جغرافية اللغة والمولد والحياة، وضعه في الجانب المقابل.
يرى بعض أهل النظر أن درجة الاستدلال والتبرير في الفلسفة التحليلية أعلى منها في الفلسفات الأخرى. ومن جهة أخرى يتناولون مسألة أن التحليل والتفكيك والابتعاد عن الوجه الخطابي والبلاغي موجودة بوصفها خصائص لها في مجال الفلسفة التحليلية. وبهذه التفاسير، ما الفرق بين الفلسفة التحليلية والعلم، وما الفرق بينها وبين فلسفة العلم؟
ورغم أن الصلة بين مقدمة سؤالك والسؤال نفسه ليست واضحة لدي، فلا يفوتني أن أقول إني أرى رأي الفلاسفة العقليين النقاد في مجال الاستدلال الفلسفي صائباً، وأعتقد أن عمل الفلسفة ليس «التبرير» (justification) بل النقد، والفارق بينهما كالفارق بين الإيديولوجيا والعلم. لكن إذا تجاوزنا مقدمة سؤالك، فسأوجز في صلب سؤالك ملاحظتين. الفرق بين الفلسفة (وليس الفلسفة التحليلية فحسب) وفلسفة العلم هو في مرتبتها. فلسفة العلم من سنخ المعرفة الفلسفية من المرتبة الثانية (second order)، في حين أن المعرفة الفلسفية ليست بالضرورة من المرتبة الثانية. المعرفة من المرتبة الثانية هي معرفة يكون موضوع بحثها من جنس المعرفة ذاته. أما المعرفة الفلسفية فهي معرفة تُحصَّل بمنهج البحث الفلسفي، سواء أكان موضوعها العلم أم سائر المفاهيم الكلية. إذن، تُعرَّف فلسفة العلم بسمتين: المنهج الفلسفي، وموضوعها الذي هو أحوال العلم التجريبي وشؤونه. أما الفلسفة فتُعرَّف بسمة واحدة هي منهج البحث الفلسفي. ومن هنا يكون نطاق فلسفة العلم أضيق من نطاق الفلسفة. وعليه، فنسبة الفلسفة إلى فلسفة العلم هي نسبة العام والخاص المطلق، أي أن نطاق بحث الثانية يندرج بالكامل ضمن نطاق بحث الأولى.
أما علاقة العلم بالفلسفة فينبغي فهمها بالنظر إلى اختلاف مناهجهما. في البحوث الفلسفية، منهج البحث هو التحليل المنطقي والمفهومي، بينما المنهج في العلم التجريبي يشتمل على أنواع الاختبارات التجريبية.
هل الفلسفة التحليلية ضرب من المدرسة الفلسفية أم ضرب من منهج البحث يمكن توظيفه في أي موضوع بحثي، سواء في العلم أم في الفلسفة؟
بالتوضيح الذي مضى في جواب السؤال الأول، فإن الفلسفة التحليلية التي تشكلت حول المفهوم الثالث للتحليل الفلسفي كانت برنامجاً بحثياً لم يعد يُتَّبع اليوم بالصورة ذاتها غالباً. لكن التحليل الفلسفي بمعانيه الأربعة الأخرى يكون تارة تقنية ومنهجاً، وتارة أخرى مقاربة منهجية.
إلى أي مدى يمكن تتبع جذور الفلسفة التحليلية برأيكم؟ هل ينبغي البحث عن جذور الأفكار التحليلية في فلسفة كانط (بالنظر إلى أنه أول من قسم القضايا إلى تحليلية وتركيبية)؟ أم أن هذه الجذور ينبغي أن تُمد إلى أبعد من ذلك، فتُتتبع في أفكار لايبنتس وديكارت، بل وأبعد إلى أفلاطون وأرسطو؟
يتضح جواب هذا السؤال بالنظر إلى ما أوردته تحت السؤال الأول. جذور الفلسفة التحليلية بالمعنى الخاص الناظر إلى المعنى الثالث للتحليل الفلسفي تعود إلى لايبنتس وديكارت. أما الفلسفات التحليلية بوجه عام فلها جذور أعمق يمكن تتبعها حتى أفكار بعض فلاسفة اليونان القديمة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.
يقسم بعض المفسرين التيارات الفكرية المعاصرة إلى تيارين رئيسين: أحدهما الفلسفة الأنغلوساكسونية والآخر الفلسفة الأوروبية القارية. ويرى آخرون، مثل هانس غلاك، أن هذا التقسيم خاطئ. فهل تقبلون هذا التقسيم؟ وإذا كان خاطئاً، فما هو الوجه المميز الذي يفصل الفلسفة التحليلية عن الفلسفة الأوروبية برأيكم؟ وهل ثمة علاقة بين معارضة المثالية والرومانسية وموافقة الفلسفة التحليلية؟
لقد أجبت على هذا السؤال تحت السؤال الأول. لكن ما أود إضافته هنا هو أنه يبدو أن هناك تقسيماً أكثر فائدة (من الناحيتين المعرفية والتعليمية) لتصنيف الفكر الفلسفي. في هذا التقسيم، ينبغي تمييز الأفكار الفلسفية بعضها عن بعض بمعيار مركب هو «العقلانية والنقدية» في مقابل «اللاعقلانية واللانقدية». إن المعيار الحاصل من الجمع بين النقدية والعقلانية يضمن الفوائد الموجودة في التقسيم التحليلي-القاري. وفضلاً عن ذلك، ينطوي على فوائد أخرى، وفي المقابل يخلو من المشكلات التي يعاني منها التقسيم التحليلي-القاري. ما أعنيه بهذا المعيار المركب هو الشكل المطور من العقلانية النقدية (critical rationalism) الذي عبّر عنه خصوصاً ديفيد ميلر، تلميذ كارل بوبر والأستاذ الحالي في جامعة وارويك بإنجلترا.
ما مكانة الفلسفة التحليلية في الوسط العلمي والفلسفي الإيراني، وهل يمكننا أن نسمي فيلسوفاً تحليلياً في إيران؟
إذا أردتُ الإجابة عن هذا السؤال بناءً على إجابتي عن سؤالك السابق، فينبغي أن أقول نعم، لحسن الحظ أن الفلسفة التحليلية، وخصوصًا بالمعنى الذي يقصده العقلانيون النقّاد من التحليل الفلسفي، قد لاقت إقبالًا واسعًا في بلدنا. لكن في الوقت نفسه، يتم الترويج على نطاق واسع للفلسفات المضادة للتحليل (الرومانسية والمثالية) والفلسفات التحليلية غير النقدية أو غير الواقعية في بلدنا أيضًا. قبل الثورة، كانت الفلسفة التحليلية والعقلانية النقدية في إيران شبه مهجورة ومجهولة. بعد الثورة الإسلامية، أدّى الدكتور سروش دورًا مهمًا في التعريف بالفلسفة التحليلية والعقلانية النقدية والترويج لهما في الوسط الجامعي الإيراني. وبالمقارنة مع ما كان عليه الحال قبل ثلاثة أو أربعة عقود، يُبدي اليوم عددٌ كبير نسبيًا من المدرّسين والأساتذة والمترجمين إقبالًا على الفلسفة التحليلية والعقلانية النقدية. ومن بينهم، يمكنني هنا أن أذكر الدكتور علي بايا الذي أدّى دورًا مهمًا في التعريف بالفلسفة التحليلية ومنهج العقلانية النقدية في السنوات الأخيرة.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار عالی. دکتر مجتهدی از اساتید بسیار خوب ایران در فلسفه سیاسی هستند. فلسفه تحلیلی را در اینجا بخوبی تشریح کردند.