اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ما علاقة الفلسفة التحليلية بالحياة اليومية؟ كانت الفلسفة في الأصل أسلوباً للعيش، غير أن النظام الأكاديمي أضعف هذه الصلة؛ تقرير عن الجلسة الأولى من ملف الفلسفة التحليلية في الحياة اليومية بحضور مديري أقسام الفلسفة.

النص التالي هو الجلسة الأولى من سلسلة جلسات ملف «الفلسفة التحليلية في الحياة اليومية» والتي أُقيمت في ١٤ حواراً عبر إنستغرام باستضافة محمد رضا واعظ وبهمة مؤسسة بيدايش (رويش ديگر) الثقافية الفنية في ربيع عام ١٤٠١. فيديو جميع الجلسات متوفر في نهاية هذه الصفحة.
.
.
محمد رضا واعظ: الفلسفة التحليلية في الحياة اليومية موضوع مفصّل، ولربما وجد كثيرون ممن شاهدوا هذا العنوان أنه مثير للاهتمام أو حتى غريب، وقد تباينت النظرات حول هذا العنوان. النقطة المثيرة للاهتمام هي أن ضيوفنا الثلاثة في هذا البرنامج هم من رؤساء أقسام الفلسفة في جامعات إيرانية مختلفة. نستضيف الدكتور شيخ رضائي، رئيس مجموعة دراسات العلوم في مؤسسة الحكمة والفلسفة الإيرانية، والدكتور إبراهيم آزادگان رئيس كلية فلسفة العلوم في جامعة شريف، والدكتور بابك عباسي رئيس قسم الفلسفة في جامعة آزاد الإسلامية فرع العلوم والبحوث بطهران.
اقترح الدكتور شيخ رضائي كتاب what is analytic philosophy[1] الصادر عن منشورات كامبريدج، وهو كتاب معتبر جداً. يُستخدم هذا الكتاب كمصدر في إيران وفي أماكن أخرى، وقد تُرجم في إيران على يد الدكتور ياسر خوشنويس العزيز. يتناول هانس يوهان غلوك في هذا الكتاب تعريف الفلسفة التحليلية بمقاربة تحليلية وميتافلسفية، محاولاً تقديم تعريفات مختلفة لها. وقد قام في هذا الكتاب بشرح ونقد الرأي القائل بأن «الفلسفة التحليلية لا تمتلك مقاربة تاريخانية، أو أنها تتعارض مع الميتافيزيقا، أو أنها تستخدم فقط المنهج المنطقي-التحليلي». من وجهة نظره، عادةً ما يحصر نقاد الفلسفة التحليلية الفلسفةَ التحليليةَ في عدد قليل من الفلاسفة أو بضع نحل محددة. ولكن، منذ النصف الثاني من القرن العشرين فصاعداً، تم بحث ومناقشة الإلهيات وفلسفة الأخلاق وعلم الجمال وفلسفة الدين والفلسفة السياسية أيضاً في الفلسفة التحليلية، وليس صحيحاً أن نقول إن الفلسفة التحليلية منفصلة بشكل عام عن الفلسفة العملية والتطبيقية. في النهاية، يقول المؤلف إننا لا نستطيع تقديم تعريف جامع مانع للفلسفة التحليلية. وهو يستخدم أخيراً مقاربة «التشابهات العائلية» عند فيتغنشتاين ويقول إننا نستطيع فقط أن نقول إن كل هذه الأمور تستفيد من مجموعة تشابهات عائلية، ويقدم تعريفاً للفلسفة التحليلية على هذا النحو.
لكن الفلسفة التحليلية تندرج في البداية تحت مظلة الفلسفة، ولربما كان من الأفضل كمقدمة أن نبحث أولاً في علاقة الفلسفة بالحياة اليومية، ونقول ما الذي يمكن أن نعنيه بالفلسفة في الحياة اليومية، ونفحص علاقة الفلسفة بالحياة اليومية، ثم نتناول الفلسفة التحليلية.
حسين شيخ رضائي: الموضوع الذي اخترتموه لهذه السلسلة من اللقاءات هو موضوع مهم جداً، وعلى حد علمي لم يُتناول بشكل منهجي، على الأقل في إيران، حتى الآن. إنه موضوع مهم يمكن أن تُكتب حوله كتب ورسائل، وقد تم تناوله بشكل قليل جداً على المستوى الدولي أيضاً، لكن على أية حال هناك من انتبه إلى هذا الموضوع.
السؤال المطروح هو؛
ما هي علاقة الفلسفة بالحياة اليومية؟
والسؤال الثاني؛
في الفلسفة التحليلية التي هي أحد فروع الفلسفة، هل هذه العلاقة متميزة أم لا؟
من الأفضل أن نبدأ من قسم الفلسفة. تقريبًا كل من تناول موضوع علاقة الفلسفة بالحياة اليومية أشار إلى أنه إذا عدنا إلى جذور الفلسفة في اليونان القديمة، وتحدثنا تحديدًا عن سقراط وأفلاطون، فإن الفلسفة في تلك الفترة قُدّمت تاريخيًا أساسًا كأسلوب حياة؛ أي في مقابل أساليب الحياة الأخرى التي كان يقدمها السفسطائيون مثلاً، يعرّف سقراط نوعًا جديدًا من الحياة في المجتمع بوصفه «أسلوب حياة». إذا كان المقصود من الفلسفة هو العثور على الحقيقة والبحث عنها، فإن هذه الحقيقة في الفكر اليوناني كانت تعني الفضيلة والخير، وهو ما كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بحياة الإنسان. أي أن ما أظهره سقراط، سواء في حواراته أو في حياته الشخصية، هو أنه ضحى بنفسه في سبيل مثلٍ أعلى؛ ذلك المثل الأعلى هو أن الفلسفة، بوصفها نمطًا من أنماط العيش، هي سعيٌ وراء الحقيقة، وأن تلك الحقيقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا ومتينًا بالفضيلة والخير. بمعنى أننا إذا قلنا إن المباحث المتعلقة بالحياة اليومية تقع في نطاق الخير، بمعنى أنها تتعلق بـ«ما هو خير من الناحية الأخلاقية»، فعلى الأقل في نقطة البداية كان هذان متطابقين؛ أي أن البحث عن الفضيلة والخير والبحث عن الحقيقة لم يكونا منفصلين. إذن، من الناحية التاريخية، هذه النقطة واضحة على الأقل، وهي أن الفلسفة في جذورها كانت مرتبطة بالحياة اليومية، وقُدّمت أساسًا كأسلوب حياة. وقد حُفظ هذا الفكر إلى حد ما في التطور التاريخي للفلسفة، وظهر في مواضع مختلفة في العصور الوسطى وفي العصر الإسلامي، على شكل أن التفلسف مرتبط بنوع خاص من العيش، وأن الفيلسوف لا يفعل أي شيء، أو لا يقول كلامه لأي أحد، أو لا يستطيع أي أحد أن يفهم كلام الفلسفة. أو في أشكاله الجديدة، كأن تقوم الفلسفة بنوع من العمل العلاجي، قد حُفظ إلى حد ما.
لكن، ربما ما يجعل هذا الأمر غريبًا بالنسبة للمستمع العادي ليس الفلسفة نفسها، بل المنظومة الأكاديمية للفلسفة. هذه نقطة مهمة يمكننا الحديث عنها. وقد أشار إلى ذلك العديد من الفلاسفة، وتحدثوا عن صلة أو انفصال المنظومة الأكاديمية للفلسفة بالحياة اليومية. منذ أن أصبحت الفلسفة على هيئة منظومة أكاديمية، ودخلت خصوصًا في القرن العشرين في منظومة إنتاج أكاديمي جماهيري، وهذا بالطبع لم يقتصر على الفلسفة وحدها، بل كانت جميع التخصصات الأكاديمية تتسم بهذه السمة، بيئةٌ شعارها هو «انشر كي تبقى حيًا!»؛ وهكذا، أصبحت علاقة الفلسفة بالحياة باهتة جدًا، أو تغيرت ماهيتها تمامًا، أو اتخذت شكلاً جديدًا. في هذه المنظومة، تبدو الفلسفة كأنها عجلة تدور ولا شأن لها بما يجري في المجتمع. قد يتبادر إلى ذهن المستمع والمشاهد العام البعيد عن الفلسفة، عندما نتحدث عن الفلسفة، المنظومة الأكاديمية للفلسفة، وعندئذٍ يُطرح السؤال: ما العلاقة بين هذه المنظومة والحياة اليومية؟
النقطة الأخرى التي يجب أن أضيفها هنا هي أننا، بشكل خاص، عندما نتحدث عن علاقة الفلسفة التحليلية بالحياة اليومية، نجد أن فلاسفة تحليليين من الطراز الأول في القرن العشرين قد صرحوا بأن الفلسفة التحليلية، من وجهة نظرهم، لا علاقة لها بالحياة اليومية ولا ينبغي أن تكون لها علاقة. اثنان من الأشخاص المشهورين الذين أدلوا بهذا الرأي هما سكوت سومز[2] الذي له كتاب في تاريخ الفلسفة التحليلية، واشتهر عنه هذا الاقتباس: إن الفلسفة أساسًا تسعى وراء الصدق والمعرفة، ولا تسعى إلى الارتقاء الأخلاقي والروحي، ولا يُعلّم فيها شيء لفن العيش. كما أدلى آخرون بهذا الرأي أيضًا. وهناك اقتباس عن كريبكي[3] أيضًا، حيث صرح في مقابلة بأن «هدف الفلسفة هو السعي وراء الصدق، وأن كون الفلسفة مرتبطة بالحياة اليومية هي فكرة جديدة وحديثة لا سابقة لها في تاريخ الفلسفة». في الواقع، ما أريد قوله هو أن هذا موقف يتخذه البعض داخل أكاديمية الفلسفة التحليلية، وقد يكون لدى من هم في الخارج بوصفهم مراقبين عموميين مثل هذا الإحساس أحيانًا، خصوصًا عندما ينظرون إلى المنظومة الأكاديمية للفلسفة والمقالات الفلسفية.
محمد رضا واعظ: كما أشار الدكتور شيخ رضائي، فإن سكوت سومز في كتابه ذي المجلدين «التحليل الفلسفي في القرن العشرين» وهو كتاب معتبر في مجال تاريخ الفلسفة صادر عن منشورات جامعة برينستون، يطرح فكرة أن عمل الفلسفة التحليلية هو في الأساس السعي وراء الحقيقة والمعرفة وليس تقديم تعليمات مفيدة لفن الحياة. [4] لكن في المقابل، فإن ما أشار إليه الدكتور شيخ رضائي بخصوص سقراط يلفت إلى أن سقراط كان يرى الفلسفة كنموذج للحياة وفي سبيل تحسين الحياة والوصول إلى الفضيلة والخير. هذه الفضيلة يمكن أن تحمل معاني مختلفة: مثلاً الفضيلة في فلسفة أرسطو وأفلاطون قائمة على السعادة، أو في فلسفة كانط قائمة على أداء الواجب. لكن الفلسفة، منذ اليونان القديمة، كانت تقدم نماذج للحياة الأفضل، وهذا ما يظهره تاريخ الفلسفة أيضاً. في هذا السياق نُشرت مقالة تشير بدقة إلى هذا الموضوع. يرى مؤلفا هذه المقالة أنه منذ فترة معينة، وقع سوء فهم من قبل بعض الفلاسفة التحليليين البارزين، تم بموجبه تغيير أهداف الفلسفة بشكل عام. أي أن هدف الفلسفة كان تحسين الحياة، ثم اتجه بعد ذلك نحو مسار آخر. وقد استخدما أيضاً مصطلح misunderstanding أو «سوء الفهم» في هذا الشأن.[5] إذن، النقاش الآخر الذي سنخوضه في هذه الندوة هو: هل ينبغي لنا، وفقاً لفكر رواد الفلسفة، أن نتبنى هذا التصور بأن تفسيراً خاطئاً قد تشكل حول الفلسفة، وأن الفلسفة قد ضلت طريقها على يد بعض الفلاسفة البارزين ويتعين عليها العودة إلى مسارها الصحيح؟ أم أن بإمكاننا أن نجد تأويلات أخرى؟
أطلب من الدكتور آزادكان أن يتفضل بملاحظاته بناءً على ما تحدثنا عنه.
إبراهيم آزادكان: أود أن أخالف الدكتور شيخ رضائي لكي يتشكل نقاش أكثر جدية وتكون لدينا رؤية أوضح.
طرح الدكتور شيخ رضائي ثلاث دعاوى أخالفها؛ الأولى هي أن مسألة الفلسفة منذ البداية كانت مسألة الحياة اليومية؛ والدعوى التالية هي أن الفضاء الأكاديمي في القرن العشرين وما بعده تسبب في انفصال الفلسفة التحليلية عن الحياة اليومية للناس. والدعوى الثالثة هي أن سكوت سومز وكريبكي وبعض الفلاسفة التحليليين يدّعون أن الفلسفة التحليلية لم تأتِ لتحسين حياة البشر وفن العيش.
علينا أن نفصل بين أمرين؛ الأول علاقة الفلسفة التحليلية بالحياة الإنسانية والحياة البشرية، قيمة البشر، الأخلاق، معنى نمو الإنسان، علاقة البشر ببعضهم البعض، مسألة السياسة ومسألة العلاقات الاجتماعية، والثاني عنوان هذا البرنامج، أي الفلسفة التحليلية والحياة اليومية.
معنى الحياة اليومية هو أنني اليوم مثلاً أشتري البرتقال؛ أشرب الحليب أو لا أشربه؛ أضغط زر الإعجاب على منشورات وصور الآخرين في إنستغرام أو لا أفعل؛ هذه هي الحياة اليومية. هذا التصور بأن للفلسفة والتفكير الفلسفي صلة بالحياة اليومية، هو في رأيي خاطئ مئة بالمئة. لم يكن الأمر كذلك منذ البداية، ولا هو الآن، ولا ينبغي أن يكون، وهذا ناتج عن انحراف جسيم، بسبب رتابة الحياة الإنسانية التي وقعنا فيها؛ مع الأسف مع ازدياد دخول الفضاء الافتراضي إلى حياتنا. للفضاء الافتراضي، بصرف النظر عن محاسنه التي ليست موضوع نقاشي الآن، مضار كبيرة، ومن أهمها ملء قوة الوهم والخيال لدى البشر بصور وأخبار فارغة المحتوى أو قليلة المحتوى وعابرة. تمتلئ أذهاننا بالصور، وتصبح "قوة الخيال" لدينا أسمن يوماً بعد يوم. سمنة الخيال هذه تمنع التأمل الفكري العميق والتفلسف. هذا النمط من الحياة، وبتعبير أدق، مسخ الهوية الإنسانية وتحويلها من كائن مفكر إلى كائن متخيل، جعلنا ننسى ما كانت عليه أهدافنا الإنسانية والفكرية العميقة والجادة بشأن البشرية والعالم، وما ينبغي أن تكون عليه. والطريف أننا نريد الآن أن نجذب الفلسفة معنا إلى الأسفل؛ أي أن نجذب الفلسفة من علياء التفكير الإنساني العميق إلى هاوية الخيالات اليومية. في رأيي، لا علاقة للفلسفة بالحياة اليومية، وعملها هو التأمل في الأسئلة الجادة التي يطرحها البشر منذ أكثر من ألفي عام، مثل موقع الإنسان في العالم أو علاقة الإنسان بالله، والتي ربما تكون قد حظيت بالاهتمام والتساؤل في فترة من فترات الفلسفة التحليلية، أو جرت محاولة حلها. لكن الفلاسفة التحليليين الآن يتناولون تقريباً كل هذه الأنواع من الأسئلة. سواء مسألة الأخلاق، أو مسألة السياسة، أو الدين والميتافيزيقا، كل هذه نقاشات جادة جداً تتناولها الفلسفة التحليلية المعاصرة. مفهومي عن الفلسفة التحليلية هو أنها فلسفة تحاول بدقة نظرية أن تطرح التعاريف وتقدم الحجج للفكرة التي تتبناها. بعد مرور عدة سنوات وأنا أدرس موضوعات مختلفة في الفلسفة التحليلية، لدي هذا التعبير عنها.
الفلسفة التحليلية الآن هي بالأحرى منهج يُستخدم للإجابة عن الأسئلة الأساسية للفلسفة، لكنني أجد صعوبة بالغة في إيجاد علاقة بين مقالات وكتب الفلسفة التحليلية ومسائل الحياة اليومية. هذا ليس نقصاً في الفلسفة التحليلية فحسب، بل هو في رأيي الموقع الذي ينبغي أن تكون فيه بالضبط. خصوصاً في عالم يسعى إلى مسخ الإنسانية وتقليل عبء التعقل لدينا. ما الداعي لأن نخفض مستوى التفلسف إلى درجة أن يكون له شأن بالحياة اليومية للبشر؟ لا سقراط، ولا ابن سينا، ولا لايبنتس، ولا هيغل، لم يكن لأي منهم شأن بالحياة اليومية للبشر. يقال إن شرط دخول الأكاديمية كان معرفة الهندسة. كذلك عامة الناس لم يحضروا درس هيغل قط، وبالطبع لو حضروا لما استطاعوا فهمه، ولم يكن هناك داعٍ لأن يفعلوا ذلك.
محمد رضا واعظ: بعد معارضة الدكتور آزادغان، سيكون نقاشنا بلا شك أكثر إثارة. من الأفضل أن نستمع إلى حديث الدكتور عباسي في هذا الشأن أيضاً.
بابك عباسي: سأبدأ النقاش أنا أيضاً بموضوع الفلسفة التحليلية وعلاقتها بالحياة اليومية.
في البداية، أريد أن أتحدث عن التمييز بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية، وأقول إن هذا الفصل بحد ذاته محل تساؤل ولا ينبغي اعتباره صارماً وجامداً. الحديث الآن يدور عن فلسفة ما بعد التحليلية التي لها ممثلون أيضاً. هناك أيضاً بعض الفلاسفة الذين لا ينتمون إلى أي من هذين المعسكرين، ولا يزال هناك خلاف حول ماهية الفلسفة التحليلية، وأريد أن أقول إن الاختلاف بين الفلسفة التحليلية والقارية هو بحد ذاته موضع تساؤل يجب أن ننتبه إليه.
بخصوص الفلسفة التحليلية والحياة اليومية، ينبغي القول إنه وفقًا لمبدأ السياق، يُطرح كل سؤال في سياق ما. فسؤال: كم الساعة؟ مثلًا، يمكن أن يحمل معاني مختلفة في سياقات مختلفة، فمثلًا قرب حلول العام الجديد وفي شهر رمضان، يكون لسؤال «كم الساعة؟» معنى، وعندما يسألك أحد المارة هذا السؤال، فإنه يتوقع منك معنى وجوابًا آخر. في هذا السياق الذي نحن فيه الآن، يختلف السؤال عن ماهية الفلسفة التحليلية عن الوقت الذي نطرح فيه هذا السؤال في جلسة مناقشة أطروحة دكتوراه. إذن، عندما نسأل: ما هي الفلسفة التحليلية في الحياة اليومية؟ ينبغي أن نتحاور أيضًا حول مفهوم الحياة اليومية. نعلم جميعًا أن للفلسفة التحليلية تعريفات متعددة، وهناك خلاف حولها، ولم يُتوصل بعد إلى اتفاق واحد على تعريفها.
في السياق الذي نحن فيه في هذا النقاش، عندما نسأل «ما هي الفلسفة التحليلية؟» فإننا لا نبحث عن تعريف دقيق وتحليلي للفلسفة التحليلية، بل إن نقطة تركيزنا في هذا النقاش هي الحياة اليومية. أنا أعرّف الفلسفة التحليلية في الإطار العام للفلسفة، وقصدي هو ذلك التعريف للفلسفة التحليلية الذي يتحدد بعملين محددين؛ أحدهما الشرح والتحليل المفهومي، والآخر هو الاستدلال والتبرير، واللذان يتمان بالطبع في صلب التقييم والفحص النقدي.
يمكن أن يكون لدينا تصوران عن ماهية الفلسفة نفسها، وبالتالي ماهية الفلسفة التحليلية. أحدهما تصور نخبوي والآخر تصور غير نخبوي. في التصور النخبوي، نعتبر الفلسفة خاصة ومقتصرة على طبقة معينة من الأفراد الذين لديهم تعليم أكاديمي خاص، ودُرّبوا على النشاط في هذا المجال؛ أما في التصور غير النخبوي فلا توجد مثل هذه النظرة. في التصور غير النخبوي، الذي كان يقول به، من قبيل الصدفة، أحد الفلاسفة التحليليين المهمين، وهو بوبر، يقول: إن كل رجل وامرأة هو فيلسوف، لكن بعضهم فلاسفة أفضل. هذا التصور غير النخبوي للفلسفة والفلسفة التحليلية أكثر صلة بنقاشنا. بالتأكيد حدث لكم أيضًا أنكم تواجهون أحيانًا شخصًا في كلامه حكمة، وعندما تستمعون لحديث هذا الشخص ترونه يتحدث عن مسائل قد يتحدث عنها، من قبيل الصدفة، فلاسفة من الطراز الأول أيضًا، وهنا تحديدًا ترتبط الفلسفة التحليلية بالحياة اليومية.
نقطة أخرى يمكن ذكرها حول اختلاف الفلسفة عن التخصصات الأخرى، هي أن تخصصات مثل الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات لا يمكن فهمها بشكل غير نخبوي، لكن العلوم الإنسانية عمومًا، والفلسفة خصوصًا، ليست كذلك؛ أي أن التصورات غير النخبوية وغير المهنية ممكنة أيضًا في العلوم الإنسانية. ولهذا السبب تحديدًا، مثلًا، إذا سألك شخص في سيارة الأجرة «ما هي مهنتك؟» وأجبتَ بأنك تُدرّس الفيزياء أو الكيمياء، ينتهي السؤال والجواب عند هذا الحد، وتتحدثون بعدها عن أشياء أخرى. أما إذا قلت إنك تُدرّس الفلسفة، فسيكون السؤال التالي: حسنًا، ما هي هذه الفلسفة؟ إذن يمكننا طرح الفلسفة في إطار كهذا.
في الإجابة عن سؤال: ما هي نسبة الفلسفة أو الفلسفة التحليلية إلى الحياة اليومية؟ ينبغي أن نرى أساسًا ما هي التصورات الموجودة عن الفلسفة، وبأي دوافع يتجه الأفراد إلى الفلسفة؟ من الأخطاء التي قد تحدث هنا هو ذلك التصور القائل بأن لدينا نوعًا واحدًا فقط من التفلسف، وكأن الأفراد يتجهون إلى الفلسفة بدافع واحد فقط، والفلسفة نوع واحد فقط، بينما، كما تحقق في تاريخ الفلسفة، لدينا تصورات مختلفة عن الفلسفة. سأشير هنا إلى أربعة تصورات عن الفلسفة. مصدري الرئيسي لهذا التقسيم هو تقسيم ريتشارد كريل في كتاب «التفكير فلسفيًا» (thinking philosophically)، مع الإيضاح أنني لخّصت ذلك التقسيم بشكل أكبر، وجعلته، حسب ظني، أكثر انسيابية وترتيبًا.
التصور الأول، هو تصور معرفي، بمعنى أن الفلسفة هي فهم العالم والواقع. بعبارة أخرى، الفلسفة بوصفها معرفة بالعالم، لكنها معرفات متعددة ومجزأة، وعلى حد تعبير إزايا برلين، معرفة ثعلبية بالعالم. الثعلب يعرف أشياء كثيرة. في هذا التصور، يتجه الناس إلى الفلسفة بدافع البحث عن المعرفة.
التصور الثاني، هو التصور المتعالي، وإن أردنا أن نستعير كلام أشعيا برلين مرة أخرى، فهو معرفة قنفذية، أي أن تنظر إلى العالم بوصفه كلاً وتختزل العالم كله في مبدأ واحد أو اثنين أو ثلاثة، وتكون لديك معرفة كلية.
التصور الثالث، الدافع للذهاب إلى الفلسفة، هو الفضول، وهنا يمكننا أن نعتبر الفلسفة بمنزلة لغز أو أحجية، نوع من اللعب الفكري الجذاب. هذه فلسفة لأجل الفلسفة. في هذا التلقي، ليس لدينا هدف خاص من التفلسف. يبدو أن الفلسفة التحليلية المعاصرة تحمل أحيانًا هذه النظرة إلى الفلسفة.
التصور الرابع للفلسفة أو الدافع الرابع للذهاب إلى الفلسفة، هو دافع الحياة الجيدة، والفلسفة بوصفها نوعًا من الحكمة أو الخرد الذي يساعدنا على أن نحيا في هذا العالم، ليس فقط أن نحيا، بل أن نحيا حياة جيدة. هذا التصور يبرز أكثر في فترة اليونان القديمة.
إذن لدينا أربعة دوافع لقراءة الفلسفة تقابل أربعة تصورات للفلسفة: الدافع المعرفي، الدافع المتعالي، دافع الفضول واللعب الفكري، ودافع الحياة الجيدة.
إذا أخذنا هذه التصورات الأربعة في الاعتبار، يمكننا أن نقيس علاقة الفلسفة التحليلية بهذه التصورات الأربعة أيضًا. مع هذه التوضيحات، إذا أردت أن أقول «ما الفلسفة التحليلية؟» فإن عمل الفلسفة والفلسفة التحليلية، في رأيي، هو الاستنارة والتحليل والنقد. الاستنارة بمعنى أن نحاول كشف الافتراضات المسبقة غير المصرح بها، والادعاءات غير المصرح بها وغير المصرحة وغير المنطوقة؛ بل أن نحاول، بالتحليل المفهومي والفحص والاستنارة، كشف الأحكام المسبقة التي نحملها عن الواقع والقيمة وعن أنفسنا والآخرين. عادة ما تكون لدينا معتقدات أخذناها من الأسرة والمدرسة والمحيط، وهي في كثير من الأحيان غير خاضعة للنقد وضارة، وبفحصها وتمحيصها نحاول أن نقيم علاقة أفضل مع العالم ومع أنفسنا. هذه الافتراضات المسبقة توجه أعمالنا وسلوكنا في معظم الأوقات، وبمراجعة وتمحيص هذه الافتراضات المسبقة والأحكام المسبقة، قد نستطيع توجيه أعمالنا وأفكارنا نحو الوجهة الصحيحة. شعار سقراط الشهير الذي قال «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش»، يُطرح في رأيي في هذا السياق. فحص الحياة واختبارها وتمحيصها، هو فحص كل هذه الأشياء، وبعد كشف هذه الافتراضات المسبقة، يأتي دور نقد هذه المعتقدات وتمحيصها أكثر. هنا تكون الفلسفة في خدمة الحياة وفحصها واختبارها.
نقطة أخرى يجب أن أشير إليها في علاقة الفلسفة بالحياة اليومية هي أننا يمكن أن نقصد معنيين من علاقة الفلسفة والحياة اليومية. أحيانًا يكون قصدنا معنى حرفيًا لهذه المسألة، وأحيانًا أخرى قد لا يكون قصدنا المعنى الحرفي بل المعنى العام. على المستوى الحرفي، قد يذهب فيلسوف بشكل حرفي إلى مقولات الحياة اليومية ويحللها على المستوى الحرفي والأكاديمي. المفاهيم التي نواجهها في الحياة اليومية مثل الحب، الخيانة، الوفاء، وحتى المفاهيم المبتذلة جدًا مثل القرف! لدينا فيلسوف قام بتحليل مفهومي للقرف (ناهيك عن أن ظاهرة القرف كانت أيضًا موضع دراسة علماء النفس)؛ أي أن الفيلسوف قد يقوم بالتحليل حتى على هذا المستوى ولا يخشى أبدًا أن يُتهم بأنه ذهب إلى مسائل سطحية. في هذه المرتبة، لا يهم كم يكون موضوع التحليل متعاليًا ورفيعًا أو مبتذلاً ويوميًا. المهم هو النور الذي يُسلط على هذه المفاهيم والظواهر، والتحليل الذي نسمعه من ذلك الفيلسوف. قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن تحليل الموضوعات السطحية يؤدي أحيانًا إلى أن تصبح نظرتنا إلى العالم أعمق، وماذا كنا نريد من الفلسفة؟!
مرتبة أخرى من العلاقة بين الفلسفة والحياة اليومية هي ما نسميه المرتبة الأكثر عمومية؛ أي أن يتحدث فيلسوف عن الحياة اليومية مخاطبًا عددًا أكبر من الناس. ومن الأمثلة الجيدة على هذه المرتبة من الفلسفة والحياة اليومية، أعمال آلان دو بوتون[6] التي تُرجمت لحسن الحظ على نطاق واسع في إيران ولاقت استحسانًا أيضًا. على سبيل المثال، في كتاب الفضائل الاجتماعية، يحاول دو بوتون من خلال تحليلات نفسية وفلسفية أن يمنحنا فهمًا أفضل لهذه المقولات، وأن يقول مثلًا: ما هو الأدب؟ ما الفرق بين التملق والأدب؟ ما هي اللياقة؟ كل هذه مفاهيم يومية، وبعد أن نقرأ تحليلات دو بوتون، نصل إلى فهم أفضل لهذه المقولات.
محمد رضا واعظ: من وجهة نظرك، ماذا يفعل الفيلسوف عندما يتناول مقولات الحياة اليومية؟ أو ما الذي تفعله الفلسفة تحديدًا بالحياة اليومية؟
بابك عباسي: أود هنا أن أوضح محورين حول ما يمكن أن يفعله الفيلسوف بشأن الحياة اليومية.
أعتقد أن أول ما يفعله الفيلسوف هو تعميق فهمنا لأنفسنا وللعالم، وعمله الثاني هو إثراء حياتنا.
للولوج إلى هذا النقاش، لا أجد فيلسوفًا أنسب من سقراط، وقد اخترته مدخلًا لهذا النقاش، لأن عمل سقراط كان التصدي للحياة اليومية بمعناها الأعم. ويمكن إدراج الحياة اليومية في مفاهيم سامية كالعدالة، كما في مفاهيم أقل سموًا. وهنا قد يثور سؤال: هل كان سقراط فيلسوفًا تحليليًا أصلًا؟ للإجابة عن هذه الشبهة يمكن التذكير بنقطتين. الأولى أنه من المستبعد أن يرغب الفلاسفة التحليليون في إنكار نسبتهم إلى سقراط وادعاء أن ما يفعلونه غريب تمامًا عما كان يفعله سقراط، والإجابة الثانية هي أنه حتى اليوم، ما يفعله الفلاسفة التحليليون يشبه كثيرًا ما كان يفعله سقراط؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك فتغنشتاين[7] وراسل. [8] كان سقراط، بشهادة الحوارات التي دونها أفلاطون، يدخل بأعمق معنى ممكن في حوارات حول الحياة اليومية. بمعنى أنه كان يأخذ الحوار مع العبد على محمل الجد بقدر ما يأخذ الحوار مع الحر، ويأخذ الحوار مع المومس على محمل الجد بقدر الحوار مع السياسي، وإذا لم تكن مصادفة أن نعتبر سقراط أبا للفلسفة، فإن هذه النقطة ينبغي أن توضح الكثير حول ما هو العمل الرئيسي للفلسفة.
إذا اعتبرنا الفهم من أهم الفضائل الفكرية، فإن ما كان يفعله سقراط هو السؤال عن المفاهيم، والسؤال عن المعتقدات، والسؤال عن الأحكام المسبقة والافتراضات المسبقة بقصد الفهم الأعمق، وكما قلت سابقًا، فإن أحد ما يفعله الفيلسوف في علاقته بالحياة اليومية هو أن يوصلنا إلى فهم أعمق، وفي هذا العمل لا تكون غاية الفيلسوف بالضرورة هي إيجاد الأجوبة. لم يكن سقراط يسعى لإيجاد الجواب النهائي، بل كان يسعى أكثر إلى الاستنارة. كان سقراط بطرحه الأسئلة الجيدة يحاول توسيع أفق وعي المخاطب وتنميته، وجعله أكثر وعيًا بنفسه وبالعالم. أحيانًا كان سقراط يقوم بما يسمى اليوم في علم النفس بالمواجهة (confrontation)، وهو نوع من المجابهة، وإذا تم هذا العمل بشكل صحيح وفي موضعه المناسب وبطريقة مؤثرة، فإنه يمكن أن ينقل الفرد إلى مستوى جديد من الوعي.
نکته دیگری که ما در گفتگوهای سقراطی میبینیم این است که آن گفتگوها لزوما و همیشه به پاسخ منجر نمیشوند و بیشتر وقتها بدون پاسخ میمانند. و این البته ماهیت تفکر فلسفی است. هنگامی که ما شروع به فکر کردن درباره مفاهیم میکنیم تازه متوجه میشویم که مسائل به آن آسانی که فکر میکردیم نیست. جمله مشهوری از اگوستین نقل شده است که میگوید:"تا وقتی که کسی از من نپرسد که زمان چیست میدانم چیست. اما همین که از من درباره آن بپرسند، دیگر نمیدانم چیست." در واقع کاری که سقراط میکرد، یعنی تحلیل مفهومی، یکی از جاهایی است که این فهم عمیقتر اتفاق میافتد و یکی از کارهایی که در فلسفه تحلیلی معاصر رایج است، همین است. فیلسوفان تحلیلی مثلا مفهوم معرفت یا ارزش را تحلیل میکنند و ممکن است به پاسخی قطعی هم نرسند. مثلا در کلاسهای معرفتشناسی دانشگاه این حالت بسیار پیش میآید. مثلا شروع میکنیم به تعریف مفهوم معرفت. میگوییم به نظر میرسد معرفت یعنی باور داشتن، بعدا میگوییم که گاهی باورهای ما کاذب است، پس باور به تنهایی نمیتواند معرفت باشد. بعد میگوییم معرفت، باور صادق است و تحلیل را ادامه میدهیم و میگوییم ممکن است تصادفی و شانسی صاحب باور صادقی شده باشیم (مثل وقتی که شیر یا خط میکنیم و حرفمان درست از آب درمیآید) و سپس به این نتیجه میرسیم که معرفت یعنی باور صادقی که برایش شاهد و بینش داشته باشیم، اما بعدا با موشکافیهای فیلسوفانه معلوم میشود همین تعریف هم بیمشکل نیست و در نهایت به این نتیجه میرسیم که ما هنوز دقیقا نمیدانیم که معرفت چیست. من معمولا در انتهای این بحثها به دانشجویان میگویم که نباید احساس یأس کنند و فکر کنند دستشان خالی است؛ چون در پایان بحث، فهم آنها از معرفت نسبت به قبل عمیقتر و دقیقتر شده است و این را نباید دستاورد کوچکی دانست.
از نظر من مهمترین کاری که فلسفه میکند همین است. فلسفه دشمن سطحی نگری و زندگی سطحی است و از این منظر هم ما دوباره میتوانیم که بین فلسفه و زندگی روزمره پیوند برقرار کنیم، خصوصا در دنیایی که عوامل متعددی وجود دارد: مثل رسانهها و انواع ایدئولوژیها که میخواهند ذهن ما را دستکاری کنند. در اینجاست که مبارزه با سطحیاندیشی و کمک به فهم عمیقتر میتواند به ما در زیستنی بهتر کمک کند.
گفتم که فلسفه دو کار انجام میدهد: یکی عمق بخشیدن به فهم ما بود. کار دوم غنیتر کردن زندگی ماست. فلسفه هنگامی که به زندگی روزمره میرسد، با طرح امکانات جدید برای بودن و اندیشیدن، زندگی ما را غنیتر میکند و از این جهت کار فیلسوف شبیه کار هنرمند است و میتواند پاسخهای مختلف و متعدد و متنوعی را مطرح کند. مثلا در پاسخ به این سوال که «چگونه باید زندگی کنیم؟»، مکاتب فلسفی متفاوت پاسخهای مختلفی دارند. مثلا رواقیون و مکتب اپیکوری در جهان قدیم نشان میدادند که ما چه گزینههای مختلفی برای زندگی داریم و با طرح ارزشهای مختلف زندگی را غنی میکردند یا در جهان جدید مثلا فلسفه مونتنی یا فلسفه نیچه، امکانهای مختلفی از زیستن را دربرابر آدمیان گشودند.
آخرین نکتهای که باید به آن اشاره کنم مربوط به نسبتی است که فلسفه تحلیلی میتواند با دلایلِ عمل برقرار کند. برخی بر این باورند که سقراط پرسش از چگونه زیستن را مطرح نمیکرد؛ بلکه بیشتر سعی میکرد که با شعار "زندگی نیازموده ارزش زیستن ندارد" روشنگری کند و فرد را به بازاندیشی درباره زندگی وادار کند اما خودش هیچ توصیهای نداشت که چطور باید زندگی کرد. با وجود این، و خواه این تفسیر درست باشد یا نه، در فلسفه مکاتبی داریم که به این پرسش که چطور باید زندگی کرد پاسخ میدهند: مثل مکتب رواقیون که امروزه و در دنیای معاصر احیا شده است یا مکتب اپیکوری یا مکاتب دیگری که در نظامهای اخلاقی مطرح میشوند؛ مثل اخلاق فضیلت، که دلایل عمل را در اختیار انسانها قرار میدهند و کمک میکنند که افراد بتوانند برای چگونه زیستن نظام فکری منسجمی داشته باشند.
چون بحث از فلسفه تحلیلی است، بهتر است که در پایان به عنوان یک انتقاد به فلسفه تحلیلی بگویم که طبق آن چهار برداشت که گفتم، اگر برداشت ما از فلسفه تحلیلی، فلسفه برای فلسفه و فلسفه بهمثابه معما و بازی فکری باشد، این سوال که فلسفه چه نسبتی با زندگی روزمره دارد، سوال چندان ذیربطی نیست. اما اگر شما فلسفه را به مثابه راه و رسم زندگی بدانید، این انتقاد به فلسفه تحلیلی وارد است که فلسفه تحلیلی چاقوی تحلیل را تیز و تیزتر میکند، اما معلوم نیست که این چاقوی تیز قرار است که چه چیزی را ببُرد.
ككلمة أخيرة، أود أن أنقل هنا عبارة أونامونو من كتاب ألم الخلود. يقول: «أحيانًا تندف الفلسفة التحليلية قطن الحقائق حتى لا يبقى من الحقيقة إلا الغبار». في رأيي، إذا لم يكن الفلاسفة التحليليون خالين تمامًا من همّ الصلة والنسبة، فعليهم أن ينتبهوا إلى أي مدى ستستمر هذه التحليلات وشحذ السكين، وأي جانب من الحياة الإنسانية سيتصل بها. لحسن الحظ، يبدو أن هذا الهمّ بالصلة والنسبة آخذ في الازدياد في إيراننا اليوم، وأن أهل الفلسفة التحليلية يسعون أكثر من ذي قبل إلى توسيع نطاق جمهورهم ليكون لهم نصيب في تحسين حياتنا.
محمد رضا واعظ: إذا اعتبرنا أن المباحث الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والثقافية كلها جارية في الحياة اليومية، فهل كلامكم ناظر إلى هذه المفاهيم في الحياة اليومية أم لا؟ أي هل ترون أن هذه الموضوعات لا يمكن بحثها إلا على مستوى أعلى ومن قبل الفلاسفة؟
إبراهيم آزادكان: لقد فصلت بين بحثين؛ يعني مثلاً إذا تعطلت سيارتي آخذها إلى ورشة التصليح، أو مثلاً آكل الطعام، أو مثلاً أحب طعامًا معينًا أم لا، هذا بحث، وبحث آخر هو الحياة الإنسانية بالمعنى الكلي للكلمة. لا شك في أن الفلسفة التحليلية تتناول بشكل خاص مباحث الأخلاق والسياسة وغيرها، ولكن بكلمة «الحياة اليومية» أعتقد أننا نبتذل المباحث الفلسفية نوعًا ما.
محمد رضا واعظ: لتوماس نيغل[9] مقالة مقتبسة من محاضرته الشهيرة وعنوانها «الفلسفة التحليلية والحياة الإنسانية»[10]. النقطة هنا هي: عندما نقول الحياة اليومية، هل يختلف معناها عن الحياة الإنسانية؟ أم أن كليهما واحد في الواقع، أو على الأقل بينهما اشتراكات؟
حسين شيخ رضائي: النقطة الوحيدة التي هي رأيي الشخصي حتى الآن في هذا النقاش وأدافع عنها، والتي لم يعترض عليها الدكتور آزادكان على الأقل في المثال الذي ذكرته، هي مسألة سقراط وبداية الفلسفة التي كانت مرتبطة بشكل واضح بالحياة اليومية، وسأشرح عنها أكثر. لقد طرحت نقطتين أخريين أيضًا، لكن ليس بصفتهما رأيي الشخصي. القول بأن سومز وكريبكي وأمثالهما لهم قصد آخر، لا أجد أنه قابل للدفاع كثيرًا من وجهة نظري. لقد نقلت عبارتهما دون تفسيري الخاص. أما بخصوص سقراط، فلا أزال أعتقد أن عمله وكلامه مرتبطان بالحياة اليومية. لكن المسألة الأساسية التي فهمتها من صياغة الدكتور آزادكان، وأعتقد أن الخلاف يكمن هنا، هي الاستهانة بالحياة اليومية، وهذا في رأيي تأويل متدنٍ جدًا للحياة اليومية.
يرى الدكتور آزادغان أن الحياة اليومية تعني أن أذهب صباحًا إلى السوبرماركت أو آخذ سيارتي إلى ورشة التصليح، بينما معنى الفلسفة سامٍ وعميق جدًا، وإذا ما رُبطت بهذه الأمور فستصبح مبتذلة! أود أن أقول إنه لا يوجد مثل هذا الفصل بين الحياة اليومية والحياة الإنسانية، وبمجرد أن تأخذ أيًا من نشاطات الحياة اليومية بعين الاعتبار، فستتصل شئت أم أبيت بتلك الحياة الإنسانية. مثلًا، بتعبير الدكتور آزادغان، الذهاب إلى الاستاد ومشاهدة كرة القدم هو فعل من أفعال الحياة اليومية، لكنك في الوقت نفسه تعيش في مجتمع لا يسمح للنساء بدخول الاستاد؛ هناك من يتأثر مثلي بمثل هذا الوضع السائد في المجتمع، وهناك أيضًا من يأتي بتبرير نظري له، كالقول إنه يسبب الإثارة وما شابه ذلك. من هنا فصاعدًا، يصبح ذهاب الرجال إلى الاستاد أو عدم ذهابهم فعلًا ذا معنى، ولا يمكنك أن تفهم معناه وتتخذ قرارًا بشأنه إلا إذا أدخلت فيه ما نسميه الحياة الإنسانية. بمعنى أن مسألة كرامة الإنسان والديمقراطية والقومية ستُطرح هنا، وليس الأمر أبدًا أنك تستطيع أن تقرر بشأن حالة بسيطة جدًا من الحياة اليومية دون إدخال قيمك الإنسانية. من المحتمل أن الدكتور آزادغان، الذي لا يملك حتى اليوم حسابًا على إنستغرام - وهو ما يتصل بالحياة اليومية - لديه سبب إنساني لذلك، مثل أن هذه البيئة مبتذلة وتؤدي إلى إضاعة الوقت. لقد نوقش كثيرًا موضوع العلاقة بين أفعال الحياة اليومية وتلك القيم والأشياء التي يعتقد الدكتور آزادغان أن الفلسفة مشغولة بها منذ ألفي عام، وبالنسبة لي، لا يمكن تصور، لا من الناحية الفلسفية ولا من الناحية العملية، إمكانية رسم خط فاصل والقول إن هذا مجال الحياة اليومية التافهة والمبتذلة، والفلسفة تتعلق بمجال أسمى. مثلًا، أن ترغب في تغيير زيت سيارتك وتقرر استخدام الزيت الإيراني أو الأجنبي، هذه بحد ذاتها مسألة. مجرد اعتقادك أنك تستخدم منتجًا إيرانيًا رديئًا لكنك تستخدم السلع المصنعة محليًا، أو أنه يجب عليك حتمًا استخدام المنتج الأجنبي، كل هذه حياة يومية يدخل فيها التفكير والتحليل.
في مجتمعنا، تتشابك قضية النساء وقضية الأقليات ونمط الحكم... إلخ مع شراء العدس والفاصولياء وتغيير الزيت والذهاب إلى الاستاد، ولا يمكن رسم خط والقول إن هذا الجزء حياة يومية وذاك الجزء حياة إنسانية. إذن، مشكلتي الأساسية هي خلاف نظري مع الدكتور آزادغان حول تفسير الحياة اليومية. النقطة الأخيرة هي أن عمق المسألة ليس في ظاهرها، بل في كيفية نظرتك إليها، أي أنك إذا نظرت إلى مسائل الحياة اليومية هذه من منظور فلسفي وبتحليل فلسفي، فستتحول إلى مسائل فلسفية.
محمد رضا واعظ: أنا متعاطف جدًا مع أمثلتكم. مثلًا، نحن نعيش في بلد يعاني فيه الترانسجندريون من مشاكل كثيرة.
حسين شيخ رضائي: بالضبط، هذه هي النقطة. أستطيع أن أضرب أمثلة كثيرة، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أن أصغر المسائل التي تختارها، كل قرار تتخذه، أو دون مبالغة الكثير من قراراتك، هي قرارات ذات أبعاد اجتماعية وسياسية وأخلاقية، ولا يمكنك حسمها دون الأخذ بعين الاعتبار القيم الإنسانية. المسألة ليست أننا لا نفكر بتلك القيم عندما نتخذ قراراتنا الروتينية اليومية، فليس من الضروري أن يكون تدخلها واعيًا، لكن مجرد أن تدرك أنه عندما تتغير تلك القيم، ستتغير القرارات تبعًا لذلك، فهذا يعني أنها مترابطة. كوننا لا نفكر بهذا ولا ندخله بوعي في حياتنا، سيتضح بسرعة، عندما نغير سياق مجتمعنا أو نغير الزمان والتاريخ، أن هذه الأمور متشابكة.
محمد رضا واعظ: إذن، كان الدكتور آزادگان يفرّق بين الحياة اليومية والحياة الإنسانية، واعتبر الفلسفةَ معنيةً أكثر بحقيقة العالم وبالاشتغال بالأمور الأسمى والأكثر تعالياً. لكن الدكتور شيخ رضائي حاول، من خلال التحليل المفهومي للحياة اليومية وعلاقتها ونسبتها بالحياة الإنسانية، أن يقول إنه لا يمكن اعتبارهما أمرين منفصلين والقول إن الفلسفة ترتبط بأحدهما دون الآخر. فلعلهما غير قابلين للفصل والتفكيك أصلاً.
إبراهيم آزادگان: أنا موافق مئة بالمئة على كلام الدكتور شيخ رضائي. إن كون تفكيرنا الفلسفي يؤثر على كل ما نقوم به في الحياة هو أمر صحيح تماماً ولا جدال فيه. نقاشي هو: هل مهمة الفيلسوف في ممارسته للفلسفة هي معالجة مشكلات الحياة اليومية؟ أم أن مهمة الفيلسوف، مثلاً، هي الحديث عن أهمية حقوق الإنسان وأسسها، وتأليف الكتب والكلام عنها، ونتيجةً لذلك، يتبنى مجتمعٌ ما أفكاراً فلسفيةً مدروسةً في نظامه الاجتماعي والأخلاقي والسياسي، ويرى أثرها في نمط حياة أفراد ذلك المجتمع. يجب الفصل بين هذين الأمرين. تماماً كما في الرياضيات، فقد يؤثر عمل الرياضي في نوع الحسابات الهندسية أو حتى في التقدم التكنولوجي، لكن الرياضي لا يقوم إلا بعمله النظري. والأمر نفسه في الفلسفة. الفلسفة تعالج أسئلة الحياة الجادة، وهذه الإجابات والأفكار تؤثر قطعاً في حياتنا.
محمد رضا واعظ: دكتور آزادگان، لو ألقيتَ نظرة على موضوعات هذا الملف ستدرك أنه ربما لا يوجد بيننا اختلاف كبير في وجهات النظر، لأننا وضعنا له صراحةً عنوان الفلسفة التحليلية ومعنى الحياة.
إبراهيم آزادگان: الكلمات الآن مهمة. أنا قلق من أن يصاب منهجنا الفلسفي بهذا أيضاً؛ كما أرى أن لدينا مذاهب فلسفية اقتربت من هذا الابتذال. وسبب ذلك، كما قلت، هو الرغبة في الشهرة، ونيل المزيد من الإعجابات، وحتى جذب الموارد المالية من منظمات ترغب في تجميل أفكارها في قوالب عناوين فلسفية. بعضهم، بتبرير الاهتمام بالتطبيق والأهمية للحياة اليومية، ينشرون كلاماً بلا استدلال ولا مضمون في الفضاء الإعلامي. أنا حساس تجاه هذا الأسلوب من تسطيح الفلسفة، لكن لا مشكلة لدي في العمل على الحياة الإنسانية أو التفكير فيها. أخشى فقط أن نقع جميعاً في الابتذال.
محمد رضا واعظ: هذا النقاش حول معنى الابتذال يجب أن يُفتح إلى حد ما. نظرتك الأولى كانت تنظر إلى الفلسفة بوصفها سامية، بحيث تعالج حقيقة العالم، لكنك في الوقت نفسه متعاطف مع القول إن الفلسفة تتعامل مع الإنسان والأخلاق. أعتقد أنك تحتكر الفلسفة بطريقة ما، بحيث تنحصر في مناقشة المعرفة فقط، على أيدي أشخاص معينين في جامعات معينة، فلاسفة لا علاقة لهم بحياة الناس إطلاقاً. ربما أختلف شخصياً مع هذا، خشية أن ترغب الفلسفة التحليلية في احتكار الفلسفة بهذه النظرة وفصلها كلياً عن الحياة الإنسانية. صحيح أننا نعتقد أن الفلسفة التحليلية تعالج الأخلاق والسياسة أيضاً وأنت توافق على ذلك، لكن خوفك هو من استخدام كلمة "يومي" إلى جانب الفلسفة، وخوفي أنا من استخدام كلمة "مبتذل" أن يساء فهمهما. أي أنه كما يجب أن نفهم الجمهورَ معنى اليوميةَ بشكل صحيح، يجب أيضاً أن يُفهم معنى الابتذال أو عدمه بشكل صحيح، وهذان في كفتي ميزان.
إبراهيم آزادگان: أوافق تماماً على أن تفكيرنا الفلسفي يجب أن يكون ذا صلة بالمجتمع. حين ننظر إلى كبار الفلاسفة ندرك أن المشكلات الاجتماعية والسياسية والدينية في عصرهم كانت مؤثرة في أفكارهم، ولهذا السبب ترى أن أفكار ابن سينا تختلف عن هيغل أو عن أرسطو. المباحث النظرية قيّمة في موضعها أيضاً، لكن دخول هذا في الفلسفة التحليلية هو، في رأيي، قطعي وضروري، ونقطتي هي أنه لا ينبغي أن نتوقع أن يكون موضوع عمل الفلسفة هو الحياة اليومية.
حسين شيخ رضائي: انتقلنا الآن من دعوى الدكتور آزادكان الأولى بأن الحياة اليومية مبتذلة أو تفتقر إلى العمق المطلوب، إلى دعوى أخرى من جانبه، وهي: هل من واجب الفيلسوف والفلسفة التحليلية أن تتناول موضوعات الحياة اليومية أم لا؟ رأيي الشخصي أنه لا شك في أن الفلسفة التحليلية تستمد صورة مسألتها، في حالات كثيرة، من الحياة اليومية. فجميع المسائل المطروحة في فلسفة الأخلاق، والفلسفة السياسية، وفلسفة العلوم الاجتماعية، وفلسفة العلم، تُستمد صورتها من الحياة اليومية. إذن، هذه الصلة قائمة بوضوح من جهة واحدة، بمعنى أنك لو لم تكن لديك ممارسة التعذيب مثلاً، لما نوقش مفهوم التعذيب، والتعذيب الأبيض، وجوازه وعدمه في الأخلاق.
لكني أعارض، من حيث المبدأ، أن نعرّف قالباً ونقول إن الفلسفة ينبغي أن تكون هكذا، وعادةً ما نعرّف ذلك القالب بناءً على العمل الذي نقوم به نحن، ونقول إن الفلسفة ليست سوى هذا. لا مشكلة لديّ في أن ينظّر فيلسوف حول أكثر الموضوعات تجريداً والتي لا تمتّ للحياة اليومية بصلة، لكن لديّ مشكلة في أن يُقال إن واجب الفلسفة هو هذا، أو إن الفلسفة يجب أن تقوم بهذا العمل.
أنا والدكتور آزادكان نشترك في نقطة واحدة، وهي أن ما يُطرح في الفلسفة السامية يؤثر في الحياة اليومية، لكن قد يقول فيلسوف: بما أن هذا التأثير قد ثبت، فإن واجبي كفيلسوف هو أن أقوم بعمل من أجل الارتقاء بالحياة اليومية. وقد يقول فيلسوف آخر إن هذا الجزء لا يعنيه، وإن ثمة حاجة إلى حلقة وسيطة، وإلى مصلح يستمع إلى كلام الفيلسوف ويصلح المجتمع بواسطته. في رأيي أن كلا التصورين جديران بالاحترام، ولا يمكن القول إن الفلسفة، أصلاً وتحت أي ظرف، ينبغي ألا تتناول كيف يمكن المساعدة في الارتقاء بالحياة اليومية، وإن فعلت ذلك فلن يكون عملاً فلسفياً. للأسف، هذا التصور شائع في مجتمعنا، حيث يجعل كل شخص العمل الذي يقوم به هو المعيار. فمثلاً، إذا كنت مهتماً باتجاه معين في الفلسفة، أعتبر بقية الاتجاهات عديمة القيمة وغير صحية. في رأيي، من الممكن تماماً أن يكون الفيلسوف أصيلاً، وأن يكون هدفه أيضاً الارتقاء بالحياة اليومية.
من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه في قلب الفلسفة التحليلية، قام أشخاص مثل الوضعيين المنطقيين بأعمال نظرية محضة بدافع الارتقاء الاجتماعي أساساً. ومن المثير جداً أن أشخاصاً مثل كارناب ونويراث وشليك كان لديهم دافع للإصلاح الاجتماعي بنهج يساري، وكانوا يعتقدون أننا إذا استطعنا التقليل من شرّ بعض الأشياء في الفلسفة والميتافيزيقا، فسنتمكن من بلوغ حياة أكثر أخلاقية. لذلك، ينبغي الاعتراف بالتنوع. فقد يكون لدى شخص دافع للإصلاح الاجتماعي ويقوم بعمل نظري محض، وقد لا يعتقد شخص آخر أصلاً بضرورة القيام بعمل ما من أجل المجتمع ويكتفي بالعمل النظري فحسب، وقد يعتقد شخص آخر أن واجب الفيلسوف هو الارتقاء بالحياة اليومية.
ينبغي أن أذكر ملاحظة حول الابتذال، وهي أن الدكتور آزادغان يعتقد بحق أن علينا أن نقلق من الابتذال، بمعنى أنه لا يمكن لأي كان أن يتفوه بكلام بديهي ويدّعي أنه يرتقي بالمجتمع ويطلق على ذلك اسم الفلسفة. أنا متفق تماماً مع هذا الكلام. لكن ثمّة ابتذال آخر قد يتربص بنا في الجانب المقابل. الفلسفة التحليلية غير سياسية إلى حد كبير، وهذا اللاتسييس هو أفضل ما يكون في مجتمعات يحب حكامها ألا ينخرط المواطنون في المسائل السياسية. للفلسفة التحليلية من هذه الناحية نقطة ضعف، إذ أنها لا تتعاطى مع الأطر الكبرى لنظرة الفرد إلى العالم، ويمكن أن تتحول إلى نوع من الفلسفة المدرسية؛ بحيث تنخرط في الفلسفة التحليلية في مناقشة أمور بالغة الصغر، وتترك مسألة كيف تفكر أنت على المستوى الأعلى دون مساس. وأحد معاني ابتذال الفلسفة في إيران تحديداً هو أن تقول الفلسفة التحليلية إنها لا تعنى بهموم الحياة اليومية، وإنها تفكر على مستوى أسمى، وأسئلتها كونية، وهي على صلة بمجتمع أكاديمي دولي. الابتذال هنا يعني أن يضيّق فيلسوف شروط عيشه العقلاني باستمرار أكثر فأكثر، ويقول إنه لا ضير في أن تسود الخرافات والمعتقدات الجاهلة في الخارج ما دامت مكانتي الأكاديمية لم تُمس، وما دمت أعيش في فقاعتي الأكاديمية. هذه الفلسفة مقبولة تماماً من وجهة نظر الحكومات التي لا ترغب في تسييس البيئة الجامعية. ومن الطريف أن الحوزات العلمية رحّبت بالفلسفة التحليلية ترحيباً كبيراً، لما فيها من تشابهات مثيرة مع نمط تفلسفنا التقليدي والمدرسي. إذن، الابتذال سيف ذو حدين. من جهة، قد تقول نعم، الفلسفة التحليلية مبتذلة، لأن كل من يتحدث عن الحياة اليومية لا يمتلك تلك الدقة الفلسفية، لكنه يدّعي الطابع الفلسفي ويظن الناس أن هذه هي الفلسفة. هذا صحيح تماماً، لكن ثمّة خطر آخر يتربص بنا، وهو أن تظل في العالم الأكاديمي تنتقد استدلالات أقرانك وتغرق في فلسفتك الخاصة، غير مكترث بالأحداث الخارجية، قائلاً إن مهمتك الوحيدة هي كشف الحقائق العميقة، ومعتبراً جمهورك أفراداً معينين يكتبون مقالات عن موضوعك. وهذا يعزز بشكل غير مباشر الظروف غير الديمقراطية التي نعيش فيها، وهو مرغوب فيه لنمط الحكم القائم في كثير من بلداننا.
محمد رضا واعظ: نحن هنا أمام وجهتي نظر. الأولى ترى الفلسفة التحليلية على صلة بالحياة، والثانية تقول إن الفلسفة التحليلية وإن كانت تعالج شؤوناً ومباحث تتعلق بحياة الإنسان، إلا أن ربطها بالحياة اليومية، من وجهة نظر الدكتور آزادغان، هو ابتذال للفلسفة، ولا ينبغي إنزال الفلسفة إلى هذا المستوى المتدني.
دكتور آزادغان، هل توافق على طرح المباحث الفلسفية في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل البث المباشر لهذا الملف الجاري "الفلسفة التحليلية في الحياة اليومية" أو ملفات سابقة مثل "من العلم إلى شبه العلم"، و"النسوية في زماننا"، و"تحليل تطبيق الفلسفة للأطفال في إيران" على منصة إنستغرام؟ لقد تناولنا في كل ملف من هذه الملفات الموضوع المعني بنظرة نقدية وفلسفية، وكان بإمكان عامة الناس المتواجدين على إنستغرام مشاهدته. فعامة الناس، على سبيل المثال، لا يحضرون جلسات "مؤسسة الحكمة والفلسفة البحثية في إيران"، ولا يذهبون إلى مجموعة فلسفة العلم في جامعة شريف ليجلسوا عند أستاذ فلسفة. من المثير جداً أن برنامجنا "نقد ودراسة العلاج بالطاقة" على إنستغرام شاهده ثلاثمئة شخص في آن واحد، وعندما أجرينا استطلاعاً للرأي بعد انتهاء البرنامج، أظهرت آراء الجمهور تأثيرات إيجابية جداً. ما أريد قوله إجمالاً هو أن ثمة تأثيرات، ولو كانت طفيفة أو عميقة، تُرى في هذه الفضاءات العامة. بشكل عام، هل أنت معارض لطرح المباحث الفلسفية في الفضاء العام، أو على الأقل استخدام المنهج الفلسفي والنقدي إزاء مسائل الحياة اليومية، لا مجرد طرح المحتوى الفلسفي، في وسائل التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام؟
إبراهيم آزادغان: أرسل لي الدكتور ليجنهاوزن[11] أمس مقالاً كان بمثابة نقدٍ للفضاء الذي وقع فيه البشر وأصبحوا عاجزين عن التعبير عن خطابهم الإنساني المثالي. وقد ورد في ذلك المقال مثال طريف حيث غرّد أحد مسؤولي الرابطة الوطنية لكرة السلة الأمريكية (NBA) حول ما حدث العام الماضي في هونغ كونغ، حين ضيّقت الحكومة الصينية الخناق على الديمقراطية في تلك المنطقة وخرج الناس في مظاهرات، وقد أعلن في تغريدته دعمه لشعب هونغ كونغ. وفي اليوم التالي، منعت الحكومة الصينية بث مباريات كرة السلة الأمريكية على التلفزيون الصيني. كتب مؤلف المقال أن الرابطة الوطنية لكرة السلة الأمريكية تكبدت خسائر بملايين الدولارات، وبعد ذلك التزم جميع العاملين في كرة السلة الأمريكية الصمت، وقدم ذلك المسؤول اعتذاراً ضمنياً، ثم استؤنف البث التلفزيوني لمباريات كرة السلة الأمريكية في الصين بعد ذلك الاعتذار.
قد يكون سعي البعض في هذا الفضاء وراء عدد كبير من المتابعين والمعلقين مهماً لمطعم أو لمتجر لعلامة تجارية للملابس، لكن المكان الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه ذلك مهماً على الإطلاق هو المحاضرة الفلسفية. والأسوأ من ذلك، هو أن تُصاغ النظريات الفلسفية وتُعدّل بناءً على رغبات المؤسسات الحكومية، وأن تُمارَس الفلسفة دعماً لنوع معين من الأفكار مقابل المال. هذه هي مواضع ابتذال الفلسفة التي يمكن أن تحدث تحت ذريعة الفائدة، والكفاءة، وتقريب الفلسفة من قضايا الساعة.
كذلك، ينبغي أن يكون سياق النقاش الفلسفي، بل وبيئته، بعيداً عن التسطيح الجماهيري. فعلى سبيل المثال، حيث توجد منصات متنوعة للأنشطة الاجتماعية يمكن استخدامها لنشر الآراء والنقاش مع المفكرين، فإن فضاءً مثل إنستغرام، المقيّد بالصور والفيديوهات وأذواق الجمهور، ليس مكاناً مناسباً للنقاش الفلسفي. مكان النقاش الفلسفي هو الجامعات، حيث يكون الأفراد في مجال النقاش قد قرؤوا مقالات فيه، أو على الأقل يكونوا من أهل الفكر الجاد، وبالطبع فإن النقاشات التي تتشكل هناك، إذا كانت عميقة وصحيحة، فستؤثر تدريجياً في المجتمع.
اتفق معي الدكتور شيخ رضائي في الابتذال الأول، وهو أن يطرح الأفراد كلاماً سطحياً ويطلقوا عليه اسم الفلسفة ويريدوا أن يدفعوا بأيديولوجيتهم من خلال تلك النقاشات. أما الابتذال الثاني الذي ذكره، فلا أعلم لماذا استخدم كلمة الابتذال بخصوصه. إذا تناولت الفلسفة أسئلة ليست بالضرورة أسئلتنا اليوم، فهذا نوع من الاعتكاف في برج عاجي ونوع من الانفصال عن عامة الناس، وهو أمر لا عيب فيه على الإطلاق. لطالما وجد هذا في المجتمع الفلسفي. لقد تناقش ابن سينا والغزالي حول علم الله بالجزئيات، لكن هذا لم يكن سؤالاً يطرحه الناس في الشارع على بعضهم البعض! أو على سبيل المثال، جدال هيغل مع كانط حول ما إذا كان منبع معيارية[12] الأخلاق هم الأفراد أم المجتمع، لم يكن حديث الناس في ألمانيا. لذلك، ليس من الضروري أن تكون النقاشات الفلسفية مرتبطة بالحياة اليومية؛ لكنها على المدى الطويل قد تدخل إلى الحياة اليومية، وأنا لا أعتبر هذا ابتذالاً، بل أراه نوعاً من النخبوية[13]. ربما تقولون إن الفضاء الاجتماعي في إيران اليوم يحتاج إلى أن ينخرط الأفراد، بدلاً من هذا النوع من التفلسف، في تفلسف أكثر ارتباطاً بمشاكل الناس ومشاكلنا الاجتماعية والسياسية، وأن هذه المسائل أكثر جدية بالنسبة لنا. وأنا أوافق على هذا إلى حد ما، وأرى أن نظرتنا الفلسفية يمكن أن تتأثر بهموم المجتمع السياسية والاجتماعية الراهنة أو تنبني عليها، وأتفق في هذا مع الدكتور شيخ رضائي.
محمد رضا واعظ: في رأيي أن نقطة الاشتراك هذه هي أيضاً نقطة مهمة، لأنني أعرف أشخاصاً يقومون بأعمال فلسفية جادة في مجال الفلسفة التحليلية ويرفضون نقطة الاشتراك هذه بالذات، ويرفضون هذا الاعتقاد بأن الفضاء الاجتماعي في إيران يحتاج إلى أنشطة من هذا القبيل.
يرى الدكتور آزادغان أن مكان الفلسفة هو كلية الفلسفة أو الجمعيات الفلسفية، وهو أمر لا ننكره نحن أيضًا، لكن النقاشات الفلسفية التي تُجرى على المستوى الأكاديمي وتكون موجهةً لجمهور الفلاسفة تختلف عن الأسلوب الفلسفي المُستخدم في وسائل التواصل الاجتماعي؛ بعبارة أخرى، إن استخدام المقاربة النقدية، أي التساؤل وإثارة التساؤلات والتحليل العميق للقضايا الاجتماعية في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يكون جمهورها في الواقع أوسع وأعم. من المؤكد أن المباحث التي نطرحها أنا والدكتور شيخ رضائي والدكتور عباسي في فضاء إنستغرام، إما أننا لا نتناولها في كلية الفلسفة أو نتناولها بأسلوب ومنهج مختلفين. نحن جميعًا ننشط في الشبكات الاجتماعية بدافع من همٍّ اجتماعي.
حسين شيخ رضائي: هذه النقاط القليلة التي أود طرحها قد تساعد في النقاش. المسألة التي لم نتطرق إليها، ولكنكم أشرتم إليها في حديثكم، هي أن طريقة تعريفنا للفلسفة التحليلية تؤثر في الموقف الذي نتخذه منها. إذا فهمنا الفلسفة التحليلية بمعناها التقليدي وفي منشئها، فالنتيجة هي أن الفلسفة تتقدم من خلال فهم الأفكار والتحليل اللغوي. أما إذا فهمنا الفلسفة التحليلية بمعنى منهج فلسفي يحاول أن يكون استدلاليًا ومفاهيميًا، ويدخل في التصنيف والتفاصيل ويسير على طريق أن يكون له تعريف أولاً ثم يتناول الأمثلة الناقضة له ثم يصححه، فإن لهذا المنهج الفلسفي علاقة أخرى بالحياة اليومية. ومن ناحية أخرى، إذا اعتبرنا الفلسفة التحليلية تشمل فلسفة ما بعد التحليلية، أي الفلسفة التي حدث فيها انعطاف ودخلت فيها مباحث الميتافيزيقا والعلوم التجريبية والأخلاق والسياسة، فإن هذه العلاقة تكتسب معنى آخر مرة أخرى. إذن، من المهم كيف نفهم الفلسفة التحليلية. هذا هو ما يحاول غلوك أن يفعله في ذلك الكتاب، وهناك أشخاص آخرون لديهم هذا المشروع أيضًا. على الأقل، رأيي الشخصي هو أن نفهم المسألة حاليًا على أنها أسلوبية ومنهجية، مع أن هذا التصور لا يخلو من الإشكال، أي أنه لا تقع بالضرورة كل الفلسفة التحليلية تحت هذه المظلة. لكننا حاليًا نفهم الفلسفة التحليلية بهذا المعنى، أي أن الفلسفة التحليلية هي الفلسفة الاستدلالية، ونحن بصدد الحديث عن علاقة هذه الفلسفة الاستدلالية بالحياة اليومية.
نقطة أخرى هي أن مفهوم الحياة اليومية كان موجودًا لدينا حتى قبل بروز الفضاء الافتراضي والشبكات الاجتماعية، ولا ينبغي اعتبارهما بمعنى واحد ومترادفين. إذا كانت الغلبة الآن للشبكات الافتراضية والفضاء الإلكتروني، فلا ينبغي حصر الحياة اليومية كلها في هذا؛ فرغم أن جزءًا مهمًا من الحياة اليومية الآن هو القضايا الافتراضية، إلا أن جزءًا كبيرًا منها لا يزال خارجها. إذن، عندما نتحدث عن هذه العلاقة، ينبغي النظر إليها بشكل أعم وألا نحصرها فقط في علم الأمراض أو النقاش حول الفضاء الافتراضي.
النقطة الثالثة التي ستوضح موقفي هي أننا يجب أن نرسم خطاً فاصلاً بين الفلسفة التطبيقية[14] والفلسفة العملية[15] من جهة، والفلسفة العامة[16] من جهة أخرى. لا إشكال لدى أحد مع الفلسفتين التطبيقية والعملية بوصفهما فرعين من فروع الفلسفة. لا أعرف فيلسوفاً واحداً لا يعتبر فلسفةً ما تنصب على مجال محدد من الحياة فلسفةً. لدينا اليوم فلسفة عملية وتطبيقية لكل شيء. مثلاً في الطب وكرة القدم والإنترنت. ليس هذا هو موضع خلافنا، ولا إشكال لدى الدكتور آزادغان معه؛ فعندما نتحدث عن علاقة الفلسفة التحليلية بالحياة اليومية، ينبغي أن نصنفها ونفهمها تحت مظلة الفلسفة العامة. الفلسفة العامة هي حيث تحاول أن تعبّر لعامة الناس عن شيء من تلك الفلسفة التحليلية المطروحة على المستوى الجامعي والأكاديمي وفي المقالات، وأن ترتقي من خلال ذلك بجودة الحياة اليومية. هذا أيضاً نمط من أنماط التفلسف ينبغي الاعتراف به، وهو قابل للدفاع عنه، وقد يكون من يقومون بهذا العمل فلاسفة من الطراز الأكاديمي الأول خصصوا جزءاً من وقتهم للأعمال الأكاديمية لكنهم يلتزمون أيضاً بالتزام عام تجاه أنفسهم. وإلى جانب هؤلاء، هناك أشخاص قد لا يكونون فلاسفة من الطراز الأول لكنهم وسطاء يحاولون مد جسر ذي اتجاهين، بمعنى أنهم يصوغون مباحث الفلسفة لعامة المواطنين بشكل يساعد الناس العاديين في حياتهم، ومن جهة أخرى يستخلصون مسائل مما ينشغل به المواطنون ويصوغونها صياغة فلسفية، وربما يضعون مسائل بين أيدي فلاسفة أبعد عن مجتمع الناس العاديين. لذلك، إذا أردتم رأيي، فأنا أعتقد تماماً أن الفلسفة العامة هي جزء من الفلسفة وليست عملاً تنويرياً.
كلنا لدينا نظريات قد نطرحها في حفلة، أو نكتبها في صفحاتنا الشخصية في الفضاء الافتراضي كمواطنين، ونعبر عن رضانا أو استيائنا من شيء ما. لكن، إذا استطعنا، بصفتنا ممن درسوا الفلسفة، أن نصوغها صياغة فلسفية ونطرحها في قالب استدلالي ونساعد من خلال ذلك على الارتقاء بجودة المواطنة، فهذا فرع معترف به ومهم من فروع الفلسفة، ولا يعني ابتذال الفلسفة، ولا يعني عملاً غير فلسفي. بعض أجزاء الفلسفة المحضة مثل الأخلاق أو التفكير النقدي أو الفلسفة السياسية وما شابهها أنسب بكثير لهذا العمل، في حين أن فلسفة اللغة والميتافيزيقا قد لا تكونان مناسبتين له، وهذا ليس حسنة ولا عيباً، لأننا نعرف وفقاً لتعاليم الفلسفة التحليلية أن هذه تشكل شبكات فيما بينها، فمثلاً ما تقوله في الميتافيزيقا يمكن أن يظهر تأثيره بسرعة في فلسفة الأخلاق، وما تقوله فلسفة الأخلاق يمكن أن يظهر تأثيره في علم الجمال. لذلك، إذا استطاع شخص أن يعبر لعامة الناس عن مسائل الحياة اليومية في قالب فلسفي، وأن تكون له، كفيلسوف، قيمة مضافة، ومن الناحية الأخرى، أن يطرح مسائل الحياة اليومية بشكل يجذب انتباه الفلاسفة البعيدين عن المجتمع، فهذا جزء ينتمي إلى الفلسفة ومحترم تماماً، والقيام بهذا العمل تزداد أهميته يوماً بعد يوم، وهذا نوع من المسؤولية الاجتماعية للفلسفة.
النقطة الأخيرة هي أن بعض الفلاسفة المحترفين يقومون بهذا العمل باعتباره الشق الثاني من اهتمامهم. مثلاً، سايمون بلاكبرن[17] فيلسوف محترف له نظريات في الأخلاق، لكنه يحب أن يقوم بأعمال عامة أيضاً، وبعض الفلاسفة يقومون بهذا العمل باعتباره عملهم الوحيد، مثل ديفيد إدموندز[18] ونايجل واربرتون[19] وقد لا يرغب فيلسوف في القيام بمثل هذا العمل أو لا يمتلك القدرة على القيام به، وهذا لا ينتقص من قيمته شيئاً. برأيي، المهم هو أن نعترف بهذا الفرع من الفلسفة، الذي قد يهتم به البعض ولا يهتم به آخرون.
محمد رضا واعظ: ما عبرتم عنه كان تفكيكاً مهماً. شكراً لإيضاحاتكم.
دكتور آزادگان، إذا كان لديكم حديث في هذا المجال فتفضلوا به، وفي سياق حديثكم تفضلوا من فضلكم بالتطرق إلى هذه النقطة: بالنظر إلى أن عمر الفلسفة التحليلية قد تجاوز العشرين عامًا وقد حظيت باهتمام أكبر في السنوات الأخيرة، هل قمتم بدراسة ظهورها وتجلياتها في العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية؟ ما هي تجربتكم الحياتية في هذا الشأن؟
إبراهيم آزادگان: أود أن أصحح نقطة ذكرها الدكتور شيخ رضائي في القسم السابق، وهي التأثير السياسي-الاجتماعي للفلسفة التحليلية. كان رأيه أن الحكومات غير الديمقراطية أو التي لا تميل إلى الديمقراطية تدعم هذا النوع من التفلسف. على عكس رأيه، أريد أن أقول إن إحدى المشكلات التي يعاني منها مجتمعنا هي مشكلة التفكير المنطقي. نحن نواجه نقصًا حادًا في التفكير المنطقي والعقلاني في مجتمعنا. فعلى سبيل المثال، يتحدث أحد أعضاء البرلمان لمدة ساعة، وجميع الجمل التي يستخدمها للوصول إلى نتيجة ما، لا تؤدي أي منها إلى تلك النتيجة التي يريدها. هذا النموذج من التفكير غير المنطقي سيتحول في نهاية المطاف إلى ممارسة سياسية يومية في مجتمعنا، وحتى لو سألت ذلك النائب لماذا فعل كذا، فلن يستطيع أن يجد سببًا وجيهًا لفعله، لأنه لم يتلق أساسًا التدريبات اللازمة للتفكير المنطقي وتجنب المغالطات، ولم تترسخ لديه أهمية التفكير العقلاني. من الأمور التي تقوم بها الفلسفة التحليلية والتي تكون مؤثرة على المدى الطويل هي ألا يتمكن أي شخص من استخدام أي كلمة بسهولة، وأن يدقق في الكلمات التي يستخدمها والجمل التي يقولها، ويرى كيف يمكنه تبرير عمله تبريرًا عقلانيًا. هذا أحد تأثيرات الفلسفة التحليلية.
نقطة أخرى أنا متأكد من أن الدكتور شيخ رضائي قد تنبه لها بنفسه، وهي أن الفلسفة التحليلية وتطورها في إيران تُواجَه بمعارضة غريبة، وهذا فقط بسبب النظرة السطحية للفلسفة التحليلية. يتصور كثيرون أن الفلسفة التحليلية تعني الوضعية المنطقية ويحاولون تصويرها على أنها خطيرة. وربما يكون الأمر كذلك، وهو أن التفكير الجاد يُعارَض أساسًا، ويكون نموه وتطوره صعبًا.
في الإجابة على سؤالكم حول كيف كان تطور الفلسفة التحليلية في إيران في السنوات العشرين الأخيرة؟ يجب أن أقول إن قسم الفلسفة في جامعة طهران، وإلى الآن، لم يقم بعدُ أي اتصال مع الفلسفة التحليلية، وهو بعيد كل البعد عن كثير من المباحث الفلسفية التحليلية الراهنة؛ في حين أنه محرك الفلسفة في البلاد. هذا القدر من تطور الفلسفة التحليلية في إيران إنما هو بفضل وبركة الأفراد الذين عادوا من الخارج. هذا التطور جعل الفضاء الفلسفي في إيران فضاءً أكثر حداثة، ونحن نرى مقارنة بعشرين عامًا مضت أن التفكيرات الفلسفية الإيرانية تُنشر في العالم، وأقيمت اتصالات فلسفية جادة، وكل هذا ببركة تطور الفلسفة التحليلية.
محمد رضا واعظ: هل اتضحت علاقة هذا التطور بالعلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع؟
إبراهيم آزادگان: ليس لدي رأي خاص في هذا المجال. للدكتور سروش كتاب اسمه «دانش و ارزش» (العلم والقيمة) طُبع منه مليون نسخة في عام 1359، وكذلك كتب الدكتور شريعتي والأستاذ مطهري. أما الآن فجميع الكتب الفلسفية لا يتجاوز توزيعها خمسمائة أو ألف نسخة. إذا انفتح فضاؤنا السياسي-الاجتماعي قليلًا وأتيح المجال للاهتمام بالتفكيرات الجديدة، فإن الذين يعملون في الفلسفة التحليلية سيتمكنون هم أيضًا من رؤية تأثير تفكيراتهم. لكن في الوقت الحالي، فضاء مجتمعنا منغلق جدًا ولا يمكن الحديث عن هذه التأثيرات.
حسين شيخ رضائي: ثمة نقطتان ينبغي أن أثيرهما هنا. حديث الدكتور آزادكان عن قسم التفكير المنطقي والتفكير الناقد بخصوص أن تكون لدينا استدلالات أفضل في المجتمع، هو بالتأكيد صحيح، لكن ينبغي أن ننتبه أولاً إلى أن هذا النقاش يقع في نطاق الفلسفة العامة نفسها، ونحن الآن لا يوجد لدينا في أي قسم من أقسام الفلسفة في إيران درس باسم التفكير الناقد أو المنطق التطبيقي، ومن المفارقات أن بعض المسؤولين عن الأمور والفلاسفة المحترفين، عندما يُراد للمنطق أن يتحول إلى المجال العام، لا يعتبرونه منطقاً صحيحاً قائماً على الرياضيات. وأنا في هذا المجال متفق تماماً مع الدكتور آزادكان على أن هذه من جملة الخدمات التي يمكن للفلسفة، في مجال الفلسفة العامة، أن تقدمها للمجتمع، لكننا نحن أنفسنا لا نعترف بها. إذن، فصورة المسألة هي هذه، أي أنك لا ترى في أي قسم فلسفة في إيران عملاً على هذا الموضوع.
بخصوص النقطة الثانية، أي وضع إيران في مجال الفلسفة التحليلية، وحول الكتاب نفسه الذي أشار إليه الدكتور آزادكان، ينبغي أن أقول إنه في بدايات الثورة في إيران كانت هناك فترة كانت فيها التوقعات عالية جداً من الفلسفة الإسلامية ومن الفلسفة التحليلية التي ارتبطت بالتنوير الديني، وكان يُنتظر من الفلسفة أن تصلح الوضع الاجتماعي، لكن هذا التوقع تضاءل تدريجياً، ومع ذلك لا تزال الفلسفة تحتل مكانة محترمة في مجتمعنا. عدد عناوين الكتب التي تُنشر في مجال الفلسفة في إيران ربما لا نظير له في التخصصات الأخرى، ولا تزال الفلسفة تحظى بمكانة محترمة مقارنة بالعديد من الموضوعات الأخرى التي هي في الواقع أكثر صلة بالمجتمع. أهم موضع كان للفلسفة التحليلية فيه تأثير مباشر في الحياة اليومية، هو تيار التنوير الديني نفسه عند الدكتور سروش وكثيرين غيره من تلامذته، الذين يتمثل عملهم في الفلسفة التحليلية بمعناها العام، أي نوع من ممارسة الاستدلال والابتعاد عن الدعاوى المبهمة. هذا هو أهم أثر للفلسفة التحليلية في مجتمعنا المعاصر. في وقت من الأوقات، انطبق الانقسام التحليلي-القاري في مجتمعنا على الانقسام الإصلاحي-المحافظ، أو انقسام التغيير في مقابل الحفاظ على الوضع القائم، وكان الأمر كذلك على الأقل لسنوات. لقد شهدت العلاقات الاجتماعية في إيران تغيرات مهمة منذ عام 88، لكن على الأقل في عقدي السبعينات والثمانينات (الهجرية الشمسية)، كان الانقسام بين الفلسفة التحليلية والقارية، بمعنى من المعاني، يبدو وكأنه على هذه الحال.
النقطة الأخيرة هي أنه برأيي، إذا ما نظرنا إلى الفلسفة العامة باعتبارها فرعاً فلسفياً، فإن الفلسفة لا يزال تأثيرها ضئيلاً مقارنة بالتخصصات الأخرى. لعل النقطة التي أثارها الدكتور آزادكان تُظهر اختلاف وجهة نظرنا. هو يعتقد أنه إذا تحسن الوضع، فإن الفلسفة التحليلية يمكنها أن تظهر نفسها في المجتمع. لكن سؤالي هو: من الذي ينبغي أن يقوم بعمل ما للوصول إلى ذلك الوضع الأفضل؟ لتحسين الأوضاع، لا بد من قوة طليعية. مثلاً، بمقارنة علم الاجتماع بالفلسفة، ينبغي أن أقول إن تأثير علم الاجتماع في إيران، من خلال تأجيج النقاشات من منظور سوسيولوجي، كان أكبر بكثير. لقد فعل علماء الاجتماع ما جعل المواطنين ينظرون إلى الحوادث التي تقع من منظور سوسيولوجي. لم يكن للفلسفة التحليلية في المجتمع مثل هذا الدور. ربما يوجد مكان لها في رؤية مثالية، لكن الفلسفة التحليلية لم تكن أبداً قوة طليعية اجتماعية لتحليل ما يحدث في المجتمع.
إبراهيم آزادكان. أردت فقط أن أقول إنني ممتن لكم على هذه الجلسات وعلى سعيكم لإدخال المباحث الفلسفية في الفضاء الاجتماعي الإيراني.
النقطة الأخيرة التي ينبغي أن أقولها هي أنه لا يمكن توقع أن تكون الفلسفة التحليلية، بخلفيتها التاريخية ومضمونها، رائدة للتحولات السياسية والاجتماعية في إيران، فالفلسفة التحليلية لم تُصمم لهذا السياق، لكنها تستطيع، عند الحاجة، أن تحسن التفكير المنطقي وممارسة الاستدلال في المجتمع الإيراني. إذا أصيب مجتمعنا بتمزق اجتماعي، فقد تكون هناك حاجة إلى أن تسود عقلانية في المجتمع وأن تكون المبادئ الأخلاقية أساساً للحركات الاجتماعية، وذلك هو الوقت الذي يمكن للفلسفة التحليلية أن تساعد فيه مجتمعنا على الوصول إلى الاستقرار اللازم، وهذا ما ستحدده الأيام القادمة.
.
.
[1] هانس يوهان غلوك، ما الفلسفة التحليلية؟، ترجمة ياسر خوشنويس، منشورات ترجمان للعلوم الإنسانية، 1394، طهران.
[2] Scott Soames
[3] Saul Aaron Kripke 1940
[4] Soames, Scott (2003), Philosophical Analysis in the Twentieth Century. Vol. 2: The Age of Meaning, Princeton University Press, p. xiv.
[5] Chick, Matt & LaVine, Matthew (2014). The Relevance of Analytic Philosophy to Personal, Public, and Democratic Life. Essays in Philosophy, 15 (1):138-155.
[6] Alian de Botton 1969
[7] Ludwing Josef Wittgenstein 1889-1951
[8] Bertrand William Russel 1872-1970
[9] Thomas Nagel 1937
[10] Analytic Philosophy and Human Life
[11] Muhammad legenhausen 1953
[12] normativity
[13] Elitism
[14] Applied philosophy
[15] Practical philosophy
[16] General philosophy
[17] سايمون بلاكبرن (بالإنجليزية: Simon Blackburn) فيلسوف إنجليزي معاصر. مجال تخصصه هو فلسفة الأخلاق. بلاكبرن هو من أتباع ديفيد هيوم وقد سعى إلى تقديم رؤية هيومية جديدة للمسائل الفلسفية. وهو من معارضي أشخاص مثل سام هاريس الذين يعتقدون أن العلم يمكنه حسم المسائل الأخلاقية. وهو حالياً أستاذ فلسفة في جامعة كامبريدج وأستاذ أبحاث في الفلسفة بجامعة كارولينا الشمالية.
[18] ديفيد إدموندز (مواليد 1964) صانع برامج إذاعية في BBC. وهو حاصل على دكتوراه في الفلسفة.
[19] نايجل واربرتون (مواليد 1962) فيلسوف إنجليزي وأستاذ مساعد في الجامعة المفتوحة في إنجلترا، وقد تُرجمت له عدة كتب إلى اللغة الفارسية.
.
.
تجدر الإشارة إلى أن وسيلة الإعلام «زيتون» قد قامت بتحرير ونشر النص المكتوب لحوارات هذا الملف. نصوص هذه الحوارات متاحة عبر قناة التلغرام الخاصة بهذه الوسيلة الإعلامية:
https://t.me/zeitoons
المصدر: زيتون
.
.
۱. ندوة الفلسفة التحليلية والحياة اليومية؟!، الحاضرون: حسين شيخ رضائي (مدير مجموعة دراسات العلوم في معهد الحكمة والفلسفة البحثي في إيران)، إبراهيم آزادكان (رئيس كلية فلسفة العلوم في جامعة شريف)، بابك عباسي (مدير مجموعة الفلسفة في جامعة آزاد، فرع العلوم والبحوث بطهران)، محمد رضا واعظ (باحث في الفلسفة، جامعة بون بألمانيا)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
۲. الفلسفة التحليلية ومعنى الحياة من منظور توماس نيغل
الضيف: جواد حيدري، عضو هيئة التدريس في جامعة شاهد ومترجم أعمال توماس نيغل؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
۳. الفلسفة التحليلية والتفكير النقدي الضيف: علي حسين خاني (عضو هيئة التدريس في مجموعة دراسات العلوم بمعهد الحكمة والفلسفة البحثي في إيران وباحث في معهد الفلسفة التحليلية، معهد العلوم الأساسية (IPM))؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات .
٤. ندوة «العيش الجيد في الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية»؛ الضيوف: بابك عباسي ومسعود زنجاني (مُدرّس وباحث في الفلسفة)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات .
٥. الفلسفة التحليلية وعلم الجمال؛ الضيف: كاوه بهبهاني (مترجم وباحث في الفلسفة)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات .
٦. الفلسفة التحليلية والعلم؛ الضيف: أمير إحسان كرباسي زاده (عضو هيئة التدريس في مجموعة الفلسفة بجامعة أصفهان)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
٧. الفلسفة التحليلية والسياسة (جون رولز، روبرت نوزيك)؛ الضيوف: علي معظمي (عضو سابق في هيئة التدريس بجامعة آزاد - فرع العلوم والبحوث بطهران)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات .
٨. ندوة الفلسفة التحليلية والبيئة؛ الضيوف: حسين شيخ رضائي وأمير إحسان كرباسي زاده؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات .
٩. الفلسفة التحليلية والسياحة الإبداعية؛ الضيف: مژكان خليلي (دكتوراه في الفلسفة)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
۱۰. الفلسفة التحليلية والفن؛ الضيف: أمير مازيار (عضو هيئة التدريس في جامعة طهران للفنون)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
۱۱. ندوة الفلسفة التحليلية و"علاقة العلم والدين"؛ الضيوف: إبراهيم آزادكان، حامد صفائي بور (دكتوراه في فلسفة العلوم)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
۱۲. الفلسفة التحليلية والرياضيات؛ الضيوف: آرزو إسلامي (عضو هيئة التدريس في كلية الفلسفة بجامعة ولاية سان فرانسيسكو الأمريكية) وحسين بيات (دكتوراه في فلسفة العلوم)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات .
۱۳. فلسفة الأخلاق التحليلية والعلاج النفسي
الضيف: محمود مقدسي، دكتوراه في الفلسفة وماجستير في علم النفس السريري؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
۱۴. فلسفة الذهن التحليلية والعلاج النفسي؛ الضيف: مهدي نسرين (معالج نفسي وعضو هيئة تدريس سابق في معهد الحكمة والفلسفة البحثي في إيران)؛
مشاهدة الفيلم من يوتيوب | آپارات
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.