اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى جان بول سارتر أن السلبية الاجتماعية ناجمة عن «اعتقاد خاطئ»؛ حالة يعدّ فيها الفرد نفسه شيئاً هرباً من المسؤولية وقلق الاختيار. وفي المجتمع الإيراني، يفرّغ التنصل من المسؤولية الحياة من الأصالة والفعل الحر.

تصوري امرأة شابة تلتقي برجل مهذب للمرة الأولى في مقهى. يمسك الرجل بيد المرأة أثناء الحديث، كبادرة على ألفة وتقارب لم ينشآ بعد. يتصرف الرجل هكذا لعله يستطيع إظهار شعوره الجيد بوجوده مع تلك المرأة. لكن المرأة الشابة لا ترغب في هذا التلامس الجسدي، على الأقل في اللقاء الأول، غير أنها إن سحبت يدها ولو بلطف من يد الرجل فسيفسَّر ذلك على أنه امتناع وتباعد قد يؤثر على استمرار هذه العلاقة، بل وربما يفسد لقاءهما التالي. أفضل سبيل تجده المرأة هو أن تتظاهر بأنها لم تلحظ فعل الرجل هذا! في الحقيقة، بدلاً من أن تختار المرأة الشابة نوع رد فعلها إزاء فعل الرجل، تتظاهر بحالة وكأنها لم تلحظ فعل الرجل هذا إطلاقاً.[۲]
الموقف أعلاه هو مثال من كتاب الوجود والعدم لجان بول سارتر. يعتقد سارتر أن تلك المرأة، بتظاهرها بعدم المعرفة وعدم الاختيار بين الخيارات المتاحة أمامها، تُظهر نفسها متجاوزةً ومستقلةً عن الوضع الذي توجد فيه؛ أي أنها، بسلب المسؤولية عن نفسها لاختيار خيار ما، تُظهر نفسها متجاوزةً للوضع الذي ينبغي أن تختار فيه. يعدّ سارتر هذه الحالة الذهنية للمرأة «اعتقاداً خاطئاً»[۳]. الاعتقاد الخاطئ بنظره هو «نوع من عدم الصراحة مع الذات والآخرين».[٤] في الواقع، «الاعتقاد الخاطئ» هو حالة أنطولوجية وجودية يتظاهر فيها الفرد بالأمر الخاطئ بدلاً من الأمر الصحيح، ويقنع نفسه بأن هذا الأمر الخاطئ هو الأمر الصحيح والحقيقي. تماماً مثل المرأة الشابة التي حين توضع في موضع الاختيار، تضل طريقها باعتقاد خاطئ وتتظاهر وكأنها لم تلحظ فعل الرجل.[٥]
بشكل عام، بما أن إمكانية الاختيار بين الخيارات تجلب للإنسان المسؤولية، وما يترتب عليها من قلق ناتج عن المسؤولية، يحاول الإنسان بسلب هذه المسؤولية عن نفسه بعدم الاختيار، وألا يشعر بثقلها على كتفيه. يقول سارتر في «دفاتر من أجل الأخلاق» إن الأفراد، بدلاً من الاختيار بين خياراتهم المتاحة، يختارون العبودية، وبهذا الفعل يسمحون بأن «يُعاملوا كشيء».[٦] في مثل هذا الموقف، يعتبر الفرد نفسه كشيء فاقد للإرادة وعديم التأثير في المجتمع، حيث تخرج إمكانية إبداع الأمور وتغييرها عن يده، وعليه فقط أن يقبل بكل شيء. في الحقيقة، في مثل هذا الوضع لا تتمتع حياة الإنسان بأصالة، وتكون معاني الحياة وقيمها فارغة بالنسبة له. الإنسان ليس سوى دمية خيال ظل للقوى والحكومات والأفراد خلف الكواليس. المثال الواضح لهذا الموقف هو مجتمع يؤمن فيه معظم الناس أو رجال الدولة بنظرية المؤامرة. إنهم يفضلون التفكير بأن هناك أفراداً أو قوىً هي الفاعل الرئيسي وراء حدوث الوقائع الجارية.
والآن، دعونا نعود إلى مجتمعنا الإيراني المعاصر. يعيش معظمنا في مجتمع، وفقاً للتعبير الفلسفي العام وتعبير سارتر تحديداً، لا نعتبر أنفسنا فيه محكوماً علينا بالوجود والولادة فحسب، بل نعتقد يقيناً أن العديد من الخيارات والانتقاءات قد حُسمت لنا مسبقاً من قبل أفراد أو منظمات أو حكومات أو قوى ونفوذ خارجية أو داخلية؛ إنسان لا يعتقد، على مستوى اللاوعي فحسب، بل على مستوى الوعي والإدراك أيضاً، أن له حصة كبيرة في تشكيل ماهيته ومجمل الأحداث الثقافية والاجتماعية والسياسية في مجتمعه. مثل هذا الاعتقاد يتناقض تماماً مع رؤية جان بول سارتر. فهو كان يعتقد أن الإنسان محكوم في كل الظروف بالاختيار من بين الخيارات المتاحة أمامه.[٧] وبالتالي، ووفقاً لرؤية سارتر، فإن "الاعتقاد الخاطئ" لدى هؤلاء الأفراد هو أنهم يقنعون أنفسهم بأنهم ليسوا سوى كائنات عاجزة ومغلوبة على أمرها، حُدد كل شيء لها مسبقاً.[٨] في الواقع، إنهم بهذا التصور يتنصلون من المسؤولية الناجمة عن اختياراتهم، وسيكون مثل هذا المجتمع خالياً من أي فعل اجتماعي وحر. سلوك الأفراد في مثل هذا المجتمع، حين يوضعون في موقف ينبغي عليهم فيه الاختيار بين خيارات من أجل رسم مستقبل أفضل، يشبه سلوك تلك المرأة الشابة التي تظاهرت بعدم إدراكها لفعل الرجل. فكم من مواقف في المجتمع ينبغي علينا نحن البشر، حين نُوضع فيها، أن نختار، ولكننا باعتقاد خاطئ، نعتبر أنفسنا متجاوزين للموقف، ومستقلين عنه، ونختار اللا فعل والانفعال.
لاحظوا مثالاً آخر في هذا السياق. لنفترض أن العديد من الفرنسيين يتعاطفون ويتفقون مع حركة السترات الصفراء[٩] بسبب ارتفاع أسعار الوقود وزيادة الضرائب ونسبة البطالة في البلاد، ولكنهم، بسبب احتمال تحول الاحتجاجات السلمية في الشوارع إلى عنف واستغلال مثيري الشغب لها، ليسوا مستعدين للمشاركة في التجمعات الاحتجاجية في الشوارع. في هذه الأثناء، توجد حلول سلمية أخرى مثل الإضراب لإيصال صوت الاحتجاجات إلى المسؤولين، لا تتطلب التواجد في الشارع مما قد يوفر فرصة لمثيري الشغب ويؤدي إلى العنف ومقتل أشخاص أبرياء أو مأجورين، ولا تكلف الكثير من النفقات على مؤيدي هذه الحركة. على الأفراد فقط ألا يذهبوا إلى أعمالهم لمدة يومين، باستثناء الوظائف الحيوية مثل الإطفاء والمستشفيات وغيرها. في مثل هذا الموقف، توضع غالبية مؤيدي هذه الحركة، ممن لم يكونوا موافقين على الاحتجاج في الشارع أو كانوا يخافون ويخشون منه، في موقف ينبغي عليهم فيه الاختيار بين الإضراب أو عدم الإضراب، وقبول مسؤولية اختيارهم أيضاً. ولكن من بين هذا الجمع الغفير من مؤيدي حركة السترات الصفراء، هناك أفراد، بإخراج أنفسهم من الموقف، وبـ"اعتقاد خاطئ" وعدم مصارحة مع أنفسهم والآخرين، يختارون الانفعال فحسب، رغم أنهم لطالما اعتبروا أنفسهم، بالقول، مؤيدين لهذه الحركة ولوجود مشاكل أساسية في البلاد. سبب انفعالهم هو أنهم إذا أرادوا الإضراب، فلن يكونوا قادرين، بتصور أن مشاكل قد تنشأ لهم شخصياً أو للمجتمع بأسره، على تحمل مسؤولية عواقبه، وإذا قالوا بوعي وصراحة إنهم يعارضون الإضراب، فسيتعرضون لانتقادات شديدة من أقرانهم في الدين والفكر، ومثل هذا الاختيار لن تكون له عواقب جيدة لهم أيضاً. لذا، فإن أفضل طريق هو التجاوز عن الموقف المعني واللجوء إلى نظرية المؤامرة أو أي تبرير آخر لا يترتب عليه مسؤولية لهم.
أخيراً، كان سارتر يعتبر تجربة الحرية، والعمل على طرح مخططات جديدة، واكتشاف عوالم جديدة، وعدم الاكتفاء بالمعطيات الموجودة، خصائص للإنسان الذي يتسم وجوده وحياته بالأصالة. وكما يقول سارتر، يمكن لكل اختيار يقوم به الإنسان أن يكون محاولة لمواجهة عالم يشكل الشر والظلم والجور بعضاً من أهم مقوماته.
.
.
[١] باحث في الفلسفة، جامعة بون، ألمانيا
[٢] J. P. Sartre, Being and Nothingness / L’être et le néant (١٩٤٣)
[٣] Bad faith/ Mauvaise foi
[٤] بابك أحمدي، سارتر الذي كان يكتب، نشر المركز، الطبعة الرابعة، ١٣٩٠، طهران، ص. ٢٤٣
[٥] المصدر نفسه.
[٦] Sartre, Cahiers pour une morale, p. 473
نقلاً عن بابك أحمدي، سارتر الذي كان يكتب، نشر المركز، الطبعة الرابعة، ١٣٩٠، طهران
[٧] هذه الفقرة اقتباس مباشر من إحدى ملاحظات الكاتب الأخرى في هذا السياق. انظر: جان بول سارتر، الوجودية والأصالة الإنسانية، ترجمة مصطفى رحيمي، منشورات نيلوفر، الطبعة الرابعة عشرة شتاء ١٣٩١، طهران، ص. ٤٠
[٨] بابك أحمدي، سارتر الذي كان يكتب، نشر المركز، الطبعة الرابعة، ١٣٩٠، طهران، ص. ٢٤٤
[٩] حركة السترات الصفراء : (Le Mouvement des Gilets jaunes) هي حركة احتجاجية مركزها باريس، فرنسا، وسرعان ما امتدت إلى بلدان أخرى مثل بلجيكا وهولندا والعراق، وقد بدأت يوم السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨. تسبب أصحاب السترات الصفراء في فوضى مرورية بإغلاقهم الطرق. وجاءت هذه المظاهرات احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود والضرائب.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
جامعه ایران هیچ ربطی به انچه سارتر میگوید ندارد سارتر میخواهد که انسان در ارتباط با دیگری مفعول واقع نشود ومدام با وادادگی تحت تاثیر دیگری گرفتار بردگی نگردد واین هیچ ارتباطی تاکید میکنم هیچ ارتباطی با جامعه ایران وانتخاب مردم ندارد وقتیکه شما درمیان گزینه های معرفی شده نماینده فکری ندارید وانها از قبل پالایش شده هستند انتخاب معنی ندارد سرنوشت حکومتهای توتالیتر توسط قدرت متمرکز تعیین میشود ومردم جز لق لقه زبان چیز دیگری نیستند متاسفم که خودرابازیچه دست حاکمان ساختید
خیال پرداژی جامعه جوان شبه روشنفکر وقتی چندین میلیون نفر زندگی یک مدافع وطن را گرامی می دارد ولی با دوری از تظاهرات هم فکر نویسنده این متن نشان می دهد که با فکر این نویسنده موافق نیست. یاد Colleridgeو Wordsworth شاعران romanticistانگلیسی می افتیم که وقتی افکار اجتماعی اشان غلط از آب درآمد توصیه به خیالپردازی و پناه بردن به مواد مخدر می کردند.عزیز من شما تحت تاثیر تصویر غلطی که از غرب در ذهن خود ساختی ایران و ایرانی رو نمی شناسی. روشنفکری و فلاسفه واله و شیدای غرب جایی در میان مردم ایران ندارند. پاسخ