اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الهروب من الحوار يجرّ إلى الغرور والخطأ المعرفي، لأن فهم العالم في الفضاء العام ممكن عبر اكتشاف الخطأ. الحوار أسلوب حياة بين من يسعون إلى حل المشكلات بتواضع ونقد.

الفرار من الحوار ينطوي على مشكلتين على الأقل: إحداهما أخلاقية-روحية والأخرى معرفية. المشكلة الأخلاقية-الروحية والنفسية تعود إلى إمكانية تورط الأفراد المتجنبين للحوار في شرك التمحور حول الذات والإعجاب بالنفس واعتبار الذات استثناءً، وكأنهم يعتبرون أنفسهم نسيجًا منفصلًا عن الآخرين ومتعاليًا على الحوار، كما لو أنهم يعرفون أشياء لا يستطيع الآخرون فهمها، أو أن تلك الأشياء إذا ما وصلت إلى مسامع الآخرين ستثير اضطرابهم، أو على الأقل ليس لدى الآخرين ما يضيفونه إلى معارفهم في جعبتهم ليطرحوه ويعلموهم إياه أو ليتمكنوا من نقدهم.
في هذه المجموعة من الملاحظات، ما أعنيه بـ «الحوار» هو المعنى الخاص الذي يقصده فلاسفة العقلانية النقدية (critical rational philosophers) من الحوار، وهو أكثر من مجرد إشارة إلى «منطق الحوار» أو «الحوار المنطقي»، إنه اسم لنمط من أنماط الحياة. نمط الحياة هذا هو سعي يقظ ومستمر ومرتقٍ، لا يستقل فيه أحد عن «الآخر المانح للمعنى» ولا يستغني عنه، ولا يمكنه ذلك.
نحن نعرف العالم من خلال اكتشاف الخطأ وحذفه. هذا هو شرط بقائنا على مختلف مستويات الحياة البشرية. جميعنا، من خلال النقاش والنقد وعرض وجهات نظرنا في الساحة العامة، نفهم أخطاءنا، تلك الأخطاء التي يشكل اكتشافها وحذفها شرطًا لازمًا للبقاء، وكذلك لنمونا المعرفي والمهاري.
قد يستطيع البعض في خلوتهم أن يشعروا بشكل خاص بقدر أكبر من الرضا عن أنفسهم ووجهات نظرهم، وأن يأسفوا – عن استغناء أو شفقة – على ضيق أفق الآخرين وجهلهم وادعاءاتهم الكبيرة، بل وأن يتخذوا من ضيق أفق الآخرين هذا دليلًا على أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا أنفسهم ووجهات نظرهم للنقاش والنقد في الساحة العامة. لكن الواقع هو أننا كلما قللنا من عرض أنفسنا ووجهات نظرنا في ساحة النقاش العام، كلما حرمنا أنفسنا والآخرين من إمكانية اكتشاف الأخطاء وحذفها.
وبتعبير آخر، الفرار من الحوار ينطوي على مشكلتين على الأقل: إحداهما أخلاقية-روحية والأخرى معرفية. المشكلة الأخلاقية-الروحية والنفسية تعود إلى إمكانية تورط الأفراد المتجنبين للحوار في شرك التمحور حول الذات والإعجاب بالنفس واعتبار الذات استثناءً، وكأنهم يعتبرون أنفسهم نسيجًا منفصلًا عن الآخرين ومتعاليًا على الحوار، كما لو أنهم يعرفون أشياء لا يستطيع الآخرون فهمها، أو أن تلك الأشياء إذا ما وصلت إلى مسامع الآخرين ستثير اضطرابهم، أو على الأقل ليس لدى الآخرين ما يضيفونه إلى معارفهم في جعبتهم ليطرحوه ويعلموهم إياه أو ليتمكنوا من نقدهم.
المشكلة المعرفية لتجنب الحوار هي بقاء الفرد المتجنب للحوار محرومًا من أن يُنقد ومن أن يقف على أخطائه النظرية والعملية من قبل آخرين يعرف كل منهم أشياء قد لا يعرفها هذا الفرد. ولهذا السبب، فإن مثل هذا الفرد، كلما حرم نفسه من النقد في الساحة العامة، فإنه يسلب من نفسه بنفس القدر إمكانية الوقوف على أخطائه. ولهذين السببين، يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي الجديدة أن توفر إمكانية نادرة لبسط ونشر نمط الحياة هذا، نمط حياة يكون أكثر أخلاقية وأكثر بحثًا عن الحقيقة.
ممارسة الحوار بوصفه نمط حياة تستلزم (۱) التحرر من بعض سوء الفهم حول الحوار، (۲) معرفة موانع الحوار وإزالتها، و (۳) توفير شروط الحوار في العالم الواقعي. وفيما يلي سأتناول هذه المطالب الثلاثة.
لكي يصبح الحوار ممكنًا أساسًا، يجب أن نعرف موانع الحوار بمراقبة ودقة شديدين، وأن نزيلها خلال الحوار. بصرف النظر عن الموانع التقنية والمهارية، فإن بعضًا من أهم موانع الحوار متجذر في معرفتنا بالحوار وتوقعنا منه. هنا سنستعرض ثلاثة نماذج من أوجه سوء الفهم الشائعة حول الحوار، أوجه سوء الفهم التي تمنع نشوب الحوار أو تقدمه.
۱. يظن كثيرون أن الحوار النقدي ليس سوى نوع من أنواع الحوار، في حين أن الحوار لا معنى له أصلاً غير الحوار النقدي. الحوار يعني الحوار النقدي. الأفعال الكلامية الثنائية أو المتعددة الأطراف التي لا تكون نقدية، ليست حواراً على الإطلاق. ويمكن أصلاً ألا نأتي بوصف النقدي بعد كلمة الحوار. وإن كنا نأتي بهذا الوصف، فذلك لكي نتجنب، بالتأكيد على الطابع النقدي للحوار، خطأً كبيراً وشائعاً حول معنى الحوار، وقع في شركه مع الأسف كثيرون، أعني ذلك الظن الخاطئ بأن الحوار يمكن ألا يكون نقدياً. إذا تحدث شخصان معاً حول مسألة ما، لكن لا خلاف في الرأي بينهما، أو لا يتخذان خلافهما في الرأي مادة للنقد، فمن الصعب أن نطلق على فعلهما اسم حوار. فعلهما هذا، إن لم يكن مقترناً بعنف لفظي، فهو على الأرجح بث هموم صدر مكلوم لدى صدر حنون، أو إفضاء عاشق بسر قلبه لمعشوقه، أو مجلس درس بين تلميذ وأستاذ، أو إبداء مريد تعلقه بمراده، وأمثال ذلك. وإن كان مقترناً بعنف لفظي، فهو أشبه بالخصام والمشاجرة وربما النزاع والمناظرة، أو مباحثة طلاب العلم المبتدئين. الفعل الكلامي الذي لا تدور رحاه على مدار النقد، أياً كان، فليكن ما يكون، ليس حواراً.
۲. ويظن آخرون أنهم حين تواجههم مسألة ما، ما داموا عاجزين عن فهمها أو حلها، فلا ينبغي لهم أن يدخلوا في حوار مع الآخرين حولها. كثيراً ما سمعنا، حين ندعو أشخاصاً إلى الحوار حول مسألة ما، أنهم يقولون بنبرة علمائية: «المسألة لم تتضح / تكتمل بعد بالنسبة لي.» هذا ناشئ عن جهلهم بطبيعة الحوار. الحوار ليس بين منتهين أو من يظنون أنفسهم منتهين. الحوار هو بين أناس يعتبرون أنفسهم دوماً في الطريق. ينبغي أن يقال لأولئك الجاهلين بطبيعة الحوار إن الحوار يعني مباحثة نقدية وحلاً للمسألة بين أناس لم تتضح أو تكتمل لهم المسألة بعد، والأهم من ذلك، أنهم لا يظنون أبداً أن المسألة تتضح أو تكتمل لهم وحدهم، دون حوار، مرة واحدة وإلى الأبد.
موضوع الحوار هو دوماً مسألة ما. إذا لم توجد مسألة، كان الحوار بلا معنى وبلا موضوع. المسألة التي تكون مداراً للحوار هي مسألة لا يملك أي من طرفي الحوار بمفرده أي حل لها، أو أي حل معقول (reasonable) لها، أو إن كان يملك حلاً، فهو لا يعتبر حله الحل الأخير أو أفضل حل ممكن.
طرفا الحوار «متفائلان» و«مؤملان» بأن يصلا، عبر الحوار، إلى حل أو إلى حل أفضل لمسألة محددة. ولهذا السبب، لا يريد أي من الطرفين في الحوار أن يفرض رأيه على الآخر، لأنه هو نفسه دخل الحوار على افتراض أن فهمه للمسألة وحلها ليس كافياً أو واضحاً أو تاماً. هذا هو معنى التواضع العلمي غير المتكلف، والتواضع النقدي وخفض الجناح الخالي من المجاملة والتصنع والمزاح. وبسبب هذا التواضع، يحرص كل من طرفي الحوار أشد الحرص على أن يفهم رأي الطرف الآخر فهماً صحيحاً ويدرك قيمته في حل المسألة. لذلك، فهو في الوقت الذي يكون فيه حساساً تجاه أخطاء كلامه وكلام الطرف المقابل ومواطن وهنه، لا يتربص بنقاط ضعف كلام الطرف المقابل ليبرزها ويستعرض فضله ويظهر أن الطرف الآخر قد انهزم كي يخرجه من الساحة، بل يسعى لأن يدرك خطأ كلامه في مرآة نقد الآخر، وأن يضع، بالمقابل، مرآة نقدية أمام الآخر ليستطيع هو أيضاً أن يرى خطأ وجهة نظره في تلك المرآة بشفافية ووضوح. الحوار بهذا المعنى عملية وتمرين (praxis) تشاركي وتأملي (reflexive) من أجل الاكتشاف المتبادل للخطأ والصياغة المثلى لمسألة محددة وربما حلها ...
۳. ولكن من جهة أخرى، الحوار ليس مناظرة أيضاً. في المناظرة، الهدف هو هزيمة الخصم. المناظرة هي «لعبة محصلتها صفر» (zero-sum game)، أي أن كل نقطة إيجابية لأحد الخصمين هي نقطة سلبية للخصم الآخر. في حين أن طرفي الحوار أولاً ليسا خصمين، أي أنهما لا يتنافسان على الاستحواذ على شيء ما أو من أجل ربح وخسارة؛ وثانياً، كل نقطة إيجابية لأحد طرفي الحوار هي في الوقت نفسه نقطة إيجابية للطرف الآخر أيضاً. ولهذا السبب، فإن كل واحد من طرفي الحوار يتربص بالنقاط الإيجابية التي يمكن العثور عليها في كلام الطرف الآخر، وينقي تلك النقاط من ضعفها وينميها، ويستخدمها كجزء من المسار الذي يجب طيّه لفهم المسألة وإيجاد الحل. بينما في المناظرة، يستخدم كل من الخصمين أو المتنافسين كل أسلوب لإقناع المشاهدين أو القراء بأن الطرف المقابل قد هُزم. من أساليب مثل شن حرب نفسية على الخصم، استفزازه عصبياً، إيقاعه في الخطأ، استفزازه أو تحقيره أو السخرية منه، توجيه التهم إليه، رسم دور الأفعى واستغلال سذاجته وقلة اطلاعه و/أو سذاجة الجمهور والمشاهدين وقلة اطلاعهم، المغالطة عمداً، إعطاء معلومات خاطئة، تأليب عواطف ومشاعر ومعتقدات الجمهور والمشاهدين ضد الخصم، تمثيل دور المظلوم، تأويل كلام الخصم بأكثر معانيه حماقة ونسبة ذلك المعنى السخيف الوضيع إلى الخصم، وأمثال هذه الحيل. هذه كلها لإخراج الخصم من الميدان، وهي غريبة تماماً عن أسلوب الحوار وهدفه ومعناه.
في الواقع، علاقة طرفي الحوار تشبه علاقة أعضاء فريق واحد في سباق التتابع، لا علاقة المتسابقين في سباق المئة متر أو الماراثون. في سباق التتابع، ليس المهم من من أعضاء الفريق يعبر خط النهاية في النهاية، ولهذا السبب يحاول كل متسابق في الفريق أن يقطع المسافة التي يجب أن يقطعها في أقل وقت ممكن، وإذا قصّر زملاؤه السابقون في الفريق، يحاول الشخص التالي أن يعوض تقصيرهم أيضاً.
* اعتبار الذات ضحية: اعتبار الذات ضحية (self-victimisation) هو أحد عوائق الحوار النقدي، خصلة مزعجة وسامة تسللت للأسف إلى أعمق طبقات هويتنا وشخصيتنا لدى الكثيرين منا، وسلبتنا من أنفسنا وجعلتنا عاجزين عن حل المشكلات المشتركة وعن «التعلم من خلال الحوار»، وبكلمة واحدة، عن تجربة حياة نامية.
اعتبار الذات ضحية، بدلاً من حل المشكلات وتسويتها، هو منطق الكثيرين منا في مواجهة مشكلات الحياة، ومن هنا فعندما نصطدم بمشكلة نعيد تأويل تاريخ حياتنا الفردية أو الجمعية برمته كشواهد على كوننا ضحايا، ونبحث عن جذور المشكلات في شقائنا أو في قضاء الزمان، أو المصير التاريخي المشؤوم، أو في مؤامرة الأعداء وذوي السوء والحاسدين، أو في خلاف مجموعة الظروف والأحوال، وأمثال هذه العوائق الخارجية الخارجة عن إرادتنا واختيارنا وسيطرتنا.
مثلاً، على مقياس الحياة الأسرية وفي إطار العلاقات الزوجية، يمكن أن توجد أربعة آراء على الأقل حول كون النساء والرجال ضحايا في مجتمعنا:
أ. الرجال هم الضحايا.
ب. النساء هن الضحايا.
ج. النساء والرجال كلاهما ضحايا بدرجات مختلفة.
ث. لا أحد ضحية.
لكن الواقع هو أنه في العالم الواقعي، في كل نزاع، وبحسب الحالة، قد يكون أحد طرفي النزاع أو كلاهما، بدرجات متفاوتة، ضحية لعوامل خارجة عن إرادته واختياره وسيطرته، ولكن الخطأ هو تبنّي منطق اعتبار الذات ضحية حتى في التعامل مع هذه الحالات التي يرى فيها الفرد نفسه ضحية لعوامل خارجة عن إرادته واختياره وسيطرته.
۱. منطق اعتبار الذات ضحيةً هو منطق الهروب من تحمّل المسؤولية. وعند صياغة التعابير المفتاحية لهذا المنطق لغوياً، فهي كالتالي: أنا ضحية الثقافة، أو الأسرة، أو الدين، أو التاريخ، أو الوضع الاقتصادي، أو العرق، أو الجندر، أو الطبقة الاجتماعية، أو طيبة قلبي، و/أو ...؛ لقد خُدعتُ، لقد أُجبرتُ؛ لم أكن أرغب لكن ...؛ لقد استسلمت لإلحاح هذا وذاك؛ أشفقتُ واتخذتُ هذا القرار أو ذاك؛ وما شابه ذلك.
۲. منطق اعتبار الذات ضحيةً هو منطق مكتفٍ بذاته عن الواقع، يقطع علاقة صاحبه بالواقع. فالشخص الذي استسلم لهذا المنطق، بمعزل عما يجري حوله، يفترض دوماً في فهم إخفاقاته أنه لا بد قد وقع ضحية لعامل خارج عن إرادته وسيطرته، ويبذل قصارى جهده، بأي تلفيق كان، ليجد ذلك العامل، وإن لم يجده اختلقه.
۳. منطق اعتبار الذات ضحيةً، وللسببين المذكورين أعلاه، يسلب صاحبه إمكانية المقاربة الحلّية للمشكلات. وبناءً على ذلك، يزداد وضع صاحب هذا المنطق ومشكلات حياته تعقيداً يوماً بعد يوم.
٤. منطق اعتبار الذات ضحيةً يسلب صاحبه إمكانية التحرر من قبضة هذا المنطق، لأنه يقطع علاقة صاحبه بالواقع ويسلبه إمكانية دحض تحليلات الشخص عبر تصادمها مع الواقع والنتائج الواقعية المترتبة على تبني مثل هذه التحليلات.
٥. منطق اعتبار الذات ضحيةً يبدو في بداية الطريق منفعلاً (passive)، لكنه لاحقاً، كلما تقدم وترسخ، ينتهي إلى نضالات عنيفة وتهاجمية (aggressive).
٦. حلقة اعتبار الذات ضحيةً، بهذا الترتيب، تُغلق مثل حلقة الفخ عندما تتجاوز مرحلة الانفعال وتدخل مرحلة التهاجم. وعندما تبدأ مرحلة التهاجم، تُسمع عادةً هذه الجمل: الآن وقد صرتُ ضحيةً (خُدعتُ، أُجبرتُ، اتخذتُ قراراً رغماً عني، أذعنتُ لإلحاح هذا وذاك، أشفقتُ لكني لقيتُ جحوداً، وما شابه ذلك) فمن حقي كضحية أن أناضل، فمن حقي مثلاً أن أُلحق بالظالم المفترَض نفس الأضرار التي لحقت بي، وأن أفضحه، وألا أراعي حقوقه، وأن أمارس عليه ضغطاً روحياً و/أو نفسياً و/أو جسدياً، وما شابه ذلك. إن الشخص الذي يعتبر نفسه ضحيةً، بناءً على هذا المنطق، وفي نضالاته الانتقامية، يعتبر الكثير من التجاوزات الأخلاقية والشرعية والقانونية مباحةً على سبيل المقابلة بالمثل والقصاص، ويبررها ويعتبر ارتكابها حقاً مكتسباً له.
٧. الشخص الذي استسلم لهذه الحلقة الانفعالية-التهاجمية (passive‐aggressive) هو مكتفٍ بذاته عن الواقع، لأن كل النتائج تتلخص له مسبقاً في كلمة واحدة: إنه ضحية. وهكذا فهو لا يحتاج إلى فهم الواقع ومعرفته، لأنه لا ينوي تصحيح تصوراته، وبالتالي لا يذعن للحوار النقدي أيضاً. إن صاحب هذا المنطق لا يقبل إلا الحوارات التي تكون حصيلتها نيل التأييد والتعاطف. فإن رأى أدنى إشارة نقد و/أو عدم قبول لدى طرف الحوار، اعتبر ذلك أيضاً علامة مظلومة على كونه ضحيةً، وترك الحوار بأسىً أو غضب. إنه لا يسعى إلى أن يُنتقَد وإلى حل المشكلة؛ ولا يسعى إلى تصحيح موقفه من خلال النقد الذي يتلقاه أيضاً.
وهكذا، فإن اعتبار الذات ضحيةً هو نهجٌ، بدلاً من معالجة المشكلات بمقاربة حلّية ومسؤولة، يثبّت ويعمّق باستمرار شعورين في آنٍ واحد لدى صاحبه: شعور استحقاقية الذات وشعور البراءة من المسؤولية المشتركة. وبهذا الشكل، لا تُحل المشكلة أبداً، بل تزداد تعقيداً على الدوام. وبعد فترة، يصبح الشخص الذي يألف هذا المنطق، مدمن أزماتٍ أساساً، أي أنه لا يستطيع العيش أصلاً من دون المشكلات التي تجعله ضحيةً وتمنحه إمكانية هروب «مظلوم» من مسؤولية أخرى، لأنه من دون تلك المشكلات، لا يستطيع تبرير موقعه اللامسؤول في الحياة. لقد اعتاد أن يكون ضحيةً، ويضطلع باستمرار بأدوار انفعالية-تهاجمية واحداً تلو الآخر. هذه الحلقة تلحق أضراراً بالمحيطين بمثل هذا الشخص أيضاً، لكنها في النهاية تدمّر حياة الشخص نفسه. فهو بدلاً من أن يسعى «بمسؤولية» لحل مشكلات حياته الواقعية، يهرب منها «مظلوماً» ويلوذ بـ«أشباه المشكلات».
لهذا السبب لا يسلم المتعلمون، الذين يتمتعون عادةً بنسبة ذكاء أعلى من متوسط ذكاء عامة الناس، من آفة اعتبار الذات ضحيةً. بل يمكن القول إن العكس هو الصحيح؛ فالأكثر ذكاءً قادرون على اختلاق أعذار وتبريرات أكثر تعقيدًا وأكثر عددًا لاعتبار أنفسهم ضحايا، ونتيجةً لذلك، يمكن لسم اعتبار الذات ضحيةً المميت أن يلوثهم على نحو أكثر خفاءً وتعقيدًا وعمقًا.
من ناحية أخرى، تزداد المسألة تعقيدًا حين يكون نظام القيم والمُثُل المحيط بالفرد متعبدًا للضعفاء ومستحسنًا للضحايا. في مثل هذه الثقافات والمجتمعات، يكيّف الأفراد أنفسهم مع البيئة بفاعلية عبر آليات متنوعة كالاشتراط الفعال، ويستبطنون بنشاط أنماطًا من الفعل (act) والسلوك (behaviour) تمكنهم من تلقي أفضل الاستجابات من المحيط. في مثل هذه الثقافات، تُمنح مكافأة على اعتبار الذات ضحيةً، ولا فرق في ذلك بين من يعتبرون أنفسهم ضحايا من عامة الناس المنهمكين في شؤون الحياة اليومية، أو المسؤولين والسياسيين المتصدين لإدارة الشؤون العامة. فكل من يستطع إظهار المظلومية بشكل أفضل وأكثر، يجد لنفسه مكانًا في قلوب الناس بسهولة أكبر. ويُعد توسل السياسيين بنظرية المؤامرة أحد أكثر الأساليب فعاليةً في الخداع وجذب انتباه الرأي العام وصرفه عن القضايا الجوهرية.
* مغالطة الإطاروية والتركيز على الأسس: هل ينبغي، لكي ينشأ حوار نقدي، أن تكون الأسس أو الأطر الفكرية أو الثقافية لأطراف الحوار مشتركة فيما بينها، أو أن يكون بينها تداخلات واسعة؟ أولئك الذين يجيبون على هذا السؤال بالإيجاب، يقعون للأسف في واحد من أكثر سوءات الفهم خطورةً وشيوعًا حول الحوار: «أسطورة الإطار».
أسطورة الإطار تعني ذلك الخطأ الكبير الذي يرتكبه من يظن أن حوارًا نقديًا، تعليميًا، وحالًّا للمشكلات لا يمكن أن ينشب إلا حين يكون طرفا الحوار مشتركين إلى حد كبير في الأسس، أو ما يُسمى بالأطر الفكرية، والثقافية، والطبقية، و/أو غيرها. كارل بوبر، أحد أبرز العقلانيين النقديين، أبرز هذا الخطأ في نقده للنسبية المعرفية وأطلق عليه «أسطورة الإطار». إن الإطاروية، على عكس مظهرها المألوف والمقبول والأليف وغير المؤذي بل والعلمي، هي واحدة من أكثر المغالطات ابتذالًا وشيوعًا، وفي الوقت نفسه، الأكثر إعاقةً وإضرارًا، حيث تبدأ بممارسة العنف وتدمير الحياة الجمعية البشرية عبر اعتبار الحوار مستحيلًا بين أولئك الذين لديهم خلافات واسعة أو أساسية، وإذا ما وجدت سياقًا مناسبًا لممارسة العنف (وهو سياق يوجد بكثرة هذه الأيام للأسف)، فإنها تتقدم بسهولة حتى حدود الإقصاء الجسدي.
كل هذا التركيز الذي يُولى لـ«الأسس» في فضائنا الفكري والثقافي والسياسي، هو دلالة مباشرة على هذا الخطأ المحوري عينه. أنت في إيران، لو سألت في أي جامعة أو مركز أبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ستجد عددًا كبيرًا من المحاضرات والمقالات والكتب والرسائل الجامعية والمشاريع البحثية التي تركز على «أسس» شيء ما. في المقابل، لو بحثت بين الكتب والأبحاث والمقالات والمحاضرات في الجامعات ومراكز الأبحاث الرائدة وذائعة الصيت في العالم، لوجدت أن عدد العناوين التي تركز على الأسس والأسس والأطر قليل جدًا جدًا. هذا الفرق ليس عشوائيًا أو عرضيًا.
نظرتنا إلى المعرفة والوعي والفكر لا تزال تابعة لاستعارات بنائية وهرمية، والتي على الرغم من مظهرها الواقعي، تتحول بسهولة إلى نسبوية. وكأن كل جسد من الثقافة والتقليد والمعرفة، مثل هرم مقلوب، له حجر أساس أو اثنان، تُبنى عليه حجارة الوعي التالية، وكلما صعدنا إلى أعلى يزداد عدد حجارة المعرفة لكن كثافتها المعرفية (أي عمقها المنطقي) تقل. وفقًا لهذه الرؤية، لفهم بناء فكري ما، لا بد من البدء من الأسس. الآن، إذا كانت حياة وفرد ولغة وعالم وعي شخصين تستند إلى أساسين مختلفين من المعرفة والفكر، فوفقًا لهذه النظرة النسبوية، أي كلام يبقى لهما ليقولاه لبعضهما؟ بل كيف لهما أن يتحدثا أصلًا؟
أسطورة الإطار تستند في الواقع إلى افتراض مسبق خرافي: النقاء الثقافي والغربة الجوهرية بين الثقافات والتقاليد. اليوم، لا يمكن إلا لسذاجة عميقة وجهل خبيث وانعدام واسع للمعرفة بتاريخ العلم والدين والثقافة أن يقنع أحداً بوجود ثقافة دينية أو وطنية أو تقليد فلسفي أو إطار لاهوتي خالص ونقي في أي مكان من العالم. في الواقع، وراء علامات الهوية والفوارق المبالغ فيها، ليست الثقافات والتقاليد غريبة عن بعضها البعض إلى هذا الحد. أطرنا الفكرية والثقافية هي نتاج تلاقي وتمازج تقاليد وثقافات مختلفة. تماماً مثل البشر أنفسهم بلغاتهم المختلفة وألوان بشرتهم وعيونهم وخصائصهم الفسيولوجية، الذين يمتلكون من السمات المشتركة والتمازجات الجينية ما يجعل من المستحيل الإشارة إلى أي عرق نقي في العالم.
الحقيقة هي أنه إذا كان لدى طرفي الحوار قواسم مشتركة كثيرة، أو إذا كانت جميع أطرهم الذهنية والثقافية متساوية، أو كانت مشتركاتهم أكثر بكثير من افتراقاتهم، فلن يتبقى حينها خلاف مهم يمكن أن يكون مادة للنقد، وإذا بقي أي خلاف أصلاً، فسيكون شيئاً في حدود الأذواق الفردية حول مسائل صغيرة وفرعية؛ والأذواق بدورها ليست قابلة للحوار إلا للتسلية وزيادة المعلومات العامة عن الآخرين.
الحوار فعل لا يكون ذا معنى أكبر وأكثر فائدة في آنٍ إلا بين أفراد ذوي أطر مختلفة نسبياً. ما يجعل الحوار بين أفراد ذوي أطر فكرية متنوعة مستحيلاً ليس تنوع هذه الأطر في حد ذاته، بل عدم الانفتاح على الإمكانيات الجديدة لحل المشكلة، وفقدان الصبر وحسن النية. إذا غاب هذا الانفتاح لدى طرفي الحوار، فكيف يمكنهما أن يأملا في تجاوز الأساطير والتقاليد التي تتظاهر بالحقيقة والوصول إلى فهم أكثر اتزاناً للعالم أو حل أكثر عقلانية لمشكلة ما؟ فلو كانت المشكلة قابلة للحل في إطار تلك الأطر السابقة نفسها، لما دعت الحاجة أصلاً إلى حوار نقدي.
١. المقاربة الفقهية/القانونية للعلاقات الاجتماعية بدلاً من المقاربة الأخلاقية والإنسانية (مقاربة حاسمة وقضائية وباحثة عن المذنب ومعاقبة للمشكلات التواصلية)
المهمة الرئيسية للفقه والقانون في العلاقات الإنسانية هي «فصل الخصومات» أو الحسم في النزاعات عن طريق القضاء وإصدار الأحكام لتحديد المذنب أو المدين أو الدائن أو المجرم وأمثال ذلك. الفقه والقانون، كما يظهر ماضيهما وحاضرهما، لا يحتويان على أي برنامج خاص لإدارة الأمور ولا يمتلكان أي نموذج تواصلي خاص لتنظيم العلاقات الاجتماعية. العلاقات الاجتماعية بين الأصدقاء والأقارب والأقران والأزواج والزملاء، أي العلاقات بين أفراد يتواصلون على مستوى متساوٍ تقريباً من حيث هرمية السلطة السياسية، ويريدون العيش معاً بانسجام، خاصة إذا أرادوا اتباع نموذج الحوار النقدي كأسلوب حياة، هي أبعد ما تكون عن المقاربة الفقهية-القانونية، لأن المقاربة الفقهية-القانونية تنظر إلى مستوى الحسم في الخلافات العملية، إنها العمل الأخير وهي مخصصة لنهاية المطاف، أما الحوار فهو تبادل فكري جارٍ ومنفتح وقابل للارتقاء بين أناس لا يسعون للعثور على مذنب وحسم النزاعات بطرق غير تفاهمية، بل يريدون فهم مشكلة ما بشكل أفضل من ذي قبل وربما حلها، وفي النهاية ينتهي الحوار دائماً بشكل مؤقت ويبقى مفتوحاً نحو استمرار النقاش؛ لا شيء يُحسم.
علامة تبني المقاربة القانونية-الفقهية هي أن الجمل التي يبنيها الفرد مليئة بـ«الواجبات والمحظورات القانونية والحقوقية» والأحكام الباحثة عن المذنب والمعاقبة. في مثل هذا الخطاب، تُسمع هذه النوعية من التعابير بكثرة: «القانون يحكم بأن ...؛» «الواجب القانوني لفلان هو أن ...؛» «من حق/واجب فلان القانوني أن ...؛» «طبقاً للقانون، الحق معي، لذلك ...؛» «فلان قد تخلف عن واجباته القانونية وجزاؤه هو أن ....» هذه المقاربة مناسبة بالطبع لمقام الحل والحسم القانوني والفقهي للخصومات، أي الوضع الذي قد يبدأ مع نهاية إمكانيات الحوار النقدي.
٢. المقاربة الأنثوية-الذكورية للعلاقات الإنسانية (بما في ذلك العلاقة الزوجية) بدلاً من المقاربة الأخلاقية والإنسانية
علامة تبنّي مثل هذا النهج هي أن الحجج والادعاءات التي يبنيها الفرد غالبًا ما تكون أحكامًا جوهرانية (essentialist) حول المرأة/النساء أو الرجل/الرجال، مثل هذه التعابير: «المرأة عاطفية لكن الرجل عاقل؛ على المرأة أن تلطّف الأجواء لكن على الرجل أن يدعم المرأة ويساندها؛ النساء خُلقن لتدبير شؤون المنزل، أما الرجال فقد خُلقوا للأعمال خارج المنزل؛ الرجل يحب أن تكون المرأة دائمًا جذابة ومستعدة لاستقبال الرجل؛ المرأة تحب أن يفكر الرجل بها فقط وأن يكون قلب الرجل كله ملكًا لها؛ على المرأة أن تحل هذا النوع من المسائل، وعلى الرجل أن يحل ذاك النوع الآخر من المسائل؛ تنظيم العلاقات الأسرية من شأن المرأة، أما تنظيم العلاقات الاجتماعية فمن شأن الرجل؛ من الأفضل ألا تدخل النساء في النقاشات الفكرية والسياسية، ومن الأفضل للرجال أيضًا أن يبعدوا نساءهم عن هذا النوع من الانشغالات الذهنية، وأمثال هذه الأمور.» هذه الأحكام الجوهرانية تغلق الطريق أمام الحوار، لأنها عبر إلصاق ملصقات جندرية بهذا وذاك منذ البداية، تضمن النتائج المرغوبة حتى قبل بدء أي نقاش، وتسلب إمكانية تجاوز أفق القوالب النمطية التي هي جزء من المشكلة، لا جزء من الحل.
۳. النهج التحكّمي أو الانتقامي، التوجيهي، من موقع فوقي، الأمر، العتاب، التأديبي، والمشوب أحیانًا بممارسة ضغط نفسي-روحي و/أو بدني
كلام من يتبنى مثل هذا النهج، بالإضافة إلى كونه متخلخلًا وحادًا، إما أن يبدأ عادةً بـ «يجب/لا يجب» و/أو غالبًا ما يكون مضمونه الصريح أو الضمني هو «لا تطلبوا مني دليلًا؛ أنا غير مستعد لأن أناقش في هذه الموارد؛ عليكم أن تقبلوا هذه الموارد مني جملةً وتفصيلًا؛ اختلاف منزلتي ومكانتي عن مخاطبي يقتضي ألا يكون هناك جدال؛ أنا لا أقبل أي كلام مخالف في هذا المجال الخاص» وأمثال هذه الأمور. الحوار عملية ديمقراطية بين أناس يعتبرون أنفسهم، في مقام الحوار، متساوين مع سائر أطراف الحوار.
حتى هنا تمت الإشارة إلى بعض الموانع المعرفية والشخصية والتواصلية للحوار. هنا تتم الإشارة إلى بعض أهم الشروط الإيجابية لاستمرار وارتقاء حوار نقدي من منظور العقلانيين النقاد.
كما مرّ في التعريف بـ «أسطورة الإطار» ونقدها، فإن ما ينبغي أن يكون مشتركًا بين المتحاورين ليس الأطر الفكرية والثقافية والأسرية والعقائدية والطبقية والجندرية واللغوية والمصلحية وأمثال هذه الأمور. للبدء بعلاقة حوارية ونقدية وحلّ مسائل، ما ينبغي أن يكون مشتركًا هو، في الدرجة الأولى، الإرادة والتصميم الجاد على الحوار، وحسن نية المتحاورين، وسعيهم للحفاظ على شروط الحوار، أي التزام صبور بالمبادئ الهادية والمنسّقة للحوار.
يبدو أن بعضًا من أهم المبادئ الهادية والمنسّقة التي تجعل استمرار وارتقاء الحوارات النقدية وحلّ المسائل ممكنًا، هي على النحو التالي:
۱. قبول أن الحياة تعني حلّ مسائل مستمر على مستويات مختلفة من الحياة البشرية، وأنه في حياة اجتماعية تأملية، لا ينتظم حلّ المسائل إلا عبر الحوار النقدي مع الآخرين؛
۲. الإقرار بوجود مسألة مشتركة؛
۳. الاعتقاد بأن أيًا من طرفي الحوار لا يستطيع بمفرده أن يجد حلاً (أمثل) للمسألة؛
٤. الاعتراف بأن الأطر الفكرية لكل واحد من أطراف الحوار لا تملك بالضرورة وحدها السعة الكافية لإيجاد أفضل حل لتلك المسألة؛
٥. الانفتاح النفسي نحو «الآخر» الذي هو طرف الحوار بكل اختلافاته؛
٦. قبول أن طرفي الحوار ليسا متفقين في الرأي وليس من المقرر أن يؤيد أحدهما الآخر أثناء الحوار أو في نهاية كل فصل من فصول الحوار. الهدف الدائم للحوار هو النقد المتبادل والارتقائي؛
۷. التفاؤل والأمل بأنه من خلال الحوار يمكن فهم المسألة المبحوثة على الأقل بشكل أفضل وربما حلها أو تفكيكها؛
٨. الاستعداد لنقد الآخر ونقد الذات، وهو ما يستلزم تفاؤلاً أنثروبولوجياً وتشاؤماً إبستمولوجياً، أي يجب افتراض حسن نية طرف الحوار، دون اعتبار ذلك دليلاً على صحة ادعاءاته؛
٩. ينبغي لكل من طرفي الحوار أن يعرض نفسه على نقد الآخر بوعي ومسؤولية وعن قصد وبأقصى درجة ممكنة؛
١٠. مساعدة الآخر ليتمكن من صياغة مقصوده بشكل أفضل وأقوى وأكثر استدلالاً؛
١١. استبطان نموذج التآزر المتبادل؛
١٢. الإحساس بالمسؤولية وتحمل المسؤولية بشكل موضوعي وعملي إزاء مصير الحوار؛
١٣. الاعتراف بـ«الآخر» بوصفه شريكاً لا خصماً. فالخصم ينبغي التغلب عليه وهزيمته، وإلا سيهزمك، أما الشريك فينبغي مرافقته والتحسس لأخطائه ومصارحته بها. يجب إحسان الظن به والأمل في المشاركة معه. فنجاح كل من الشريكين رهين بنجاح الآخر (وبمعنى نجاحه أيضاً).
١٤. الإدراك المتبادل لهذه النقطة، وهي أنه حتى بدون أطر وأسس مشتركة، يمكن لشخصين أن يختارا الحوار النقدي وحل المشكلات بوصفه نمط حياة، ويخوضاه معاً، وبناءً عليه، يشكلان تجربة مشتركة.
إذا كان الحوار معلقاً ومشروطاً بتوفر الشروط التي تم تعدادها حتى الآن، فلن يتحقق أي حوار، إذ «لا يتأتى الحوار في العالم الترابي». الحوار المثالي كما وُصف آنفاً، لا يمكن العثور عليه إلا في الشروط المثالية للتعريفات وبين ثنايا الكتب، إن أمكن ذلك. وإلا، فنحن البشر الذين نعيش في «الوضع البشري» على هذه الأرض وفي أحد هذه المجتمعات المعروفة بكل نقائصنا وعيوبنا، لا يمكننا أثناء الحوار أن نريد ونتوقع من طرفي الحوار أن ينبذوا فجأة كل عقدهم النفسية، وحدّتهم السلوكية، وخشونتهم الأخلاقية، وعجزهم التواصلي، وأن يصبحوا أشخاصاً آخرين، ويفترضوا أنفسهم في موقع «الآخر»، ويتعاطفوا معه، وينظروا إلى ذواتهم من خلال عين «الآخر»، ويكبحوا أنانيتهم ونرجسيتهم وذاتيتهم وتمركزهم حول الذات، ويروا أخطاءهم التي اعتادوها والتي تشكلت هويتهم بها في مرآة نقد الآخر ويعترفوا بها، وبدلاً من كسر المرآة، لا يقطبوا جبينهم ويعيدوا خلق أنفسهم من جديد ويحافظوا على فضاء الحوار دافئاً وعزيزاً بيقظة وشفقة. نحن البشر العاديون الذين نقضي معاً الصباح والمساء، غالباً، وربما جميعاً بلا استثناء، في كل مجال تواصلي، نحضر كامل وجودنا، بكل ما فيه من طباع سيئة وحسنة، وعادة لا نراقب أحوالنا بيقظة «دائماً» من الأعلى والخارج (أصلاً لو كان ذلك ممكناً في أغلب الأوقات) لنراعي في أداء كل كلمة وكل حركة عين وكل التفاته رأس وعنق الشروط المثالية للحوار وأحوال المحاوِر المقابل، خشية أن يصبح أي من هذه الحركات والسكنات مدعاة لسوء فهم، وينقطع حبل الحوار. مثل هذا «الإنسان لا يتأتى في العالم الترابي»، ولهذا السبب بالضبط، ينبغي لنا ربما أن ننسى أمنية الحوار ونقبل بأن «الحوار لا يتأتى في العالم الترابي» أصلاً.
هذا التصور ناجم عن سوء فهم خطير لكيفية وسببية «الحوار بوصفه نمط حياة». ولسوء الفهم هذا جذران رئيسيان. الأول، الخلط بين الشروط المثالية لتعريف الحوار والشروط الموضوعية للحوار في الحياة الواقعية والعلاقات اليومية، والثاني، الخلط بين «شروط بدء الحوار» و«الشروط أثناء الحوار». النقطة الأولى بسيطة: التعريفات غالباً ما تصف الوضع المثالي، لكن في مقام الممارسة لا يتوفر الوضع المثالي أبداً. التعريفات المثالية لها قيمة كاشفة للأفق ومرشدة (heuristic) وتُظهر اتجاه الحركة وعلامات وشروط التقدم في المسار. هذه النقطة تتضح أكثر بشرح النقطة الثانية.
الفارق بين شروط الحوار وظروف الحوار هو أنه في غياب «الشروط» لا يتحقق الحوار، أما «الظروف» فتصف كيفية وضع الحوار وحاله. إن التقليد العريق للحوار، المتجذر في حكمة الصينيين القدماء والهنود القدامى والسقراطيين وما قبل السقراطيين، هو مسار محقق لذاته، أي يمكن اعتبار التحقق التدريجي «لظروف» الحوار علامات على التقدم في مسار الحوار ونتائج لممارسة الحوار بوصفه أسلوباً للحياة. وبتعبير آخر، فإن أطراف الحوار ليسوا بشراً كاملين منذ بدء الحوار، بل يدركون خلال الحوار تدريجياً بعض نواقصهم، وإذا واصلوا رياضة الحوار، تزول تلك النواقص من وجودهم بالتدريج. وبتعبير آخر أيضاً، يمكن اعتبار ظروف الحوار هي ذاتها أهداف الحوار أو نتائجه، لا أسسه وجذوره و«شروطه». شروط إمكان الحوار وتحقيقه ليست أكثر من إرادة أولية للحوار، وإيثار متبادل بين المتحاورين، وسعي وصبر منهم؛ لا غير. وما يُقال أبعد من هذا بشأن ظروف الحوار، ليس، بالمعنى الدقيق للكلمة، «شروطاً» للحوار يمكن اتخاذ غيابها ذريعة للتنصل من بدء الحوار أو مواصلته، بل هي «ظروف» تتوفر وتُكتسب بالتدريج في أثناء الحوار وفي خضم السعي الخيِّر الصبور. وبهذا المعنى، فإن هدف الحوار هو الحوار ذاته وليس خارجه.
وبمثل هذا النهج، لا ننخرط في الحوار على نحو مرآتي تأملي فحسب؛ فبالإضافة إلى التأمل النقدي، يستلزم هذا النهج، من جملة ما يستلزم، «الشفقة والمراعاة والمبالاة» (caring) إزاء وضع الآخر، والتشدد على الذات أيضاً، على الأقل بغية تحمل خشونة وغلظة خلق و/أو كلمات المحاور المقابل الغليظة والخشنة، والتجاوز الكريم عن الكلمات أو السلوكيات أو التلميحات غير المستساغة التي قد تصدر عن المحاور المقابل عمداً أو بغير عمد، بما في ذلك الاعتراض على عدم مراعاة ظروف الحوار.
يبدو أنه يمكن، بل ينبغي، إعداد الطفل منذ سن مبكرة لمثل هذا الأسلوب في الحياة. وهذا يستلزم بالطبع أن يكون الأب والأم قد أقاما معاً، وكل منهما مسبقاً مع ذاته، مثل هذه العلاقة النقدية الحوارية. هذه تجربة ترتقي كلما مورست. إن استعداد الأب والأم لمثل هذا الأسلوب في الحياة يستلزم، من جملة ما يستلزم، التخلي عن بعض السلطات التقليدية والمتعارف عليها، خصوصاً داخل الأسر الذكورية/الأبوية/الأمومية، وهو أمر قد لا يمتلك الكثيرون الاستعداد الروحي والنفسي والمعرفي اللازم له.
إن وضع المنظومة الإعلامية، والتعليم العام، والمنظومة الجامعية، مؤثر جداً أيضاً في التمهيد لتنشئة وبسط وترويج هذا الأسلوب في الحياة. بمعنى أن النظام السياسي المحيط بهذه الأنظمة الاجتماعية الفرعية ينبغي أن يكون على استعداد واعٍ للتخلي عن بعض أنواع السلطات، وأن يقيم علاقة مع مواطنيه تصبح فيها ممارسة هذا الأسلوب في الحياة مدعاة لنمو المواطنين وارتقائهم، لا سبباً لخسارتهم وخذلانهم.
يمكن اعتبار القابلية للحوار بهذا المعنى أهم مؤشر ومكون للديمقراطية. وبتعبير آخر، إلى جانب دراسة الظروف السلبية والإيجابية للحوار، فإن السؤال الجدير بكل تروٍ وتفكر هو: هل توفر هذه الظروف الإيجابية تابع فقط لإرادة الأفراد فرادى، أم أنه متوقف هو نفسه على ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية خاصة؟ بعبارة أخرى، السؤال هو: هل أولئك الذين يعيشون في ظل أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية منغلقة واستبدادية، هل يمتلكون حظاً متكافئاً لبدء واستمرار وارتقاء حوارات نقدية مع أولئك الذين يعيشون في أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية منفتحة وديمقراطية؟ من الواضح أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالنفي.
في نوفمبر ۱۹۶۸ أجرى هيوستن سميث [۱] حواراً مع كريشنامورتي [۲]، ولحسن الحظ فإن الفيلم الكامل له متاح.
هذا الحوار هو إحدى القطع المشرقة في التاريخ المسجل للحوارات الفلسفية، حيث يسعى طرفا الحوار، في غاية البساطة والصفاء وبعيداً عن أي وجه استعراضي أو إظهاري، وبكل طاقتهما الروحية والنفسية والمعرفية، إلى فك عقدة مفهومية صعبة: «الاستنارة» (clarity)، و«الصفاء» أو «النقاء» (lucidity). هذا المفهوم مفتاحي لفهم فكر كريشنامورتي وكثير غيره من الحكماء وأصحاب البصيرة، وهو مفهوم يشير إلى حالة لا تتحقق، في نظر كريشنامورتي، إلا عندما يتخلى طالبها عن السؤال عن المنهج أو «الكيفية».
سرعان ما يجر كريشنامورتي الحديث إلى ضرورة التحرر من التفكير السلطوي، ويعتبر هذا التحرر مقوماً لحالة الاستنارة، وليس مجرد شرط للتصافي، بل هو عين التصافي. هنا يأخذ هيوستن سميث دور المحاور الناقد وحلال المشكلات، وخلال ما يقرب من ساعة من الحوار مع كريشنامورتي، وببراعة فنية لامعة وفائقة لا تصدر إلا عن عقل متعلم ونفس وروح مهذبة متحررة من العقد، يبلغ عمق المعنى الذي يقصده كريشنامورتي.
لا يدخر هيوستن سميث ولا كريشنامورتي أي جهد في التعبير الواضح والصريح والمباشر عن النقدات الراديكالية لوجهة نظر الطرف الآخر في الحوار، لكن في كل لحظة من لحظات هذا الحوار تموج في كل مكان روح التعاطف والرأفة النقدية، والتفاؤل الأنثروبولوجي والتشاؤم الإبستيمولوجي. هذا الحوار، بصرف النظر عن محتواه القيم، هو أيضاً نموذج نادر للطرح في هذه المقالة لأنه يضعف أسطورة الإطار المشترك كشرط للحوار. ومع ذلك، فإن سعة وعمق التفاهم النقدي الذي تشكل في هذا الحوار والانفتاح المتأمل الذي يموج فيه، هو مثال يُحتذى حتى للحوارات التي تدور داخل إطار فكري وثقافي مشترك.
.
.
[١] هيوستن سميث، المولود عام ١٩١٩، هو من أشهر أساتذة وكتاب تاريخ وفلسفة الدين. بيع من أحد كتبه الأربعة عشر، الذي يحمل عنوان «أديان العالم»، ما يزيد على مليونين ونصف المليون نسخة، ولا يزال يُعد من المصادر الرئيسية والنادرة في الدراسات المقارنة للأديان. درّس الدين والفلسفة في جامعات منها إم.آي.تي، وواشنطن، وكاليفورنيا، وسيراكيوز. كما عرّف العالم على نوع من الموسيقى الغنائية متعددة الأصوات الشائعة بين بعض بوذيي التبت، وهو اكتشاف عُرف كنقطة تحول في الدراسات الموسيقية. لم يدرس الطرائق الشرقية في بحثه عن الحقيقة دراسة عميقة فحسب، بل مارس بعضها بنفسه بجد واجتهاد وعاشها.
[٢] جيدو كريشنامورتي، المولود عام ١٨٩٥ والمتوفى عام ١٩٨٦، كان حكيماً من أصل هندي ذا خلفية هندوسية وتربية في الثيوصوفية. في السادسة والثلاثين من عمره، ووفقاً لروايته هو، غيّرته تجربة داخلية روحية عميقة من الأساس، تجربة كان يعتقد المحيطون به أنها تكررت مراراً حتى نهاية عمره، وكان هو نفسه يسميها تجربة الاتحاد العرفاني (mystical union) والسلام اللامتناهي (immense peace)، تجربة كانت تصحبها، وفقاً للمحيطين به، حالات من البراءة والطفولة ثم انشقاق حجاب المادة والجسد، وقد عُبّر عنها اصطلاحاً بالتحول واللامتناهي. أخيراً، في الثالث من أغسطس عام ١٩٢٩، وبإعلانه حل فرع منظمة الثيوصوفية في الشرق (OSE) التي كان هو على رأسها، اعتبر كريشنامورتي البحث عن الحقيقة عبر (أو داخل) أي مذهب أو دين، أو مؤسسة، أو تنظيم، أو طائفة، أو فلسفة معينة أمراً مستحيلاً، وقال إنه سيكرس من الآن فصاعداً كل همته لتحرير الإنسان. لقد تخلى عن كل انتماء ديني، أو وطني، أو فلسفي، وعن كل سلطة، أو تقليد، أو علاقة مرشد ومريد، واعتبر كل هذه الانتماءات طرقاً للعبودية لا للتحرر، طرقاً تحول، في نظره، دون العثور على الحقيقة. كان يرى الحقيقة «أرضاً بلا طريق» (pathless land).
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سلام و احترام و ضمن سپاس و تشکر از درج این مقاله مفید، شیوا و گیرا، مزید امتنان خواهد بود اگر نسخهpdf یا word آن را هم برای دانلود به اشتراک بگذارید!