اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى حميد طالب زاده أن الفلسفة ليست معرفة موضوعية كالعلوم، بل هي تفكّر واتخاذ موقف من الوجود يبدأ بالدهشة؛ مراجعة لكتاب «حوار بين هيغل والفلاسفة المسلمين» وتمييز التقاليد الفلسفية الغربية والشرقية والحوار بينها.

محسن آزموده: الفلسفة في جوهرها حوار صادق وصحيح، صريح وجريء، بلا مجاملة أو مداراة، وفي الوقت نفسه منطقي ووجاهي بين المفكرين، بل في الواقع بين الأفكار، حول الوجود أو الكينونة، حقيقة لا تُدرَك، محيطة بالموجودات، ويصاب الإنسان السائل بالحيرة إزاءها، وهذه هي بداية الفلسفة. لقد سعى الفلاسفة عبر التاريخ، من ما قبل سقراط وأفلاطون وأرسطو إلى الفارابي وابن سينا، ومن الملا صدرا إلى هيغل، ومن هايدغر إلى العلامة الطباطبائي، إلى تجاوز هذه التجربة الوجودية المثيرة للحيرة، وأن يتفلسفوا مستعينين بالأدوات المفهومية والنظرية للأسلاف، وأن يدخلوا معهم في حوار ليتمكنوا في النهاية من تجاوز مجرد تجربة الحيرة الوجودية، وتقديم فهم عقلاني للوجود، فهم يتناسب مع كيفية انكشاف الوجود عليهم في زمنهم الذي هو معاصرتهم والذي يحدد مصيرهم التاريخي. يعتقد سيد حميد طالب زاده أنه من هذه الناحية لا يوجد فرق جوهري وأساسي بين الفلاسفة في غرب العالم وشرقه، وأن فلاسفة الغرب المحدثين هم أهل ميتافيزيقا بنفس القدر الذي هم عليه أصحاب الحكمة المتعالية. ومن هذا المنطلق، سعى في كتابه اللامع «حوار بين هيغل والفلاسفة الإسلاميين: الصيرورة، الجدل والمثالية» مع التأكيد على التمييز بين تقليدي الفلسفة الإسلامية والفلسفة الحديثة، إلى إقامة مجلس «تخاطب». وهو يعتقد أنه «في هذا الحوار يتضح ما هي المساهمة التي يمكن أن يقدمها التراث الفلسفي في فكر العصر الحاضر، وما هي المراجعات التي يجب أن يجريها في نفسه». لا شك أن هذا الكتاب هو أحد أفضل نماذج الحوار الفلسفي الخالص بين تقليدين فلسفيين مختلفين لهما أصول متشابهة، لا سيما أن هذه المواجهة يقوم بها باحث لديه معرفة عميقة ومتعمقة بأفكار طرفي النقاش. لمزيد من التعرف على هذا الكتاب وبمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، أجرينا حواراً مع أستاذ الفلسفة في جامعة طهران الذي يمر عليكم:
في البداية كتبتم أن الفلسفة، على عكس العلوم التي «تدين باعتبارها لموضوعيتها»، «يجب أن تسأل عن ماهيتها من جديد» وأن «تعيد فحص نفسها وترى هل ما زالت حية» أم لا؟ هنا تتحدثون عن فرق جوهري بين الفلسفة والعلوم (بمعناها الشائع). ما هو هذا الفرق الذاتي والأساسي؟
أعني بالعلوم، العلوم الحديثة ذات الطابع الموضوعي، فهذه العلوم ينتمي كل منها إلى مجال معين من الموجود، وتتناول أحوال موضوعها بمناهج محددة. إنها علوم وضعية وإثباتية، وتترسخ أحكامها تدريجياً، ويُتاح للعلماء أينما كانوا التحقق من صحة هذه الأحكام، بحيث لا يختلف العلماء حول أحكام العلوم وقوانينها، فالفيزياء الجامدة مثلاً لها قوانين محددة مقبولة في كل مكان، وهذا التوافق والاشتراك في الرأي بين العلماء واستخدامهم مناهج متشابهة للبحث في مسائل العلوم هو معيار موضوعية تلك العلوم واعتبارها. يكتسب طلاب الفروع العلمية الانضباط والنظام في المراتب والمراحل المتوقعة في هذه العلوم في الجامعات ومراكز البحث، ويمكنهم في مدة معينة أن يصبحوا دارسين وعلماء في ذلك المجال، وأن يواصلوا البحث العلمي ويوسعوا نطاقه، وبذلك يرممون بناء العلم أو يكملونه. العلوم تقدمية، والمفهوم الرائج لحدود العلم ناشئ عن هذه الصفة التقدمية. تواجه العلوم في مسار كمالها مسائل جديدة، وهناك علماء يبحثون في هذه المسائل لتوسيع نطاق العلم. أما الفلسفة فليست كذلك. الفلسفة ليست نسقاً معيناً من المفاهيم يُدرَّس أو يُتعلَّم، ومن يمتلك تعليماً فلسفياً ويستطيع إعادة سرد الاستدلالات المتعلقة بالمسائل الفلسفية لا يُسمى بالضرورة فيلسوفاً. الفلسفة ليست من سنخ المعرفة، بل من سنخ التفكير. قد يبحث عالم كيمياء في خواص عنصر أو مركبات عنصرية. لكن موضوع البحث معين، ويمكنه أن يبحث في مختبر مجهز وبمساعدة أدوات فعالة ويتوصل إلى نتائج تدفع علم الكيمياء خطوة إلى الأمام. نتائج أبحاث هذا الكيميائي معتبرة لدى كيميائيين آخرين في أي مكان من العالم، ويمكنهم هم أيضاً أن يخطوا في المسار نفسه ويتوصلوا إلى النتائج ذاتها، فالموضوع المتعين وحدوده المعرفة، ومناهج البحث المقبولة، والأجهزة والبيئة المختبرية اللازمة لإجراء البحث، تثمر نتائج متشابهة تفضي بالكيميائيين إلى الوفاق، حتى إن النتائج التي يتوصل إليها بحث عالم ما يمكن أن تكون محلاً للاستناد العالمي وتغني الآخرين عن تكرار البحث نفسه. الشروط واللوازم المذكورة للبحوث العلمية تؤمن موضوعية العلوم وهي معيار اعتبارها. ولهذا السبب تُسمى العلوم الرياضية والتجريبية بالعلوم الدقيقة. هذه العلوم التي شهدت نمواً مذهلاً في العصر الحديث عُرفت بأنها الصورة الكاملة للمعرفة، وأثرت في مجالات المعرفة الأخرى وأصبحت معياراً لتقييمها. أما الفلسفة فلها قصة أخرى. تعالج الفلسفة وجود الموجود من حيث هو موجود، ولا يمكن وضع وجود الموجود في سلة الموضوعية وفحصه بالأجهزة والأدوات المختبرية المعقدة. لا يمكن تحديد وجود الموجودات ووضعه أمامنا. الوجود والكينونة لا يقفان أمامنا ولا يواجهاننا، ولا يخضعان لصعود وهبوط الموضوعية، بل يحيطان بكل شيء بما في ذلك نحن أنفسنا، الكينونة محيطة بكل شيء وكل أحد، والأمر المحيط لا يمكن الإمساك به وتوجيهه نحو مقاصد معينة. مع الأمر المحيط لا يمكن إلا المواجهة، ولأنه محيط ومتعالٍ على الحدود، فإن مواجهته تثير الدهشة والهيبة. قال الفلاسفة إن الفلسفة تبدأ بالدهشة فحسب، الدهشة ليست ناشئة عن مواجهة تعينات الأشياء، والتعين مهما كان محدود. الدهشة تتعلق بأساس الأشياء أو كينونتها. الدهشة تسقط حجاب العادات واليوميات، العادة على الأشياء التي نعيش بينها، الأرض والجبل والغابة والنهر والبحر والطيور والبهائم والطبيعة التي نعيش فيها، والمجتمع والناس والأصدقاء والأعداء أيضاً يشكلون علاقاتنا نحن البشر وقد اعتدنا عليها، فإذا انشق حجاب العادات هذا أصيب الإنسان بالدهشة، وهذه الدهشة ليست من سنخ الانفعالات النفسانية كالخوف والفرح والغضب والشفقة... إلخ، بل الدهشة هي حال شخص ناعس يستيقظ فجأة وينجلي وهم الحلم عن ناظريه ويواجه الواقع والكينونة. الدهشة ملازمة لليقظة والتيقظ، وتحكي عن انفتاح ساحة الفهم على الواقع، وهذا الانفتاح مقرون بالسؤال، والسؤال باب التفكر والتفكير، الفلسفة من سنخ التفكر، والتفكر ثمرة الدهشة، والدهشة تنبعث من مواجهة الكينونة الشاملة، وهذه المواجهة بمنزلة اتخاذ نسبة.
إذن فالفلسفة هي ثمرة الدخول في نسبة مع وجود الأشياء. يتحدث الفلاسفة عن هذه النسبة، وآراء الفلاسفة جميعاً هي ترجمان لهذه النسبة ذاتها. الفلسفة هي تقرير يعبّر عنه الفلاسفة انطلاقاً من مواجهة وجود الأشياء وبلغة البرهان والاستدلالات العقلية. الفلسفة هي هذه النسب المتفكَّر فيها، وبطبيعة الحال فإن هذه النسب، شأنها شأن موضوعات العلوم، لا يمكن أن تتعيّن بحيث تكون قابلة للفحص والتحقيق على نحو موضوعي، فالفلسفة ليست من جنس المعرفة المتراكمة التي تزيد من دقة منجزاتها مع تقدمها. الفلسفة تتحدث في كل مرة عن نسبة جديدة مع الوجود، وكل نسبة جديدة هي تفكير جديد. على الفلسفة في كل مرة أن تفحص نفسها وتسأل مجدداً عن نسبتها.
لقد وصفتم الفلسفة، متأثرين بشيلنغ وهيغل، بأنها عقلانية متأخرة عن العالم الموضوعي (الأوبجكتيف) وعرّفتموها بأنها صورة من صور فهم الحياة. لقد كتبتم: «الفلسفة هي معاصرة تفكر في ذاتها وتصبح واعية بذاتها». ما الذي تعنونه بالمعاصرة؟ ولماذا إذا لم تفكر الفلسفة في هذه المعاصرة، تفقد صلتها بالحياة وتتحول إلى «كنز ثمين» وإلى علم «مصنوع ومُتقَن الصنع»؟
تنظر الفلسفة إلى وجود الموجودات، ويعبّر الفلاسفة عن آرائهم حول الموجودات بصورة معقولة. إن التعبير المعقول عن وجود الموجودات والإطار البرهاني لهذا التعبير هو ما يُيسّر التفاهم الفلسفي. الفلسفة هي ذاتها هذه التجربة الوجودية للفلاسفة التي بُيّنت بالتفصيل ضمن الاستدلالات العقلية في الكتابات والآراء المتبقية عنهم. الفلسفة هي محاورات أفلاطون، الفلسفة هي كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، هي إلهيات الشفاء لابن سينا، هي نقد العقل المحض لكانط، هي الأسفار لصدر المتألهين، هي الوجود والعدم لسارتر، هي البحوث المنطقية لهوسرل، هي فينومينولوجيا الروح لهيغل و... الفلسفة هي هذه الأشياء ذاتها. يتحدث كانط عن نمطين من الفكر الفلسفي أو التفلسف. يسمي أحدهما المعرفة التاريخية أو المعرفة القائمة على المعطيات (cognitio ex datis)، والآخر المعرفة العقلية أو المعرفة القائمة على المبادئ (cognitio ex principiis). يقصد بالمعرفة التاريخية التعمق في أفكار الفلاسفة وآرائهم وتعلمها. هذا النمط من التفلسف هو الأسلوب السائد في الجامعات والحوزات العلمية. تُدرّس أفكار الفلاسفة، ويتلقاها المشتغلون بالفلسفة، ويحفظون استدلالات كل مسألة عن ظهر قلب، ويتمكنون من فهم أفكار الفلاسفة. ينظر هذا النوع من التفلسف إلى الكتب الفلسفية بوصفها كنوزاً من المعرفة العليا هي ميراث الأسلاف ويجب الحفاظ عليها. يشبّه كانط هذا النوع من التفلسف بصنع تمثال جبسّي لإنسان حي؛ تمثال لا أثر للحياة فيه، وهو مصنوع من مادة جافة وجامدة، لكنه على أية حال «مصنوع ومُتقَن الصنع» بشكل جيد، ويمكن أن يثير إعجاب المشاهدين. أما ما يقصده بالنمط الآخر من التفلسف فهو المعرفة الفلسفية الأصيلة. يسمي كانط النمط الأول تفلسفاً (philosophize) والنمط الثاني فلسفة (philosophy). تنبع الفلسفة من تلك التجربة الأصيلة لمواجهة الوجود، والتعمق في آراء الفلاسفة وكتاباتهم، أو لنقل المعرفة التاريخية بتعبير كانط، ليس سوى مقدمة لهذا النحو من التفلسف، فالتعمق في هذه الأفكار يُعدّ المفكر للمشاركة في تجربتهم الفلسفية ويمهد الطريق للتجربة الفلسفية الأصيلة. تبدأ الفلسفة من مواجهة الوجود. لكن هذه المواجهة أمر زماني. الزمانية هنا تعني الأفق الذي ينفتح. مواجهة الوجود هي انفتاح أفق من الفهم، وهو ذاته فهم وجود الموجود، وفي هذا الأفق تُفهم حقائق الأشياء. وبما أن هذا الأفق يتضمن إحالة تدعو كل شيء إلى التوجه نحو حدوده ومقاديره، فإنه يُعبّر عنه بالأمر الزماني. الزمان هو الأفق المنفتح ذاته، والمقصود بالمعاصرة هو هذا النحو من مواجهة الوجود في أفق الزمان. العالم الموضوعي هو العالم الذي يتوجه فيه كل شيء، طبيعياً كان أم إنسانياً، في أفق الوجود المنفتح نحو الحدود والمقادير. موسى (ع) حين يخطو إلى الوادي المقدس يُخاطب: «فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ». إن تجربة الوحي والمخاطبة الإلهية، التي هي أسمى مواجهة وجودية، تنطوي في جوهرها على تقدير وإحالة. الفلسفة أيضاً، في مواجهتها للوجود وفي تجربة هذه المواجهة، تعبّر عن حقائق الأعيان كما قُدّرت، بتعبير فلسفي وفي إطار أعمق الأفكار وأكثرها رسوخاً، وتحكي عن هذا الأفق المنفتح. المعاصرة التي تُفكّر فيها تتحدث عن نسبة الإنسان إلى الوجود، وهذه النسبة تتجلى في نمط حياة الإنسان. إذن، فالفلسفة إن كانت، بتعبير كانط، معرفة تاريخية، فإنها لا تملك إدراكاً للمعاصرة، وتكون قد ابتعدت عن تجربة النسبة إلى الوجود وفقدت صلتها بحياة البشر.
ما أهمية إحياء الفلسفة بدلاً من تحولها إلى علم مصنوع ومُتقَن الصنع، وما هو دورها في الحياة العلمية والثقافية لساكني منظومة بيئية ثقافية ما؟
الفلسفة هي تفكّر عميق منضبط وقائم على الأدلة، إنها المعاصرة وقد صارت فكراً، والمعاصرة تشمل جميع شؤون حياة البشر، العلم، والثقافة، والأخلاق، والفن، والتعليم والتربية، والنظم الأسرية والاجتماعية، والعلاقات الدولية... كلها ترتبط ببعضها تحت مفهوم المعاصرة. الفلسفة مرآة تعكس المعاصرة في مجال معقول وتُظهر الإنسان لنفسه. في هذه الحالة، يصبح الإنسان واعياً بقدراته وقواه الكامنة فيه للتحقق، والمسار الذي يمكن أن يسلكه، والمستقبل الذي يمكن أن يكون أمامه. الفلسفة هي المعاصرة وقد صارت فكراً، وهي التي تتجلى فيها خطة المستقبل وتكشف صلة الإنسان بالماضي، ولو لم يوجد مثل هذا التفكر لضاعت الأمور من اليد وفقد كل شيء تماسكه، ولظلت الأمور كالأعراض بلا جوهر، متفرقة وسطحية.
لقد كتبتم أن مفكري تقليد الفلسفة الإسلامية الكبار، كل منهم، من خلال بث روح جديدة في الفلسفة، «ربطها بعصره». هذا في حين أن العديد من منتقدي تقليد الفلسفة الإسلامية يعتقدون أن أحد أسباب بقائها مهجورة و(حسب زعمهم) انسداد ذلك التقليد الفكري، هو فقدان هذه العلاقة والرابط بالتحديد. إذا أمكن، هل توضحون ما تعنونه بالارتباط بالعصر أو ما تسمونه المعاصرة، وتذكرون بإيجاز كيف أقام عظماء مثل الفارابي أو ابن سينا أو صدر المتألهين هذا الارتباط؟ يُطرح هذا السؤال خاصة لأن المباحث الفلسفية في التقليد الفلسفي الغربي تُطرح في ارتباط واضح بالتحولات السياسية والاجتماعية وخاصة العلمية، لكننا لا نرى هذا الربط وهذه النسبة الجلية في المباحث التي يطرحها الفلاسفة المسلمون.
الفلسفة الإسلامية هي تفسير فلسفي للدين. لقد كان دين الإسلام بحرًا زخّارًا أثار المفكرين وأخصب الأفكار. الوحي الإسلامي هو أساس الفلسفة الإسلامية. يعرّف الوحي الإسلامي الكون بأسره في جميع مراتبه بأنه آية للحق. الذات الإلهية هي مبدأ الوجود والمالك الحقيقي لجميع الكائنات. ومقتضى ملكيته المطلقة هو الربوبية التكوينية والتشريعية. حياة البشر، فردية كانت أم اجتماعية، تتشكل بالربوبية الإلهية التكوينية والتشريعية وتُعرَّف في ظلها. إن معاصرة المجتمع الديني هي الفهم العميق للقوى الكامنة في الحياة المؤمنة. لقد تأملت الفلسفة الإسلامية الحياة المؤمنة دائمًا، وفي هذا التأمل، المحور الأساسي هو عبودية الحق ومعرفته والتقرب إليه. يناقش ابن سينا في النمطين الثامن والتاسع من الإشارات السعادة ومقامات العارفين، ويدعو شيخ الإشراق الإنسان إلى إقليم الحضور والتجرد عن ظلمة البدن وعالم الطبيعة. ويتحدث صدر المتألهين عن وحدة حقيقة الوجود وتشكيك مراتب الوجود، ويثبت من الناحية الفلسفية إمكانية سير الإنسان الطبيعي المرتبط بالعالم المادي نحو الله حتى يبلغ مقام الفناء في ذات الحق. لقد تأمل هؤلاء الفلاسفة جميعًا في الحياة، لكن المعاصرة عندهم تفتقر إلى الوجه التاريخي، بل المعاصرة هي لحظة من الخلود. الحياة الإنسانية لا معنى لها إلا في ضوء الربوبية التكوينية والتشريعية للحق، والحياة الواقعية عندهم هي هذه فحسب. الحياة الدنيا بذاتها ليست إلا لهوًا ولعبًا، وعمارة الحياة الدنيا بذاتها موت لا حياة. «وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ». الحياة في ضوء ربوبية الحق هي الحياة الحقيقية، وشأن الإنسان في هذا النوع من الحياة هو القبول والتسليم والطاعة. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ». الحياة الاجتماعية والعمران والسياسة وعلاقات الحكام بالناس، كلها مرتبطة بهذا المعنى من الحياة، ويلزم أن تُطابق على موازين الربوبية التشريعية لتؤول إلى الكمال الفردي والاجتماعي. يناقش الفارابي بالتفصيل الحياة الاجتماعية وأقسام المدن، ويبين خصائص المدينة الفاضلة أو المدينة التي يمكن للإنسان فيها أن يبلغ الكمال المنشود والحياة الحقيقية. الحياة المؤمنة هي حياة وفق نموذج الحق، والحق من عند الله «الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ». إذا أُهمل هذا النموذج، تذهب الحياة في وادي الضلال إلى التباب «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ». الفيلسوف الإسلامي في تفسيره للوحي الإلهي يبين نموذج الحق بطريقة فلسفية. يشرح النظام التكويني في سلسلة مراتبه من مبدأ الوجود إلى مرتبة الهيولى الأولى ومادة المواد، ويبين النظام التشريعي أيضًا وفق نموذج الحق في الحياة الفردية والاجتماعية. لقد تأمل الفلاسفة الإسلاميون من الفارابي إلى العلامة الطباطبائي على هذا النحو نفسه غالبًا. وبما أن نموذج الحق التكويني والتشريعي كان موضع بحث في تفسيرهم الفلسفي للوحي، وهذا النموذج خالد، فإن تفكيرهم في المعاصرة لا يمكن أن يكتسب صبغة تاريخية، بل هو بيان متجدد للخلود.
لقد تحدثتم عن تمييز مهم بين نوعين من اعتبار الفكر، أي اعتبار «الفكر بشرط لا» و«الفكر لا بشرط»، ووصفتم الأول بأنه عاجز عن تجربة معاصرة العالم، والثاني بأنه مبشر بآفاق جديدة. إذا أمكن، تحدثوا عن هذا التمييز ووضحوا كيف يمكن للفكر اللابشرط الذي تقصدونه أن يدخل في باب الحوار ويميل نحو الأفكار الأخرى؟
الفلسفة أولاً سعيٌ نحو الكمال، وتعتبر بيانها للحقيقة بياناً تاماً. لقد اعتبر ابن سينا وصدر المتألهين واسبينوزا وكانط وهيغل وهوسرل كل منهم فكره كاملاً. يظن هيغل أنه رفع الفلسفة من حب الحكمة إلى كمال الحكمة، وأنه أوصل جميع قوى التفكير إلى الفعلية. كما أن ملاصدرا أوصل فنون الفكر المتنوعة من علم الكلام والمشّاء والإشراق والعرفان في الحكمة المتعالية إلى وحدة تأليفية، وجعل الحكمة تنتهي إلى مرتبة العرفان التي هي ذروة الكمال الإنساني. وثانياً، ترتبط الفلسفات ارتباطاً وثيقاً بالنقد، فالفلاسفة يثبّتون آراءهم بنقد فكر السابقين، حتى إن أرسطو تحدى أفكار من سبقه وخاصة أفلاطون، وتحدث شيخ الإشراق بصراحة عن هدم وإفناء كثير من أفكار المشّائين، كما عرض فلاسفة العصر الحديث فكر السابقين على محك النقد. لكن الفلسفة الإسلامية تقدمت في جميع الأحوال استناداً إلى الوحي القرآني، وسعت جاهدةً إلى مطابقة نفسها مع هذا النموذج قدر الإمكان. لقد حمى نموذج الوحي، كمرساة راسخة، سفينة الفلسفة في خضم أمواج الأفكار المتلاطمة. لقد أوصلت الفلسفة الإسلامية نفسها تدريجياً من النقص إلى الكمال. فعلى سبيل المثال، لم تصبح المسألة العظيمة للعلم الإلهي بالجزئيات في مرتبة الذات قابلة للتبيين إلا بالثورة التي حدثت في الحكمة المتعالية، بينما عجز المشّاء والإشراق عن تبيينها. إذن، فالنقد والإبرام في تاريخ الفلسفة الإسلامية نبع من وجهة نظر معينة، وهي التفسير الفلسفي للوحي القرآني. وقد بلغ هذا التفسير كماله في فكر صدر المتألهين، وانشغل الفلاسفة من بعده غالباً بشرح أفكاره وتحريرها، وكأن العقل الخالد قد تجلى بكماله في الحكمة المتعالية. الفلسفة الإسلامية هي انعكاس الوحي الإسلامي في مرآة العقل الفلسفي، وقد قطعت طريق كمالها. أما فلسفة العصر الحديث فلم تكن، وليست، في سعيٍ لمطابقة نموذج العقل الخالد. لقد بدأت هذه الفلسفة أساساً بالشك. لقد حل الشك محل الحيرة التي كانت بداية تاريخ الميتافيزيقا. وهذا الشك ليس حالة نفسية من جنس الانفعالات النفسانية، بل هو مقوّم وصانع لذات فكر العصر الحديث. تعلمنا قصة الفكر الحديث المذهلة أن الفكر لم يعد يتوق إلى مطابقة نفسه مع نموذج أزلي أو معقولية كامنة في حقيقة الوحي، بل إن الفكر يهفو إلى تأسيس وبناء صرح العقلانية، ويستعين في هذا الهوى بروح النقد، فيهدم بنائه الذي شيده بنفسه تباعاً، ويقيم من أنقاضه بناءً جديداً. إن جوهر النقد في الفكر الحديث يتجه نحو التجربة البشرية للحياة، لا النموذج الإلهي. إن تجربة البشر المتجددة للحياة في العصر الحديث هي تجربة تاريخية، ومنها ينبع معنى المعاصرة، ونتيجة لذلك فإن الفلسفة الحديثة أيضاً لها هوية تاريخية في هذا السياق، وهي الفهم العقلاني للمعاصرة. يجد البشر اليوم نفسه في قبضة منجزات العلم والتكنولوجيا والعلاقات السياسية والاجتماعية للعصر الحديث. والسؤال هو: أي طريق تسلكه الفلسفة الإسلامية التي بلغت مرتبة الكمال وفقاً للعقل الخالد، والتي يمكن وصفها بفكر «بشرط لا» أي فكر له مادة وصورة متحققتان، في قبضة المنجزات المتنوعة للعصر الحديث الناتجة عن الفكر النقدي؟ الطريق المعقول هو التفاهم والحوار. من الضروري أن ينفتح باب الفكر على الفهم والحوار، وقد عبرت عن هذا المعنى بفكر «لا بشرط».
لقد أكدتم أنكم لا تقصدون مطلقاً تطبيق آراء هيغل والفلاسفة الإسلاميين. إن عملكم ليس فرضاً لآراء فيلسوف أو فلاسفة على فيلسوف أو فلاسفة آخرين، ولا تريدون تفسير آراء هيغل وفقاً لآراء الفلاسفة الإسلاميين، ولا تقصدون نقد آراء هيغل بناءً على آراء الفلاسفة الإسلاميين أو العكس، بل إن عملكم يقع بين هيغل والفلاسفة الإسلاميين. إذا أمكن، فسّروا هذا «الوقوع بين» ووضّحوا منهج عملكم.
عادةً ما يُعبَّر عن مواجهة تقليد الفلسفة الإسلامية بالفلسفة الغربية بـ«الفلسفة المقارَنة». ومنذ زمن بعيد أُنشئ في بعض جامعات البلاد تخصّص الفلسفة المقارَنة، ويستقبل الطلّاب في مرحلة الدراسات العليا. والميل الغالب هو أن تُؤخذ في الفلسفة المقارَنة موضوعات معيّنة، ثم تُقارَن آراء فلاسفة معيّنين حول تلك الموضوعات بعضها ببعض. والفلسفة المقارَنة بهذا المعنى هي فلسفة مقارِنة. تُعرَض آراء الفلاسفة في أثناء هذه المقارنات، وتتّضح اختلافاتها وتشابهاتها. لكنّ المقارَبة الأخرى في الفلسفة المقارَنة في مجتمعنا العلمي هي دراسة الفكر الغربي ونقده على أساس الفلسفة الإسلامية. في هذه المقارَبة يُفترَض أن الفلسفة الإسلامية هي الفلسفة كلّها وكمالها، وأن الفلسفات الغربية مليئة بمواطن ضعف تصوّرية وتصديقية، وأن الفلسفة المقارَنة تثبت، في الموضوع المَقيس، قدرةَ الفلسفة الإسلامية وأحقّيتها، وعجزَ الفلسفة الغربية وبطلانها. هذا النحو من التطبيق متحيّز منذ البداية، ويجلس المُطبِّق في مقام القضاء، ويحاكم بين المفكّرين، ويُظهر صواب الأفكار وخطأها. بصرف النظر عن كون هذا التطبيق مبرَّرًا أم لا، يمكن أن يُسأل: ما الفائدة التي يجنيها هذا الأسلوب من التطبيق؟ وأيّ هدية يمكن أن يحملها لتقليدنا الفلسفي؟ أمّا الحوار و«أن تكون في البين» فحكاية أخرى. «أن تكون في البين» وصف لباحث يستمدّ العون من جهة من تقليد فلسفي قويّ نُشّئ عبر القرون والأعصار، ويسعى من جهة أخرى إلى أن يُعرّف هذا التقليد بلغة مفكّري هذا العصر. أن تكون في البين هو حال من يجتهد في أن يُريَ التقليدَ الفلسفيَّ الدروبَ غيرَ المطروقة التي أمامه، لكي يدرك التقليد الفلسفي في هذا المسار ما الذي ينبثق من هذا الإرث النفيس، وأيّ دروب يمكن أن يسلكها، وأيّ توقّعات يمكن أن يلبّيها، وأيّ أشياء ينبغي أن يتعلّمها، وكيف ينبغي أن يعيد النظر في نفسه.
لقد تحدّثتم عن حوار هيغل مع الفلاسفة الإسلاميين، وتدّعون أن هيغل يتحاور مع الفلاسفة الإسلاميين، ويعاني المعضلات والمآزق نفسها التي عاناها فلاسفة المدرسة الإسلامية، بل ومن قبلهم أفلاطون وأرسطو. ألا يقوم رأيكم هذا على نظرة لا تقول بقطيعة بين الحضارة الجديدة والحداثة من جهة، والحضارة والثقافة الماضية والتقليد ما قبل الحديث من جهة أخرى، وتعتقد بنوع من الاستمرارية؟ بعبارة أخرى، ألا ينبغي أن يُفتح نقاش مسبقًا حول ما إذا كان بوسع طرفَي الحوار هذين أساسًا أن يتحاورا معًا أم لا؟
أنا لم أدّعِ أن هيغل والفلاسفة الإسلاميين متحاورون، بل هيّأتُ مجلس تخاطب يتعرّف فيه فلاسفة من تقليدين مختلفين بعضهم إلى بعض، ويتحاورون معًا. ومع أن تقليد الفلسفة الإسلامية وتقليد الفلسفة الحديثة مختلفان من حيث المبادئ، لكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذين التقليدين قد انبثقا من منبع واحد، ألا وهو الفلسفة اليونانية. ولهذا السبب ليس هذان التقليدان غريبين عن بعضهما، لكنهما في الوقت نفسه متميّزان. ولو لم يكن هذا التمايز في المبادئ لما كان هناك حوار. الفلاسفة الذين ينتمون إلى تقليد واحد كلّهم ذوو قول واحد، والاختلاف في كمال بيانهم ونقصه، أو تزلزله ورسوخه. أمّا الحوار الذي يستلزم الإصغاء أيضًا فهو مجال جديد. أولئك الذين فكّروا في تقليدين متميّزين يُصغون إلى كلام بعضهم، ويستعينون بفكر بعضهم، ويفتحون لبعضهم دروبًا جديدة، ويُظهرون حدودَ فكر بعضهم، ويُفيد بعضهم من بعض. في هذا الحوار يتّضح ما يمكن أن يسهم به التقليد الفلسفي في فكر العصر الحاضر، وأيّ مراجعات ينبغي أن يُجريها في نفسه. «أن تكون في البين» يطلب من التقليد الفلسفي أن يصبح معاصرَ الفكر، وأن يُصغي، وأن يتخلّى عن دعوى الكمال.
ينصبّ البحث الأساسي في كتابكم على حقل الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة، وهو مبحث لم يكن يحظى بكثير من النقاش منذ ديكارت فصاعدًا (وبخاصة بعد فلسفة كانط النقدية)، في ظلّ الاهتمام الجادّ بمباحث الإبستمولوجيا. طبعًا في السنوات الأخيرة عاد الاهتمام من جديد بمباحث ما بعد الطبيعة. وأنتم أيضًا بدأتم الكتاب من بحث الصيرورة، وهو بحث ميتافيزيقي وأنطولوجي بالأساس. ما سبب اهتمامكم الجادّ بما بعد الطبيعة؟ ألا ينبغي أن نوضّح مسبقًا ما الذي يمكننا أساسًا أن نعرفه، وأين حدود معرفتنا؟
الفلاسفة الذين ذكرتهم مثل ديكارت وكانط لم يكونوا يعتبرون أنفسهم منظرّي معرفة. هذا مصطلح شاع في القرن العشرين وعلى الأخص من قبل أتباع الفلسفة التحليلية. فلاسفة العصر الحديث جميعاً هم أهل ميتافيزيقا. ولكن بما أن معقولية الكون قد أُنكرت في العصر الحديث، فقد طُرحت المباحث الأنطولوجية من منظور الأنا المفكرة. لقد تنبهوا إلى أن البحث عن الأعيان بمعزل عن إمكانيات وحدود الوعي الإنساني لا يفضي إلى نتيجة، ومنذ ذلك الحين ينبغي أن يجري أي بحث عن الموجود من أفق الوعي. إن ما يمكننا أن نعرفه ينتمي إلى مجال النقد الذي رسم ملامح ميتافيزيقا العصر الحديث، وإلا فإن البحث في المعرفة بمعزل عن الميتافيزيقا لم يكن له مكان بين الفلاسفة المحدثين، وهذا التوجه يعود إلى مراحل متأخرة.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.