اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
معارضة الفلسفة توأم ولادتها، وقد استندت إلى حجج من قبيل اكتفاء الدين بذاته والخشية من تزعزع إيمان العوام. وقد تصدّت مدرسة التفكيك لهذه المعارضة بدعوى التمايز بين الفلسفة والدين، ويتناول حسن إسلامي أردكاني جذور هذا التيار في التشيّع.

محسن آزموده: الهجوم على الفلسفة، كما يُؤكَّد في هذا الحوار، يضاهي في عمره عمرَ هذا الفرع من المعرفة البشرية، وذلك لأسبابٍ وضروبٍ شتى. وقصة الفلسفة في ثقافتنا وحضارتنا لم تكن بمنأى عن هذه المعارضات والخصومات. فمدرسة التفكيك تيارٌ معرفيٌّ في المئة عام الأخيرة، يدّعي التمييز بين الفلسفة والعرفان والدين، ويُعارض الفلسفة صراحةً، ويراها عاجزةً – على الأقل – عن إدراك المعارف الدينية. وبرواية الأستاذ محمد رضا حكيمي، المفكر الإيراني المعاصر وأحد أتباع هذه المدرسة، فإن رائد التفكيكيين هو محمد مهدي الغروي الأصفهاني، المعروف بالميرزا مهدي الأصفهاني، من فقهاء الشيعة الأصوليين المعاصرين، ومن أتباع هذه المدرسة أسماءٌ كالشيخ مجتبى القزويني، والسيد موسى الزرآبادي، والميرزا جواد الطهراني، والشيخ محمود الحلبي وغيرهم. ماذا يقول التفكيكيون؟ وما سبب معارضتهم للفلسفة؟ وما الأدلة التي يسوقونها لادعائهم؟ وهل هم حاضرون بيننا اليوم؟ وما نسبة التفكيكيين الجدد إلى الأجيال السابقة؟ السيد حسن إسلامي أردكاني، أستاذ كرسي الفلسفة ومدير قسم فلسفة الأخلاق في جامعة الأديان والمذاهب، منشغلٌ منذ سنوات بنقد أفكار التفكيك والتصدي لها، وقد صدرت له مؤخراً مجموعة من مقالاته وأحاديثه في هذا المجال في كتاب بعنوان «سودای تفكیك» عن دار نشر كرگدن. وبهذه المناسبة سعينا إلى طرح الأسئلة آنفة الذكر عليه.
أشرتم في الكتاب إلى أن معارضة الفلسفة ليست أمراً مقصوراً على مجتمعنا، بل حدثت في جميع المجتمعات على مر التاريخ معارضاتٌ للفلسفة والفلاسفة. فأين تكمن جذورها ومنطلقاتها في ثقافتنا؟
معارضة الفلسفة توأمٌ للفلسفة نفسها. ففي تاريخ الفلسفة، حين كان سقراط، أحد مؤسسي الفلسفة، يُمارس التفلسف، كان أريستوفان يسخر منه. وإلى جوار طاليس، أول فيلسوف في تاريخ الفلسفة، نجد الفتاة التراقية التي تضحك منه وتقول: هذا الرجل (طاليس) لا يرى ما تحت قدميه، ويسعى لاكتشاف أسرار السماوات! لقد كانت لمعارضة الفلسفة أسباب مختلفة في التقاليد المتنوعة. ففي التقليد اليوناني، على سبيل المثال، كان سبب معارضة الفلسفة هو تصوُّر أن الفلسفة والتفلسف عملٌ لا طائل منه. وفي التقليد المسيحي، كان سبب معارضة الفلسفة هو تصوُّر الاكتفاء الذاتي. أي أنه كان يُتصوَّر أنه مع الديانة المسيحية لم تعد ثمة حاجة إلى الفلسفة. تذكروا المقولة الشهيرة لترتليان، المتكلم المسيحي في القرن الثاني الميلادي، حيث قال: ما لأورشليم وأثينا؟! أي أنه بعد الحكمة المسيحية ينبغي ألا نبحث عن حكمة أخرى. هذه النظرة نفسها كانت موجودة في تقاليدنا نحن أيضاً. أي أنه قيل بامتلاكنا مصادر غنية خاصة بنا، لم نعد بحاجة إلى أي مصدر آخر. وتتجلى هذه النظرة بوضوح، خصوصاً في الأقوال التي يصدرها المدافعون عن مدرسة التفكيك. فالحديث المشهور المختلق يرويه المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني، ومفاده أنه كان مكتوباً على صدر الحجة (عج): «طلب المعارف من عند غيرنا مساوق لإنكارنا»، أي أنه بوجودنا لا حاجة إلى أي حكمة أخرى. وسبب آخر لمعارضة الفلسفة هو أنهم قالوا إن الفلسفة تُضعف إيمان العوام، وبدلاً من أن توصلهم إلى الحقيقة، تُوقعهم في الشك. وهذا الرأي نجده لدى بعض الفقهاء والعرفاء أيضاً. فالغزالي في بعض المواضع يجد مشكلة مع الفلسفة أو علم الكلام من هذا المنظور. وبالطبع قد يهاجم الغزالي الفلسفة من وجهات نظر أخرى أيضاً، لكن هذا كان أحد الأسباب. لذلك، حتى أولئك الذين قالوا إن الفلسفة جيدة، قالوا ينبغي أن يقرأها أفراد مخصوصون، وقراءة الفلسفة ليست عملاً لأي كان. وكأن ضرورة الاهتمام بالنخبوية في قراءة الفلسفة وضرورة امتلاك الأهلية كانت أمراً مهماً.
الأسباب التي ذكرتموها لمعارضة الفلسفة هي في الغالب داخلية ومعرفية، لكن هل كانت معارضة الفلسفة لأسباب معرفية فحسب، أم كانت لها أسباب سياسية واجتماعية أيضاً؟ بمعنى، هل لعبت مسائل كالمكانة الاجتماعية والسلطة السياسية دوراً في معارضة الفلسفة؟ لأن الفيلسوف، في نهاية المطاف، بوصفه ذبابة الخيل الاجتماعية (استعارة سقراطية للفيلسوف) يمارس نقداً صريحاً للسلطة.
لقد أشرتم إلى نقطة مهمة. وبالطبع، لكوني لست متخصصاً في التاريخ، لم أتطرق إلى هذا الموضوع في كتبي ومقالاتي. وقد رأيت بالصدفة مؤخراً أن الدكتور حسن أنصاري قد تناول هذا الجانب بالذات في إحدى مذكراته. من الناحية التاريخية، ثمة شواهد كثيرة على أن معارضة الفلسفة صدرت عن الفقهاء الحنابلة وأهل الحديث. ويرى الدكتور أنصاري أن الشيعة هم من حافظوا على الفلسفة ودعموها، لأنهم كانوا أكثر عقلانية. وإذا تابعنا هذا المسار، يبدو أن هذا الكلام جدير بالتأمل. لا سيما أن الأستاذ أحمد أمين يقول في نقاش حول السيد جمال الدين الأسدآبادي، إن السيد جمال عندما جاء إلى مصر روّج للفلسفة، لأن صلة الإيرانيين بالفلسفة أفضل وأكثر. ويؤكد المرحوم الشهيد مطهري بالطبع أن هذا ليس بسبب كونهم إيرانيين، بل بسبب كونهم شيعة. وعلى أية حال، فقد أظهر الفكر الشيعي على مر التاريخ تعاطفاً أكبر مع الفلسفة، لأنه لم يكن قلقاً من السلطة الحاكمة.
أشرتم إلى سمة العقلانية في الفكر الشيعي. لكن السؤال هو: ما الذي يجعل مدرسة باسم «مكتب التفكيك» تنبثق من قلب التراث الشيعي في العصر الحديث؟ فالتفكيكيون في نهاية المطاف شيعة، وشخصية مثل الميرزا مهدي الأصفهاني قد درس الفلسفة أساساً.
الإجابة المباشرة والكاملة عن هذا السؤال صعبة، لأنها تتطلب دراسات تاريخية واجتماعية واسعة. لكن برأيي، كمهتم وكشخص يتابع هذا النقاش، ينبغي الانتباه إلى عدة نقاط: أولاً، أن الفلسفة الإسلامية لم تُلبِّ ذاك التوقع الذي كان لدى المتفلسفين والمهتمين بالفلسفة. فعلى مدى عقود، بل قرون أخيرة، فقدت الفلسفة الإسلامية قوتها وفاعليتها، بحيث إن بعض المتدينين الذين يشتغلون بالفلسفة الإسلامية، بدلاً من أن يحلوا مشكلاتهم اليومية، تورطوا في مسائل فلسفية شديدة التجريد لا تمت بصلة مباشرة تُذكر إلى حياة الناس اليومية. مثلاً، النقاش حول الفرق بين المعقول الثاني الفلسفي والمعقول الثاني المنطقي، هو نقاش شيق في الفلسفة بالطبع، لكن من وجهة نظر معارضي الفلسفة، أي ألم يعالج هذا النقاش من آلام الناس؟ من ناحية أخرى، وبتعبير أشخاص كالمرحوم مهدي حائري اليزدي، فإن أصحاب التفكيك أصيبوا بخيبة أمل من الفلسفة، لأنهم لم يستطيعوا حل المعضلات الفلسفية والنظر إلى المسائل من منظور فلسفي، فكان رد فعلهم بهذا الشكل. كذلك، إذا نظرتم إلى هذه المباحث في سياق فضاء العالم الإسلامي، فسترون هذا النزوع نحو الإخلاصية (التطهرية) والتنقية في أماكن أخرى أيضاً. أي أن جماعات تشعر بأن التراث الإسلامي يتعرض لضغوط من الدراسات والأبحاث والنزعات المختلفة، لدرجة أن أصل الإسلام وجوهره والمعارف الوحيانية الصافية قد طواها النسيان، فتُبذل محاولات لإعادة بنائها. هذه النظرة كانت حاضرة على الدوام في التاريخ بدرجة أو بأخرى، ولذا لا ينبغي وصفها بأنها نزعة جديدة. تيار أكد على نوع من التنقية والتطهير. وبالطبع، فمن المشهور لدى أهل السنة تعبير: «يظهر في كل مائة عام مجدد يحيي الدين». إذن، ينبغي دراسة تيار التفكيك في إطار مشروع تنقيحي أو إحيائي.
إذا أردتم تحرير محل النزاع، فماذا تقولون عن الدعوى أو الدعاوى الرئيسية لمكتب التفكيك؟
يمكن أخذ الكلام الرئيسي لأصحاب مكتب التفكيك من أول مقالة نُشرت بعنوان «مكتب التفكيك» بقلم الأستاذ محمد رضا حكيمي، والتي صدرت لاحقاً في كتاب. في هذه الآثار طُرحت فكرة «العقل الديني القائم بذاته» والتي يمكن شرحها حول محورين. الأول محور سلبي بتعبيرهم هم، والآخر محور إيجابي. يقول المحور السلبي إن هناك ثلاث طرق للوصول إلى الحقيقة، ويجب علينا أن نفكك بين هذه الطرق الثلاث، ومن هنا يأتي عنوان «التفكيك». هذه الطرق الثلاث هي: 1- طريق العرفان؛ 2- طريق الفلسفة؛ و3- طريق الدين، أو بتعبير آخر: الكشف والعقل والوحي. وباعتقاد أصحاب مكتب التفكيك، فإن هذه الطرق الثلاث قد اختلطت ببعضها على مر التاريخ، ويجب تفكيكها عن بعضها. أما المدعى الثاني، وهو الجانب الإيجابي من دعواهم، فيقول إننا نسعى بعد التفكيك إلى عرض المعارف الوحيانية الصافية كما كانت، دون أي شائبة أو تحريف. هذه هي التعابير التي يستخدمها التفكيكيون، وهذان المحوران هما خلاصة دعواهم.
الجانب الإيجابي يؤدي إلى فكرة «العقل الديني القائم بذاته» ذاتها، أليس كذلك؟
نعم.
كما أشرتم، فقد طُرحت هذه الصياغة الدقيقة والمحددة في كتابات الأستاذ محمد رضا حكيمي. لكننا نعلم أن جذور مدرسة التفكيك تعود إلى عقود قبل ذلك، ومؤسس هذه المدرسة هو الميرزا مهدي الأصفهاني (1303-1363هـ.ق) وهو من فقهاء الشيعة الأصوليين المعاصرين، ومن أتباع هذه المدرسة من بعده أشخاص مثل الشيخ مجتبى القزويني، والسيد موسى الزرآبادي، والميرزا جواد الطهراني، والشيخ محمود الحلبي وغيرهم. هل طُرحت مدرسة التفكيك لدى هذه الشخصيات بالوضوح والتميّز نفسه الذي يقوله الأستاذ حكيمي؟
أشرتم إلى نقطة جيدة. كلا، لم يكن الأمر كذلك. ولهذا السبب أحاول في مباحثي التمييز بين الجيل الأول من مدرسة التفكيك والأجيال اللاحقة لها، ولا سيما الجيل الجديد الذي لا يمكن اختيار اسم له بعد، لكنهم بلغوا حداً جعلهم يتجاوزون السيد حكيمي. إنني أشهد تياراً لا يعكس رأيه بعد بشكل مكتوب ورسمي، لكنهم حين يتحاورون في الفضاءات الافتراضية يقولون بصراحة إن السيد حكيمي ليس الممثل «النموذجي» لمدرسة التفكيك. هذه نقطة عجيبة. إذا أُخذ هذا الادعاء على محمل الجد، فينبغي انتظار انزياح جديد في مدرسة التفكيك. انظروا، إن فكر المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني يقوم على محورين: الأول أن كل العلوم البشرية، برمتها، ظلمات وسواد وقتام.
هل يقول هذا بشأن العلوم الحديثة أم بشأن كل العلوم؟
كلا، إنه يقول هذا بشأن كل العلوم البشرية. بل إن عنوان كتابه هو: «في أن العلوم البشرية، ماهيةً، ظلمات». المحور الثاني هو أنه يجب العودة إلى الوحي. لذا فهو يعارض الفلسفة والمنطق وسائر العلوم. وهو يصرح بالمباينة بين الدين والفلسفة والعرفان. لكننا لاحقاً حين نصل إلى الأستاذ حكيمي، نجده أولاً يقدم صياغة فريدة، وعمله يُعد إبداعاً وعملاً جديداً، وثانياً يختزل هذه المباينة الكلية إلى مباينة جزئية جداً جداً، ويقول بصراحة إننا لا نقبل المباينة الكلية، بل إنه يلطّفها. فبينما يسلب الميرزا مهدي الأصفهاني بصراحة كل اعتبار عن الفلسفة، نجد الأستاذ حكيمي يدعو إلى البحث والاجتهاد في الفلسفة.
أشرتم في حديثكم إلى أجيال مدرسة التفكيك وإلى التحول الذي طرأ على نزعتهم نحو الفلسفة. لو أمكن، اشرحوا من وجهة نظركم هذه الأدوار.
ما أقوله هو على سبيل الحساب المبدئي والإجمال، وينبغي العمل على وجهة النظر هذه. انظروا، بينما يسلب الميرزا مهدي الأصفهاني بصراحة كل اعتبار عن الفلسفة، وتقل في كتاباته النظرة المتفلسفة إلى القضايا، نجد أننا حين نصل إلى الشيخ مجتبى القزويني، نراه في كتابه «بيان الفرقان» يرفض الفلسفة، لكنه يقدم استدلالاً فلسفياً. استدلالاً يشبه استدلال العلامة الطباطبائي في كتاب «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي». ثم نجد لدى الميرزا جواد الطهراني أنه يدخل بالكامل في لعبة الفلسفة. فهو يقول بصراحة في مؤلفاته المتعددة إن أصالة الوجود خطأ وأصالة الماهية صواب. أي أنه يتخذ موقفاً داخل الفلسفة ويضع نفسه في صفوف القائلين بأصالة الماهية. أي أنه يبدو معارضاً لموقف فلسفي معين، لا للفلسفة كلها. وهذا ابتعاد كبير عن المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني.
أنتم في أحد مقالات الكتاب عن الميرزا جواد الطهراني، تستدلون على أنه ليس تفكيكياً أصلاً؟
نعم، الأمر كذلك. أنا أقول إن كان التفكيكي بالمعنى الذي ذكرته في البداية، فهو لم يعد تفكيكيًا. لأنه هو نفسه لم يصرح بأنه تفكيكي. وفي كتاباته لم يدّعِ ذلك. بعض الناس ادعوا ذلك، لكن هذا لا يصلح دليلاً. هو في الواقع يمارس التفلسف، وإن كانت هذه الممارسة تبلغ ذروتها أحيانًا وتضعف أحيانًا أخرى. يقول صراحة في بعض الأحيان إننا نقبل جميع أقوال علماء الفلسفة، ويذكر أرسطو بخير و... وبعده نصل إلى الأستاذ حكيمي الذي أرى أنه مرّ بعدة أطوار. فهو في الحواشي التي نشرها على ترجمة كريم كشاورز لكتاب «الإسلام في إيران» من تأليف إيليا بتروشفسكي، يدافع صراحة عن الفلسفة الإسلامية وأصالتها. ثم في مقال ومن بعده كتاب «مدرسة التفكيك»، يهاجم الفلسفة. ثم في «الاجتهاد والتقليد في الفلسفة» يقول صراحة إننا نطالب بالاجتهاد في الفلسفة، ويجب على الفلسفة أن تغير جلدها، وأن تُترك بعض المباحث غير المجدية وقشورها البصلية – بتعبيره – ويؤكد على ضرورة نبذ هذه الطبيعيات القشرية البصلية المشركية وإصلاح الفلسفة. حتى أنه يذهب إلى حد وصف السيد جمال الدين الأسدآبادي بأنه «فيلسوف الشرق»، ويطلق على المرحوم محمد تقي شريعتي لقب «سقراط خراسان»، ويسمي الفقيد عبد الجواد فلاطوري بالفيلسوف التفكيكي. وكلما اقتربنا من الفترة الأخيرة، لا سيما في كتاب «الإلهيات الإلهية والإلهيات البشرية»، نشهد إهانات صريحة للفلسفة والفلاسفة، حيث يذكر فيه «ترهات الفلاسفة» و«سخافات الفلسفة وتفاهاتها». أي أن المرء يشعر بأنه لا يمتلك موقفًا منسجمًا تجاه الفلسفة، بل يشهد صعودًا وهبوطًا كثيرًا.
وماذا يمكن أن يقال عن شخصية أخرى من مدرسة التفكيك هي آية الله سيدان؟ هل لديه هو أيضًا مواقف متقلبة تجاه الفلسفة؟
برأيي، وبقدر ما درست، فإن نظرته إلى الفلسفة أكثر انسجامًا واعتدالاً واحترامًا بكثير، ولا نرى عنده هذا الصعود والهبوط. يقول صراحة إننا نقبل العقلانية البشرية والاستدلال، وكلامه مختلف جدًا عن الأستاذ حكيمي.
عندما نذكر تيارًا فكريًا مثل مدرسة التفكيك، فإن له شخصيات محددة، حتى لو لم يكونوا أصدقاء، إلا أنهم من الناحية الفكرية يحيلون إلى بعضهم البعض في آثارهم ويقتبسون من بعضهم، ولهم تلاميذ وأتباع. هل يمكن قول الشيء نفسه عن أصحاب مدرسة التفكيك؟
إحدى الصعوبات تكمن هنا بالتحديد. لقد ادعوا أننا مدرسة تفكيكية. الأستاذ حكيمي الذي كان البادئ بهذا القول، وضع شجرة نسب حضرت فيها الأسماء التي ذكرتموها، المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني ثم الشيخ مجتبى القزويني وبعده السيد موسى الزرآبادي. بعد ذلك لا توجد إحالة إلى أي شخص آخر. معظم إحالات الأستاذ حكيمي هي أيضًا إلى الميرزا مهدي الأصفهاني. لكن لدينا أشخاص آخرون قريبون جدًا من التفكيكيين لكن أسماءهم ليست في كتاب الأستاذ حكيمي (كتاب مدرسة التفكيك). على سبيل المثال، الشيخ محمود الحلبي الذي كان من تلاميذ الميرزا مهدي الأصفهاني وقام بتقرير دروسه. بقدر ما بحثت، لا توجد في أي من آثار الأستاذ حكيمي إشارة إلى اسم الشيخ محمود، وقد تم تجاهله كليًا، مع أنه كان خطيبًا بارعًا ومن التلاميذ الرئيسيين للمرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني. ربما يكون سبب تجاهل الأستاذ حكيمي له هو التوجه السياسي للشيخ محمود الذي هو أحد مؤسسي جمعية الحجتية. على أي حال، لا أعرف ما هو السبب، لكن اسمه يُسكت عنه تقريبًا. مؤخرًا، ومع احتدام النقاش حول التفكيك مجددًا، هناك من يضعون حتى الأستاذ حكيمي نفسه جانبًا بشكل محترم جدًا، ويقولون أحيانًا إنه ليس الممثل الكامل لمدرسة التفكيك. ومن المفارقات أنه يقال لي في الانتقادات الشفوية: لماذا تساوي بين مدرسة التفكيك والأستاذ حكيمي؟! وقد أجبت بأنني لم أفعل ذلك أبدًا، وقد قلت صراحة في مقدمة الكتاب إنني أُبلغ عن رواية خاصة لمدرسة التفكيك وأدرسها، وقد تكون هناك روايات أخرى لم أتطرق إليها. لذلك، إذا أردنا أن ننظر إلى المسألة بدقة، فقد يمكن الشك في وصف هذا التيار بأنه «مدرسة».
في أحد حوارات الكتاب تدّعي أن كتاب «الحياة» للأستاذ الحكيمي هو نموذج رفيع لهيمنة الفكر اليساري في إيران. المثير للاهتمام أن مدرسة التفكيكيين، كما يوحي اسمها، تشدد كثيراً على هذا «التفكيك». كيف يمكننا أن نبين أن التيارات الفكرية المعاصرة، وخصوصاً التيار اليساري الذي أثّر كثيراً في الفكر الإيراني المعاصر، قد أثّرت أيضاً في مدرسة التفكيكيين؟
تصوّر هذا الموضوع صعب جداً، لكنني أشير إلى نموذجين. الأول أن الأستاذ الحكيمي يقول في حواره الشهير المنشور في حولية شرق (عام 1390) بعنوان «راوي روايات النور»، إن أمير برويز بويان كان تلميذاً لي. السيد بويان كان أحد الأعضاء الأساسيين في منظمة الفدائيين خلق الذي قُتل في الاشتباكات. يقول الأستاذ الحكيمي إن السيد بويان كان يقرأ مقالاً بحضوري مرة، وكان فيه كلام ماركسي. نص عبارته بالضبط هو: «قرأ بويان مقاله، وبعد أن انتهى قلتُ له إننا كنا نريد أن نقول الشيء نفسه، غير أننا نضيف إليه إلهاً. هو لا يضر بهذه المسائل بل يؤكد عليها». كيف يمكن تفسير هذا الكلام؟ من كان من أهل الفكر والتفكير التحليلي يرى أن النظام اللاهوتي الإسلامي أو المسيحي، أي النظام اللاهوتي الذي يؤمن بتقدم الشعور على المادة، لا ينسجم مع الماركسية. كان النزاع في السنوات الخمسين الأخيرة هو التعارض بين هاتين النظريتين. في وقت ما، حين كان أحدهم يتحدث عن الاقتصاد الاشتراكي، كانوا يقولون إنه ماركسي ويرفضونه. أما الآن فهو (السيد الحكيمي) يقول صراحةً إننا نقول ما تقولونه أنتم. لكن الأهم من ذلك أنه يدّعي أننا حديثيّون، وأنا أشك في هذا الادعاء. من يعتبر نفسه إخبارياً وحديثياً عليه في الخطوة الأولى أن يُحرز أن هذا الكلام الذي قبله بوصفه حديثاً وجعله دليل عمله هو حديث. ينقل الأستاذ الحكيمي في موضعين أو ثلاثة جملة ويقول إن النبي (ص) قال في حديث موثق: «شر أمتي الأقوياء». ثم يحيل إلى كتاب جامع السعادات (للميرزا مهدي النراقي) الذي أُلّف في القرن الثاني عشر الهجري. هذا الحديث الذي ينقله لم يرد في أي من مصادرنا الروائية، وقد أكد المرحوم المظفر، وهو نفسه من فقهاء النجف المعروفين وحقّق كتاب جامع السعادات، في المقدمة أن في الكتاب إشكاليات، منها أن المرحوم النراقي لم يكن يدقق وأن الأحاديث الموضوعة في كتابه كثيرة. تجاهل كل هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي (ص) في فضل الثروة والدفاع عنها، والتشبث بجملة وردت في مصدر غير روائي وإبرازها وتصميم أيديولوجيا بناءً عليها، ما معناه؟
هل تعتبرون تأثير الفكر اليساري على التيار التفكيكي وجهاً سلبياً من عملهم، أم أن هدفكم كان فقط أن تبينوا أن التفكيكيين أنفسهم كانوا متأثرين بتيارات أخرى؟
أنا لم أقل أبداً إن هذا التأثر سيئ، وقلت دائماً إن الهمّ بالعدالة مقدس، ولم يستطع أحد حتى الآن الجمع بين قضية الحرية وقضية العدالة. الديمقراطيون يسعون إلى الحرية والاشتراكيون إلى العدالة. لكن كلامي هو أن السيد الحكيمي ومدرسة التفكيكيين يقولون بمنطقهم التفكيكي إننا نسعى فقط وراء المعارف وليس أمام أعيننا نظارات ولا افتراضات مسبقة... إلخ. كلامي كان أنكم أنتم أيضاً لديكم مفروضات. إذا كان العرفاء يتوجهون إلى القرآن بنظرة عرفانية، فأنتم تتوجهون إلى القرآن بنظرة اقتصادية.
لقد بيّنتم خصائص منهجية مدرسة التفكيك. إذا أردتم أن تصوغوا بإيجاز خلاصة استدلالات التفكيكيين، فماذا تقولون؟
يمتلك أصحاب مدرسة التفكيك حجة معرفية وحجة تاريخية وحجة اجتماعية. وبالطبع، هذه الصياغات هي من عندي، وقد حاولت استخلاصها من خلال قراءة آثارهم. يُطرح في منظومتهم المعرفية سؤال: هل كلام الإمام الصادق (ع) أكثر اعتباراً أم كلام أرسطو المشرك؟ من الواضح أن كلام الإمام الصادق (ع) هو الصحيح. لكن سؤالي هو: أين قال الإمام الصادق (ع) هذا الكلام؟ مشكلتنا ليست في الوحي، مشكلتنا في التقرير الذي قُدِّم عن الوحي. هذه نكتة أشار إليها فقهاؤنا أيضاً. المرحوم الآخوند الخراساني في الكفاية، حين يتحدث عن سنة النبي (ص)، يؤكد أن ما بين أيدينا ليس سنة النبي (ص)، بل هو حكاية السنة. أي أناس شاهدوا هذه السنة وأخبروا عنها. إخبار هؤلاء الناس قابل للفحص. يشير راسل في تاريخه للفلسفة إلى مذكرات كزينفون السقراطية التي تُقدَّم فيها صورة مختلفة عن سقراط، أي يُصوَّر سقراط أخلاقياً. راسل لا يعجبه كزينفون كثيراً ويقول إنه بسبب عدم امتلاكه فهماً فلسفياً قوياً، لم يستطع فهم سقراط، ويقول: أفضل أن تُنقل أفكاري بواسطة إنسان عاقل يختلف معي، لا بواسطة متحمس متعصب فيه شيء من البلادة. هذه حقيقة؛ انظر إلى هيغل مثلاً. أفكاره نقلها تلامذته. سنة النبي (ص) أيضاً نقلها تلامذة كانوا هم أنفسهم مختلفين في الرأي فيما بينهم. لذلك يقول الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري في «العُدّة في أصول الفقه»: إن الاختلافات بين فقهاء الشيعة في كل مسألة على حدة هي أكثر من الاختلافات الموجودة بين مالك بن أنس وأحمد بن حنبل. والآن، يوجد اختلاف في الرأي بين أصحاب مدرسة التفكيك أنفسهم. لقد أظهرت هذا. الميرزا مهدي يقول إن الفلسفة باطلة بالكلية، بينما الميرزا جواد آقا الطهراني يقول إن فلسفة أصالة الوجود باطلة ويقبل فلسفة أصالة الماهية.
لقد قمتم بنقد آراء مدرسة التفكيك بشكل مفصل. هل قُدِّم لكم ردٌّ لائق؟ كيف كانت ردود أفعالهم على نقدكم؟
حتى اليوم، لم يُنشر أي نص مكتوب على شكل كتاب يرد على نقدي، باستثناء كتاب صدر لأحد التفكيكيين بعنوان «مسألة القياس: تحليل تطبيق القياس في أصول الدين وفروعه» من تأليف السيد علي رضا رحيميان، وقد قمت بنقده في مقال بعنوان «هل القياس الفقهي هو نفسه القياس المنطقي؟»؛ ردّوا على نقدي هذا دفاعاً عن الكتاب، فقمت بدوري بنقد هذا الرد. برأيي، مشكلتنا هي أن المدافعين عن مدرسة التفكيك، عند فحص نقد الناقدين، لا يقولون عادةً إن كلامك هذا خطأ أو صواب، بل يقولون إنك أنت نفسك خطأ! لا يقولون كلامك غير صحيح، يقولون أنت ووجودك غير صحيح!
أي أنهم يمارسون نقد الشخصية؟
نعم، هذا النقد للشخصية يحدث على ثلاثة مستويات. الأول على المستوى الجسماني. أي يقولون إن هيئة الناقد أصلاً فيها مشكلة! مثلاً، ينقل السيد الآشتياني أنه ذهب إلى المدرسة ورأى الشيخ محمود الحلبي ينتقد الملا هادي السبزواري. كتب: «لقد انقض على روح المرحوم المحقق السبزواري، وكان في كل لحظة يعبّر عن ذلك المرحوم بـ ’جوز الحكيم‘»! يقول ابن السيد علي القاضي، الذي كان من العرفاء المشهورين: قضيت شهر رمضان كاملاً في مشهد أحضر مجلس الميرزا هادي الأصفهاني، «كان يصعد المنبر ويغضب كثيراً ويسب والدي. كان يقول صراحة: ذلك السيد الذي في النجف، لحيته حمراء وقامته قصيرة!» هذا الكلام ورد في تذكار العارف الكبير، السيد علي القاضي. إذا تجاوزنا هذا المستوى، فإن الرد الأكثر شيوعاً وهيمنة الذي يقدمه التفكيكيون هو وصف الناقد بأنه شخص غير مؤهل علمياً، ويخاطبونه بـ«هذا الطالب»، «هذا المبتدئ»... إلخ، ويقولون إن هذا الشخص لا يملك أصلاً أهلية علمية. وإذا تجاوزنا هذا المستوى أيضاً، نصل إلى مستوى آخر حيث يقولون للناقد: أنت أصلاً لا تملك أهلية أخلاقية! أنت محب للجاه والمال أو لديك مشكلة، وبتعبيرهم «ليست لديك جوهرة معرفية» ولا تدرك أصلاً ما نقول! هذا هو الهيكل الكلي لرؤيتهم، وخطاب التفكيكيين هو خطاب ترهيب وإرهاب وإسكات، لا إقناع. في السنوات الأخيرة، انتقد أشخاص كثيرون مدرسة التفكيك، ولم أرَ أي رد على واحد من هذه الانتقادات يُقال فيه إن نصف جملتكم الفلانية كانت صحيحة بنسبة 25 بالمئة.
أما اليوم فنحن في عصر الاتصالات ولا مكان لمثل هذه الردود. أي أن الرأي العام يمكنه أن يدرك أن ما يحدث مع هذه الردود هو في الواقع اغتيال للشخصية.
مع الأسف، ما زلت أرى هذا النمط من الردود. حتى الآن، تصلني باستمرار رسائل نصية ورسائل تُنشر في الشبكات الافتراضية ضد هذا الكتاب، وكلها بهذه اللغة. وردي الوحيد هو: دوّنوا انتقاداتكم وانشروها. الحوار العلمي يعني الحوار المكتوب، وهو ما لم يحدث للأسف في هذا المجال بعد.
ربما كان من الأفضل أن أسأل هذا في البداية، هناك الآن جيل جديد من أتباع مدرسة التفكيك في طور الظهور. ما هو دافعك أساساً لجمع مقالاتك ومحاضراتك حول مدرسة التفكيك؟ هل أردت فقط جمع أعمالك أم أنك تشعر بضرورة في هذا المجال؟
قلت في مقدمة الكتاب أيضاً، لقد دخلت في هذا النقاش رغماً عني. أردت فقط جمع أعمالي في نقد مدرسة التفكيك ونشرها بشكل منقح. لكن أصداء هذا الكتاب، حتى في صورتها الشفهية، مقلقة لدرجة أنه يبدو أنني سأشعر بضرورة الأمر وأرغب في مواصلة هذا العمل. لكنني شخصياً لا أميل إلى مواصلة هذا النقاش وأعتقد أن على الآخرين متابعته.
هل تلقيت ردود فعل إيجابية على الكتاب؟
بعضهم انزعج بشدة وغضب، وهذا يدل على أن الكتاب كان له تأثير. لكن لم يمر أحد على هذا الكتاب دون مبالاة، وهذا إيجابي. طبعاً، يمكن أن يكون لهذا الكتاب تأثير إيجابي أيضاً، بمعنى أن الادعاءات يجب أن تتضح. كثيرون لم يتصوروا أن أتباع التفكيك سيردون بهذه الطريقة، وكانوا يتوقعون أن يكونوا أمناء على الأقل في نقل وجهات النظر. لكن هذا الكتاب يظهر أن الأمر ليس كذلك. على كل حال، ما قلته قد يكون خطأ أو صواباً. لطالما قلت إن مدرسة التفكيك تيار ديني داخلي ومحترم، وهو جدير بالتأمل بقدر كل التيارات الإسلامية، ومن الجيد جداً أن نتمكن من تقديم أفكارنا الدينية بشكل أكثر تنقية وصحة. لكن يجب أن نصل أخلاقياً إلى معايير يمكننا في ظلها أن نتحاور مع بعضنا بعضاً بشكل علمي. طبيعة الممارسة العلمية هي طبيعة نقدية: «إن حياة العلم بالنقد والرد». هذا اعتقادي الشخصي.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
ممنون بابت مصاحبه و این نقد خوب وبلاگ نوشتهجات که گذاشتید
نقد و معرفی کتاب سودای تفکیک : https://zoheirnoaparast.blogspot.com/2018/09/blog-post_14.html?m=1