اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُقدِم البعض على قتل الكلاب بحجّة نجاستها، مع أن لا رابط منطقيّ بين الأمرين، والفقهاء مختلفون في طهارتها. وقد أثنت الروايات الدينية على الإحسان إلى هذا الحيوان؛ فالمعاملة الوحشية لا جذور لها في التعاليم الدينية.

في مجتمع اليوم المستقطب، نشهد في آنٍ واحد موقفين متناقضين من الكلاب. فئة تسعى إلى قتل الكلاب، وفي المقابل نشهد رواجًا للكلاب المصغرة وأحيانًا الضخمة الجثة التي تتربع في السيارات الفاخرة أو على سواعد السيدات.
في مسألة الكلاب، يمكن النقاش من ثلاثة جوانب على الأقل: أولًا نجاسة الكلاب، وثانيًا السلوك العنيف وقتلها، وثالثًا تحول الكلاب إلى أشياء فاخرة. وهنا أشير فقط إلى المسألتين الأوليين.
أولئك الذين يتصرفون بوحشية مع الكلاب، إلى جانب دوافع متعددة، يشيرون أحيانًا إلى نجاستها ويستنتجون أن سلوكهم مبرر. لذا، ينبغي تناول نقطتين: الأولى نجاسة الكلاب، والثانية جواز السلوك العنيف معها بسبب نجاستها. لا توجد منطقيًا أية علاقة بين هاتين المسألتين، ومع ذلك فإنهما تتتابعان بحيث يعتقد كثير من الناس أن نجاسة الكلاب سبب وجيه للسلوك الوحشي معها.
كانت نجاسة الكلاب مثار جدل بين علماء المسلمين، حتى إننا نشهد فتاوى مختلفة ومتناقضة أحيانًا. يلخص ابن تيمية في جمل قليلة آراء المذاهب السنية في هذا الشأن. تُطرح عليه عدة أسئلة حول حكم الحليب أو السائل الذي ولغ فيه الكلب. فيعرض أولًا الخلاف العام بين العلماء حول نجاسة الكلب على النحو التالي:
«في الكلب ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها أنه طاهر حتى ريقه، وهذا مذهب مالك. والثاني أنه نجس حتى شعره، وهذا مذهب الشافعي (ورواية عن أحمد بن حنبل). والثالث أن شعره طاهر وريقه نجس، وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وهذا أصح الأقوال.» (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة المفارق، الرباط - المغرب، [د.ت.]، ج21، ص 530-531) ثم يتناول تفاصيل المسألة.
بين علماء الشيعة أيضًا نشهد مثل هذا الخلاف في الرأي. فبينما يرى غالبية علماء الشيعة نجاسة الكلب، نشهد آراء بديلة يمكن إدراجها في أربعة آراء عامة. على سبيل المثال، يرى السيد المرتضى، وهو من كبار علماء القرن الخامس، طهارة شعر الكلب، وللعلامة المجلسي رأي يميل إلى ذلك (للتفصيل وتحليل هذا الرأي والآراء البديلة، انظر: «تحليل الفتوى الشاذة للسيد المرتضى في طهارة شعر الكلب» بقلم مهدي مهريزي، في مجموعة مقالات مؤتمر السيد المرتضى، قم، دار الحديث، 1397، قيد النشر).
الآن، سواء اعتبرنا الكلب نجسًا أم طاهرًا، فليس لدينا أي دليل ديني على إبادة الكلاب لمجرد كونها كلابًا. على العكس، أي سلوك وحشي مع هذه المخلوقات الذكية التي تتفوق أحيانًا على قاتليها، هو علامة على مرض نفسي وعجز القتلة عن فهم مكانة هذه الكلاب في العالم. منذ القديم، تحدث تراثنا الديني عن قيمة الكلاب وفهمها بل وتفوقها على بعض البشر، واعتُبر أحيانًا سلوك واحد لائق وحسن تجاه الكلاب، كسقي كلب عطشان، سببًا لمغفرة جميع الذنوب. على سبيل المثال، يروي النبي الأكرم (ص) أن رجلًا غُفرت له جميع ذنوبه بسبب سقيه جرعة ماء لكلب عطشان في الصحراء. مضمون هذه القصة التي وردت في المصادر الروائية، صار مادة لشعراء مثل العطار وسعدي.
في تراثنا الأخلاقي وسير عظمائنا وردت إشارات تغنينا عن المزيد من الشرح، مثل هذه القصة التي ذُكرت في نص من القرن السادس:
«كان الخواجة الإمام أبو إسحاق الشيرازي يسير يومًا في طريق، فاعترضه كلب، فصاح التلميذ الذي كان في خدمته على الكلب ليُخلي طريق ذلك الإمام الجليل. فقال الخواجة الإمام: لا تطردوه! أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك» (مكارم الأخلاق، رضي الدين أبو جعفر محمد النيسابوري، في رسالتان في الأخلاق، بتحقيق محمد تقي دانش پژوه، طهران، جامعة طهران، 1341، ص 111).
وهكذا، فإن السلوك الوحشي مع الكلاب، الذي تنتشر أخباره بشكل متزايد، أيًا كان جذره، لا ينبغي أن يُنسب إلى التعاليم الدينية. وإذا حكم أحد بنجاسة الكلب، فهو مجرد حكم فقهي والمقصود منه تجنب ملامسة الكلب لجسد الشخص أو لباسه، وليس إجازة قتل جيراننا هؤلاء وسكان كوكبنا.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.